كان الأطفال يلعبون في أحد أزقة فالدوين في ذلك الصباح.
كانت ميرا تجلس معهم على الأرض، تضحك كلما حاول أحدهم أن يخطف اللعبة من الآخر، ثم تعيدها إليهم وهي تهددهم بأنها لن تلعب معهم إذا استمروا بالغش.
ركض أحد الأطفال بعيدًا، وتبعه اثنان آخران.
بقيت ميرا مع مجموعة أصغر قرب طرف الساحة.
وهناك، لفت انتباهها صوت طفلة تجلس وحدها تحت شجرة.
كانت تمسك لعبة صغيرة بين يديها، وتحركها وكأنها تتحدث إليها.
لكنها لم تكن تتحدث.
كانت تدندن.
توقفت ميرا عن اللعب.
استمعت.
كان اللحن جميلًا.
هادئًا جدًا، وفيه شيء جعل ميرا تشعر بالحزن رغم أنها لم تسمعه من قبل.
لم تكن هناك كلمات.
فقط لحن قصير يتكرر.
دندنت الطفلة المقطع نفسه، ثم سكتت قليلًا، ثم أعادته.
اقتربت ميرا منها وجلست بجانبها.
- «شو عم تغني؟»
رفعت الطفلة رأسها.
- «شو؟»
ابتسمت ميرا.
- «الأغنية اللي عم تغنيها»
نظرت الطفلة إلى لعبتها.
- «ما بعرف.»
ضحكت ميرا بخفة.
- «كيف ما بتعرفي؟ إنتِ اللي عم تغنيها.»
هزت الطفلة كتفيها.
- «ما بعرف من وين جبتها.»
نظرت ميرا إليها باهتمام.
- «يعني سمعتيها من حدا؟»
فكرت الطفلة قليلًا.
- «مالي متذكرة.»
- «ولا من وين سمعتيها؟»
هزت رأسها.
- «لا.»
ثم عادت تحرك اللعبة بين يديها.
سألتها ميرا:
- «طيب مين علّمك ياها؟»
- «ما حدا.»
- «متأكدة؟»
- «إي.»
سكتت ميرا.
كان اللحن جديدًا عليها تمامًا.
لم تسمعه في الساحة، ولا في البيوت القريبة، ولا في أي مكان من قبل.
قالت:
- «بس حلوة.»
رفعت الطفلة عينيها إليها.
- «بتحبيها؟»
- «إي.»
ابتسمت الطفلة قليلًا.
ثم قالت:
- «أنا بحبها كمان.»
توقفت لحظة.
- «بس بحس اني حزينة لما بغنيها.»
نظرت ميرا إلى وجهها.
- «حزينة؟»
هزت رأسها.
- «إي.»
- «ليش؟»
- «ما بعرف.»
حركت اللعبة في يديها.
لم تحاول ميرا أن تسألها أكثر.
كان واضحًا أن الطفلة نفسها لا تعرف الإجابة.
بعد قليل، سألتها:
- «وين بيتكم؟»
أشارت الطفلة إلى آخر الزقاق.
- «هناك.»
وقفت ميرا.
- «تعالي، بوصلك.»
أمسكت الطفلة لعبتها، ونهضت.
كان البيت صغيرًا.
فتحَت الطفلة الباب ودخلت، وتبعتها ميرا.
أول ما دخلت، شعرت ميرا بالبرد.
كان الجو داخل البيت أبرد من الخارج بكثير.
نظرت حولها.
كان كل شيء مرتبًا، لكنه بدا ساكنًا أكثر مما ينبغي.
في الغرفة الرئيسية كان والد الطفلة جالسًا قرب النافذة.
رفع رأسه عندما دخلت ابنته.
ثم نظر إلى ميرا.
- «أهلًا.»
- «أهلًا.»
وضعت الطفلة لعبتها على الطاولة، ثم جلست قرب أبيها.
احضر الاب القليل من البسكوت وقدمه لميرا وسأل ابنته
- «مين رفيقتك؟»
اجابت
- «ميرا. كانت عم تلعب معنا.»
ابتسم لها.
- «أهلًا ميرا»
جلست ميرا معهم.
بعد دقائق قليلة، بدأت تلاحظ تفاصيل البيت.
لا يوجد أصوات امرأة.
لا يوجد أحد آخر.
فقط الرجل وابنته.
سألت ميرا:
- «إنتو عايشين هون لحالكم؟»
أجاب الأب:
- «إي.»
ثم نظر إلى ابنته.
- «أنا وهي.»
كان صوته هادئًا.
لكن ميرا لاحظت الحزن في وجهه.
لم يكن يعرف لماذا يبدو حزينًا.
ولم يكن يفعل شيئًا يدل على أنه يحاول إخفاء ذلك.
كان فقط... حزينًا.
سألته ميرا:
- «من زمان وإنتو لحالكم؟»
فكر قليلًا.
- «من وقت ما بتذكر.»
ثم ابتسم لابنته.
- «دائمًا كنت أنا وهي.»
نظرت ميرا إلى الطفلة.
ثم سألتها:
- «وين أمك؟»
توقفت الطفلة عن اللعب.
رفعت رأسها.
- «أمي؟»
- «إي.»
بقيت صامتة للحظات.
ثم قالت:
- «ما بعرف.»
انتظرت ميرا.
- «يعني... ما بتتذكريها؟»
هزت الطفلة رأسها.
- «ما بتذكر إن كان إلي أم من قبل.»
نظرت ميرا إلى الأب.
كان ينظر إلى ابنته بهدوء.
لم تظهر على وجهه صدمة.
فقط شيء من الحزن.
كانت الطفلة قد عادت إلى لعبتها.
ساد الصمت.
نظرت ميرا إليها.
ثم بدأت تنظر حول الغرفة.
وهناك، قرب باب غرفة أخرى، رأت شيئًا جعلها تتوقف.
كانت هناك ملابس معلقة.
فستان امرأة.
وشال.
ومعطف طويل.
ملابس امرأة بالغة.
نظرت إليها ميرا طويلًا.
ثم التفتت إلى الرجل.
- «هاي الملابس لمين؟»
نظر الأب إلى المكان الذي أشارت إليه.
بقي صامتًا.
ثم نهض.
اقترب من الملابس.
لمس المعطف.
تأمل الفستان.
وبدا عليه الاستغراب.
- «ما بعرف.»
قالتها ميرا:
- «ما بتعرف؟»
هز رأسه.
- «لا.»
ثم نظر إلى ابنته.
- «ما بتذكر إن حدا كان يلبسها.»
اقتربت الطفلة من الملابس.
نظرت إليها قليلًا.
ثم قالت:
- «يمكن كانت لامرأة كانت ساكنة هون؟»
قال أبوها:
- «ما بتذكر.»
لم تبدُ عليه الرغبة في البحث عن تفسير.
كان فعلًا لا يعرف.
وكأن عقله لا يحتوي على أي ذكر لامرأة كانت تعيش في هذا البيت.
لكن الملابس كانت موجودة.
معلقة بهدوء.
وكأن صاحبتها ستعود في أي لحظة.
جلست الطفلة مجددًا.
أخذت لعبتها.
وبعد لحظات بدأت تدندن.
نفس اللحن.
رفعت ميرا رأسها.
نظر الأب إلى ابنته.
لم يقل شيئًا.
لكن الحزن عاد إلى عينيه.
عاد الصمت إلى البيت.
وبقيت الطفلة تدندن الأغنية بهدوء.
لم يعرف أحد من أين جاءت.
ولا من علّمها إياها.
بعد أن بقيت ميرا لبعض الوقت
قالت للطفلة بلطف:
- «لازم أرجع عالبيت.»
رفعت الطفلة رأسها.
- «هلق؟»
- «إي، صار الوقت.»
ابتسمت لها الطفلة، ثم أمسكت لعبتها.
- «بترجعي بكرا؟»
ابتسمت ميرا.
- «إي، برجع.»
ودعتها، ثم خرجت من البيت وأغلقت الباب خلفها.
كان النهار قد أصبح أكثر غيومًا.
السماء فوق فالدوين كانت مغطاة بسحب رمادية كثيفة، والضوء خافتًا رغم أن الوقت لم يكن قد تأخر.
بدأ المطر ينزل بهدوء.
قطرات صغيرة ومتفرقة سقطت على أسطح البيوت، وعلى الطرقات الحجرية، وعلى أغصان الأشجار.
رفعت ميرا وجهها قليلًا نحو السماء.
وصلت بعض القطرات إلى وجهها، فمسحتها بيدها وتابعت طريقها.
كانت الشوارع هادئة.
المحال مفتوحة، لكن الناس أصبحوا أسرع في مشيهم بسبب المطر.
مرّت ميرا بين البيوت وهي تفكر في الطفلة.
كانت صورة الملابس المعلقة في البيت تعود إلى ذهنها كلما حاولت أن تنساها.
تابعت سيرها حتى وصلت إلى منزلها.
فتحت الباب ودخلت.
أغلقت الباب خلفها، بينما استمر المطر بالخارج.
وقفت ميرا للحظة تستمع إلى صوته وهو يطرق زجاج النوافذ بهدوء.
ثم خلعت معطفها وتركته جانبًا.
لم تقل شيئًا.
لكن اللحن بقي عالقًا في رأسها.
أغنية لا تعرف من أين جاءت، وطفلة لا تعرف من أين سمعتها.
وانتهى النهار بهدوء فوق فالدوين.
remanwrites