ليلة الموتى

ليلة الموتى

116 0

كان الهالوين من أكثر ليالي السنة انتظارًا في فالدوين.

منذ الصباح، بدأت رائحة اليقطين المشوي تنتشر في الأزقة، وامتلأت نوافذ البيوت بالشموع والفوانيس الصغيرة.

كان الأطفال يتنقلون من منزل إلى آخر وهم يحملون سلالًا صغيرة، يطلبون الحلوى من الجيران، بينما كانت النساء يجهزن الأزياء في الداخل.

بعض الأطفال ارتدوا ملابس الأشباح.

وبعضهم تنكروا على هيئة مصاصي دماء، وساحرات، وموتى خرجوا من قبورهم.

أما ميرا، فكانت تجلس إلى جانب إيفا أمام طاولة خشبية، تحاول حفر وجه على يقطينة كبيرة.

"لا، هيك عيونها صغار."

قالت إيفا وهي تضحك.

"بس أنا بدي ياها تخوف."

"أنتِ عم تعمليها كأنها زعلانة."

"لأنها زعلانة."

ضحكت إيفا، ثم بدأت تساعدها في تفريغ اليقطينة من الداخل.

بعد دقائق، وضعوا شمعة صغيرة في وسطها.

وأشعلتها ميرا.

أضاء الوجه البرتقالي المنحوت، وظهر ضوء الشمعة من خلال العينين والفم، بينما كان المطر الخفيف يطرق زجاج النافذة.

قالت هيلينا من خلفهما:

"لا تتركوا الباب مفتوحًا طويلًا. الضباب دخل إلى الشارع."

اقتربت ميرا من النافذة.

كانت المدينة قد بدأت تختفي.

ضباب أبيض كثيف انزلق بين البيوت الحجرية السوداء، واختلط برذاذ المطر حتى بدت الأزقة وكأنها تمتد إلى مكان آخر.

ثم-

انطفأت الشمعة.

ميرا عبست.

"إيفا، إنتِ نفختي عليها؟"

"لا."

أعادت ميرا إشعالها.

اشتعلت.

وبعد ثوانٍ...

انطفأت كل أضواء البيت.

توقفتا.

حتى صوت المطر بدا أوضح في الظلام.

"بابا؟"

نادَت إيفا.

جاء صوت ماتياس من الغرفة الأخرى:

"شو صار؟"

"الشموع كلها انطفت."

اقترب ماتياس، وأشعل مصباحًا صغيرًا.

نظر إلى اليقطينة.

كانت شمعتها لا تزال مشتعلة.

حدق بها للحظة.

"يمكن الهواء."

قالها ببساطة، ثم عاد لإشعال الفوانيس.

لكن ميرا ظلت تنظر إلى اليقطينة.

لم يكن هناك أي هواء.

ولا نافذة مفتوحة.

وبعد دقائق، عادت الأضواء إلى المنزل.

وكأن شيئًا لم يحدث.

مع حلول الليل، خرج الأطفال إلى الشوارع.

كان عددهم كبيرًا جدًا.

ميرا وإيفا انضمتا إلى المجموعة، وسارا بين الأطفال الذين كانوا يركضون ويضحكون، وأصوات أجراس صغيرة معلقة على بعض أزيائهم ترن مع خطواتهم.

كان المشهد جميلًا.

فوانيس مضيئة.

أقنعة.

ضحكات.

حلويات.

وضباب يمر بين الأرجل.

لكن بعد عدة دقائق، بدأت ميرا تشعر بشيء غريب.

كانت المجموعة أكبر مما كانت عليه قبل قليل.

نظرت خلفها.

ثم أمامها.

كان هناك أطفال كثيرون.

أكثر بكثير من الأطفال الذين خرجوا من بيوتهم أصلًا.

بعضهم كانت أزياءه غريبة.

طفل يرتدي معطفًا رماديًا طويلًا حتى الأرض.

طفلة ترتدي فستانًا أبيض قديمًا.

طفل آخر كان وجهه مغطى بقناع أسود كامل.

ميرا لم تتذكر رؤيتهم من قبل.

التفتت إلى إيفا.

"هدول من وين إجوا؟"

"مين؟"

أشارت ميرا إلى المجموعة.

"الأطفال هدول."

نظرت إيفا.

ثم قالت:

"يمكن من الحي التاني."

لكن ميرا لم تكن مقتنعة.

لأنها لاحظت شيئًا آخر.

كل الأطفال كانوا يحملون سلالًا للحلوى.

إلا أولئك الأطفال.

كانوا يمشون بأيدي فارغة.

ولا أحد منهم كان يطلب الحلوى.

فقط يمشون مع المجموعة.

صامتين.

عند نهاية الشارع، مرت امرأة جعلت الجميع يلتفتون إليها.

كانت جميلة بشكل لافت.

شعرها الأسود الطويل كان مرتبًا بعناية، وفستانها القديم أنيقًا جدًا، لكن وجهها كان أبيض كوجه جثة.

كانت عيناها محاطتين بالسواد.

وعلى رقبتها آثار زرقاء مرسومة كأنها كدمات.

وشفاهها زرقاء باهتة.

بدت وكأنها ميتة منذ أيام.

بعض الأطفال ضحكوا عندما رأوها.

قال أحدهم:

"أجمل زي الليلة!"

ابتسمت المرأة.

ثم أكملت طريقها.

ميرا ظلت تراقبها.

كانت متأكدة أنها تعرف معظم نساء فالدوين.

لكنها لم تعرف هذه المرأة.

ولا أحد من حولها بدا وكأنه يعرفها.

حتى عندما مرت بجانب مجموعة من النساء، لم تتوقف واحدة منهن لتحيتها.

كأنها كانت غريبة تمامًا عن المدينة.

ومع ذلك...

كانت تمشي في فالدوين وكأنها تعرف كل شارع فيها.

بدأ المطر يزداد قليلًا.

تفرقت مجموعات الأطفال بين الأزقة، وبقيت آثار أحذيتهم واضحة على الأرض المبللة.

ثم رأت ميرا شيئًا جعلها تتوقف.

كانت هناك آثار خطوات على الوحل.

لكنها لم تكن تشبه أي آثار تعرفها.

صغيرة.

حافية.

ومتباعدة بشكل غريب.

ظهرت من وسط الضباب، وسارت بمحاذاة الجدار.

ثم توقفت.

رفعت ميرا عينيها.

لم يكن هناك أحد.

نظرت خلفها.

لا أحد.

ثم لاحظت أن آثار الخطوات بدأت من مكان لا ينبغي أن تبدأ منه.

من منتصف الطريق.

وكأن صاحبها لم يأتِ من أي شارع.

بل ظهر هناك فجأة.

سمعت ميرا ضحكات الأطفال من بعيد.

ثم عادت لتنظر إلى المجموعة.

كان الأطفال الذين يرتدون الأزياء يركضون بين الضباب.

لكن للحظة قصيرة جدًا، شعرت أن عددهم ازداد مرة أخرى.

واحدًا.

ثم اثنين.

ثم ثلاثة.

أطفال لم ترهم من قبل.

وجوههم مغطاة.

وثيابهم قديمة.

وكانوا يمشون بهدوء خلف الآخرين.

ميرا رمشت.

اختفوا.

وبقي الضباب وحده.

رفعت رأسها نحو أبراج فالدوين السوداء.

ومن مكان بعيد جدًا، وسط ضحكات الأطفال وصوت المطر، بدا لها أنها سمعت...

جرسًا واحدًا.

حلّ الليل تمامًا على فالدوين.

انطفأت معظم الفوانيس المعلقة في الأزقة، وعادت العائلات إلى بيوتها بعد انتهاء احتفالات الهالوين.

بقيت بعض اليقطينات مضاءة أمام الأبواب، تتراقص ألسنة الشموع داخلها مع الهواء البارد.

كان المطر لا يزال يهطل بخفة.

والضباب لم يغادر.

بل ازداد كثافة حتى غطّى الشوارع الحجرية، وصار من الصعب رؤية البيوت المقابلة.

أغلقت العائلات نوافذها وأبوابها.

وفي الداخل، بدأت المدينة تهدأ شيئًا فشيئًا.

كان الأطفال قد ناموا أو جلسوا قرب المدافئ يتحدثون عن الأزياء والحلوى.

وكان الكبار يتناقشون حول احتفال الليلة.

ثم، في مكان ما من الشارع...

بدأت الموسيقى.

كانت ناعمة جدًا.

لحنًا بطيئًا وحزينًا، تعزفه آلة لا يمكن تحديدها.

وصل الصوت من بعيد، كأنه يأتي من نهاية أحد الأزقة.

توقفت الأحاديث داخل البيوت.

رفع الناس رؤوسهم.

"مين لسا بالشارع؟"

سألت إحدى النساء زوجها.

اقترب من النافذة، لكنه لم يفتح الستارة.

"يمكن حدا من الأطفال."

قالها، لكن صوته لم يكن واثقًا.

استمرت الموسيقى.

لحن واحد.

يتكرر.

ثم يختفي قليلًا...

ويعود من مكان أقرب.

في أحد البيوت، أطفأت أم الشمعة قرب النافذة.

وفي بيت آخر، أغلق رجل الستارة بالكامل.

لم يخرج أحد ليتحقق.

فالشارع كان فارغًا.

في منزل عائلة ميرا، كان الجميع قد ذهبوا إلى غرفهم.

كانت ميرا مستلقية على سريرها، لكنها لم تستطع النوم.

كانت تفكر بالأطفال الذين ظهروا وسط المجموعة.

والمرأة التي لم يعرفها أحد.

وآثار الأقدام التي بدأت من منتصف الطريق.

ثم سمعت الموسيقى.

فتحت عينيها.

جلست على السرير.

كان اللحن يصل إلى غرفتها بوضوح أكبر من بقية المنزل.

اقتربت من النافذة.

مدت يدها وأزاحت الستارة قليلًا.

كان الزجاج باردًا.

في الخارج، كان المطر ينزل بهدوء، والضباب يغطي الشارع.

لم تستطع رؤية أي شخص.

لكن الموسيقى كانت لا تزال موجودة.

نظرت ميرا إلى أسفل.

لم يكن هناك أحد.

ثم رفعت عينيها نحو الجهة المقابلة من الشارع.

بيت أسود.

نافذة مغلقة.

باب مغلق.

ولا ضوء في الداخل.

عادت الموسيقى.

هذه المرة من مكان أقرب.

ميرا اقتربت أكثر من الزجاج.

وفجأة...

ظهر شيء أمام النافذة.

لم يأتِ من الشارع.

لم يقترب من بين البيوت.

لم ترَ ميرا أي حركة.

كان هناك فقط...

ثم ظهر.

وجه شاحب ومشوه التصق بالزجاج من الخارج.

تراجعت ميرا بعنف.

كان وجهًا لا يشبه وجه إنسان.

إحدى عينيه كانت أكبر من الأخرى، وفمه ملتوي إلى جانب وجهه، والجلد بدا وكأنه مشدود بطريقة خاطئة فوق عظامه.

لم يكن يرمش.

ولم يتحرك.

فقط كان ينظر إليها.

شهقت ميرا، وسقطت على الأرض.

وبقي الشيء خلف الزجاج.

ثابتًا.

ثم بدأ رأسه يميل ببطء إلى أحد الجانبين.

طَق.

صوت خفيف صدر من رقبته.

ميرا لم تستطع الحركة.

وفجأة...

اختفى.

لم يبتعد.

لم يسقط.

لم يتحرك إلى أي مكان.

كان موجودًا أمام النافذة-

ثم لم يعد موجودًا.

بقي المطر وحده.

والضباب.

والموسيقى الحزينة.

لكن هذه المرة، لم تعد الموسيقى تأتي من الشارع.

كانت تأتي من خلف باب غرفة ميرا.

تجمدت في مكانها.

ثم سمعت نغمة واحدة.

هادئة.

قريبة جدًا.

وتبعها صوت شيء يجرّ قدمه ببطء في الممر.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

فالدوين

المؤلف remanwrites
2026/09/26 مكتملة
قائمة الفصول (34)
الفصل 1: المقدمة
2026/09/26
الفصل 2: صباح لم ينم فيه أحد
2026/09/26
الفصل 3: بيت في فالدوين
2026/09/26
الفصل 4: المدرسة في فالدوين
2026/09/26
الفصل 5: أطفال فالدوين
2026/09/26
الفصل 6: الجرس الثاني عشر
2026/09/26
الفصل 7: خيط بارد
2026/09/26
الفصل 8: جنازة غامضة
2026/09/26
الفصل 9: طعم جديد
2026/09/26
الفصل 10: المنام الغريب
2026/09/26
الفصل 11: نهر فالدوين
2026/09/26
الفصل 12: أول ثلج في فالدوين
2026/09/26
الفصل 13: القطار الذي لم يكن هناك
2026/09/26
الفصل 14: عيد لم يكتمل
2026/09/26
الفصل 15: ليلة الفوانيس
2026/09/26
الفصل 16: المقبرة خلف الكنيسة
2026/09/26
الفصل 17: محل الحلويات
2026/09/26
الفصل 18: محل الورد
2026/09/26
الفصل 19: الكرسي الزائد
2026/09/26
الفصل 20: البيت الصغير
2026/09/26
الفصل 21: الرسام
2026/09/26
الفصل 22: شيء ناقص
2026/09/26
الفصل 23: الصندوق القديم
2026/09/26
الفصل 24: الباب المخفي
2026/09/26
الفصل 25: ليلة الموتى
2026/09/26
الفصل 26: عروس ضوء القمر
2026/09/26
الفصل 27: الاجراس
2026/09/26
الفصل 29: القفص
2026/10/05
الفصل 30: مذكرات فالدوين
2026/10/06
الفصل 31: سر النهر
2026/10/07
الفصل 32: المدينة الخائفة
2026/10/08
الفصل 33: القطار الغامض
2026/10/09
الفصل ٢٨: الاغنية الحزينة
2026/10/02
الفصل 34: النهاية
2026/10/09

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة