أكفُرُكَ النَّعْمَاءَ عِندي، وَقد نمتْ
عَليّ نُمُوَّ الفَجْرِ، والفَجْرُ ساطِعُ"
~المتنبي
ــــــــــــــــــــ
خلف الباب كان راشد، الذي بعد طول انتظار رآى الباب يعود للخلف، وعتمة المنزل تبدل انعكاس النور الذي كان عالباب
زئبق حين فتح الباب ووجد راشد امامه تمنى لو انه تجاهل الباب تمامًا، لا يريد رؤية راشد ولا مواجهته هو ولا غيره، زئبق اساسا ينهار وحده لا يحتمل احد اخر، تعمد زئبق اظهار العبوس، وخرجت كلماته من تحت ضرسه:
_عساه خيرًا، ولو ان لا يأتي من وجهك الخير
زفر راشد قائلًا بضيق مختلط بسخرية:
_تركتني عند الباب قرابة الساعة حتى كدت اتعفن وتقول ان انا من لا يأتي من وجهه الخير ؟!!
انهى راشد كلماته بضحكة حانقة كما لو ان يمتص بالضحكه حنقه
زيف زئبق ابتسامته وهو يعد على اصابعه قائلًا ببرود بغرض استفزاز راشد:
_اتركك ساعة، ساعتان، ثلاثة حتى عشر ساعات بكيفي، اساسًا والله لو كنت اعرف انك من على الباب لم اكن لافتح
فهم راشد مخذى زئبق، فزيف هو الاخر ابتسامة قائلًا بإدعاء للغباء وهو يربت على صدره:
_احرجتني اخلاقك يا صديقي
تلاشت ابتسامة زئبق المزيفة وحل محلها وجهه العابس قائلًا وهو يشدد على الحروف:
_جيد انك تعرف اني صديقك
انزعج راشد من تلميح زئبق، لكنه لم يظهر انزعاجه، ان كان ذلك التلميح ما سيوسع صدر زئبق ليقوله لا بأس، فتجاوز راشد التلميح على مضاضة
_اسنتكلم هنا على الباب مثل الاطفال؟
فجائه رد زئبق ايضًا به استهزاء وتلميح، وكان زئبق يتقصد ذلك ليجرح كرامته بشيء بسيط... بسيط جدًا مقارنة بما جرح كرامته هو به
_انت ادرى بالاطفال يا راشد
احتد صوت راشد وطفى على نبرته غضب مكتوم، لانه رآى انه كلما تجاوز كلماته تجاوز زئبق حدوده اكثر والامر بدأ في اثارة غضبه:
_لا ليس انا من ادرى بالاطفال بل من هو لا يكف عن تلميحات الاطفال تلك، كن رجل وادخلني لنتكلم مثل الرجال
راشد كمن هو يدفع احد الى هاوية الغضب، زئبق لم يكن يغضب بسهولة لكن تكلم راشد الذي واعد اخته خلف الجدران كالقطط عن الرجولة بتلك الثقة ذلك ما جعل الدماء تغلي بعروق زئبق، لم يصرخ فاراد ان يظهر الهدوء قدر الامكان لكن تسللت بحت غضب بصوته:
_لست انت من ستعلمني الرجولة
اخذ راشد انفاسه بعمق واغلق اعينه يتمالك نفسه، حتى لا يمسك هو زئبق بيقات بعضهم البعض، وبعد عدة ثوان حين تمالك نفسه تكلم بهدوء:
_زئبق، احترم يوم كنا به اصدقاء وادخلني دعنا نتكلم
نظر زئبق لراشد بكره قائلًا بضيق مستخدمًا نفس اسلوبه السابق بالتلميح:
_ليتك احترمته انت
تنهد راشد ولم يسمح لنفسه بالغضب، اعطى لعقله مساحة في التصرف، لن ينهي ذلك الحوار دون أخذ ما ابتغى منه، فخرج صوته هادئًا عقلانيًا:
_زئبق انت لن تكف؟ حسنًا يا زئبق انا اخطأت لكن لا تقول اني لم احترم صداقتنا، انا اعرف زمرد من قبلك وتعرفت عليك من اجل التقرب من عائلتها، واقسم بالله اني لو كنت اعرفك انت قبلها، لم اكن لانظر لاختك واواعدها بالسر دون علمك، انا اخطأت في كل الاحوال لكن ارجوك اسمح لي باصلاح خطئي
تجاهل زئبق كل القصيدة التي قالها راشد قبل قليل، فلم يكن يهمه كل ذلك الكلام، هو طاقته انتهت، فاجابه ببرود وحدة:
_انظر يا راشد انا خلاص وصلت حدي، لا يهمني تصلح او لا تصلح، فقط اتركوني وشأني
يأس راشد من الكلام مع زئبق، لكنه لم ييأس بشأن ما جاء من اجله:
_اتدري يا زئبق انت اطلتها وهي قصيرة
لم يفهم زئبق مقصد راشد لكن راشد بدأ في التنفيذ سريعًا؛ فازاح راشد زئبق من امام الباب بيده بخفة وتجاوزه ليدخل
تأفف زئبق وهو يرى راشد يزيحه ويدخل، لم يكن يريد التكلم معه او مناقشته، اولًا لان لا يوجد تبرير لفعلتهما وثانيًا هو استوى من كثرة المشاكل التي انحالت عليه دفعة واحدة، كفى! يريد ان يريح ظهره ويسترخي فحسب لكن حتى راحته في النوم سلبت منه
دخل راشد المنزل واعينه تدور في الارجاء يكتشف المكان، حتى توقف عند الاريكة، اذ جلس واراح ظهره عليها
زئبق كان ينظر لراشد بضيق لانه فرض ارادته ودخل رغم ان زئبق لم يكن يريد، لكن مع ذلك صمت زئبق وسار صوب الاريكة ليجلس هو الاخر منتظر الامر الغاية في الاهمية الذي جاء راشد من اجله
_ها ماذا تريد ؟
دخل راشد في الامر مباشرة دون مقدمات بثقة:
_اريد اختك
فجائه ايضًا رد زئبق الهادىء مباشرة:
_خذها
اندهش راشد من رد زئبق المختصر والبارد... ظن انه سيطيل الامر كما اطال الحديث على الباب، فقال مأكدًا على حديثه ليتأكد ان كانت ستظل اجابة زئبق واحدة
_ساتزوجها
قال زئبق بصوت هادىء ونبرة غاضبة مغلفة بقشرة من البرود:
_اليست هي من اختارتك، وواعدتك من خلف ظهري كما لو ان ليس لديها اهل، لتهأنوا ببعض
ظل الصمت سيد المكان عدة ثوان حتى قطعه راشد وهو يعترف مضطرًا بالشيء الذي تمنى لو انه بقى سجينًا في قلبه هو فقط
_ليكن بعلمك انا كنت متزوج سابقًا
وكالمتوقع جائه رد زئبق بلا اهتمام:
_حسنًا
نظر راشد لزئبق بحنق، ليته يعطي امر كبير كزواج اخته اهتمام، فقال راشد وقد بدأ الضيق يظهر بصوته
_انت لتلك الدرجة ترخص اختك؟ حتى لا تكلف نفسك بالسؤال؟
تغير وجه زئبق من وجه جامد بلا مشاعر محددة لوجه حاقد فقال مشددًا على الحروف بحدة:
_هي من ارخصت نفسها
اخذ راشد انفاسه بعمق ليسيطر على نفسه ولا ينفعل، دائمًا نقشاته مع زئبق تجعل دمه يغلي، في موقف اخر كان ترك له المكان ورحل لكن ليس بذلك الموقف، لذلك تجاهل راشد كل ما يشعر به وتابع بهدوء يخفي تحته غضبه:
_رغم انك لم تسأل، لكن من حقك عليّ ان تعرف، زوجتي السابقة انا لا ادري ان كانت مازالت على ذمتي ام لا؛ هي هربت مني يومًا ما دون اسباب محددة ولم تعود، لذا لا ادري هل هي حية ام ميتة
تنهد زئبق وكالمتوقع جاء رده قمة في البرود وعدم الاهتمام الذي كان في البداية يتعمد اظهارهم لكن الان هم حقًا ما يشعر به:
_انت متزوج، اعذب، حتى ان كنت متزوج ثلاثة وتريدها الرابعة لا يهمني
اكمل راشد في تظاهر غير مبالي بعدم اهتمام زئبق الذي بات يضيق صدره:
_اذًا خطبتنا الشهر المقبل
_______________________
استيقظت وصال وهي تشعر بثقل في جسدها ومغص خفيف ببطنها والاهم شعرت ببنطالها الداخلي رطب وتسريب بسيط كما لو انها تتبول ببطىء
اعتدلت وصال لتجلس وهي تشعر بمزاجها سيء على عكس العادة
هل لان ذلك الطفل غير موجود؟ لا بالطبع ذلك الضيق من نوع اخر
ابعدت وصال اللحاف عنها وكادت تنهض من الفراش الا انها توقفت حين رآت بقعة دم على الفراش!!!!
ذعرت وهي ترى الدم على فراشها ففورًا ركضت للحمام، اغلقت الباب وبعدها بسرعة جلست على المرحاض
انزلت بنطالها فاتسعت اعينها والصدمة والرعب تملكا جسدها حين رآت بنطالها الداخلي مغرق بالدماء
_لا، لا اسأموت!!
رفعت بنطالها وقفزت من المرحاض وهي تصرخ وتصيح لراشد، دخلت بكل الغرف وهي تبحث عنه، لكن لم تلمحه بولا مكان
بعدما نظرت اليه بكل ركن بالمنزل، بالمطبخ، بغرفته وغرفة الاستقبال ولم تجده يأست فجلست جوار الباب ارضًا وضمت ركبتيها اليها ودفنت وجهها داخل ركبتيها وهي تبكي وتنادي راشد
كادت ان تكتب وصيتها الا انها توقفت على صوت طرق باب
قفزت وصال من مكانها بسرعة وفي ثوان فتحت الباب ظنًا منها انه كان راشد
لكن لم يكن بل كان صديقتها، رغم احباط وصال انه لم يكن راشد التي ظنت انه ربما ينقذها بل كان صديقتها الا ان ردة فعلها كانت واحدة إذ القت وصال نفسها في صدر صديقتها وعانقتها بقوة وهي تشتد في نحيبها
استعجبت صديقتها من عناق وصال القوي فقالت ساخرة مستنكرة:
_ما هذا الحب يا فتاة؟! اقسم حين القيتِ نفسك عليّ ظننتك ستقتليني، صدق من قال دوام الحال من المحال
ابتعدت وصال عن صديقتها قليلًا ووضعت يديها على كتفي الفتاة:
_انا لا احبك، فقط اعانقك لان تلك اخرة مرة
قالت فتاة مضيقة ما بين حواجبها مستعجبة:
_كيف اخر مرة؟! اقررتي ان تتخلي عن جميع اصدقائك وتكتفي بابن العز ؟!
سحبت وصال يديها جوارها لتمسح اعينها مردفة بصوتها المرتجف ببكائها:
_لا بل سأموت
اتسعت اعين الفتاة وهي تشهق برعب:
_ماذا حدث!!!؟
نظرت وصال لبنطالها حيث كان ملطخًا بالدم، فنظرت صديقتها مثلها لنفس المكان ورآت الدماء التي كانت بالكاد ظاهرة اساسا لولا انها دققت لا ما رآتها
والعجيب في الامر لوصال ان عندما رآت صديقتها ذلك ضحكت بقوة، قوة ضحك استفزت وصال؛ اتلك تضحك على احزانها كما لو انها كانت تنتظر وفاتها منذ قرون !!؟ فضربت وصال كتف صديقتها قائلة بحنق:
_انتِ يا حمقاء ما المضحك!
وكان رد صديقتها على ضربتها هو انها عانقتها قائلة وابتسامة شاسعة ترتسم على فمها على عكس وصال التي كان كل ما يرتسم على وجهها الاحمر بالبكاء هو علامات استفهام مختلطة بغضب وحزن:
_اقسم انتِ الحمقاء! يا بلهاء انتِ لن تموتي انتي ازهرتِ !
________________________
بعد عدة ساعات زئبق امام القصر، يحاول البقاء قدر الامكان بعيد عن منزل لهب، على الاقل في النهار يرتاح رأسه قليلًا من ثم يعود لذلك الكابوس
فتحت له زمرد الباب التي حين رآته توترت بشدة، وما زاد توترها توترًا انه لم يبدي اي مشاعر واضحة، تركها لعقلها
لم تستطع زمرد وضع اعينها باعينه، بقت عند الباب عدة لحظات بلا حركة ربما لان عقلها توقف عن التفكير فازاحها زئبق ببساطة ليدخل
حين ازاحها توقفت زمرد عن شرودها ولحقت به متمتمة:
_زئبق
صوتها كان منخفض للحد الذي بالكاد سمعه زئبق لكن مع انه سمعه تجاهل واكمل سيره
اسرعت زمرد من خطواتها ونقرت على كتفه بخفة لكنه لم يستجيب، فتعدته زمرد ووقفت امامه عند نهاية الممر تفصل بين الممر وغرفة الاستقبال:
_زئبق، اسمعنى على الاقل
وكان رد زئبق عليها ككل الردود السابقة "تجاهل" فازاحها بيده وتعداها ليدخل غرفة الاستقبال
اخفضت رأسها بيأس، كان الواضح انه سيتجهالها لكن مع ذلك حاولت، فالامل دومًا هو ما يجعلنا نصدق ونيقن باشياء واضحة المستحيل، لكن الامل يزينها لنا فيصبح غشائًا على الاعين... لكن كيف نلوم انفسنا والامل هو ما يجعلنا احياء، رغم ذلك فان الامل لا يرحم فهو يعطيك ما تريد من سعادة وهمية مؤقتة لكن بعد ذلك تنصدم من هشاشة الامل الذي يهدم فيصبح ردمًا من يأس، يأس ينهش كل بك، فيأتي امل يوهمك ان لا شيء ينهش بك وان كل شي على ما يرام حتى تصدم بانك اصبحت جثة هامدة كل ما بها تم نهشه
دخلت زمرد الغرفة عند شفق ودجى، كانت شفق ترضع ابنها، ودجى على كرسي جوار السرير
لاحظت شفق وجه زمرد الذي تغير واحتلته ملامح هامدة
_ما بِك
اردفت زمرد بصوت مختنق:
_امر زئبق ذاك
انتفضت شفق بخفة وهي تتسائل، فذلك ما كانت تنظره من الصباح:
_زئبق بالخارج ؟
اجابت زمرد باستعجاب من لهفة شفق:
_نعم
ابعدت شفق رضيعها عن ثديها بخفة، ثم نهضت من الفراش بسرعة واعطت رضيعها لدجى:
_سأعود سريعًا
قالت دجى باستنكار واستعجاب وهي تتناول الطفل:
_ارتاحي، توك ولدتي
لكن شفق وضعت الطفل بين ذراعي دجى ايًا كان
_انا بخير، بخير
وبمجرد ان انهت كلماتها خرجت شفق لتترك اكثر من علامة استفهام على وجهي دجى وزمرد، دجى اعتادت التعجب بينهم، لكن زمرد لم تفهم سبب الحماس المفاجىء بقدوم زئبق
...
خرجت شفق من الغرفة والتي كانت غرفة الضيوف وبابها كان في الممر بين الباب الرئيسي وغرفة الاستقبال، كانت تستند على الحائط؛ اذ بالكاد تحملها ارجلها وتشعر بدوخة بسيطة
رآت ظهر زئبق الذي كان جالسًا على الاريكة،
كانت الاريكة ظهرها للباب الرئيسي، فرأت شفق زئبق، لكنه لم يراها ولم ينتبه لها الا عندما جاء صوتها المستحي:
_الا تريد ان تسمي الطفل؟
شعر زئبق باختناق واشواك تضغط على حلقه، اهذا الالم والعذاب هم اثمه لانه ترك لهب، اهل سيظل لهب الصغير دومًا هنا يذكره بقراره الذي راح ضحيته ابوه، لم يلتفت زئبق لشفق حتى لا تلاحظ تشنجه:
_لا... لا اهتم
كان هدف شفق من تلك الحركة ان تزيد الرابط بين زئبق ورضيعها، فعندما يضع اسمه هو يصبح كما لو انه حقًا ابنه، حتى ان كانت هي تكرهه لا ذنب للطفل ان يولد بلا اب وهناك فرصة لاحد ان يعوض ولو واحد بالمئة من مكان لهب، لكن جاء رده يحطم كل ذرة امل بها تجاهه، حتى لا يستطيع تحمل ذنبه؟ حتى لا يستطيع ان يعوض ذلك الطفل عن ابوه الذي حرمه هو منه ولو بالبسيط؟ فخرج صوتها مختنق بغصتها:
_اكانت هذه وصية لهب لك ؟
حك زئبق لحيته الخفيفة بعنف في حركات سريعة، تلك اللحظات التي كان صوت حك زئبق للحيته هو الصوت الوحيد المسموع لهما تصاعد الضغط بينهم، وبينما هو يحك بكل ما لديه من قوة جرح نفسه باظفاره القصيرة محتدة الحواف، بالرغم من التوتر والضغط الذين اصابا زئبق الا ان اجابته عليها جائت هادئة مستفزة لها:
_لن اشرح لك ما وصية لهب لي، وليس من شأنك اساسًا
جرحت شفق، شعرت انه يستنكرها كما لو انها ليست انسانة، كيف وهي التي اعتادت لغة الدلال من لهب، ذلك كل كلامه جارح، شعرت برعشة في عضلات وجهها تنبأها بالدموع التي على وشك الانهمار، تكلمت شفق ونظراتها تشع بالكره لزئبق، كانت كلماتها مرتعشة لكن مع ذلك اظهرت قوة لم تكن موجودة:
_والله يا ابن صهيب انت من فردت اذرعتك وتكفلت بالطفل رغم عدم رضاي، ثم ان اي شيء يخص لهب لي دخل به ونصف
غضب زئبق من جرأتها في الحديث معه فسحب انفاسه بعمق ليتمالك اعصابه ثم اجابها ببرود مستفز لها وهو يشدد على الكلمات:
_كفالة الطفل لا تطلب تسميته، ابنك سميه بنفسك
تلك الدمعة التي حبستها سابقًا سقطت رغمًا عنها، نبرته فقط اذاقتها مرارة الذل، ربما لم يتقصد، لكن ماذا يعني ان تضع انسانة تحت سقفك ثم تعاملها كمتسولة تبتغي رحمتك، اومأت شفق وكانت سترحل لتحفتظ بالباقي من كبريائها مع شخص يبدو ان نذعت منه الرحمة، لكن ما ان استدارت جائتها حتى كلماته التي زادت ضيق صدر ضيقًا:
_تجهزي غدًا عقد نكاحنا
شفق شعرت بدوارها يزداد شدة، انفاسها سحبت منها، كيف وهي لم تحتمل معه عدة ثوان تصبح زوجته؟! كيف سيضعها داخل اسوار سجن هو سجانه! فان يكون هو السجان بالنسبة لها اشد مرارة من السجن ذاته، تهربت شفق باول حجة جائت على عقلها وهي تعاود الالتفات لظهره بعدما كانت استدارت:
_على الاقل انتظر بعد نفاسي
زئبق فهم هدفها من التأجيل، لكنه لا يستطيع موافقتها في التأجيل فلا يستطيع البقاء ليالي اخرى في منزل لهب، وايضًا لا يستطيع عتقها بالافراج عنها والتخلي عن فكرة الزواج رغم انه يدري انها تكرهه لحد موت وكيف لا تكرهه، لكن مشاعرها تلك تبقيها في قلبها لان ابن لهب لن يبقى تحت سقف بيت سوى بيته، ولو انه يبغض ذلك الطفل لانه يرى به لهب الذي كتب فرمان موته بيده، الا انه لا يترك اخر ذكرى من لهب
_لا
وضعت شفق يدها على حلقها تدلكه قائلة من بين انفاسها المتقطعة بصوتها المتهدج:
_وانا لا اريد! لا اريد!
قال زئبق بدون ادنى تعاطف لها:
_ومن سألك ان كنتِ تريدي؟ انا ابلغك فحسب لتبلغي والدك
انفجرت شفق به قائلة بقهر:
_انت تقرر من يموت ومن يعيش، من لديه اب ومن يتيم، من يتزوج ومن يتطلق، ولا احد له الحق بالتدخل او الاعتراض! من تظن نفسك؟ من انت؟ من انت؟!
وجائها رد زئبق كثلج على حمة بركانية، رد لا يطفىء حرارة النار لكن يحجرها فيطفىء وهجها:
_لا يهم من انا، ما يهم هو ان تخبري والدك، والا من سيخبره هو المأذون ونحن عنده
ابتلعت شفق ريقها وهي تحاول التماسك والبقاء على قدميها، لكن زئبق كان يحصرها بالزاوية، لم يعد امامها مهرب منه لذلك حاولت اللجوء للحجج مرة اخرى فقالت مستنكرة:
_وماذا سيقول عني الناس؟ مات زوجها امس وتزوجت اليوم ؟
فجائها رد زئبق قاطع وحازم يمزق جميع حججها فلا مجال للنقاش بذلك الامر تحديدًا:
_من يتكلم نقطع لسانه
صمتت شفق هي الحلقة الاضعف، غُلِب على امرها ولا فائدة من نقاشه؛ فهو سينفذ ما يريد وسوف يدعس على كل من يعترض طريقه، وحين يصبح لا امل في الحياة يصبح املنا هو البقاء على قيد الحياة، البقاء على قيد الحياة باقل اضرار ممكنة لها ولابنها في ذلك السجن الذي يسميه زئبق زواج
______________________________
في مكان بعيد، في مدينة ابعد، في المدينة التي شهدت ارضها دماء طاهرة
في منزل مكون من طابقين وقبو، في منزل يطل على مزرعة قصب سكر، في غرفة المعيشة تحديدًا كان خالد جالس على الاريكة شارد الذهن، مازالت صورة لهب بعقله... تمنى لو ان لم يكن له يد بالامر، تمنى لو انه لم يشارك في موت من كان له بمثابة ابن... لكن ان كان الخيار بين الوطن والابن، فالانسان يعيش بلا بنين لكن يتشرد بلا وطن
قفز ريان على الاريكة جوار خالد، لكن خالد رغم قوة قفزة ريان التي هزت الوسائد لم ينتبه
نقر ريان بخفة على كتف خالد ففصل خالد من شروده وعاد للواقع وهو يلتفت لريان ويجمع كلماته:
_نعم ريان، مِر رقبتي لك
ضحك ريان على لفظ خالد الذي بدا مبالغ به:
_لا، ليس لدرجة رقبتك، طلب ابسط
ابتسم خالد على ضحكات ريان التي بدت بريئة جدًا داخل ذلك المنزل الذي دنس بدم لهب:
_انا ورقبتي فداك يا ريان، لكن سمِ ماذا تريد غير رقبتي
كان خالد يبالغ في الدلال لريان ليس فقط لانه ابن عزيز (نجيب)، العزيز الذي بات له كاخ، لكن ايضًا كان يعوض ويعطيه الحنان الذي كان يتمنى لو كان اعطاه للهب وزئبق في صغرهم، لكنه قسى عليهم، كان يعتبر نفسه اب لهم، وهو نفذ دور قسوة الاب النابعة عن الخوف عليهم والتأديب ببراعة تامة لكن تناسى الجزء الاهم وهو الحنان، ليته اذاقه للاطفال الذا كبروا تحت يده مره
قال ريان مرتبكًا:
_الن نعود لقصرنا القديم ؟
_سنعود لكن ليس الان ابدًا، الم تكن تقول ان وسع القصر يضيق صدرك؟ وانك تريد الذهاب للبحر، ها هو البحر الواسع امامك، مالك الان تشتاق للقصر؟ اتريد العابك؟ يشتري لك والدك بدال اللعبة عشر
ما لم يعلمه خالد ان ريان مازال القصر يضيق صدره ويزعجه لكن هناك شيء مزعج ايضًا يفتقده
تنهد ريان قائلًا وشي من الشجن تسلل لكلامه:
_لا ليست الالعاب، لكــ...
صمت ريان عدة ثوان، ازاح ناظريه من عند عيون خالد، وخالد فهم ان هناك شيء يخفيه ريان فكان واضحًا للاعمى ان هناك شيء، فوضع ذراعه حول اكتاف ريان وضمه اليه:
_قل هناك شيء تخفيه
دهش ريان! كيف عرف خالد ان هناك شيء يخفيه!؟ فخرج صوته مرتاب:
_لن تخبر والدي؟
اومأ خالد برأسه نفيًا وهو يطمأنه:
_لن اخبره، تكلم
لم يكن ريان واثقًا من خطوة اخبار خالد فهو في النهاية خادم والده الوفي لكن الخيارات لم تكن كثيرة، واحتضان خالد له زاده طمأنينة، كان سيبدأ افتتاح كلامه باسمها لكنه توقف لعدة ثوان يتذكر اسمها، لكن لم يتذكره... هنا ادرك ريان انها كل ذاك لم تخبره باسمها مره! شعر بوخذة في قلبه، هو حتى لا يعرف اسمها... مع ذلك تكلم ريان متجاهلًا اسمها المجهول له:
_كان هناك فتاة لطيفة... لا ليست لطيفة جدًا، ايًا كان قد اشتقت لالعب معها لذلك اود العودة، او على الاقل لنخبرها اين انا، لو عرفت ستأتي؛ كانت دائما تتسلق الشرفة وتحضر اليّ عندما يعاقبني والدي
ارتبك خالد... ريان يطلب ما هو اصعب من رقبته... يكره ان يحطأم احلامه في اللعب مع الفتاة لكن اعطائه امل سيكون اسوء، فقرر خالد ان يمهد له الامر:
_اتدري يا ريان، ان ترك ذئب اسود قطيع الذئاب السوداء وانضم لقطيع الذئاب البيضاء، حين تجوع الذئاب البيضاء ستأكله، وان انسحب من قطيعه ولم ينضم لاي قطيع اي بقى وحده سيأتي يوم وقطيع ذئاب ينهشه
توتر ريان وابتعد عن خالد قليلًا، كلامه العنيف اثار ريبة في قلب ريان الذي لم يفهم المقصد من تلميح خالد
_ما علاقة ذلك بالفتاة؟
اكمل خالد في عدم مباشرة حديثه لكن في نفس الوقت حاول ان يربط الامر ليستوعب ريان وحده:
_نحن يا ريان لا نحارب لقضاية صائبة في اغلب الاحيان، فجنود المحتلين كثر، لكننا نحارب لقضايا فرضت علينا بولادتنا بها، لقضايا ابائنا، ومن يترك قضية وطنه وابوه يتشرد، والوطن ليس بالضرورة اين ولدت، بل هو جماعتك والى اين تنتمي، فمهما تقربت من ابناء وطن غير وطنك ستظل الاجنبي الذي سيكون اول ضحية عند اول الخطر
استوعب ريان مقصد خالد لكنه لم يرد التصديق، كذب في عقله عسى ان يكون المقصد مختلف، أبعد ريان ذراع خالد عن كتفه، وشعر ببرودة تسري في أوصاله، فتمتم مدعيا عدم الفهم، بينما كانت بحة شجن تحشرج في حنجرته، ، قائلًا بصوت واهن:
_انا لا افهم مقصدك
تكلم خالد بطريقة اكثر مباشرة لان ريان بالفعل فهم، فوجهه لم يكن ليتشنج وصوته ليتغير الا لانه فهم، فخرج صوت خالد حاد وحازم مغلف بنبرة تحاول ان تكون لطيفة لتناسب الطفل امامه:
_اقصد ان تلك الفتاة جماعتها واهلها تمردوا على وطنهم فجماعتهم فاهلهم، فطردونا من بيوتنا وقتلوا منا، لقد نجينا منهم باعجوبة وهم اعداء لنا، جماعتك هنا هم وطنك يا ريان ومجرد تفكيرك بالفتاة هو خيانة لنا، المشاعر الوحيدة المسموحة لك تاجهها هي الحقد والكره
تجمعت الدموع باعين ريان، الكلمات كان ثقيلة للحد الذي رفضت اذانه قبول سماعها، كيف لن يراها مره اخرى! كيف وهي اول صديقة له؟! كيف وهي كانت الانسانة الوحيدة التي ذاق معها طعم سعادة مختلف؟ الن يستمع لصوتها الصاخب مجددًا؟ الن يستنكر حركاتها الهمجية مجددًا؟ والاهم ما ذنبهم هم بحروب غيرهم؟ هي لم ترفع سلاح على غيرها فلماذا تصبح عدوة وخائنة !؟
ارادت دموعه ان تسقط لكنه منعها، فوصلت الدموع حتى غطت جزء من قرنية اعينه
شفق خالد على ريان، اضطر ليكون قاسي وان ينطق تلك الكلمات مباشرة لكن لا بأس فالصدمة لا تقتل فقط تؤلم، تؤلم ذلك الالم الذي يحتاجه الانسان ليدرك الحق:
_تلك الفتاة حرمت عليك يا ريان
________________________
زمرد في غرفتها جالسه على فراشها تضم ساقيها لصدرها وتدفن وجهها بين ركبتيها وهي تبكي، بينما هي مندمجة في بكائها سمعت صوت الباب يفتح، كانت ستطرد من دخل لانها ليست بحالة تسمح لها بالتحدث لاي احد لكنها استحت من ان تطرد احد فرفعت رأسها ببطىء لترى من دخل
وكانت المفاجئة حين رآت زئبق هو من على الباب، اتسعت اعينها وهي تنظر اليه بصدمة، وبدأت تشك انها تتخيله
رغم السعادة التي كادت ابتلاع زمرد في تلك اللحظة الا ان زئبق لم يكن بمثل تلك السعادة بل كان كالمرغوم وهو يوجه لها الكلمات كنشرة اخبار، وليتها حتى كانت كنشرة اخبار بل ايضًا كان واضح انه يخرج الكلمات بلا نِفس:
_لم اكن اريد ان اوجه لكِ الكلام، لكن رأيت ان من المعيب ان يصلك الخبر من احد سواي، لذلك راشد طلبك مني وانا وافقت، خطبتكم الشهر المقبل
قفزت زمرد من فراشها والحماس احتل كل خلايها، بعد كل ذلك الحزن والبكاء الان الارض لا تحملها، ركضت صوب زئبق وكادت تلقي نفسها في صدره الا انها توقفت مرتبكة، لم تكن تجرأ حتى على مخاطبة اعينه والان تريد ان تلقي نفسه في صدره، فقالت على استحياء رغم انها تدري ان طلبها على الاغلب مرفوض فهو حتى لا يطيق كلامها فكيف ليقبل طلبها لكن مع ذلك طلبت:
_ااستطيع عناقك؟
كان زئبق سيرفض للوهلة الاولى... لكن مع رؤيته للسعادة باعينها لم يفرط بها فاومأ لها ايجابًا وهي على الفور القت نفسها في صدره، عانقته بقوة وهي تعتصره بين اذرعتها بلهفة، لم تتصور انه قد يسامحها بتلك السرعة رغم ان مسامحته لم تكن كلية
في المقابل هو وقف جامدًا لم يمنعها لكن لم يبادلها العناق، اطالت زمرد في عناقه لم تكن تريد تركه ابدًا حتى ابعدها هو عنه بخفة، امسك باذرعتها بخفة، وهي انتابها الارتباك والقلق، التلك الدرجة لا يحتمل قربها منه؟
تكلم زئبق ليجيب عن التساؤلات التي ظهرت باعين زمرد بنبرة حازمة وجادة:
_اقسم يا زمرد لو كانت امك حية لكان دمك حلالي
زمرد لم تهتم لكلامه القاسي، لا بأس ليقول ما يريد المهم الا ينبذها مجددًا، فرغم انه جرحها الا انها صمتت لم تقل شيء ولا حتى ناظرت اعينه، فقط ملامح السعادة تلاشت واحتلت مكانها ملامح بؤس؛ فتبخرت ابتسامتها واتساع اعينها ليدبلا كلاهم
رفع زئبق رأسها بكفيه ليجعل اعينها تخاطب اعينه، والحنان تسلل لكلماته رغم عنه، فهي اخر عزيز تبقى له ووصية من امه:
_انا لم يبقى لي سواك وانتِ اعز من عندي
ابتسمت زمرد وهي تمسح دموعها، فاعادها زئبق لاحضانه وعانقها بشدة، كلاهم اصبح داخل الاخر ويشعر بدفئه، تلك اللحظة بالنسبة لزئبق كانت لحظة راحة بعد كل ذلك، كانت ككوب ماء بعد صيام طويل، وصيام زئبق لم يكن طويل بل طويــــــل، والان هو اخيرًا يشعر بمشاعر حانية دافئة
__________________________
"لا بأس يا اختي، تهون"
جائت الكلمات من دجى التي باتت تواسي شفق فكانت جالسة على الفراش جوار شفق التي كان رضيعها بين يديها نائم
نظرت دجى لشفق التي للتو انهت بكائها، كانت اشبه بجثة حية، انسانة بلا روح، زهرة ذابلة، كل معالم الحياة بوجهها اختفت، فقالت دجى لتساعدها قليلًا فترتاح او تنام عسى ان تعيد لها بعض الراحة الجسدية روحها
_ااخذه منك ؟
اومأت شفق برأسها نفيًا، لم ترد ترك ابنها فهو الشيء الوحيد الذي يعطيها انفاسها، فهو اصبح لها انفاس تمد رئتيها بالهواء ليبقي جثتها الهامدة حية
ظل الصمت دقيقة كاملة حتى كسرته دجى وهي تحاول جعل شفق تتكلم وتتفاعل:
_الن تسمي الطفل ؟
فكرت شفق قليلًا وادركت ان حزنها منعها من التفكير بابنها واسمه، هي حزنها سيطول لكن اهل ابنها سيبقى بلا اسم حتى ينتهي حزنها؟ هزت شفق كتفيها قائلة بحيرة وبحة حزن تغلبت على كلماتها:
_لا ادري
_سميه على اسم زوجك السابق ؟
توقفت شفق عدة ثوان، اقتراح دجى لم يكن سيء ابدًا فهو حقًا بالنسبة لها كلهب من نار "لهب" لكن سرعان ما جزعت من الفكرة:
_لا، لا ان سميته بلهب ساتذكر لهب دائمًا، وان ظل على بالي دومًا لن تلتئم جراحي، انا لن انساه ابدًا، لكن ايضًا لا استطيع مناداة اسمه في كل مرة انادي بها ابني فتعيد جروحي الانفتاح... لا لا استطيع، وايضًا لن اعلق ابني بجثة اب، دعيه يظن ان ذلك القذر بالخارج ابوه
_حسنًا ماذا ستسميه
_حقًا لا ادري
نظرت شفق لوجه طفلها الذي كان دائري وصغير، انفه كرة صغيرة، وشفتيه ناعمة وبالكاد خطين ورديين، عينيه كانت نسخة من عيون لهب لكن بشكل الاصغر، غطست بيدها في شعره الذي كان بالكاد موجود، مجرد شعيرات صهباء قصيرة، ثم انتقل كفها من رأسه لاذنه ومن اذنه استقر بين شفاه واذنه على خده وابهامها استقر على ذقنه، داعبت خده بخفة وحينها جاءها الاسم كوحي
_سأسميه كما اراد والده... زيد
_____________________
الباب الثاني~انتهى~
الباب الاول انتهى بموت اما الباب الثاني فانتهى بولادة
Mariam