استيقظت قبل أن تشرق الشمس.
أو هكذا ظنت.
بقيت مستلقية للحظات، تحدق في السقف الحجري فوقها، وتحاول أن تتذكر متى نامت.
لم تتذكر.
في الحقيقة، لم تكن متأكدة من أنها نامت أصلًا.
جلست ببطء على الفراش.
كان جسدها غريبًا.
لا ألم في رأسها.
لا ثقل في عينيها.
لا ذلك الشعور الذي كانت تعرفه بعد ليلة طويلة من الهرب.
فقط يقظة كاملة.
نظرت إلى الفراش المقابل.
كانت أختها الصغيرة جالسة عليه، وقد وضعت بطانيتها حول كتفيها.
كانت مستيقظة أيضًا.
تلاقت عيناهما.
قالت الفتاة:
«إنتِ كمان ما نمتي؟»
هزت رأسها.
«ما بعرف.»
نظرت أختها إلى النافذة.
كان الزجاج مغطى بطبقة رقيقة من الضباب.
«يمكن نمت شوي.»
«يمكن.»
لكنها لم تكن مقتنعة.
من الغرفة المجاورة جاء صوت والدتها:
«صباح الخير.»
توقفت.
ثم جاء صوت والدها:
«الفطور جاهز.»
نظرت إلى أختها.
خرجتا من الغرفة.
كان والدهما جالسًا إلى جانب النافذة، يقطع قطعة من الخبز بسكين صغير.
والدتها كانت تضع الأطباق على الطاولة.
رفعت الفتاة عينيها إلى والدها.
«بابا.»
«همم؟»
«إمتى نمت؟»
توقف عن تقطيع الخبز.
نظر إليها.
ثم قال:
«ما نمت.»
ساد صمت قصير.
قالت:
«ولا شوي؟»
هز رأسه.
«ولا شوي.»
نظرت إلى أمها.
«وإنتِ؟»
ابتسمت أمها ابتسامة صغيرة.
«كنت عم رتّب أغراضنا.»
«طول الليل؟»
«تقريبًا.»
جلست الفتاة إلى الطاولة.
لم تقل شيئًا.
ربما كان الأمر بسبب الخوف.
ربما بسبب الأيام الثلاثة التي قضوها في الهرب.
ربما أجسادهم لم تستوعب بعد أنهم أصبحوا في مكان آمن.
هذا ما أرادت أن تصدقه.
فالدوين كانت غريبة.
لكنها، حتى الآن، لم تؤذهم.
منذ أن دخلوا المدينة، لم يسألهم أحد من أين أتوا.
لم يسألهم أحد عما كانوا يهربون منه.
لم يسألهم أحد حتى عن أسمائهم.
أعطوهم منزلًا صغيرًا، وبعض الطعام، وتركوا لهم الوقت حتى يهدأوا.
وبعد كل ما مروا به، كان ذلك كافيًا.
على الأقل في البداية.
بعد الإفطار، خرجت العائلة إلى السوق.
كان الصباح مختلفًا تمامًا عن الأيام السابقة.
في الليلة الأولى، لم يستطيعوا رؤية المدينة جيدًا بسبب الضباب.
أما الآن، فقد ظهرت فالدوين كاملة تحت ضوء شاحب.
كانت الشوارع مرصوفة بالحجارة السوداء.
المباني مرتفعة ومتلاصقة، وبعضها يميل فوق الشوارع حتى تكاد شرفاته تتلامس.
النوافذ ضيقة، بإطارات خشبية داكنة.
فوق الأبواب علقت لافتات المحلات.
مخبز.
حداد.
خياط.
مكتبة.
صيدلية.
متجر ساعات.
دكان ألعاب.
بائع توابل.
مطعم صغير.
حانة.
محل لبيع الشموع.
حتى بائع زهور كان لديه متجر في زاوية الساحة.
كان هناك كل شيء.
مدينة كاملة.
حية.
طبيعية.
تقريبًا.
قالت أمها:
«لازم نشتري أكل للبيت.»
أومأ والدها.
دخلوا السوق.
كانت رائحة الخبز الساخن تملأ المكان.
توقفت أختها الصغيرة أمام المخبز.
«بدي هاد.»
أشارت إلى قطعة حلوى خلف الزجاج.
ضحكت أمها.
«من هلأ؟»
هزت رأسها بحماس.
دخلوا.
كان الخباز رجلًا ضخمًا، يرتدي مئزرًا أبيض.
رفع رأسه وقال:
«صباح الخير.»
«صباح النور.»
وضعت الأم النقود على الطاولة.
أعطاها الخباز الخبز والحلوى.
ثم نظر إلى الطفلة.
«أول مرة بشوفك.»
قالت الطفلة:
«إيه.»
ابتسم.
«أهلًا في فالدوين.»
شكرته الأم.
خرجوا.
لم يمشوا أكثر من عدة خطوات حتى لاحظت الفتاة شيئًا.
لم يكن هناك أحد مستعجل.
لا أحد.
كان الناس يمشون ببطء.
يتحدثون.
يشترون.
يضحكون.
لكن لا أحد يبدو متعبًا.
رجل عجوز كان يحمل صندوقًا ثقيلًا وحده.
امرأة تقف أمام محل الخياطة منذ وقت طويل.
ثلاثة أطفال يركضون في الساحة.
شاب يجر عربة حديدية.
ولا واحد منهم يلهث.
قالت الفتاة:
«بابا.»
«شو؟»
«ما حدا هون بيتعب؟»
نظر إليها.
«ليش؟»
«ما بعرف.»
ثم أضافت:
«من وقت ما إجينا ما شفت حدا عم يتثاءب.»
ضحك والدها.
«عم تدققي كتير.»
ربما كان محقًا.
تابعت السير.
مروا أمام متجر الساعات.
توقفت.
كانت عشرات الساعات معلقة على الجدران.
ساعات صغيرة.
ساعات كبيرة.
ساعات خشبية.
ساعات معدنية.
كلها تتحرك.
تيك.
تاك.
تيك.
تاك.
لكن شيئًا جعلها تتوقف أمام واحدة منها.
كانت عقاربها تشير إلى الساعة نفسها التي كانت تشير إليها ساعة أخرى بجانبها.
ثم الثالثة.
والرابعة.
والخامسة.
كل ساعات المتجر كانت متطابقة.
دقيقة واحدة.
نفس الدقيقة.
رفعت عينيها إلى صاحب المتجر.
كان رجلًا نحيلًا، يجلس خلف طاولة خشبية.
نظر إليها.
ابتسم.
«عجبتك؟»
أشارت إلى الساعات.
«ليش كلهم نفس الوقت؟»
نظر إلى الجدار.
ثم إليها.
«هيك لازم يكونوا.»
«بس الوقت مو نفسه.»
«هون... بيكون.»
لم تفهم.
لكن الرجل عاد إلى عمله وكأن الحديث انتهى.
شدّ والدها على كتفها.
«يلا.»
ابتعدت عن المتجر.
لكنها بقيت تنظر خلفها.
كان صاحب متجر الساعات يتابعها بعينيه.
في الظهيرة، وصلوا إلى الساحة الرئيسية.
كانت أكبر مما بدت لهم في اليوم الأول.
نافورة حجرية في الوسط.
حولها مقاعد خشبية.
وأشجار قصيرة بأوراق داكنة.
في الجهة المقابلة ارتفعت الكاتدرائية السوداء.
لم تستطع الفتاة أن تنظر إليها طويلًا.
كانت ضخمة.
أحجارها سوداء، لكن ليس بسبب الظلام.
كأنها بنيت من حجر داكن لا يعرف اللون الآخر.
وفوقها ارتفع البرج.
الجرس الكبير كان في أعلاه.
ساكنًا.
قالت:
«بابا، ليش الجرس ما دق من وقت ما إجينا؟»
تغير وجهه قليلًا.
«ما بعرف.»
«بس كل يوم بالليل بسمع شي.»
نظر إليها.
«شو بتسمعي؟»
قبل أن تجيب، مرت امرأة بجانبهم.
كانت تحمل سلة مليئة بالخضار.
سمعت سؤالها.
توقفت.
نظرت إلى الفتاة.
ثم إلى والدها.
وقالت:
«لسا ما تعودتوا عليه.»
سأل الأب:
«على شو؟»
ابتسمت المرأة.
«على فالدوين.»
ثم أكملت طريقها.
بقي الأب ينظر إليها.
قالت الفتاة:
«شو قصدها؟»
«ما بعرف.»
لكن هذه المرة لم يقلها بثقة.
بعد الظهر، تركت العائلة والدها يذهب إلى السوق وحده.
أما هي وأختها، فجلستا في الساحة.
كانت أختها تلعب بحجر صغير.
قالت:
«بدي روح عالبيت.»
«ليش؟»
«بردانة.»
نظرت الفتاة إلى السماء.
لم تكن الشمس قوية.
لكن الجو لم يكن باردًا إلى هذه الدرجة.
قالت:
«استني شوي.»
ثم نظرت حولها.
كان الأطفال ما زالوا يلعبون.
لكنها لاحظت طفلًا بينهم.
كان هو نفسه الطفل الذي رأته في اليوم السابق.
المعطف الكبير.
الحذاء الأسود.
الشعر المبعثر.
كان جالسًا وحده قرب النافورة.
اقتربت منه.
«مرحبا.»
رفع عينيه.
لم يجب.
جلست بجانبه.
«شو عم تعمل؟»
«ولا شي.»
«بتتذكرني؟»
هز رأسه.
«إيه.»
سكتت قليلًا.
ثم قالت:
«إنت من إمتى هون؟»
نظر إلى الماء.
«ما بعرف.»
«من زمان؟»
هز كتفيه.
«يمكن.»
«وين أهلك؟»
فكر.
طويلًا.
ثم قال:
«ما بعرف.»
شعرت بقشعريرة.
«شو اسمك؟»
رفع عينيه إليها.
ابتسم.
«ما بتذكر.»
لم تضحك.
قالت:
«كيف يعني ما بتتذكر اسمك؟»
«عادي.»
قالها بهدوء شديد.
ثم نهض.
«لازم روح.»
«لوين؟»
أشار إلى أحد الأزقة.
«البيت.»
«وين بيتك؟»
نظر إليها وكأن السؤال غريب.
«بعرف الطريق.»
ثم مشى.
بقيت مكانها.
راقبته حتى اختفى.
نظرت إلى أختها.
كانت تحدق فيها.
قالت:
«غريب.»
أومأت.
«كتير.»
ثم سمعوا صوتًا بعيدًا.
دونغ.
جرس واحد.
توقفت حركة الساحة للحظة.
ليس الجميع.
لكن بعض الأشخاص رفعوا رؤوسهم.
رجل أغلق باب متجره.
امرأة جمعت أغراضها.
رجل آخر أمسك بيد طفله.
نظرت الفتاة إلى الكاتدرائية.
الجرس ما زال ساكنًا.
قالت أختها:
«شو كان هاد؟»
لم تجب.
لأنها بدأت تفهم شيئًا.
في فالدوين، لا أحد يسأل عن الأجراس.
مع اقتراب المساء، تغيرت المدينة.
لم تختفِ الحياة.
لكن المحلات بدأت تُغلق واحدًا تلو الآخر.
المخبز.
الخياط.
الحداد.
متجر الساعات.
حتى الحانة أغلقت أبوابها.
وقفت الفتاة أمام منزلهم تنظر إلى الشارع.
قال والدها:
«يلا، فوتوا.»
«ليش عم يسكروا كلهم؟»
«خلص النهار.»
«بس لسا بكير.»
نظر إلى السماء.
كانت الشمس تختفي خلف الأبنية.
ثم قال:
«يمكن هون بيتعشوا بكير.»
دخلت أمها.
أمسكت الفتاة بيد أختها.
لكن قبل أن تدخل، سمعت صوتًا.
صوتًا خافتًا جدًا.
جاء من مكان بعيد.
دونغ.
تجمدت.
ثم جاء الثاني.
دونغ.
أغلقت أمها الباب بسرعة.
نظر الأب إليها.
لم تقل شيئًا.
ثم جاء الثالث.
دونغ.
رفعت الفتاة عينيها إلى البرج الأسود.
كان الجرس يتحرك.
ببطء.
للمرة الأولى منذ وصولهم.
قال والدها بصوت منخفض:
«ادخلوا.»
«بابا...»
«هلأ.»
دخلت.
وأغلق الباب.
خارج المنزل، بدأت فالدوين تختفي في الظلام.
وفي مكان ما خلف الجدران الحجرية، كان سكان المدينة يستعدون لليلة أخرى.
ليلة لن ينام فيها أحد.
لكن شخصًا واحدًا...
لن يرى الصباح.
remanwrites