ربطة شعر زرقاء

ربطة شعر زرقاء

24 0

رفعت زمرد نظرها لراشد وابتلعت ريقها وهي تقول:

"انا انتظرك يا راشد دهرًا كاملاً، لا اريد اي احد سواك"

ابتسم راشد ولمعت اعينه، ظن للحظة ان زمرد يمكن ان تتخلى عنه:

"حتى انا يا زمرد، لا اتخيل نفسي مع شخصًا سواك"

خجلت زمرد واحمر خديها، لكن بالطبع في عقلها يتردد اسم مِسك تلك... لذلك اضطرت لتخريب اللحظة بسؤالها الذي سألته ببرائة وعفوية:

"من مِسك ؟"

توتر راشد وابعد نظره عن زمرد يحاول عدم النظر المباشر لها، ابتلع ريقه وهو يحاول عدم اظهار توتره:

"لا يهم من مِسك، المهم هو نحن"

انزعجت زمرد من إجابته، ظنته سوف يجيبها ولن يتهرب، لذلك قالت باصرار مُلحة على ذلك الامر:

"حقًا من مِسك"

زمرد تحشره في الزاوية باسئلتها، وراشد لا يستطيع فتح ذلك الامر... الامر يخنقه، لذلك قال وهو يأخذ خطواته راحلًا تاركًا زمرد ليتجنبها:

"لا استطيع فتح ذلك الامر الان... ارجوكي تفهميني، ليس الان على الاقل"

شعرت زمرد بحنق وخيبة امل لانه تركها ورحل بدون إجابة حتى...

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

غربت الشمس وانتهى اليوم وكل شخص خلد الى فراشه، يفكر في همومه ومن بينهم كان زئبق في سريره في منزله، الذي كان الأرق رفيقه تلك الليلة نائم بجانبه يعانقه بحرارة...

كان زئبق يتقلب على السرير لا يستطيع النوم، يحضن الوسادة تارة ويلقيها بعيدًا تارة... ينام على ظهره او يساره او يمينه لا تفرق لا يستطيع النوم... كان يتذكر احداث يومه، يفكر هل نجيب ميت ام حي... هل ريان وحده استطاع انقاذه ؟ ان كان حي هل سوف يركز على غيابه هو وصديقه اليوم ويعرضهم لمشاكل اكثر ؟ هل سيستطيع توفير المال لعملية امه؟ وما جبروت عمه الذي يجعله يحرق كلب فقط لانه عضه... عمه! هل بإمكانه ان يستعير منه المال لعملية امه؟ ولكن هذا لم يشفق على الحيوان ليشفق على انسان...

قضى زئبق ليلته كاملة يفكر ويفكر فحسب ولم يستطع حتى النوم... ولكن الشمس لن تنتظره حتى ينام لانها شرقت تفتتح يوم جديد...

نظر زئبق لقرص الشمس بملل وهو يعلم انه ضيع فرصته الوحيدة في الراحة والان عليه ان يذهب للمزرعة....

ـــــــــــــــــــــــــــــ

وصل زئبق لمكان عمله ينظر اليه بلا روح بلا حياة اهدرت روحه هنا وهذا لم يكن خياره، لم يضربه احد ليعمل بالمزرعة ولكن لم يكن له خيار سوى ذلك اما ان يموت جوعًا او يهدر نفسه عملًا بلا رحمة ليحصل ما يكفيه من المال ليبقى حي ويستمر بالعمل...

امسك زئبق مجرفته التي تكاد يطبع عليها يد زئبق من كثرة ما حملها...

دخل إلى اذن زئبق صوت نجيب الذي كان يدندن بقصره... وبالطبع ولماذا لا يدندن، وهو جالس بقصره الذي جنى حقه من تعب مزارعينه...

لكن على الاقل هو حي، لم يخسر طفل اخر ابيه

كان زئبق هذه المره لا يطيق اي شيء هو في العادة كان حانق على عمله لكن ليس بقدر تلك المرة كان يرى كل ما حوله اسود، ظلام... هو كل يوم يعمل فقط، كُرثت حياته للعمل فقط وفي النهاية هو حتى لا يملك حق تكلفة عملية لأمه

***

لاحظ لهب صديقه العابس، لذلك ذهب اليه ليحاول التخفيف عنه، وقف خلف زئبق يقول ممازحًا:

"الم تعتاد الامر"

التفت زئبق لصديقه الذي كان يبتسم على عكسه، قال زنبق بحدة:

"لا ولن اعتاد على الظلم"

تعجب لهب من صديقه الذي في العاده يبادله السعادة والمزاح

"ما بك ماذا حدث ؟"

اخذ زئبق نفس عميق وهو يقول بيأس:

"لا املك حق تكاليف علاج امي يا لهب... سوف تموت"

ذبلت بسمة لهب وهو يستمع لزئبق، كان يريد المساعدة ولكن ماذا بيده ان يفعل وهو حاله مثل حال صديقه يأكله الفقر:

"لماذا لا تطلب المال من عمك ؟!"

قال زئبق وهو يحفر حفرة صغيرة في الارض:

"فكرت بذلك لك..."

قاطعه الدخان الذي ملأ الجو من تبغ سيدهم

تأفف زئبق بداخله ها قد جاء ذلك حتى يكمل عليه البلاء

وقف نجيب امامهم يحدق بهم لعدة ثوان دون ان يقول شيء وخاصة يحدق في لهب

وقف لهب وزئبق بجانب بعضهم امام نجيب في تظاهر للاحترام

اخيرا نطق نجيب وعلى عكس ما توقع زئبق انه جاء ليوبخهم على غيابهم امس قال نجيب متسائلاً:

"ما الذي بوجهك يا لهب"

لم يستطع لهب كتم ضحكاته وضحك بصوت عالٍ على نجيب الذي يتظاهر بالبرائة كما لو

ان شخص غيره هو الذي امر بضربه

ضربه زئبق على ظهره ليحذره ان يتوقف عن الضحك، بصعوبة شديدة تمالك لهب نفسه وتوقف عن الضحك، لكنه جارى سيده في لعبة التمثيل:

"شخص قذر امر بعض كلابه بضربي"

تغيرت ملامح نجيب الى الحنق بسماع كلمات لهب لكنه حاول السيطرة على ملامحه:

"تنقى الفاظك!"

كان زئبق بداخله يشعر بالسعادة من شجاعة صديقه لكنه لم يظهر سوى الجمود في الملامح

قال لهب ببرائة شديدة:

"سوف احرص على ذلك"

اخذ نجيب نفس عميق وابعد نظره عن لهب يحدث زئبق:

"هناك شخص ما بينما كنت افعل شيء ضرب رأسي، اعثر لي عليه"

زئبق شعر انه سوف يجن وهو يضغط على قبضته، هذا يطلب منه ان يعثر له على من انقذ اخته... اخذ زئبق نفس يحاول ان يهدىء من روعه حتى لا يفعل شيء غبي

اعجب نجيب بمنظر زئبق الغاضب كان لسبب ما يسعده مشاهدة الناس تعاني

قال زئبق بعدما تمالك نفسه:

"سوف يك..."

لم يتسع زئبق أن يكمل حديثه حتى استنشق نجيب تبغه ثم نفث دخانه في وجه زئبق ليستفزه اكثر

سعل زئبق وهو يبعد بيده دخان التبغ عن وجهه، وكان يعلم ان نجيب تعمد الحركة وهنا اقسم زئبق في نفسه انه سوف يعيد لنجيب تلك الحركة، رغم البركان الذي انفجر في صدره الا انه ابتسم يجيب بهدوء بعدما ابعد الدخان عن وجهه:

"سوف يكون عندك"

شعر نجيب بغيظ من تجاهل زئبق لاستفزازه ولكنه ابتسم يقول ببرود:

"اتمنى ذلك"

ثم استدار يرحل... عندما تأكد زئبق ان نجيب ابتعد مسافة كافية حتى لا يسمعهم صاح قائلًا وهو يضع قبضته داخل فمه يضغط عليها باسنانه ليفرغ غضبه:

"كلب كلب كلب"

ربت لهب على ظهر زئبق وهو يحاول مساعدة زئبق على ان يهدئ:

"كل شيء سوف يصبح بخير اهدأ"

مسح زئبق على وجهه وهو يصيح غاضبًا، شياطين الارض تلعب بوجهه:

"الكلب يريدني ان اجلب له من ساعد اختي وهو يعتدي عليـ.."

ثم صمت عندما سمع صوت طفولي ساخرًا:

"ما به هذا المجنون"

نعم هي نفسها وكيف لا تأتي فتاة المصائب لتكمل عليه مصائبه، قال زئبق بصوت عالي يصيح للفتاة:

"انتِ يا فتاة المصائب تعالي هنا"

انزعجت وصال من زئبق الذي يصيح لها بفتاة المصائب مجدداً، ذهبت له وهي تضع يدها حول صدرها في حنق، مستعدة للشجار معه، لكن قبل ان تقول شيء بدأ زئبق بطرح الاسئلة:

"ما علاقتك بزمرد يا فتاة ؟!"

ردت وصال بانزعاج:

"ما شأنك"

تعجب لهب من صديقه الذي يضع رأسه برأس طفلة فقال ممازحًا:

"ما شأنك انت بوصال يا زئبق"

وصال هل وصال نفسها التي انقذت اخته! هو رآها مع زمرد ذلك اليوم لكنه ظنها صديقتها وليست وصال التي انقذتها... اساسا كيف لطفلة عمرها اربعة عشر عام تكون بشجاعة ان تضرب رأس رجل كبير بالغ !لم يكن زئبق يعرف كم عمرها بالضبط لكن بالتأكيد طفلة... قال زئبق وهو فاغر الفم:

"انتِ هي الطفلة التي ضربت رأس نجيب !" ثم اكمل يقول وهو يبتسم بخبث "جيد ها قد وجدتك لاسلمك له"

صدمت وصال وبدا عليها الخوف:

"لا ارجوك لا تفعل"

ضحك زئبق وقد نجحت خطته:

"إذًا اذهبي في خمس ثوانٍ قبل ان امسك بك"

ركضت وصال بسرعة دون ان تنظر خلفها

ضحك زئبق على غباء وسذاجة وصال... كيف ليسلم من انقذت اخته من الشيطان، هو فقط هددها ليستفزها

ابتسم لهب لان تلك الطفلة غيرت مزاج زئبق الذي كان على حافة الجنون والان يضحك او ربما هو يضحك لانه جن بالفعل

ــــــــــــــــــــــــــــ

ركض ريان خلف وصال التي عندما ابصرها تركض بعيدًا وجد انها فرصة جيدة حتى يتعرف عليها... لم يكن يعرف ما اسمها لذلك قال بعفوية:

"يا فتاة المصائب !"

كانت وصال تركض بين سنابل القمح وهي بالكاد تستطيع التقاط انفاسها، عندما سمعت ذلك اللقب الغبي استدارت لتتشاجر مع من نتعها به:

"انت! لا تانديني بهذا الاسم"

عندما لاحظ ريان انزعاج وصال ووجهها العبس قال في خجل:

"اسف انا ناديتك بذلك الاسم لاني سمعت زئبق يناديك به"

تعجبت وصال ظننته انه سوف يتشاجر معها مثل زئبق لكنه اعتذر باحترام ! احمر خد وصال وهي تأخذ خطواتها بالقرب من ريان:

"لا بأس"

ثم أرادت وصال أن تفكَّ ضفيرتها، حتى يتطاير شعرها الكستنائي مع الهواء، لكن ربطة الشعر كانت مربوط بربطة شعر زرقاء باحكام ولم تستطع وصال فك شعرها

كان ريان يشاهد وصال مثل الابله فاغر الفم يكاد يسيل لعابه

بعدما باءت كل محاولات وصال في فك شعرها بالفشل، قالت على استحياء:

"هل يمكن ان تفك شعري"

ابتسم ريان الابله وهرول نحو وصال، امسك ضفيرتها وبدأ يحاول اخراج ربطة الشعر برفق... وبالفعل استطاع ريان فك شعر وصال، قال وهو يمد يده بربطة الشعر ليعطيها لوصال:

"ما اسمك ؟"

خجلت وصال ولم ترِد ان تقول له اسمها، فركضت وشعرها المموج يتطاير خلفها تقول:

"ليس لك شأن"

شعر ريان بالاحراج لكنه وقف مكانه يشاهد رحيل اميرته الجميلة يتأمل بها، ثم نظر الى ربطة شعرها الزرقاء التي تركتها معه...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان القمر ينير الظلام بضوؤه الفضي الذي ينعكس على اوراق الشجر لتلمع، وينعكس ضوئه على الطرق والسبل ليضيء كل شيء، كانت ليلة قمرها كامل، وهادئة لا تسمع سوى صوت القطط فيها

بعدما انهى زئبق عمله والان هو لا يريد اي شيء سوى النوم لكنه اولًا كان عليه ان يقوم بزيارة...

ينظر الى القصر الفخم الذي يسكنه عمه، اخ ابوه... ابوه الذي تركهم في الصغر... رفع زئبق رأسه للاعلى ينظر للقصر الذي بداخله امله الوحيد...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تحررت النيران

المؤلف Mariam
2025/08/20 مستمرة
قائمة الفصول (28)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة