كان الصباح باردًا على نحو غير معتاد.
استيقظت ميرا على صوت الريح وهي تضرب زجاج النافذة، ففتحت عينيها ببطء، وبقيت للحظات تحت الغطاء الدافئ.
كان هناك شيء أبيض يتحرك خلف النافذة.
نهضت من سريرها واقتربت منها.
ثلج.
كانت أولى حبات الثلج تهبط فوق أسطح فالدوين القديمة، وتستقر على الأشجار والأسوار الحجرية.
وضعت ميرا كفيها على الزجاج.
- ثلج!
ركضت خارج الغرفة.
كانت رائحة الحطب تملأ البيت، والمدفأة مشتعلة في غرفة الجلوس، وألسنة النار تتحرك خلف بابها الحديدي.
كانت أمها جالسة قرب المدفأة، تضع كرة من الصوف على حجرها وتحرك إبرتي الحياكة بين أصابعها.
نظرت إليها وابتسمت.
- استيقظتِ أخيرًا؟
اقتربت ميرا بسرعة.
- ماما! عم ينزل ثلج!
ضحكت أمها.
- رأيته.
جلست ميرا بجانبها، ومدت يديها نحو المدفأة.
كان البيت دافئًا على نحو جعلها تنسى برد الخارج تمامًا.
كان والدها يجلس إلى الطاولة، يحمل كوبًا ساخنًا بين يديه، بينما كانت اختها تحاول إشعال قطعة حطب صغيرة رغم أن المدفأة كانت مشتعلة أصلًا.
قالت ميرا وهي تنظر إلى الصوف:
- شو عم تعملي؟
رفعت أمها القطعة التي كانت تحيكها.
- كنزة إلك.
اتسعت عينا ميرا.
- إلي؟
- لمين يعني؟
اقتربت ميرا أكثر، ولمست الصوف بأطراف أصابعها.
كان ناعمًا ودافئًا.
- لونها حلو.
ابتسمت أمها.
- لسه ما خلصت.
- إمتى بتخلص؟
- إذا بقيتِ تسألين كل خمس دقائق، يمكن بعد الشتوية الجاية.

ضحك والدها من مكانه.
- اتركي أمك تشتغل يا ميرا.
التفتت إليه.
- بس بدي شوفها!
- رح تشوفيها لما تخلص.
عبست ميرا قليلًا، ثم عادت تنظر إلى الثلج خلف النافذة.
كان الشارع يتحول شيئًا فشيئًا إلى لوحة بيضاء.
بيوت فالدوين الحجرية.
المصابيح القديمة.
الأشجار العارية.
وحتى الطريق الطويل المؤدي إلى أطراف المدينة بدأ يختفي تحت الثلج.
للحظة، شعرت ميرا أن فالدوين تبدو جميلة جدًا.
جميلة لدرجة جعلتها تنسى كل الأشياء الغريبة التي حدثت فيها.
طرق أحدهم الباب.
رفع الأب رأسه.
- مين بهالوقت؟
قالت الأم:
- يمكن أحد الجيران.
نهض الأب وفتح الباب.
كانت امرأة تقف في الخارج، ترتدي معطفًا صوفيًا طويلًا، وتحمل بين يديها صحنًا كبيرًا مغطى بقطعة قماش.
كان الثلج قد تجمع فوق كتفيها.
ابتسمت عندما رأته.
- صباح الخير يا ماتياس.
- صباح الخير يا إليانا. ادخلي، رح تتجمدي.
دخلت المرأة بسرعة وأغلقت الباب خلفها.
نزعت معطفها، ثم مدت الصحن إلى الأم.
- عملت حساء زيادة، وقلت أكيد رح يعجبكم بهالبرد.
أخذته الأم منها بابتسامة.
- ما كان لازم تتعبي حالك.
- ولا تعب ولا شي.
وضع الأب الصحن على الطاولة.
انتشرت رائحة الحساء الدافئ في الغرفة.
اقتربت ميرا منه فورًا.
لكن إليانا لمحتها وابتسمت.
- صباح الخير يا ميرا.
- صباح الخير!
جلست إليانا قرب المدفأة.
كانت واحدة من الجيران الذين أحبهم أهل فالدوين منذ أن انتقلت إلى المدينة قبل عدة أشهر.
لم تكن وحدها.
كانت تعيش مع زوجها وابنتها الصغيرة.
ابنتها كانت في عمر ميرا تقريبًا.
وكان اسمها لينا.
منذ وصول عائلة إليانا إلى فالدوين، أصبحت ميرا تقضي معها وقتًا طويلًا.
كانتا تذهبان إلى المدرسة معًا، وتلعبان في الشارع، وتختبئان من المطر تحت المظلات، وتتبادلان الأسرار الصغيرة التي لا تهم أحدًا سواهما.
كانت لينا أول صديقة شعرت ميرا أنها تستطيع أن تكون معها نفسها تمامًا.
قالت ميرا فجأة:
- وين لينا؟
ابتسمت إليانا.
- بالبيت.
- ليش ما إجت معك؟
- قالت بدها تكمّل رسمتها.
وقفت ميرا فورًا.
- فيني روح لعندها؟
نظر الأب إلى النافذة.
الثلج كان يزداد.
- هلأ؟
- إي!
قالت الأم:
- خليها لبعد شوي، الثلج عم يكثف.
جلست ميرا من جديد، لكنها لم تتوقف عن النظر إلى النافذة.
قالت إليانا وهي تضحك:
- لا تخافي، رح تجي لينا لعندكم.
رفعت ميرا رأسها.
- عنجد؟
- وعد.
بعد ساعة تقريبًا، كان الثلج قد غطى نصف الشارع.
خرجت لينا أخيرًا.
كانت ترتدي معطفًا أحمر وقبعة صوفية، وتحمل كرة ثلج صغيرة بين يديها.
ما إن فتحت ميرا الباب حتى رمتها لينا بالكرة.
توقفت ميرا لحظة.
نظرت إلى الكرة التي سقطت عند قدميها.
ثم رفعت رأسها ببطء.
ضحكت لينا وهربت.
- لينا!
خرجت ميرا وراءها.
ركضتا في الثلج وهما تضحكان، حتى ابتلت ملابسهما وأحذيتهما.
من خلف النافذة، كانت أم ميرا تراقبهما وهي تبتسم.
قال الأب:
- رح يرجعوا بعد عشر دقايق وهم مغطّيين بالثلج.
أجابته:
- خليهم ينبسطوا.
في الخارج، توقفت ميرا بجانب لينا.
كانت أنفاسهما تظهر كبخار أبيض في الهواء.
قالت لينا:
- شو رأيك نعمل رجل ثلج؟
- كبير؟
- كبير كتير!
- أكبر من بيتنا؟
- أكبر من المدرسة!
ضحكت ميرا.
وبدأتا بجمع الثلج.
لم تكن ميرا تفكر بالنهر.
ولا بالطريق.
ولا بالأشياء الغريبة التي رأتها.
في ذلك الصباح، كانت فقط طفلة في العاشرة من عمرها، تلعب مع صديقتها تحت أول ثلج في فالدوين.
وحين بدأت أمهاتهن تناديان من النوافذ، عادتا إلى البيت وهما تضحكان.
كانت ميرا تحمل قطعة فحم صغيرة في يدها.
قالت أمها:
- شو هاد؟
- عيون رجل الثلج!
وضعتها على الطاولة.
ثم جلست قرب المدفأة.
اقتربت منها أمها ولفت حول كتفيها بطانية.
- بردانة؟
هزت ميرا رأسها.
- شوي.
جلست أمها بجانبها، وعادت إلى حياكة الكنزة.
وضعت ميرا رأسها على كتفها.
وفي الجهة الأخرى من الغرفة، كان والدها يسكب الحساء في الأطباق.
كانت رائحة الحطب والحساء والصوف الجديد تختلط في الهواء.
وخارج النافذة...
استمر الثلج بالهطول.
نظرت ميرا إلى الشارع.
رأت لينا تقف أمام بيتها، تلوح لها بيدها.
رفعت ميرا يدها ولوحت لها.
ثم أغلقت النافذة.
لم تكن تعرف أن تلك اللحظة البسيطة...
ستصبح واحدة من أكثر الذكريات التي ستتمنى العودة اليها يوما.
في صباح اليوم التالي، كان الثلج لا يزال يغطي فالدوين.
استيقظت ميرا باكرًا، وركضت إلى النافذة قبل أن ترتدي معطفها.
كان كل شيء أبيض.
الأسطح. الأشجار. الأسوار. والشارع الذي لعبت فيه بالأمس.
فتحت الباب وخرجت إلى الخارج.
كان الهواء باردًا، لكنه لم يكن قاسيًا.
خطت ميرا أول خطوة على الثلج.
طَق.
نظرت إلى حذائها.
ثم خطت خطوة ثانية.
طَق.
ابتسمت.
كانت آثار قدميها واضحة خلفها.
التفتت لتعود إلى البيت...
ثم توقفت.
كان هناك شيء غريب.
على بعد عدة أمتار منها، ظهرت آثار أقدام أخرى في الثلج.
لم تكن موجودة قبل لحظات.
حدقت بها ميرا.
كان هناك صف من الآثار يمتد عبر الشارع.
واحدة...
ثم أخرى...
ثم أخرى.
وكأن شخصًا ما كان يمشي أمامها.
لكن لم يكن هناك أحد.
رفعت ميرا رأسها بسرعة.
الشارع فارغ.
نوافذ البيوت مغلقة.
ولا أحد يقف أمامها.
اقتربت من الآثار ببطء.
كانت آثار حذاء كبير.
أكبر من حذائها بكثير.
وضعت قدمها بجانب إحدى البصمات.
كان الفرق واضحًا.
همست:
- مين هون؟
لم يجبها أحد.
نظرت حولها مرة أخرى.
لا شيء.
فقط الثلج.
والريح.
والبيوت القديمة.
ثم...
ظهرت بصمة جديدة أمامها.
طَق.
تراجعت ميرا خطوة.
ظهرت بصمة ثانية.
طَق.
ثم ثالثة.
طَق.
كانت الآثار تتشكل واحدة تلو الأخرى أمام عينيها.
شخص غير مرئي كان يمشي.
ميرا لم ترَ جسده.
لم ترَ وجهه.
لم تسمع صوته.
لكنها كانت ترى خطواته.
ظلّت واقفة في مكانها، غير قادرة على الحركة.
ثم انحرفت الآثار فجأة نحو أحد الأزقة.
تبعتها بعينيها.
توقفت.
كان الزقاق فارغًا.
لكن آثار الأقدام استمرت بالظهور.
ببطء.
واحدة تلو الأخرى.
حتى وصلت إلى نهاية الزقاق...
ثم اختفت.
حدقت ميرا في المكان.
لم تفهم ما الذي رأته.
ربما كان أحدهم هناك.
ربما مر شخص قبل أن تستيقظ.
لكن هذا لم يكن منطقيًا.
لأن الثلج كان جديدًا.
والآثار ظهرت أمامها.
ولم يكن هناك أي شخص.
سمعت صوتًا خلفها.
- ميرا!
استدارت بسرعة.
كانت لينا تقف أمام بيتها، ترتدي معطفها الأحمر وقبعتها الصوفية.
- شو عم تعملي؟
نظرت ميرا إليها، ثم أشارت نحو الزقاق.
- شايفة هاد؟
اقتربت لينا.
نظرت إلى الثلج.
ثم هزت رأسها.
- شو؟
- آثار الأقدام.
نظرت لينا إلى الأرض مرة أخرى.
- أي آثار؟
أشارت ميرا إليها.
- هون!
اقتربت لينا أكثر.
بقيت صامتة لثوانٍ.
ثم قالت:
- ميرا... ما في شي.
تجمدت ميرا في مكانها.
نظرت إلى الأرض.
كانت الآثار لا تزال هناك.
واضحة تمامًا.
صف طويل من الخطوات الممتدة فوق الثلج.
- بس... هون.
- وين؟
أشارت ميرا مرة أخرى.
لينا لم ترَ شيئًا.
بدأت ميرا تشعر بشيء بارد في معدتها.
لم يكن بسبب الشتاء.
رفعت عينيها نحو الزقاق.
وللحظة قصيرة جدًا...
شعرت أن هناك أحدًا يقف في آخره.
لم ترَ وجهًا.
ولا جسدًا.
فقط...
بصمة قدم جديدة ظهرت فوق الثلج.
ثم بصمة أخرى.
ثم اختفى كل شيء خلف تساقط الثلج.
أمسكت ميرا بيد لينا.
- خلينا نرجع.
- ليش؟
نظرت ميرا مرة أخيرة إلى الزقاق.
- ما بعرف.
وعادتا إلى البيت.
لكن ميرا، طوال الطريق، بقيت تنظر خلفها.
كانت تتوقع أن ترى أحدًا.
ولم ترَ أحدًا.
فقط آثار خطوات...
كانت تظهر أحيانًا في أماكن بعيدة عنهن.
ثم تختفي.
وكأن أحدًا كان يمشي في فالدوين...
دون أن يراه أحد.
remanwrites