مذكرات فالدوين

مذكرات فالدوين

204 0

قلبت ميرا الصفحة ببطء.

كانت أصابعها ترتجف قليلًا.

لم تكن تعرف لماذا... لكنها شعرت أن الكلمات التالية ستغيّر كل شيء.

نظرت إلى السطر الأول.

وبدأت تقرأ.

بعد أن قال الرجل إن لكل أمنية ثمنًا...

بقيت صامتًا طويلًا.

كنت أنظر إلى مدينتي من نافذة مكتبي.

فالدوين كانت تموت.

الأطفال يمرضون. العائلات تفقد أحباءها. والخوف أصبح أقوى من الأمل.

كنت مسؤولًا عن هذه المدينة.

وكان عليّ أن أفعل شيئًا.

لذلك...

طلبت منه أمنية واحدة.

قلت له:

"أريد أن تعيش فالدوين."

نظر إليّ الرجل بهدوء.

ثم سألني:

"ماذا تقصد؟"

أجبته:

"أريد ألا يعاني أحد هنا مرة أخرى."

سكت.

ثم قلت:

"أريد أن يختفي المرض. أريد ألا يموت أحد. أريد أن يعيش أهل فالدوين بسعادة إلى الأبد."

ابتسم الرجل.

لكن ابتسامته لم تكن ابتسامة فرح.

كانت ابتسامة شخص يعرف شيئًا لا أعرفه.

قال:

"السعادة الأبدية..."

ثم اقترب مني.

"أنت متأكد من أنك تفهم معناها؟"

قلت:

"نعم."

قال:

"إذن سيكون لك ما طلبت."

توقفت ميرا عن القراءة للحظة.

رفعت عينيها عن الدفتر.

ثم تابعت.

في اليوم التالي...

تغير كل شيء.

اختفى المرض.

لم يعد أحد يشعر بالألم كما كان من قبل.

الجروح تلتئم.

والأجساد لا تضعف.

والسنوات تمر...

لكن لا أحد يكبر.

في البداية...

احتفل الناس.

ظنوا أنني أنقذتهم.

ظنوا أنني منحتهم الحياة.

لكنهم لم يعرفوا الثمن.

فالمدينة التي لا يموت سكانها...

لا تسمح لهم بالرحيل.

حاول البعض مغادرة فالدوين.

لكن كل طريق كان يعيدهم إليها.

كل باب يؤدي إلى الخارج...

كان يعيد فتحه داخل المدينة.

فالدوين أصبحت عالمًا مغلقًا.

مكانًا لا يصل إليه أحد...

ولا يغادره أحد.

توقفت ميرا.

نظرت إلى الغرفة.

كان كل شيء هادئًا.

لكنها شعرت أنها تسمع صوت الأجراس.

قلبت الصفحة.

ثم جاءت الليلة الأولى.

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل.

وفجأة...

بدأت أجراس المدينة تدق.

جرسًا.

ثم الثاني.

ثم الثالث.

حتى وصل العدد إلى اثني عشر.

بعد الجرس الثاني عشر...

اختفى شخص.

لم يختفِ أمام الناس.

لم يترك أثرًا.

فقط...

لم يعد موجودًا.

وعندما استيقظ أهل فالدوين في الصباح...

لم يتذكر أحد أنه كان موجودًا.

لا عائلته.

لا أصدقاؤه.

لا أحد.

وكأن حياته لم تحدث أبدًا.

وفي اليوم نفسه...

فتح أحد أبواب المدينة.

ودخل شخص جديد.

شخص لا يعرف كيف وصل.

ولا يعرف لماذا يشعر أن هذه المدينة مألوفة.

أغلقت ميرا يدها على الدفتر.

شعرت ببرودة في أصابعها.

لكنها تابعت.

في كل فترة...

كانت فالدوين تأخذ شخصًا.

واحدًا بعد آخر.

تدخل شخص غيره من الباب.

حتى تحافظ على عدد سكانها.

لأن المدينة...

كانت بحاجة إلى أرواح جديدة.

لكنني اكتشفت شيئًا.

هناك طريقة واحدة لإنهاء كل شيء.

جرس واحد لم يرن منذ بداية اللعنة.

الجرس الثالث عشر.

إذا رن...

ستتحرر فالدوين.

لكن الوصول إليه...

ليس سهلًا.

لأن الجرس الثالث عشر لا يوجد في برج.

ولا في مكان يعرفه الناس.

إنه مخفي تحت المدينة.

في المكان الذي بدأت منه اللعنة.

ومنذ ذلك اليوم...

أصبح الجميع يخافون منه.

لأن بعضهم قال إن الجرس الثالث عشر لا يفتح الباب فقط...

بل يكشف الحقيقة التي حاولت فالدوين دفنها.

توقفت ميرا.

كانت تحدق بالكلمات الأخيرة.

ثم قلبت الصفحة.

لكن الصفحة التالية كانت ممزقة.

لم يبقَ منها سوى سطر واحد.

"إذا وجد أحدهم الجرس الثالث عشر..."

وتوقف الكلام.

نظرت ميرا إلى الدفتر.

ثم همست:

يعني... في حدا حاول يرنّه قبل؟

وفي تلك اللحظة...

من خارج النافذة...

سمعت صوتًا.

طن.

تجمدت ميرا.

لم يكن صوت جرس عادي.

كان صوتًا بعيدًا جدًا...

لكنها عرفته.

جرس من فالدوين.

قلبت ميرا الصفحة التالية.

كانت الكتابة مختلفة هذه المرة.

الخط أكثر اضطرابًا.

كأن الشخص الذي كتبها لم يكن يملك وقتًا كافيًا.

قرأت:

بعد سنوات طويلة...

بدأ أهل فالدوين يفهمون الحقيقة.

السعادة التي حصلنا عليها لم تكن هدية.

كانت قيدًا.

والحياة التي لا تنتهي...

قد تكون أقسى من الموت.

عندما أدركت ما فعلته...

حاولت إنهاء اللعنة.

بحثنا عن الجرس الثالث عشر.

فتشنا كل مكان.

تحت الأبراج.

تحت الكنيسة.

تحت الشوارع القديمة.

لكننا لم نجده.

لأن الجرس الثالث عشر لا يظهر لمن يبحث عنه فقط.

إنه يظهر لمن يعرف الحقيقة.

توقفت ميرا قليلًا.

ثم تابعت القراءة.

حاولنا مرات كثيرة.

أرسلنا رجالًا أقوياء.

أرسلنا أشخاصًا يعرفون أسرار المدينة.

لكن كل من حاول الوصول...

إما عاد دون أن يتذكر شيئًا...

أو لم يعد أبدًا.

فهمنا عندها أن الطريق إلى الجرس ليس طريقًا عاديًا.

إنه الطريق الذي صنعه الساحر.

والطريق لا يفتح إلا لمن يبحث عن نهاية اللعنة.

ثم ظهرت في أسفل الصفحة كلمات كتبت بحروف أكبر:

تعليمات الوصول إلى الجرس الثالث عشر

أولًا:

عندما تدق أجراس فالدوين الاثنا عشر...

انتظر حتى تصمت المدينة.

اذهب إلى المحطة القديمة.

المحطة التي وقف فيها الرجل الغريب لأول مرة.

المكان الذي دخل منه الساحر إلى فالدوين.

لكن لا تبحث عن القطار.

لن تجده.

ثانيًا:

اعزف لحن الحقيقة أمام المحطة.

ليس لحنًا من أجل استدعاء القطار...

بل لفتح الطريق.

فالطريق لا يظهر للكاذبين.

ولا لمن يبحث عن القوة.

ولا لمن يريد امتلاك سر فالدوين.

يظهر فقط لمن يريد تحريرها.

ثالثًا:

عندما تسمع صوت النافذة...

لا تلتفت.

انتظر حتى يظهر شباك التذاكر.

سيظهر في مكان لم يكن موجودًا من قبل.

اشترِ تذكرة.

ولا تسأل البائع إلى أين تذهب.

لأن من يسأل...

لن يحصل على إجابة.

رابعًا:

عندما يصل القطار...

اركبه.

لكن تذكر...

هذا ليس قطارًا عاديًا.

إنه لا يسير فوق طرق الأرض.

وكل محطة يمر بها...

ستحاول إقناعك بالنزول.

ستريك أماكن فقدتها.

أشخاصًا اشتقت إليهم.

وأشياء تتمنى عودتها.

لكن لا تنزل.

لأن كل من نزل...

بقي هناك.

خامسًا:

لا تثق بكل ما تراه في الطريق.

فالطريق إلى الجرس الثالث عشر مليء بالأوهام.

سيحاول المكان أن يجعلك تنسى سبب مجيئك.

سيحاول أن يجعلك تقبل بالبقاء.

فإذا نسيت هدفك...

سيصبح القطار طريقًا بلا نهاية.

توقفت ميرا.

كان قلبها يخفق بسرعة.

لكنها قلبت الصفحة الأخيرة.

وصلنا إلى المحطة.

وصلنا إلى القطار.

وصلنا إلى الأماكن التي لم يصل إليها أحد من قبل.

لكننا فشلنا.

في كل مرة...

كان هناك شيء يمنعنا.

وفي النهاية فهمنا الحقيقة.

لم يكن الجرس الثالث عشر مخفيًا لحماية اللعنة.

بل كان مخفيًا ليختبر من يحاول كسرها.

فالمدينة أعطتنا الحياة الأبدية...

لكنها لن تعطي الحرية بسهولة.

لذلك تركت هذه الكلمات.

لمن يأتي بعدنا.

لمن يملك الشجاعة ليكمل الطريق الذي فشلنا فيه.

إذا وجدت هذه الصفحات...

فاعلم أن فالدوين ما زالت تنتظر.

والجرس الثالث عشر...

ما زال ينتظر من يرنّه.

أغلقت ميرا الدفتر ببطء.

وفي الخارج...

في ذلك المساء، كانت العائلة تجلس معًا في الغرفة.

كانت هيلينا تطوي بعض الملابس، بينما كانت إيفا تجلس قرب ميرا بهدوء.

نظر ماتياس إليها للحظة.

وفجأة...

توقف.

سقطت قطعة القماش من يد هيلينا.

رفعت رأسها ببطء.

كانت تنظر إلى إيفا.

"ماتياس..."

نظر إليها.

"شو؟"

بقيت صامتة لعدة ثوانٍ.

ثم قالت بصوت منخفض:

"إيفا..."

تجمد ماتياس.

لم يعرف لماذا شعر بقشعريرة.

نظر إلى الطفلة.

ثم إلى هيلينا.

"إنتِ... تذكرتي؟"

وضعت هيلينا يدها على فمها.

بدأت عيناها تمتلئان بالدموع.

"كانت هون..."

اقتربت من إيفا.

"كانت معنا."

نظر ماتياس حوله وكأنه يحاول ترتيب أفكاره.

"كيف نسينا؟"

جلس ببطء.

مرر يده على وجهه.

"كيف نسيت بنتي؟"

كان صوته مليئًا بالصدمة.

لم يستطع فهم الأمر.

كان يعرف إيفا.

يعرف ضحكتها.

يعرف طريقة كلامها.

يعرف أنها كانت تجلس على هذا الكرسي...

لكن عقله كان قد محا كل شيء.

نظر إلى ميرا.

كانت واقفة بصمت.

قال ماتياس:

"ميرا..."

رفعت عينيها إليه.

"إنتِ كنتِ تعرفي؟"

لم تجب فورًا.

ثم اقتربت منه.

"إي."

سكت الجميع.

قالت ميرا:

"بس في أشياء كتيرة لازم تعرفوها."

نظر إليها ماتياس بقلق.

"شو يعني؟"

أخذت ميرا نفسًا عميقًا.

"في أشياء غريبة عم تصير بفالدوين."

ثم نظرت إلى ايفا

"أشياء ما حدا رح يصدقها."

اقتربت أكثر.

"لقيت أشياء بالمدينة... أشياء مخفية."

نظر ماتياس إليها طويلًا.

كان قبل أيام سيقول إنها مجرد أفكار طفلة.

بعد أن نسي ابنته دون أن يعرف...

لم يعد قادرًا على رفض كلامها.

قال بهدوء:

"احكي."

ترددت ميرا.

"لازم تصدقني أولًا."

نظر إليها ماتياس.

ثم إلى هيلينا.

ثم أمسك يد إيفا.

وقال:

"بعد اللي صار... رح أصدقك."

بقيت ميرا صامتة للحظة.

ثم قالت:

"فالدوين مو مثل ما منعرفها."

وخارج المنزل...

بدأت أجراس المدينة تتحرك في الظلام.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فالدوين

المؤلف remanwrites
2026/09/26 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: المقدمة
2026/09/26
الفصل 2: صباح لم ينم فيه أحد
2026/09/26
الفصل 3: بيت في فالدوين
2026/09/26
الفصل 4: المدرسة في فالدوين
2026/09/26
الفصل 5: أطفال فالدوين
2026/09/26
الفصل 6: الجرس الثاني عشر
2026/09/26
الفصل 7: خيط بارد
2026/09/26
الفصل 8: جنازة غامضة
2026/09/26
الفصل 9: طعم جديد
2026/09/26
الفصل 10: المنام الغريب
2026/09/26
الفصل 11: نهر فالدوين
2026/09/26
الفصل 12: أول ثلج في فالدوين
2026/09/26
الفصل 13: القطار الذي لم يكن هناك
2026/09/26
الفصل 14: عيد لم يكتمل
2026/09/26
الفصل 15: ليلة الفوانيس
2026/09/26
الفصل 16: المقبرة خلف الكنيسة
2026/09/26
الفصل 17: محل الحلويات
2026/09/26
الفصل 18: محل الورد
2026/09/26
الفصل 19: الكرسي الزائد
2026/09/26
الفصل 20: البيت الصغير
2026/09/26
الفصل 21: الرسام
2026/09/26
الفصل 22: شيء ناقص
2026/09/26
الفصل 23: الصندوق القديم
2026/09/26
الفصل 24: الباب المخفي
2026/09/26
الفصل 25: ليلة الموتى
2026/09/26
الفصل 26: عروس ضوء القمر
2026/09/26
الفصل 27: الاجراس
2026/09/26
الفصل 29: القفص
2026/10/05
الفصل 30: مذكرات فالدوين
2026/10/06
الفصل 31: سر النهر
2026/10/07
الفصل 32: المدينة الخائفة
2026/10/08
الفصل 33: القطار الغامض
2026/10/09
الفصل ٢٨: الاغنية الحزينة
2026/10/02
الفصل 34: النهاية
2026/10/09

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة