بيت في فالدوين

بيت في فالدوين

74 0

استيقظت إيفا في اليوم التالي على صوت طرق خفيف على الباب.

فتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحدق في السقف الحجري.

للحظة، لم تتذكر أين هي.

ثم عادت إليها رائحة الخشب القديم، والجدران الباردة، والنافذة الصغيرة التي تطل على الشارع.

فالدوين.

جلست على الفراش.

كان الضوء قد دخل الغرفة، لكنه لم يكن ضوء صباح قويًا. كان رماديًا وهادئًا، كأن النهار في هذه المدينة يبدأ مترددًا.

من الفراش المقابل جاء صوت أختها:

«إيفا؟»

«همم؟»

«إنتِ صاحية؟»

ابتسمت إيفا رغمًا عنها.

«لا. عم جاوبك وأنا نايمة.»

ضحكت ميرا تحت البطانية.

«كنت بدي أتأكد.»

نهضت إيفا وفتحت النافذة قليلًا.

دخل هواء بارد.

في الشارع، كانت فالدوين قد عادت إلى حياتها.

أصوات العربات.

خطوات الناس.

رجل ينادي من بعيد.

رائحة خبز.

وكأن شيئًا لم يحدث الليلة الماضية.

لا أحد يتحدث عن الجرس.

لا أحد يبدو خائفًا.

ولا أحد، على ما يبدو، رأى شيئًا غريبًا.

أغلقت إيفا النافذة.

قالت ميرا:

«ماما قالت الفطور جاهز.»

«طيب قومي.»

«ما بدي.»

«ميرا.»

«بردانة.»

اقتربت إيفا من الفراش وسحبت البطانية عنها.

صرخت ميرا:

«إيفا!»

ضحكت إيفا وهربت نحو الباب.

«قومي لحالك.»

خرجت إلى الممر، فوجدت أمها تحمل سلة من الملابس.

«صباح الخير.»

«صباح الخير.»

نظرت الأم إليها قليلًا.

«نمتي منيح؟»

ترددت إيفا.

«إيه... تقريبًا.»

ابتسمت أمها.

«هالبيت أهدى من بيتنا القديم.»

لم تجب إيفا.

كانت تعرف أن الهدوء ليس دائمًا شيئًا جيدًا.

دخلت المطبخ.

كان والدها جالسًا إلى الطاولة.

أمامه قطعة خبز وكوب من الماء.

رفع رأسه عندما رآها.

«صباح الخير يا إيفا.»

«صباح الخير، بابا.»

وضع السكين جانبًا.

«ميرا لسا نايمة؟»

«إيه.»

«خليها تنام شوي.»

جلست إيفا إلى جانبه.

نظرت إلى يديه.

كانتا خشنتين، وعليهما آثار صغيرة من الجروح القديمة.

قالت:

«شو رح تعمل اليوم؟»

«ما بعرف.»

«ما رح تشتغل؟»

هز كتفيه.

«إذا لقيت شغل، بشتغل.»

دخلت أمها وهي تضع الأطباق.

«لقيتلك شغلة.»

نظر إليها.

«وين؟»

«النجار اللي بالسوق.»

رفع الأب حاجبه.

«حكيتي معه؟»

«مبارح.»

«ووافق؟»

«قال إنك فيك تبدأ اليوم.»

صمت قليلًا.

ثم ابتسم.

«منيح.»

قالت إيفا:

«يعني رح تصير نجّار فالدوين؟»

ضحك والدها.

«نجّار بأي مكان بكون فيه.»

دخلت ميرا أخيرًا، وشعرها مبعثر ووجهها نصف نائم.

«أنا جوعانة.»

قالت إيفا:

«هاي أهم معلومة عندك الصبح.»

جلست ميرا وأخذت قطعة خبز.

نظرت إلى أبيها.

«بابا، وين رايح؟»

«عالنجارة.»

«رح ترجع؟»

نظر إليها لحظة.

«أكيد.»

أخذت قضمة كبيرة.

«طيب.»

وكأن الكلمة وحدها كانت كافية.

بعد الفطور، خرج ماتياس إلى السوق.

كانت إيفا تقف عند الباب تراقبه وهو يبتعد.

كان يحمل أدواته القديمة داخل حقيبة جلدية.

لم يكن يعرف إن كانت المدينة ستمنحه عملًا دائمًا.

لكنه بدا للمرة الأولى منذ أيام أقل توترًا.

قالت أمها من خلفها:

«لا تخافي عليه.»

«ما بخاف.»

«إيفا.»

التفتت إليها.

كانت أمها تعرفها أكثر مما تتمنى أحيانًا.

تنهدت إيفا.

«بس غريبة كل القصة.»

«أي قصة؟»

«إنه... إجينا مبارح وما حدا سألنا شي. واليوم بابا عنده شغل.»

نظرت أمها إلى الشارع.

«يمكن أهل المدينة طيبين.»

«يمكن.»

ثم أضافت:

«إنتِ شو رح تعملي اليوم؟»

فكرت الأم قليلًا.

«بدي شوف إذا في خياطة بالمدينة.»

ابتسمت إيفا.

«أكيد في.»

«كيف عرفتي؟»

«مبارح شفنا محل الخياط.»

«إيه، بس يمكن ما بدهم حدا جديد.»

«جربي.»

نظرت إليها أمها.

«وأنتِ؟»

رفعت إيفا كتفيها.

«بتمشى.»

«لحالك؟»

«ميرا معي.»

جاء صوت ميرا من الداخل:

«أنا ما وافقت.»

ضحكت الأم.

«خلص، ميرا معك غصبًا عنها.»

صرخت ميرا:

«ماما!»

بعد ساعة، كانت إيفا وميرا تمشيان في أحد شوارع فالدوين.

كان الشارع مزدحمًا أكثر من الأمس.

توقفت ميرا أمام متجر الألعاب.

«إيفا.»

«لا.»

«بس شوف.»

«ميرا، ما معنا مصاري.»

«ما قلت بدي اشتري.»

«عيونك قالت.»

دخلتا.

كان المتجر صغيرًا ومظلمًا.

ألعاب خشبية معلقة من السقف.

دمى قماشية.

خيول صغيرة.

كرات.

صناديق موسيقى.

وقفت ميرا أمام دمية ترتدي فستانًا أزرق.

«حلوة.»

قال صوت من خلفهما:

«بتحبيها؟»

التفتت إيفا.

كان صاحب المتجر رجلًا مسنًا.

ابتسم لميرا.

«فيكي تاخديها.»

نظرت إيفا إليه بسرعة.

«لا، شكرًا.»

ضحك الرجل.

«ليش؟»

«ما معنا مصاري.»

«ما طلبت مصاري.»

نظرت إليه إيفا بحذر.

لكن ميرا كانت قد أمسكت بالدمية.

قال الرجل:

«خليها معك.»

نظرت إيفا إلى ميرا.

كانت سعيدة جدًا.

قالت:

«شكرًا.»

خرجتا.

بعد عدة خطوات، قالت ميرا:

«إيفا.»

«شو؟»

«ليش الناس هون بيعطونا أشياء؟»

لم تجد إيفا جوابًا.

في الجهة الأخرى من المدينة، كانت أمها تقف أمام محل الخياطة.

علقت في النافذة عدة فساتين جميلة.

دخلت.

بعد دقائق، خرجت وهي تحمل قطعة قماش قديمة.

وعلى وجهها ابتسامة.

عندما عادت إلى البيت، وجدتها إيفا جالسة قرب النافذة.

«لقيتي شغل؟»

وضعت أمها القماش على الطاولة.

«يمكن.»

«شو يعني يمكن؟»

«صاحبة المحل قالت إنها بحاجة لحدا يساعدها.»

«يعني؟»

«يعني بكرا ببلش.»

ابتسمت إيفا.

«منيح.»

جلست أمها بجانبها.

«وإنتِ؟ شو عملتي؟»

رفعت ميرا الدمية.

«أنا أخدتها.»

نظرت الأم إلى الدمية.

«من وين؟»

«محل الألعاب.»

«اشتريتيها؟»

هزت ميرا رأسها.

«عطاني ياها.»

تغير وجه الأم قليلًا.

«مين؟»

«صاحب المحل.»

نظرت إلى إيفا.

قالت إيفا:

«قال إنها إلها.»

صمتت الأم.

ثم أخذت الدمية من ميرا، قلبتها بين يديها.

كان خلف رقبتها رقم صغير محفور على الخشب.

13.

قالت الأم:

«غريب.»

«ليش؟»

«ولا شي.»

وأعطتها الدمية.

مع حلول العصر، عاد ماتياس.

كان يحمل كيسًا صغيرًا.

فتحت ميرا الباب قبل الجميع.

«بابا!»

دخل وهو يضحك.

«شو؟»

«شوف شو جابولي!»

رفعت الدمية.

نظر إليها.

«حلوة.»

ثم نظر إلى زوجته.

«كيف كان يومك؟»

«لقيت شغل.»

توقف.

«عنجد؟»

«إيه.»

ابتسم.

«وأنا كمان.»

قالت إيفا:

«يعني صار عنا شغلين.»

جلس ماتياس.

«وصار عنا بيت.»

قالتها الأم بهدوء:

«إيه.»

نظر الأربعة إلى بعضهم.

لم يقل أحد شيئًا.

كان البيت صغيرًا.

الأثاث قليل.

والجدران باردة.

لكن للمرة الأولى منذ ثلاثة أيام، لم يكونوا يفكرون بالهرب.

كان لديهم مكان ينامون فيه.

وأعمال تبدأ غدًا.

وطعام يكفي لبضعة أيام.

وحياة يمكن أن تبدأ من جديد.

ربما كانت فالدوين تمنحهم فرصة.

وربما...

كانت تفعل شيئًا آخر.

في تلك الليلة، جلست إيفا قرب النافذة.

كان الشارع هادئًا.

راقبت الناس وهم يعودون إلى بيوتهم.

ثم ظهر رجل يحمل فانوسًا.

مشى حتى نهاية الشارع.

وتوقف.

رفع رأسه نحو برج الكاتدرائية.

انتظرت إيفا.

لم يحدث شيء.

ثم عاد الرجل ومشى.

رفعت يدها عن النافذة.

خلفها، كانت ميرا قد نامت.

وأمها تخيط قرب النار.

أما والدها فكان يضع أدوات النجارة في مكانها.

كان المشهد عاديًا.

هادئًا.

عائليًا.

لدرجة أن إيفا بدأت تشعر بالخجل من شكوكها.

ربما كانت فالدوين فعلًا مجرد مدينة غريبة.

وربما هم الذين أصبحوا يرون الغرابة في كل شيء.

أغلقت الستارة.

ثم سمعت أمها تقول من خلفها:

«إيفا؟»

«نعم؟»

«بكرا لا تتأخري.»

«لوين؟»

«المكتبة.»

التفتت إيفا.

«المكتبة؟»

ابتسمت أمها.

«إنتِ من مبارح عم تطلعي عليها.»

ضحكت إيفا.

«صح.»

قال ماتياس من الجهة الأخرى:

«روحي.»

«ليش؟»

«يمكن تلاقي شي يعجبك.»

توقفت إيفا لحظة.

ثم ابتسمت.

«طيب.»

ذهبت إلى فراشها.

لكن قبل أن تطفئ الشمعة، نظرت إلى الساعة الصغيرة الموضوعة على الرف.

كانت عقاربها تتحرك.

تيك.

تاك.

تيك.

تاك.

ثم توقفت.

رفعت إيفا رأسها.

كانت تشير إلى الدقيقة نفسها التي رأتها في متجر الساعات.

الدقيقة ذاتها.

لم تتحرك.

ولا ثانية واحدة.

حدقت فيها طويلًا.

ثم جاء صوت ميرا النائم:

«إيفا...»

«شو؟»

«لا تطلعي عالساعة.»

تجمدت إيفا.

التفتت نحوها ببطء.

كانت ميرا ما تزال مغمضة العينين.

قالت بصوت نائم:

«ما بتحب لما بتطلعيلها.»

ثم عادت إلى النوم.

بقيت إيفا جالسة.

تنظر إلى الساعة.

وللمرة الأولى منذ وصولهم إلى فالدوين، شعرت أن المدينة لم تكن تراقبهم فقط.

ربما كانت تعرفهم أيضًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فالدوين

المؤلف remanwrites
2026/09/26 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: المقدمة
2026/09/26
الفصل 2: صباح لم ينم فيه أحد
2026/09/26
الفصل 3: بيت في فالدوين
2026/09/26
الفصل 4: المدرسة في فالدوين
2026/09/26
الفصل 5: أطفال فالدوين
2026/09/26
الفصل 6: الجرس الثاني عشر
2026/09/26
الفصل 7: خيط بارد
2026/09/26
الفصل 8: جنازة غامضة
2026/09/26
الفصل 9: طعم جديد
2026/09/26
الفصل 10: المنام الغريب
2026/09/26
الفصل 11: نهر فالدوين
2026/09/26
الفصل 12: أول ثلج في فالدوين
2026/09/26
الفصل 13: القطار الذي لم يكن هناك
2026/09/26
الفصل 14: عيد لم يكتمل
2026/09/26
الفصل 15: ليلة الفوانيس
2026/09/26
الفصل 16: المقبرة خلف الكنيسة
2026/09/26
الفصل 17: محل الحلويات
2026/09/26
الفصل 18: محل الورد
2026/09/26
الفصل 19: الكرسي الزائد
2026/09/26
الفصل 20: البيت الصغير
2026/09/26
الفصل 21: الرسام
2026/09/26
الفصل 22: شيء ناقص
2026/09/26
الفصل 23: الصندوق القديم
2026/09/26
الفصل 24: الباب المخفي
2026/09/26
الفصل 25: ليلة الموتى
2026/09/26
الفصل 26: عروس ضوء القمر
2026/09/26
الفصل 27: الاجراس
2026/09/26
الفصل 29: القفص
2026/10/05
الفصل 30: مذكرات فالدوين
2026/10/06
الفصل 31: سر النهر
2026/10/07
الفصل 32: المدينة الخائفة
2026/10/08
الفصل 33: القطار الغامض
2026/10/09
الفصل ٢٨: الاغنية الحزينة
2026/10/02
الفصل 34: النهاية
2026/10/09

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة