المنام الغريب

المنام الغريب

49 0

مرّت الأيام في فالدوين بهدوء غريب.

لم يحدث شيء يستحق أن تتحدث عنه العائلة طويلًا، ومع ذلك، كانت المدينة تترك خلفها كل يوم تفصيلًا صغيرًا يصعب نسيانه.

في الصباح، كان ماتياس يخرج إلى السوق قبل أن تستيقظ ميرا تمامًا. كان يعمل مع أحد النجارين في دكان صغير قرب الساحة، وعاد جسده أخف مما اعتاد عليه.

في البداية، ظن أن السبب هو اعتياده على العمل.

صار يحمل ألواح الخشب بسهولة.

يرفع الصناديق دون أن يتوقف ليلتقط أنفاسه.

حتى الألم الذي كان يشعر به في كتفيه بعد يوم طويل بدأ يختفي.

ولم يكن يعرف إن كان عليه أن يعتبر ذلك شيئًا جيدًا.

أما هيلينا، فكانت تقضي معظم نهارها في محل الخياطة إلى جانب أغنيس.

كانت تعود أحيانًا وفي يديها قطع قماش جديدة، وتضعها فوق الطاولة، ثم تجلس لتكمل بعض الخياطة في المنزل.

إيفا كانت تذهب إلى المدرسة، وتعود لتجلس قرب النافذة وهي تقرأ أو ترسم.

وميرا...

كانت ميرا لا تزال طفلة.

كانت تركض في الشوارع عندما يسمح لها والدها.

تدخل المخبز أحيانًا لمجرد أن رائحة الخبز أعجبتها.

تراقب الأطفال في الساحة.

وتجلس لساعات وهي تحاول معرفة كيف تعمل بعض الألعاب الخشبية التي وجدتها في متجر الألعاب.

كانت فالدوين، رغم كل شيء، قد أصبحت مألوفة بالنسبة إليها.

وهذا بالذات كان أكثر ما يخيفها أحيانًا.

في ذلك اليوم، عادت ميرا إلى المنزل بعد الظهر.

ألقت معطفها على الكرسي وصعدت إلى غرفتها.

كانت الشمس ضعيفة خلف الغيوم، والضوء الرمادي يتسلل من النافذة.

وضعت ميرا دميتها على السرير.

ثم تمددت بجانبها.

لم تكن متعبة جدًا.

ولم تكن تخطط للنوم.

لكن عينيها أغلقتا وحدهما.

في الخارج، كانت أصوات المدينة تتلاشى شيئًا فشيئًا.

وصارت الغرفة أكثر هدوءًا.

ثم نامت.

فتحت ميرا عينيها.

كانت واقفة في منتصف الشارع.

حدقت حولها.

لم تعرف في البداية ما الذي كان غريبًا.

ثم أدركت.

لا أحد هناك.

كان الشارع الذي اعتادت أن تراه مزدحمًا بالأطفال والباعة والناس فارغًا.

الأبواب مغلقة.

النوافذ مفتوحة.

بعض الستائر تتحرك مع الهواء.

لكن لا أحد خلفها.

مشَت ميرا ببطء.

وصلت إلى الساحة.

المخبز كان مفتوحًا.

لكن صاحبه لم يكن هناك.

محل الخياطة كان مفتوحًا.

لم تجد هيلينا.

حتى دكان الألعاب كان خاليًا.

رفعت ميرا رأسها.

برج الأجراس كان واقفًا في مكانه.

والمدينة كلها بدت كأنها توقفت.

صرخت:

- ماما؟

لم يجبها أحد.

- بابا؟

لا شيء.

- إيفا؟

عاد صوتها إليها من بين الأزقة.

إيفا... إيفا... إيفا...

بدأت ميرا تركض.

فتحت باب منزلها.

كان فارغًا.

الغرف كما هي.

الكراسي في أماكنها.

أكواب على الطاولة.

معطف ماتياس معلق قرب الباب.

لكن لا أحد.

خرجت إلى الشارع من جديد.

ثم رأتهم.

في آخر الطريق.

ماتياس.

هيلينا.

إيفا.

كانوا واقفين معًا.

ركضت نحوهم.

- وين كنتوا؟!

لم يجبها أحد.

اقتربت منهم أكثر.

كانت وجوههم هادئة.

هادئة بشكل غير طبيعي.

قالت ميرا:

- المدينة فاضية!

نظر ماتياس إلى الشوارع.

ثم قال:

- بعرف.

- وين راحوا كلهم؟

لم يجبها.

نظرت إلى هيلينا.

كانت تحدق في يديها.

قالت ميرا:

- ماما؟

رفعت هيلينا رأسها.

ثم نظرت إلى أصابعها.

تراجعت ميرا خطوة.

كان إصبع هيلينا الصغير...

غير موجود.

حدقت فيه.

لم يكن هناك دم.

ولا جرح.

فقط فراغ.

قالت ميرا:

- ماما... إصبعك!

نظرت هيلينا إلى يدها وكأنها تكتشف الأمر للمرة الأولى.

ثم قالت بهدوء:

- آه.

- شو صار؟

هزت رأسها.

- ما بعرف.

نظرت ميرا إلى إيفا.

كانت إيفا تنظر إلى يدها أيضًا.

إصبعان من يدها كانا قد اختفيا.

ثم بدأ أحد أصابع ماتياس بالتلاشي أمام عينيها.

صرخت ميرا:

- بابا!

رفع ماتياس يده.

حدق بها.

ثم قال:

- لا تخافي.

لكن ميرا كانت خائفة.

تراجعت وهي تنظر إليهم.

- نحنا لازم نطلع من هون.

قالت هيلينا:

- لوين؟

- ما بعرف!

ثم نظرت ميرا حولها.

المدينة كلها كانت موجودة.

البيوت.

الكنيسة.

المحال.

البرج.

الأزقة.

كل شيء.

إلا الناس.

بدأ إصبع آخر من يد ميرا يختفي.

حدقت فيه.

- لا...

حاولت تحريكه.

كان موجودًا.

ثم أصبح شفافًا.

ثم اختفى.

بدأت تبكي.

- ماما...

لكن هيلينا لم تتحرك.

كانت تنظر إليها فقط.

وكانت ابتسامتها هادئة.

قالت:

- لا تخافي يا ميرا.

اختفى إصبع آخر.

ثم آخر.

نظرت ميرا إلى عائلتها.

كانت أيديهم تتلاشى ببطء.

وأجسادهم بدأت تصبح أخف.

كأن الهواء يمر من خلالها.

رفعت ميرا رأسها نحو برج الأجراس.

لم يتحرك الجرس.

لكنها سمعت صوتًا.

دونغ...

ثم استيقظت.

جلست ميرا في سريرها وهي تلهث.

كانت الغرفة مظلمة قليلًا.

الشمس ما زالت موجودة خلف النافذة.

وضعت يديها أمام وجهها.

كل أصابعها كانت هناك.

حرّكتها واحدًا واحدًا.

ثم نظرت إلى السرير.

كانت دميتها بجانبها.

من الطابق السفلي، سمعت صوت هيلينا:

- ميرا؟ صحيتي؟

لم تجب فورًا.

كانت لا تزال تنظر إلى أصابعها.

ثم جاء صوت إيفا من الممر:

- ميرا، بدك تنزلي؟

ابتلعت ميرا ريقها.

وضعت يديها تحت الغطاء.

وقالت:

- إي...

لكنها بقيت جالسة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فالدوين

المؤلف remanwrites
2026/09/26 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: المقدمة
2026/09/26
الفصل 2: صباح لم ينم فيه أحد
2026/09/26
الفصل 3: بيت في فالدوين
2026/09/26
الفصل 4: المدرسة في فالدوين
2026/09/26
الفصل 5: أطفال فالدوين
2026/09/26
الفصل 6: الجرس الثاني عشر
2026/09/26
الفصل 7: خيط بارد
2026/09/26
الفصل 8: جنازة غامضة
2026/09/26
الفصل 9: طعم جديد
2026/09/26
الفصل 10: المنام الغريب
2026/09/26
الفصل 11: نهر فالدوين
2026/09/26
الفصل 12: أول ثلج في فالدوين
2026/09/26
الفصل 13: القطار الذي لم يكن هناك
2026/09/26
الفصل 14: عيد لم يكتمل
2026/09/26
الفصل 15: ليلة الفوانيس
2026/09/26
الفصل 16: المقبرة خلف الكنيسة
2026/09/26
الفصل 17: محل الحلويات
2026/09/26
الفصل 18: محل الورد
2026/09/26
الفصل 19: الكرسي الزائد
2026/09/26
الفصل 20: البيت الصغير
2026/09/26
الفصل 21: الرسام
2026/09/26
الفصل 22: شيء ناقص
2026/09/26
الفصل 23: الصندوق القديم
2026/09/26
الفصل 24: الباب المخفي
2026/09/26
الفصل 25: ليلة الموتى
2026/09/26
الفصل 26: عروس ضوء القمر
2026/09/26
الفصل 27: الاجراس
2026/09/26
الفصل 29: القفص
2026/10/05
الفصل 30: مذكرات فالدوين
2026/10/06
الفصل 31: سر النهر
2026/10/07
الفصل 32: المدينة الخائفة
2026/10/08
الفصل 33: القطار الغامض
2026/10/09
الفصل ٢٨: الاغنية الحزينة
2026/10/02
الفصل 34: النهاية
2026/10/09

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة