أطفال فالدوين

أطفال فالدوين

185 0

في اليوم التالي، لم تذهب ميرا إلى المدرسة.

كان يومًا هادئًا، وكانت أمها مشغولة في محل الخياطة، بينما خرج والدها إلى عمله منذ الصباح.

جلست ميرا قرب النافذة لبعض الوقت.

كانت تراقب الشارع.

الأشخاص أنفسهم تقريبًا كانوا يمرون كل يوم.

رجل يحمل سلة خبز.

امرأة تدفع عربة صغيرة.

صبي يركض خلف كلب.

ورجل مسن يفتح باب متجره.

لكن أكثر ما لفت انتباهها كان مجموعة من الأطفال يلعبون في الساحة الصغيرة أمام البيت.

كانوا يركضون حول النافورة، ويصرخون ويضحكون.

نهضت ميرا.

ارتدت معطفها.

وقبل أن تخرج، قالت أمها:

«لوين؟»

«ألعب شوي برا.»

«لا تبعدي.»

«ما رح أبعد.»

«وإذا احتجتي شي، نادي.»

هزت ميرا رأسها وخرجت.

كان الأطفال يلعبون لعبة غريبة.

وضعوا عدة حجارة صغيرة على الأرض، وكان أحدهم يقف بعيدًا ويحاول رمي حجره على الحجارة الأخرى.

اقتربت ميرا.

توقفت عند طرف الساحة.

لاحظها أحد الأولاد.

«إنتِ الجديدة.»

قالتها فتاة صغيرة.

هزت ميرا رأسها.

«إيه.»

«من المدرسة؟»

«إيه.»

اقترب ولد أشقر.

«اسمك ميرا، صح؟»

«إيه.»

«أنا لوكاس.»

وأشار إلى الفتاة:

«هاي آنا.»

ثم إلى ولد آخر:

«وهذا بيتر.»

رفع بيتر يده.

«أهلين.»

ابتسمت ميرا.

«فيني ألعب؟»

نظروا إلى بعضهم.

ثم قالت آنا:

«إيه.»

أعطتها حجرًا.

جلست ميرا معهم.

بعد دقائق، كانت تضحك معهم وكأنها تعرفهم منذ وقت طويل.

لم تكن تعرف لماذا شعرت بالراحة بهذه السرعة.

ربما لأنهم كانوا أطفالًا مثلها.

أو هكذا ظنت.

بعد فترة، جلسوا قرب النافورة ليستريحوا.

قال لوكاس:

«وين ساكنة؟»

أشارت ميرا إلى البيت.

«هناك.»

«مع أهلك؟»

«إيه.»

«جديدين؟»

«من يومين.»

نظر بيتر إليها.

«أنتوا محظوظين.»

«ليش؟»

«عندكم بيت.»

ضحكت ميرا.

«كل الناس عندها بيت.»

هز بيتر رأسه.

«مو كل الناس.»

سألته:

«إنت وين ساكن؟»

أشار إلى آخر الشارع.

«هناك.»

«من زمان؟»

«إيه.»

«قديش؟»

فكر.

«من قبل ما أتذكر.»

قال لوكاس:

«هو ساكن هناك من وقت كنت أنا صغير.»

ضحكت آنا.

«إنت كمان كنت صغير.»

«بعرف.»

سألت ميرا:

«قديش عمرك؟»

قال لوكاس:

«عشرة.»

«أنا عشرة.»

«آنا تسعة.»

رفعت آنا رأسها.

«عشرة.»

نظر إليها لوكاس.

«مبارح قلتي تسعة.»

«يمكن كنت تسعة مبارح.»

ضحكوا.

لكن ميرا لم تضحك.

«كيف يعني؟»

هزت آنا كتفيها.

«ما بعرف.»

ثم عادت إلى اللعبة.

بعد قليل، مر رجل يحمل حزمة من الحطب على ظهره.

صرخ لوكاس:

«صباح الخير يا عم إلياس!»

رفع الرجل رأسه.

ابتسم.

«صباح الخير.»

ثم تابع طريقه.

سألت ميرا:

«مين هاد؟»

قال بيتر:

«النجار.»

«هو نجار؟»

«إيه.»

«وين محله؟»

«قريب من السوق.»

سكتت ميرا لحظة.

ثم قالت:

«قديش صار نجار؟»

نظر إليها لوكاس.

«شو يعني؟»

«يعني من إمتى؟»

قال بيتر:

«من زمان.»

«قديش؟»

فكر قليلًا.

«أبي كان يشتغل عنده.»

«أبوك؟»

«إيه.»

«وإنت قلت إنك عمرك عشرة.»

«إيه.»

«يعني أبوك اشتغل عنده من عشر سنين؟»

هز رأسه.

«قبل.»

«قبل ما تولد؟»

«إيه.»

«قديش قبل؟»

رفع كتفيه.

«ما بعرف.»

ثم وقف.

«يلا نكمل.»

نظرت ميرا إلى الرجل الذي ابتعد في آخر الشارع.

كان شعره أبيض.

لكن مشيته كانت مستقيمة.

وكان يحمل الحطب بسهولة.

بعد الظهر، بدأ الأطفال يتحدثون عن الألعاب التي يلعبونها.

قالت آنا:

«تعوا نلعب غميضة.»

اختبأ الجميع.

ركضت ميرا إلى خلف جدار قريب.

كانت تسمع أصوات الأطفال.

«واحد... اثنان... ثلاثة...»

ثم سكت الصوت.

خرجت من مخبئها قليلًا.

كانت الساحة فارغة.

بحثت عن الأطفال.

سمعت ضحكة من داخل زقاق ضيق.

دخلت.

كان لوكاس وآنا هناك.

قالت ميرا:

«كيف وصلتوا لهون؟»

قال لوكاس:

«ركضنا.»

«ما سمعتكن.»

«كنا ساكتين.»

ابتسمت.

«طيب وين بيتر؟»

نظر الاثنان إلى بعضهما.

قالت آنا:

«ما لقيتيه؟»

«لا.»

«هو بيحب يختفي منيح.»

بحثوا عنه.

دخلوا زقاقًا آخر.

ثم سمعوا صوتًا:

«هون.»

كان بيتر جالسًا على درجات حجرية قرب باب قديم.

قالت ميرا:

«ليش قاعد هون؟»

«كنت عم استنى.»

«شو؟»

«البيت يفتح.»

نظرت إلى الباب.

«مين جواته؟»

«أبي.»

«ليش ما تطرق؟»

«ما بدي أزعجه.»

سألته:

«شو بيعمل؟»

قال:

«نايم.»

ثم صمت قليلًا.

«هو بينام كثير.»

قال لوكاس:

«أبوك دايمًا بينام بعد الظهر.»

هز بيتر رأسه.

«إيه.»

ثم أضاف:

«من وقت ما كان عمري خمس سنين.»

نظرت ميرا إليه.

«يعني من خمس سنين؟»

«إيه.»

ثم فتح الباب.

«صار لازم يصحى.»

دخل.

بقيت ميرا واقفة في الخارج.

قالت آنا:

«يلا.»

لكن ميرا لم تتحرك.

كانت تنظر إلى الباب.

ثم سألت:

«آنا.»

«همم؟»

«أبوكِ شو بيشتغل؟»

«خباز.»

«من إمتى؟»

قالت ببساطة:

«دائمًا.»

«يعني من قبل ما تولدي؟»

«إيه.»

ميرا عبست.

«كيف؟»

ضحكت آنا.

«شو كيف؟»

لم تعرف ميرا ماذا تجيب.

في المساء، عاد الأطفال إلى الساحة.

كان رجل يقف أمام المخبز.

رجل ممتلئ، بشعر أسود، يخرج أرغفة من الفرن.

نادته آنا:

«بابا!»

رفع يده لها.

«بعد شوي.»

قالت ميرا:

«هاد أبوك؟»

«إيه.»

نظرت إليه.

ثم إلى آنا.

ثم إليه مرة أخرى.

كان الرجل يبدو في الثلاثين تقريبًا.

لكن شيئًا في وجهه جعل ميرا تشعر أنها رأته من قبل.

ليس اليوم.

بل في مكان آخر.

اقتربت من المخبز.

على الجدار الداخلي كانت هناك لوحة قديمة معلقة.

صورة لرجل يقف أمام المخبز.

رجل يشبه الرجل الموجود الآن.

نفس الشعر.

نفس الوجه.

حتى نفس الابتسامة.

اقتربت ميرا أكثر.

كان أسفل الصورة تاريخ محفور على الخشب.

1898.

حدقت فيها.

ثم التفتت إلى الرجل.

كان لا يزال هناك.

يعمل.

كأن الصورة لا تعنيه.

قالت آنا:

«شو عم تطلعي؟»

أشارت ميرا إلى الصورة.

«أبوك بالصورة؟»

نظرت آنا.

«إيه.»

«بس...»

توقفت.

«الصورة قديمة.»

«بعرف.»

«كتير قديمة.»

«إيه.»

«قديش؟»

رفعت آنا كتفيها.

«ما بعرف.»

ثم أخذت رغيفًا صغيرًا من والدها.

«بدك؟»

لم تجب ميرا.

كانت لا تزال تنظر إلى الصورة.

عندما عادت إلى البيت، كانت الشمس قد اختفت خلف الأسطح.

وجدت إيفا قرب النافذة.

قالت:

«وين كنتِ؟»

«عم ألعب.»

«مع مين؟»

بدأت ميرا تذكر الأسماء.

ثم جلست قربها.

«إيفا.»

«شو؟»

«في شي غريب بالأطفال هون.»

نظرت إليها إيفا.

«شو؟»

«ما بيعرفوا من إمتى أهلهم هون.»

«يمكن لأنهم صغار.»

«بس أهلهم كانوا هون قبل ما ينولدوا.»

سكتت إيفا.

تابعت ميرا:

«وأبو آنا...»

توقفت.

«شو فيه؟»

«لقيت صورته بمحل المخبز.»

«وبعدين؟»

«الصورة من سنة 1898.»

ابتسمت إيفا قليلًا.

«يمكن مو هو.»

هزت ميرا رأسها.

«هو.»

«متأكدة؟»

«إيه.»

صمتت إيفا.

ثم قالت:

«يمكن كان أبوه.»

«لا.»

«ليش؟»

«لأنه نفس الشخص.»

حدقت إيفا بها.

في تلك اللحظة، مر صوت الجرس من بعيد.

رن مرة واحدة.

ثم سكت.

نظرت ميرا إلى النافذة.

«إيفا.»

«همم؟»

«ليش كل شي هون قديم؟»

لم تجب إيفا.

في الخارج، كان الشارع يعود إلى هدوئه.

أغلق الخباز أبوابه.

مر النجار في طريقه إلى منزله.

أُغلقت النوافذ.

اختفى الأطفال واحدًا تلو الآخر.

ثم ظهر لوكاس في آخر الشارع.

كان يركض نحو البيت.

مرّ بجانب النافذة دون أن يرفع رأسه.

وبعد ثوانٍ، خرج رجل من المخبز.

كان يحمل صندوقًا خشبيًا.

توقف أمام الباب.

نظر إلى الشارع.

ثم إلى السماء.

وأغلق المخبز.

كما يفعل كل مساء.

كما يفعل منذ زمن لا تعرفه ميرا.

لكن الشيء الذي لم تستطع تفسيره هو أن الرجل، عندما مر تحت نافذتهم، كان يحمل الصندوق بالطريقة نفسها التي حملها بها الرجل في الصورة القديمة.

نفس اليد.

نفس المشية.

ونفس العمر.

وضعت ميرا يدها على الزجاج.

ثم همست:

«فالدوين غريبة.»

ومن خلفها، جاء صوت إيفا:

«إيه.»

لكن إيفا لم تكن تنظر إلى الشارع.

كانت تنظر إلى ميرا.

وكأنها بدأت تفكر في الشيء نفسه.

ربما المشكلة ليست أن فالدوين مدينة قديمة.

ربما المشكلة أن أهلها لم يغادروا الماضي أصلًا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فالدوين

المؤلف remanwrites
2026/09/26 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: المقدمة
2026/09/26
الفصل 2: صباح لم ينم فيه أحد
2026/09/26
الفصل 3: بيت في فالدوين
2026/09/26
الفصل 4: المدرسة في فالدوين
2026/09/26
الفصل 5: أطفال فالدوين
2026/09/26
الفصل 6: الجرس الثاني عشر
2026/09/26
الفصل 7: خيط بارد
2026/09/26
الفصل 8: جنازة غامضة
2026/09/26
الفصل 9: طعم جديد
2026/09/26
الفصل 10: المنام الغريب
2026/09/26
الفصل 11: نهر فالدوين
2026/09/26
الفصل 12: أول ثلج في فالدوين
2026/09/26
الفصل 13: القطار الذي لم يكن هناك
2026/09/26
الفصل 14: عيد لم يكتمل
2026/09/26
الفصل 15: ليلة الفوانيس
2026/09/26
الفصل 16: المقبرة خلف الكنيسة
2026/09/26
الفصل 17: محل الحلويات
2026/09/26
الفصل 18: محل الورد
2026/09/26
الفصل 19: الكرسي الزائد
2026/09/26
الفصل 20: البيت الصغير
2026/09/26
الفصل 21: الرسام
2026/09/26
الفصل 22: شيء ناقص
2026/09/26
الفصل 23: الصندوق القديم
2026/09/26
الفصل 24: الباب المخفي
2026/09/26
الفصل 25: ليلة الموتى
2026/09/26
الفصل 26: عروس ضوء القمر
2026/09/26
الفصل 27: الاجراس
2026/09/26
الفصل 29: القفص
2026/10/05
الفصل 30: مذكرات فالدوين
2026/10/06
الفصل 31: سر النهر
2026/10/07
الفصل 32: المدينة الخائفة
2026/10/08
الفصل 33: القطار الغامض
2026/10/09
الفصل ٢٨: الاغنية الحزينة
2026/10/02
الفصل 34: النهاية
2026/10/09

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة