كان صباحًا عاديًا في فالدوين.
على الأقل، هكذا بدا لميرا.
استيقظت على صوت المطر وهو يضرب زجاج النافذة، وبقيت للحظات تحت الغطاء تراقب قطرات الماء وهي تنزلق ببطء على الزجاج.
في الخارج، كانت المدينة رمادية كعادتها.
المباني الحجرية السوداء متلاصقة، والشارع الضيق أمام المنزل مبلل، والناس يعبرون بسرعة وهم يخفون وجوههم تحت معاطفهم.
نهضت ميرا من سريرها وارتدت ملابسها.
عندما خرجت من الغرفة، كانت إيفا جالسة إلى الطاولة.
كانت تمسك قطعة خبز بيد، وتحاول باليد الأخرى أن تخفي قطعة ثانية خلف ظهرها.
نظرت إليها ميرا.
- إيفا.
توقفت إيفا.
- نعم؟
- شو مخبية؟
- ولا شي.
اقتربت ميرا.
- إيفا.
أخرجت إيفا قطعة الخبز من خلف ظهرها.
- كنت رح آكلها بعدين.
ضحكت ميرا.
- هاي تالت قطعة.
- ما في دليل.
- في فتات على وجهك.
مسحت إيفا خدها بسرعة.
- وين؟
ضحكت ميرا أكثر.
في الجهة الأخرى من الغرفة، كان ماتّياس يحاول إصلاح مقبض كرسي مكسور، بينما كانت هيلينا ترتب بعض الأقمشة.
كان كل شيء طبيعيًا.
دافئًا.
بسيطًا.
وهذا جعل ميرا تستمتع بالصباح أكثر مما تعرف.
لأن فالدوين لم تكن تمنح الناس الكثير من الأيام التي يشعرون فيها أن كل شيء طبيعي.
في المساء، بدأت المدينة تهدأ.
أُغلقت المتاجر واحدًا تلو الآخر.
عاد العمال إلى بيوتهم.
اختفت أصوات العربات من الشوارع.
كانت ميرا تقف قرب النافذة عندما سمعت الصوت.
دونغ.
تجمدت.
لم تكن بحاجة إلى السؤال عن معناه.
الجرس.
أغلقت هيلينا الستارة بسرعة.
- ميرا، ابتعدي عن النافذة.
أغلقت ميرا النافذة.
ثم انطفأت بعض المصابيح في البيوت المقابلة.
دونغ.
الجرس الثاني.
بدأ الشارع يفرغ.
رجل كان عائدًا إلى منزله ركض وأغلق الباب خلفه.
امرأة سحبت طفلها إلى الداخل.
حتى الكلاب اختفت أصواتها.
دونغ.
الثالث.
ثم الرابع.
والخامس.
حتى وصل الرنين إلى الجرس الثاني عشر.
دونغ.
ثم...
الصمت.
بقيت ميرا واقفة مكانها.
كانت تعرف ما سيحدث.
في الصباح، سيكون هناك شخص مفقود.
وشخص واحد فقط سيتذكره.
هي.
في اليوم التالي، خرجت ميرا إلى الشارع.
كانت المدينة طبيعية.
أكثر من اللازم.
رأت الناس يتحدثون أمام متجر الخباز.
رجلًا يحمل صندوقًا.
امرأة تسقي نباتاتها.
طفلين يتشاجران على كرة خشبية.
اقتربت ميرا من المرأة التي كانت تسقي النباتات.
- خالة، وين السيد أنطون؟
نظرت المرأة إليها باستغراب.
- مين؟
- أنطون. الرجل اللي كان ساكن بالبيت اللي جنبكم.
ضحكت المرأة بخفة.
- ما في حدا اسمه أنطون ساكن هناك.
شعرت ميرا بقشعريرة.
- بس...
توقفت.
كانت تعرف أنه كان هناك.
تعرف شكل وجهه.
وتتذكر صوته.
وتتذكر أنه كان يضع قبعة بنية دائمًا.
لكن لا أحد غيرها يتذكره.
في ذلك المساء، مرّت ميرا قرب محل الزهور.
كانت هناك زهرة جديدة أمام الباب.
شمعة صغيرة.
وبطاقة باسم أنطون.
وقفت أمامها طويلًا.
لمست البطاقة.
همست:
- أنا بتذكرك.
ثم عادت إلى المنزل.
لكن هذه المرة لم تستطع النوم.
مرت أيام.
ثم حدث شيء لم يحدث من قبل.
كانت ميرا في طريقها إلى المدرسة عندما سمعت الجرس.
توقفت في منتصف الشارع.
رفعت رأسها.
دونغ.
الناس من حولها بدأوا ينظرون إلى بيوتهم.
- مستحيل...
قالت ميرا.
دونغ.
الثاني.
ثم الثالث.
حتى رنّت الأجراس الاثنا عشر.
لكن لم يكن ذلك منتصف الشهر.
ولم تمر سوى عدة أيام على الرنين السابق.
بدأ الناس يغلقون النوافذ.
اختفت الأصوات من الشوارع.
وانتهى كل شيء.
في اليوم التالي...
اختفى شخص آخر.
ثم حدث الأمر مرة ثالثة.
ثم رابعة.
لم تعد الأجراس تنتظر شهرًا كاملًا.
في البداية، كانت ترن مرة واحدة.
ثم أصبحت ترن مرتين في الأسبوع.
ثم ثلاث مرات.
ثم أربعًا.
ومع كل مرة...
كان شخص ما يختفي.
ومع كل مرة...
كانت ميرا وحدها تتذكر.
بدأت تكتب الأسماء.
أحضرت دفترًا صغيرًا من غرفتها، وكتبت على الصفحة الأولى:
الأشخاص الذين اختفوا.
ثم كتبت:
أنطون.
ماريلا.
توماس.
إلياس.
روز.
جوليان.
أسماء كثيرة.
بعضها كانت تعرف أصحابها جيدًا.
وبعضها لم تكن تعرفهم إلا من الشوارع.
لكنها لم تكن تريد أن تنساهم.
كانت تخاف أن يأتي يوم تنسى فيه هي أيضًا.
لذلك كانت تعيد قراءة الأسماء كل ليلة.
وفي كل مرة تسمع فيها الأجراس، تضيف اسمًا جديدًا.
حتى بدأت يدها ترتجف قبل أن تسمع الرنين.
في أحد الأيام، جلست ميرا في المدرسة وهي تنظر إلى النافذة.
كان المعلم يشرح شيئًا أمام السبورة.
لكنها لم تكن تسمعه.
كانت تعد الأيام.
كم بقي حتى الرنين التالي؟
لم تكن تعرف.
لأن الأجراس لم تعد تلتزم بموعد.
رنّت أمس.
وقبل أمس.
وقبل ثلاثة أيام.
أربع مرات هذا الأسبوع.
وضعت ميرا يدها على دفترها.
كانت هناك أسماء كثيرة.
أكثر مما تستطيع حفظه.
رفعت عينيها نحو بقية الطلاب.
كانوا يضحكون.
يتحدثون.
يتشاجرون.
وكأن شيئًا لم يحدث.
وفجأة سألت نفسها:
كم شخصًا اختفى ولم أكن أعرفه أصلًا؟
شعرت بالخوف.
ماذا لو كانت المدينة تفقد أشخاصًا منذ سنوات؟
ماذا لو لم تكن هذه المرة الأولى؟
وماذا لو كان عدد الأشخاص الذين اختفوا أكبر بكثير مما تتخيل؟
في تلك الليلة، كانت ميرا مع عائلتها.
كانت إيفا جالسة على الأرض أمام المدفأة، ترسم شيئًا على ورقة.
اقتربت ميرا منها.
- شو عم ترسمي؟
رفعت إيفا الورقة.
كانت رسمة لبيت صغير.
- بيتنا.
ابتسمت ميرا.
- حلو.
- بس رسمته أكبر.
- ليش؟
- لأن لما أكبر بدي يكون عندي غرفة أكبر.
جلست ميرا بجانبها.
- وأنا؟
فكرت إيفا قليلًا.
- إنتِ فيك تضلّي معي.
ضحكت ميرا.
- شكرًا.
جلست هيلينا قربهما.
ومدّ ماتّياس يده نحو كوبه.
كانت ليلة هادئة.
هادئة جدًا.
ثم...
دونغ.
توقف الجميع.
رفعت ميرا رأسها.
إيفا نظرت نحو النافذة.
- مو بكير؟
لم تجب ميرا.
دونغ.
وضعت هيلينا الستارة على النافذة.
- لا حدا يطلع.
دونغ.
بدأ قلب ميرا يخفق بسرعة.
كانت تعرف هذا الشعور.
لكن هذه المرة كان مختلفًا.
كانت تشعر بأن شيئًا سيحدث.
شيء أسوأ من كل المرات السابقة.
دونغ.
الرابع.
دونغ.
الخامس.
ميرا نظرت إلى إيفا.
كانت أختها تجلس أمامها.
موجودة.
حقيقية.
تتنفس.
تنظر إليها.
دونغ.
السادس.
ميرا بدأت تعد بصوت منخفض.
- سبعة...
دونغ.
- ثمانية...
دونغ.
- تسعة...
إيفا بدأت تنظر إليها باستغراب.
- ميرا؟
دونغ.
- عشرة...
ميرا مدت يدها وأمسكت بيد إيفا.
دونغ.
- أحدعش...
كانت يد إيفا دافئة.
ميرا شدّت عليها.
ثم جاء الصوت الأخير.
دونغ.
اثنا عشر.
سكت كل شيء.
رفعت ميرا رأسها.
كانت لا تزال تمسك بيد إيفا.
لكن يدها كانت تمسك الهواء.
لم تكن إيفا هناك.
فتحت ميرا عينيها.
نظرت حولها.
- إيفا؟
لم يجب أحد.
وقفت بسرعة.
- إيفا؟
كان ماتّياس جالسًا مكانه.
هيلينا كانت ترتب الأقمشة.
كلاهما ينظر إليها باستغراب.
- وين إيفا؟!
سألتهما ميرا.
نظر ماتّياس إليها.
- مين إيفا؟
توقفت ميرا.
- شو؟
هيلينا اقتربت منها.
- ميرا، عن مين عم تحكي؟
- إيفا!
صرخت.
- أختي!
نظر الاثنان إلى بعضهما.
ثم إلى ميرا.
لم يظهر على وجهيهما أي خوف.
ولا حزن.
ولا حتى ارتباك.
فقط عدم فهم.
- ميرا، ما عندك أخت اسمها إيفا.
تراجعت ميرا خطوة.
- لا.
بدأت تهز رأسها.
- لا، عندي.
ركضت إلى الغرفة.
فتحت الخزانة.
ملابس إيفا.
كانت هناك.
دمية إيفا.
كانت هناك.
رسمتها.
كانت على الطاولة.
لكن ماتّياس وهيلينا لم ينظرا إلى أي منها.
كأن الأشياء نفسها فقدت معناها.
أمسكت ميرا بالرسمة.
- هاي رسمة إيفا!
قالت.
لم يجب أحد.
جلست على الأرض.
وبدأت تبكي.
- كانت هون...
قالت بصوت متقطع.
- كانت قاعدة هون...
ثم نظرت إلى المكان الذي كانت فيه إيفا قبل دقائق.
- كانت ماسكة إيدي...
لكن لا أحد صدقها.
أو ربما...
لم يعد بإمكانهم تصديقها.
لأنهم لم يعودوا يعرفون أن إيفا كانت موجودة أصلًا.
في الصباح، لم تستطع ميرا تناول الطعام.
خرجت من المنزل وحدها.
لم تعرف إلى أين تذهب.
قدماها قادتاها إلى المدرسة.
كانت تفكر في إيفا.
في الأجراس.
في كل الأسماء التي كتبتها.
ثم تذكرت الغرفة.
الغرفة التي أخبرها المدرسون ألا تدخلها.
الغرفة التي وجدتها من قبل.
توقفت أمام باب المدرسة.
ثم غيرت طريقها.
لم تذهب إلى الصف.
ذهبت إلى الجهة القديمة من المبنى.
كان الممر فارغًا.
وصلت إلى الباب.
نظرت خلفها.
لا أحد.
فتحت الباب.
دخلت.
كانت الغرفة كما تتذكرها.
غبار.
طاولات قديمة.
خزائن مكسورة.
رائحة رطوبة.
أغلقت الباب خلفها.
بدأت تبحث.
فتحت الأدراج.
قلبت الأوراق.
نظرت خلف الخزائن.
لا شيء.
ثم لاحظت الأرض.
كانت هناك قطعة خشب مختلفة عن باقي الأرضية.
انحنت.
حاولت رفعها.
لم تتحرك.
وضعت أصابعها تحت طرفها وسحبت بقوة.
طَق.
تحركت.
تجمدت ميرا.
تحتها كان هناك فراغ.
وفراغ يقود إلى...
درجات حجرية.
تراجعت قليلًا.
كان الظلام في الأسفل كثيفًا.
لكنها لم تتردد طويلًا.
إذا كان هناك مكان في فالدوين يخفي الحقيقة...
فقد يكون هذا هو المكان.
وضعت قدمها على الدرجة الأولى.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
نزلت.
كلما ابتعدت عن المدرسة، اختفى صوت العالم فوقها.
لم تعد تسمع الطلاب.
ولا المعلمين.
ولا المطر.
فقط خطواتها.
طَق.
درجة.
طَق.
أخرى.
كان السلم طويلًا بشكل غير طبيعي.
نزلت عشرات الدرجات.
ثم عشرات أخرى.
حتى شعرت أن المدرسة أصبحت بعيدة جدًا فوقها.
وصلت أخيرًا إلى أرض مستوية.
رفعت المصباح الصغير الذي أخذته معها.
كان هناك نفق.
طويل.
طويل جدًا.
امتد أمامها حتى اختفى في الظلام.
على الجانبين كانت الحجارة مغطاة بطبقة سوداء من الرطوبة.
وضعت ميرا يدها على الجدار.
كان باردًا.
ومع كل خطوة، كانت تشعر بأنها دخلت مكانًا لم يدخله أحد منذ زمن طويل.
استمرت.
حتى رأت شيئًا في نهاية النفق.
بابًا.
باب حجري ضخم.
تقدمت نحوه.
كان عليه نقش غريب.
اثنا عشر شكلًا دائريًا.
أجراس.
مررت أصابعها فوقها.
ثم دفعت الباب.
لم يتحرك.
دفعت مرة ثانية.
صرير طويل خرج من الحجر.
وانفتح الباب ببطء.
دخلت ميرا.
توقفت.
كانت الغرفة ضخمة.
قديمة جدًا.
أقدم من أي شيء رأته في فالدوين.
كانت هناك أعمدة مكسورة، ومصابيح حجرية فارغة، ورفوف مغطاة بالغبار.
لكن شيئًا واحدًا جذب انتباهها.
في منتصف الغرفة كانت هناك طاولة حجرية.
وعليها...
اثنا عشر جرسًا صغيرًا.
وقفت ميرا أمامها.
لم تلمسها.
كانت تنظر إليها فقط.
ثم أدارت رأسها.
على الجدار المقابل كانت هناك كتابات.
اقتربت.
كانت أسماء.
العشرات.
ثم المئات.
أسماء محفورة في الحجر.
بدأت تقرأ.
واحدًا تلو الآخر.
بعضها تعرفه.
بعضها لا تعرفه.
لكنها شعرت بأنها رأت بعضها في دفترها.
اقتربت أكثر.
ثم توقفت.
كان هناك اسم محفور في مكان واضح.
اسم تعرفه أكثر من أي اسم آخر.
اسم أختها.
مررت ميرا أصابعها فوق الحروف.
كانت ترتجف.
إيفا.
تراجعت خطوة.
ثم نظرت حولها.
لم تعد تبكي.
كان الخوف أكبر من الدموع.
لأنها فهمت شيئًا واحدًا.
إيفا لم تختفِ فقط من ذاكرة الناس.
كان هناك من يعرف أنها ستختفي.
remanwrites