نهر فالدوين

نهر فالدوين

152 0

كان النهار باردًا على نحو غير معتاد.

خرجت ميرا من المدينة في الصباح، وحدها.

لم تكن تعرف تمامًا لماذا فعلت ذلك.

منذ أيام، كان هناك شيء يزعجها كلما نظرت نحو الطريق المؤدي إلى أطراف فالدوين. لم يكن خوفًا واضحًا، ولا فضولًا عاديًا.

كان إحساسًا بأن هناك شيئًا ينتظرها خارج المدينة.

كانت الأشجار تزداد كثافة كلما ابتعدت عن البيوت.

وبعد مسافة طويلة، سمعت صوتًا لم تسمعه من قبل.

ماء.

توقفت ميرا.

رفعت رأسها.

كان الصوت يأتي من خلف الأشجار.

تقدمت ببطء، وأزاحت الأغصان أمامها.

ثم رأته.

نهر واسع يمتد بين الأشجار، هادئًا بشكل غريب.

لم يكن سريعًا.

لم تكن هناك أمواج تقريبًا.

كان سطحه ساكنًا لدرجة أن السماء انعكست عليه بوضوح.

اقتربت ميرا من الضفة.

نظرت إلى الماء.

رأت وجهها.

لكن انعكاسها تأخر لحظة واحدة عن حركتها.

رفعت يدها.

في الماء، رفعت ميرا يدها بعدها.

خفضتها.

تأخر الانعكاس مرة أخرى.

قطبت حاجبيها.

- غريب...

جلست على ركبتيها ومدت أصابعها نحو الماء.

وقبل أن تلمسه، تحرك الانعكاس وحده.

لم يعد يعكس وجهها.

ظهر فيه شارع.

تراجعت ميرا بسرعة.

كان شارعًا من فالدوين.

لكن ليس الشارع الذي تعرفه.

كانت الأبراج مختلفة.

والبيوت أقدم.

وفي نهاية الشارع، كان هناك برج ثالث عشر.

ميرا رمشت.

اختفت الصورة.

عاد وجهها إلى الماء.

وقفت بسرعة.

- شو هاد؟

نظرت حولها.

لا أحد.

ثم سمعت صوتًا خافتًا خلفها.

خشخشة حبل.

استدارت.

كان هناك قارب صغير مربوط بجذع شجرة على الضفة.

قارب خشبي قديم، بالكاد يتسع لشخصين.

اقتربت منه.

لم يكن عليه اسم.

ولا علامة.

فقط حبل سميك مربوط حول مقدمته.

مدت ميرا يدها ولمست الخشب.

كان باردًا.

نظرت خلفها نحو الطريق.

كان بإمكانها العودة.

لكن شيئًا في النهر جعلها تشعر أن عليها أن تعرف إلى أين يصل.

جلست داخل القارب.

- بس شوي...

فكت الحبل.

تحرك القارب ببطء.

ميرا أمسكت المجداف وبدأت تجدّف.

في البداية، كان الأمر سهلًا.

ابتعد القارب عن الضفة.

ثم بدأت الأشجار تختفي خلفها.

ميرا نظرت إلى فالدوين.

كانت الأبراج السوداء تظهر من بعيد فوق الأشجار.

ثم سمعت صوتًا.

دونغ...

تجمدت.

رفعت رأسها.

لا يوجد برج هنا.

ولا جرس.

ومع ذلك...

الصوت جاء من مكان بعيد جدًا.

أو قريب جدًا.

لم تعرف.

أمسكت المجداف بقوة.

- واحد من الجرسات؟

لم يجبها أحد.

استمرت في التجديف.

مر الوقت.

لم تكن تعرف كم مر منه.

الشمس بقيت في المكان نفسه تقريبًا.

ميرا نظرت إليها.

ثم إلى النهر.

ثم إلى الشمس مجددًا.

شيء لم يكن صحيحًا.

كانت قد تحركت بالقارب وقتًا طويلًا.

لكن الشمس...

لم تتحرك.

توقفت عن التجديف.

ساد الصمت.

ثم رأت شيئًا على الضفة.

علامة محفورة على شجرة.

اقتربت.

كانت العلامة تشبه الرقم:

13

تراجعت ميرا.

ثم ظهرت علامة ثانية.

وبعدها ثالثة.

كلما تحرك القارب، كانت ترى الرقم نفسه محفورًا على الأشجار.

بدأ قلبها يخفق بسرعة.

- ليش كلهم نفس الرقم؟

أمسكت المجداف وحاولت العودة.

جدفت بكل قوتها.

لكن القارب لم يرجع.

كان يتحرك إلى الأمام.

جدفت إلى الجهة الأخرى.

لا شيء.

بدأت تشعر بالخوف.

- بدي أرجع...

لأول مرة منذ ركوبها القارب، شعرت أنها ارتكبت خطأ.

لكن النهر لم يهتم.

استمر بحملها.

ثم ظهر الضباب.

ابتلع الأشجار.

اختفى كل شيء.

لم يبقَ أمام ميرا سوى الماء الأبيض والضباب.

ثم...

سمعت جرسًا.

دونغ...

هذه المرة كان الصوت أقرب.

وضعت يديها على أذنيها.

لكن الصوت لم يكن يأتي من الخارج.

كان يأتي من داخل رأسها.

ثم حدث شيء أغرب.

رأت شيئًا أمامها.

بداية برج.

ثم برجًا ثانيًا.

ثم الثالث.

تقدمت الصورة من خلال الضباب.

بدأت الأبراج السوداء تظهر واحدًا تلو الآخر.

ميرا حدقت فيها.

- فالدوين؟

لم تكن قد عادت بعد.

لكنها كانت ترى المدينة.

نفس الأبراج.

نفس الشوارع.

نفس البيوت.

فقط...

كانت مختلفة.

أقدم.

وأكثر خرابًا.

ثم اختفى الضباب فجأة.

خرج القارب من بين الأشجار.

ميرا رفعت رأسها.

تجمدت.

كانت تقف على ضفة النهر.

أمامها...

فالدوين.

المدينة نفسها التي غادرتها في الصباح.

نظرت خلفها.

النهر الذي قطعته طويلًا كان قد اختفى في الضباب.

نظرت إلى الشمس.

كانت في المكان نفسه.

ميرا لم تفهم.

رفعت يدها إلى جيبها.

أخرجت ساعة صغيرة وجدتها في البيت.

نظرت إليها.

كانت تشير إلى العاشرة صباحًا.

نفس الوقت الذي غادرت فيه المدينة.

تراجعت خطوة.

- مستحيل...

ثم سمعت صوتًا خلفها.

دونغ...

نظرت إلى الأبراج.

لم يتحرك أي جرس.

لكن ميرا كانت متأكدة من شيء واحد.

لقد خرجت من فالدوين.

وسافرت بالقارب ساعات.

ثم عادت إليها...

من دون أن يمر الوقت.

بقيت ميرا واقفة مكانها، تحدق في المدينة.

لم تعرف ماذا تفعل.

كانت فالدوين أمامها كما تركتها تمامًا.

نفس الشوارع.

نفس البيوت.

حتى الدخان الخفيف المتصاعد من أحد المداخن كان في المكان نفسه.

رفعت الساعة إلى أذنها.

لا صوت.

هزتها مرة.

ثم نظرت إلى العقارب مجددًا.

10:00.

- بس أنا كنت برا كل هالوقت...

قالتها بصوت منخفض، وكأنها تنتظر من أحد أن يجيبها.

لم يجبها أحد.

بدأت تمشي نحو المدينة.

كانت خطواتها أسرع من المعتاد.

كلما ابتعدت عن النهر، شعرت براحة أكبر.

لكن بعد دقائق، توقفت.

كان هناك شيء على الطريق.

شيء لم تتذكر أنها رأته عندما مرت من هنا صباحًا.

اقتربت منه بحذر.

كان كرسيًا خشبيًا قديمًا موضوعًا وحده وسط الطريق.

ليس بجانب منزل.

ولا أمام متجر.

فقط في منتصف الطريق.

توقفت ميرا أمامه.

كان الكرسي مغطى بطبقة رقيقة من الغبار.

وعلى ظهره حُفرت كلمات صغيرة.

انحنت ميرا لتقرأها.

لكنها لم تكن كلمات.

كانت أسماء.

اسمًا تحت اسم.

ماتياس

إيفا.

هيلينا.

ثم توقفت.

حدقت بالاسم الرابع.

كان:

ميرا.

تراجعت خطوة.

- شو؟

نظرت حولها بسرعة.

لا أحد.

اقتربت من الكرسي مرة أخرى.

مررت أصابعها فوق اسمها.

كان الحفر عميقًا وقديمًا.

قديمًا جدًا.

لكن شيئًا آخر لفت انتباهها.

تحت اسمها مباشرة، كان هناك سطر فارغ.

وكأن أحدهم ترك مكانًا لشيء لم يُكتب بعد.

ميرا لم تلمس السطر.

استدارت وبدأت تمشي.

بعد خطوات قليلة، سمعت صوتًا خلفها.

طَق.

استدارت.

كان الكرسي ما يزال في مكانه.

لكن أحد الأرجل تحرك قليلًا.

ثم عاد كل شيء إلى السكون.

ميرا أسرعت.

عندما وصلت إلى أول بيوت فالدوين، بدأت أصوات المدينة تعود إليها.

أصوات الناس.

الأبواب.

الأقدام.

صوت عربة تمر في الشارع.

كل شيء طبيعي.

أكثر من اللازم.

مرّت بجانب امرأة كانت تكنس أمام منزلها.

نظرت إليها المرأة.

- صباح الخير يا ميرا.

توقفت ميرا.

- صباح الخير.

ثم تابعت طريقها.

بعد عدة خطوات، التفتت.

كانت المرأة ما تزال تكنس.

لكن ميرا لاحظت شيئًا غريبًا.

على الأرض أمام المنزل كانت هناك آثار أقدام مبللة.

تبدأ من الشارع...

وتنتهي عند باب البيت.

رفعت ميرا عينيها نحو المرأة.

المرأة لم تنظر إلى الآثار.

وكأنها لا تراها.

ميرا لم تقل شيئًا.

تابعت طريقها.

لكنها بدأت تشعر بأن شيئًا ما تبعها من النهر.

ليس شخصًا.

ولا صوتًا.

فقط إحساس غريب بأن المدينة تعرف أنها خرجت.

وعندما وصلت إلى منزلها، وقفت أمام الباب.

مدت يدها نحو المقبض.

ثم توقفت.

نظرت إلى يدها.

كانت لا تزال تحمل أثرًا أسود خفيفًا من القارب.

مسحته بسرعة بكمّها.

دخلت.

أغلقت الباب خلفها.

وفي اللحظة نفسها...

في مكان بعيد داخل فالدوين، دوّى صوت خافت.

دونغ...

ميرا رفعت رأسها.

هذه المرة لم يكن الصوت مرعبًا.

كان مختلفًا.

كأنه لم يكن ينادي أحدًا.

كأنه كان فقط...

يعدّ.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فالدوين

المؤلف remanwrites
2026/09/26 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: المقدمة
2026/09/26
الفصل 2: صباح لم ينم فيه أحد
2026/09/26
الفصل 3: بيت في فالدوين
2026/09/26
الفصل 4: المدرسة في فالدوين
2026/09/26
الفصل 5: أطفال فالدوين
2026/09/26
الفصل 6: الجرس الثاني عشر
2026/09/26
الفصل 7: خيط بارد
2026/09/26
الفصل 8: جنازة غامضة
2026/09/26
الفصل 9: طعم جديد
2026/09/26
الفصل 10: المنام الغريب
2026/09/26
الفصل 11: نهر فالدوين
2026/09/26
الفصل 12: أول ثلج في فالدوين
2026/09/26
الفصل 13: القطار الذي لم يكن هناك
2026/09/26
الفصل 14: عيد لم يكتمل
2026/09/26
الفصل 15: ليلة الفوانيس
2026/09/26
الفصل 16: المقبرة خلف الكنيسة
2026/09/26
الفصل 17: محل الحلويات
2026/09/26
الفصل 18: محل الورد
2026/09/26
الفصل 19: الكرسي الزائد
2026/09/26
الفصل 20: البيت الصغير
2026/09/26
الفصل 21: الرسام
2026/09/26
الفصل 22: شيء ناقص
2026/09/26
الفصل 23: الصندوق القديم
2026/09/26
الفصل 24: الباب المخفي
2026/09/26
الفصل 25: ليلة الموتى
2026/09/26
الفصل 26: عروس ضوء القمر
2026/09/26
الفصل 27: الاجراس
2026/09/26
الفصل 29: القفص
2026/10/05
الفصل 30: مذكرات فالدوين
2026/10/06
الفصل 31: سر النهر
2026/10/07
الفصل 32: المدينة الخائفة
2026/10/08
الفصل 33: القطار الغامض
2026/10/09
الفصل ٢٨: الاغنية الحزينة
2026/10/02
الفصل 34: النهاية
2026/10/09

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة