محل الورد

محل الورد

139 0

كان المساء يقترب ببطء فوق فالدوين.

الثلج غطى أسطح البيوت الحجرية القديمة، وتحولت الشوارع الضيقة إلى ممرات بيضاء بين الجدران السوداء.

كانت ميرا تمشي بجانب أمها هيلينا عائدتين إلى المنزل.

كانت هيلينا تحمل سلة صغيرة فيها بعض الخيوط والقطع القماشية التي أخذتها من متجر أغنيس.

قالت ميرا وهي تقفز فوق طبقة رقيقة من الثلج:

- أمي، هل تعتقدين أن الثلج سيبقى طويلًا هذه السنة؟

ابتسمت هيلينا.

- في فالدوين... أحيانًا يبقى كل شيء أطول مما نتوقع.

لم تفهم ميرا معنى كلامها.

نظرت حولها.

كان الناس ما زالوا يعيشون يومهم بشكل طبيعي.

رجل يغلق باب متجره.

امرأة تحمل خبزًا ساخنًا إلى بيتها.

أطفال يركضون في الشارع قبل أن يعودوا إلى منازلهم.

وعند البيت المقابل، كان السيد أدريان يصلح قطعة خشب أمام منزله كعادته.

لوحت له ميرا.

رفع يده مبتسمًا.

- مساء الخير يا ميرا.

- مساء الخير يا سيد أدريان.

كان كل شيء عاديًا.

هادئًا.

حتى جاء الصوت.

بووووووم...

توقفت ميرا.

تغير وجه هيلينا فورًا.

لم تحتج إلى أن تقول شيئًا.

فهم الجميع.

من فوق الأبراج السوداء المنتشرة في أنحاء فالدوين...

بدأت الأجراس السوداء الاثنا عشر بالرنين.

بووووووم...

بووووووم...

لم تكن أصواتها تشبه أجراس الكنائس.

كانت أعمق.

أثقل.

كأن شيئًا هائلًا يضرب قلب المدينة من الداخل.

تغير الشارع في لحظة.

توقفت الأحاديث.

تجمدت الخطوات.

رفع الناس رؤوسهم نحو الأبراج، ثم بدأوا يتحركون بسرعة.

الأبواب أغلقت.

النوافذ الخشبية أُحكم إغلاقها.

الأضواء بدأت تنطفئ واحدًا بعد الآخر.

مصباح في بيت.

ثم آخر.

ثم آخر.

خلال دقائق، اختفت فالدوين خلف الظلام.

لم يصرخ أحد.

لم يسأل أحد لماذا.

فالجميع يعرف.

عندما ترن الأجراس السوداء الاثنا عشر...

يجب أن تختبئ المدينة.

أمسكت هيلينا بيد ميرا وسارعت بها نحو المنزل.

دخلتا وأغلق ماتياس الباب خلفهما.

أطفأ المصباح.

بقي ضوء النار فقط يتحرك على الجدران.

جلس الجميع بصمت.

حتى الريح بدت وكأنها توقفت.

في الخارج...

كانت فالدوين مدينة بلا سكان.

مدينة كاملة تختبئ من صوت أجراسها.

استمرت الأجراس.

كل رنين كان يهز الزجاج.

كل رنين كان يجعل ميرا تشعر بأن شيئًا تحت الأرض يستيقظ.

ثم جاء الرنين الأخير.

بووووووم...

وسكتت الأجراس.

لكن الصمت الذي جاء بعدها كان أكثر رعبًا.

في الصباح...

استيقظت ميرا قبل الجميع.

لم تعرف السبب.

كان هناك شعور غريب يوقظها.

اقتربت من النافذة.

نظرت إلى البيت المقابل.

بيت السيد أدريان.

توقفت.

كان هناك شيء غير صحيح.

البيت موجود.

الباب موجود.

لكن...

لا أحد في الداخل.

نزلت بسرعة.

وجدت والدها وأمها في المطبخ.

قالت:

- أين السيد أدريان؟

نظر إليها ماتياس باستغراب.

- من؟

شعرت ميرا ببرودة.

- جارنا... الرجل الذي يعيش أمامنا.

ساد الصمت.

ثم قالت هيلينا بهدوء:

- ميرا، لا يوجد أحد هناك.

لكن ميرا كانت تعرف.

رأته بالأمس.

سمعت صوته.

رأت يده عندما لوح لها.

خرجت إلى الشارع.

كان البيت هادئًا.

والأغرب...

أن كل الناس يمرون بجانبه دون أن يتوقف أحد.

كأن البيت لم يسكنه أحد أبدًا.

ثم رأتها.

وردة.

كانت أمام الباب.

لم تكن مثل ورود فالدوين.

فورود المدينة كانت سوداء، بنفسجية، وخمرية اللون.

أما هذه...

فكانت جميلة بشكل لا يشبه أي شيء آخر.

اقتربت امرأة من البيت.

كانت كلارا، زوجة أدريان.

نظرت إلى الوردة طويلًا.

لم يظهر الحزن على وجهها.

فقط إحساس غريب لا تستطيع تفسيره.

همست:

- لا أعرف لماذا...

ثم انحنت وقطفتها.

اقتربت ميرا منها.

- كلارا... هل تعرفين لمن هذه الوردة؟

نظرت المرأة إليها.

ابتسمت بحيرة.

- لا.

ثم نظرت إلى الوردة.

- لكن أشعر أنني يجب أن آخذها إلى مكانها.

ومشت.

تبعتها ميرا.

حتى وصلتا إلى محل الورد القديم في فالدوين.

كان المحل مختلفًا عن بقية المدينة.



من الخارج كان مبنى قوطيًا قديمًا، بحجارة داكنة ونوافذ طويلة.

لكن من الداخل...

كان دافئًا.

رائحة الزهور ملأت المكان.

شموع صغيرة كانت تضيء الرفوف الخشبية.

وكانت هناك ورود كثيرة.

سوداء.

بنفسجية.

وخمرية.

لكن في زاوية المحل...

كانت هناك سلة كبيرة.

اقتربت ميرا قليلًا.

كانت مليئة بورود مختلفة.

بعضها جميل كأنه قُطف اليوم.

وبعضها جاف.

لكن الغريب أنها لم تتحلل.

دخلت صاحبة المحل.

امرأة هادئة بعينين تحملان عمرًا طويلًا.

أخذت الوردة من كلارا.

ولم تسأل شيئًا.

ذهبت إلى الغرفة الخلفية.

وضعتها في السلة.

ثم أشعلت شمعة أمام الورود.

وأغلقت عينيها.

بدأت تصلي.

وقفت ميرا تراقبها.

ثم سألت:

- لماذا تفعلين هذا؟

فتحت المرأة عينيها.

- لأن هذا ما نفعله دائمًا.

- لماذا؟

نظرت إلى السلة.

- لا أعرف.

سكتت قليلًا.

ثم قالت:

- منذ زمن بعيد، عندما تظهر وردة أمام بيت أحدهم بعد رنين الأجراس... كان الناس يأخذونها إلى هنا.

- لماذا؟

ابتسمت بحزن.

- كانوا يقولون إنها ذكرى من شخص أحبوه وفقدوه.

نظرت إلى الورود الجافة.

- لكن المشكلة...

توقفت.

- أننا لا نعرف من هم الأشخاص الذين نتذكرهم.

نظرت ميرا إلى السلة.

شعرت بشيء بارد في قلبها.

فالدوين كانت تنسى الناس.

لكن شيئًا ما...

كان يرفض أن ينساهم.

حتى لو بقي فقط...

وردة واحدة. 🌹

في اليوم التالي، عندما مرت ميرا قرب محل الورد، توقفت دون أن تعرف السبب.

كان الثلج ما يزال يغطي حواف النوافذ الحجرية، والشارع هادئًا كعادته.

كانت ستكمل طريقها...

لكن رائحة الورد وصلت إليها من خلف الباب الخشبي القديم.

ترددت قليلًا.

ثم دفعت الباب.

رن الجرس الصغير المعلق فوقه.

دخلت.

استقبلها الدفء أولًا.

كان هناك فرق كبير بين المحل والشارع.

في الخارج كانت فالدوين باردة، رمادية، وصامتة.

أما هنا...

فكان هناك صوت خفيف للنار.

في زاوية المحل، كانت مدفأة قوطيّة قديمة مشتعلة، مصنوعة من الحديد الأسود، وعلى جوانبها نقوش تشبه أغصانًا ملتفة.

كانت النار تتحرك داخلها بهدوء، تلقي ضوءًا ذهبيًا على الجدران الخشبية.

رفعت ميرا عينيها.

لم يكن المحل كبيرًا، لكنه كان مليئًا بالأشياء.

رفوف طويلة تحمل أوعية زجاجية قديمة.

شموع صغيرة بين الورود.

أدوات حديدية معلقة على الجدار.

وفي الوسط، كانت صاحبة المحل تعمل بصمت.

كانت تمسك وردة بنفسجية بين أصابعها.

قصّت أطراف ساقها بحذر بمقص قديم، ثم وضعتها في إناء زجاجي مملوء بالماء.

ثم أخذت وردة سوداء.

نظرت إليها قليلًا قبل أن تقصها.

كأنها تعرف بالضبط أين يجب أن تلمسها.

وقفت ميرا تراقبها.

كانت المرأة لا تتعامل مع الورود كأنها بضائع.

كانت ترتبها بهدوء شديد.

تضع الورود البنفسجية بجانب السوداء.

وتترك بينهما بعض الورود الخمرية الصغيرة.

قالت ميرا:

- لماذا تضعينها هكذا؟

رفعت المرأة رأسها وابتسمت.

- لأن كل وردة تحتاج إلى مكان يناسبها.

نظرت ميرا إلى الرفوف.

- حتى الورود السوداء؟

نظرت صاحبة المحل إلى الوردة في يدها.

- خصوصًا السوداء.

ثم وضعتها في الماء.

كانت ميرا تحب مشاهدة الطريقة التي تعمل بها.

كل شيء كان له ترتيب.

قص الأغصان.

تغيير الماء.

تنظيف الأوراق.

إزالة الثلج الذي يذوب على أطراف النوافذ.

حتى الشموع كانت تشعلها في نفس الأماكن كل يوم.

سألت ميرا:

- هل تفعلين هذا كل يوم؟

أجابت المرأة:

- نعم.

- ألا تملين؟

ابتسمت.

- الأشياء التي نعتني بها كثيرًا تصبح جزءًا من أيامنا.

اقتربت ميرا من طاولة صغيرة قرب الباب.

كانت عليها مجموعة ورود جاهزة للبيع.

واحدة بنفسجية داكنة.

واحدة سوداء مثل حبر قديم.

وواحدة خمريّة بلون قريب من لون النبيذ.

ترددت.

ثم أشارت إلى وردة صغيرة بنفسجية.

- أريد هذه.

رفعت صاحبة المحل الوردة.

- اختيار جميل.

نظرت ميرا إليها.

لم تكن تعرف لماذا اختارتها.

ربما لأنها كانت تشبه لون المساء في فالدوين.

لونًا بين الضوء والظلام.

لفّت المرأة الوردة بورق بني قديم وربطتها بخيط رفيع.

وعندما أمسكتها ميرا، شعرت بدفء غريب.

نظرت مرة أخيرة إلى المحل.

إلى المدفأة.

إلى الشموع.

إلى الورود التي تنتظر أصحابها على الرفوف.

وللحظة قصيرة...

شعرت أن هذا المكان يعرف حزن المدينة كلها.

لكنها لم تعرف لماذا.

خرجت إلى الثلج.

وأغلق الباب خلفها بصوت الجرس الصغير.

وعاد محل الورد هادئًا كما كان دائمًا. 🌹

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فالدوين

المؤلف remanwrites
2026/09/26 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: المقدمة
2026/09/26
الفصل 2: صباح لم ينم فيه أحد
2026/09/26
الفصل 3: بيت في فالدوين
2026/09/26
الفصل 4: المدرسة في فالدوين
2026/09/26
الفصل 5: أطفال فالدوين
2026/09/26
الفصل 6: الجرس الثاني عشر
2026/09/26
الفصل 7: خيط بارد
2026/09/26
الفصل 8: جنازة غامضة
2026/09/26
الفصل 9: طعم جديد
2026/09/26
الفصل 10: المنام الغريب
2026/09/26
الفصل 11: نهر فالدوين
2026/09/26
الفصل 12: أول ثلج في فالدوين
2026/09/26
الفصل 13: القطار الذي لم يكن هناك
2026/09/26
الفصل 14: عيد لم يكتمل
2026/09/26
الفصل 15: ليلة الفوانيس
2026/09/26
الفصل 16: المقبرة خلف الكنيسة
2026/09/26
الفصل 17: محل الحلويات
2026/09/26
الفصل 18: محل الورد
2026/09/26
الفصل 19: الكرسي الزائد
2026/09/26
الفصل 20: البيت الصغير
2026/09/26
الفصل 21: الرسام
2026/09/26
الفصل 22: شيء ناقص
2026/09/26
الفصل 23: الصندوق القديم
2026/09/26
الفصل 24: الباب المخفي
2026/09/26
الفصل 25: ليلة الموتى
2026/09/26
الفصل 26: عروس ضوء القمر
2026/09/26
الفصل 27: الاجراس
2026/09/26
الفصل 29: القفص
2026/10/05
الفصل 30: مذكرات فالدوين
2026/10/06
الفصل 31: سر النهر
2026/10/07
الفصل 32: المدينة الخائفة
2026/10/08
الفصل 33: القطار الغامض
2026/10/09
الفصل ٢٨: الاغنية الحزينة
2026/10/02
الفصل 34: النهاية
2026/10/09

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة