كلمات زمرد وقعت مثل السيف على رأس راشد كما لو كانت تدمر جميع خلايا عقله
"زمرد، الزمي حدك"
وفي هذه اللحظة كان الحديث قد انتهى بالنسبة لراشد لذلك بمجرد انهاء كلماته استدار، معطيًا ظهره لزمرد راحلًا
زمرد شعرت بمشاعر كره وغيرة تجاه تلك مسك التي يحبها راشد حبيبها... قالت زمرد من بين ضحكاتها المستهزئة:
"هل ازعجك الحديث عن مسك ؟"
استدار راشد يلتفت لزمرد وقد شعر بحرارة في اطرافه، صرخ بها رافعًا اصبعه في وجهها بنبرة حادة وغاضبة:
"الم تسمعي؟! الزمي حدك!"
ارتعش جسد زمرد من صراخه، اخذت نفس عميق تحاول تمالك نفسها، تنظر له نظرات حادة، وهو يرحل تاركًا اياها
______________
في اليوم التالي...
ذهب زئبق الى منزل لهب حتى يطمأن عليه ويسأل عن احواله بعد غيابه امس...
طرق زئبق الباب وانتظر قليلًا حتى فتح لهب الذي كان ظاهرًا النعاس في عينه والخمول ظاهرًا في جسده
"زئبق! عساه خيرًا ؟"
"خير خير لماذا لم تأتِ البارحة"
قال لهب ببعض التوتر:
"لا شيء فقط انشغلت بامر لشفق"
ثم اكمل وهو يأخذ جانبًا ليفسح الطريق امام الباب يمد يده الى داخل المنزل:
"تفضل يا زئبق"
دخل زئبق، متسائلًا وهو يخلع حزائه:
"هذا شهرها الكم ؟"
اجاب لهب وهو يسير صوب الاريكة:
"الثامن"
استقام زئبق ظهره بعدما خلع حذائه يلحق صديقه قائلًا بابتسامه:
"جيد لتضعه سالمًا، أطوق لرؤية ابن اخي"
قال لهب وهو يسحب وسادة ليضعها في صدره معانقًا اياها:
"حتى انا يا زئبق لا اطوق الانتظار لرؤيته"
اسند زئبق يده على ظهر الاريكة فالتفت لهب برأسه للخلف متسائلًا:
"ألن تجلس ؟"
"لا انا اساسا ذاهب الان فقط جأت لاطمئن عليك"
"الى اين؟"
"الى السوق، الطعام نفذ من المنزل"
"هل لديك المال الكافي؟"
تنهد زئبق قائلًا:
"نعم اعطتني زمرد المال التي تدعي انها ادخرته من قبل... لا اصدق روايتها كثيرًا، لكن ليس لدي الوقت لانشغل بها حاليًا"
وبمجرد انهاء كلماته سحب يده من على الاريكه واستدار ليرحل
نهض لهب يلحق صديقه ليودعه عند الباب
_________________
"لماذا سبع عملات نقدية يا عم، انها مجرد بطاطس"
قال الرجل الذي يقف خلف كشك الخضروات حاملًا حبة بطاطس بيده:
"انه سعرها يا زئبق، لكن على اي حال خذها بالسعر الذي تحب، قائدي"
شرد زئبق للحظات يستوعب لماذا ناداه الرجل "بقائدي"، وسرعان ما استوعب انه ناداه بقائدي، لانه من الناس المشاركين بتمرده... فتلاشت ملامح وجه زئبق المتشنجة والمعترضة وارتسمت محلها بسمة قائلًا وهو يخرج بعض العملات من جيبه:
"اتدري ارى ان سبع عملات نقدية رقم عادل"
وضع زئبق اربعة عشر عملة نقدية على الطاولة قائلًا:
"إذا ضع لي رطلين من البطـ..."
وقبل ان يكمل كلماته توقف لسانه عندما لمح ظهر فتاة شعرها الاسود المموج ينسدل خلفها يخفي ظهرها العاري من فستانها المكشوف... هي نفسها تلك الفتاة بنفس فستانها، لم تبدله من امس
"زئبق !"
قال الرجل وهو يلوح بيده ليلفت انتباه زئبق الشارد
التفت زئبق للرجل يقول متلعثمًا:
"نعن نعم عمي... ضع لي البطاطس بكيس سوف اعود، حسنًا"
وما ان انهى كلماته حتى ركض متجه للفتاة التي كانت تقف امام كشك الحرير، امامها بائع يروج لحريره بكل ثقة
"لن تجدي لذلك الحرير بمثيل، ضعي يدك عليه، جاء خصيصًا لي من الهند"
مدت عفراء يدها الرفيعة ذات العظام البارزة، التي تزينها اظافر الطويلة مطلية بطلاء اظافر وردي فاتح... وضعت يدها على حرير ذا لون ارجواني وهي تتحسسه برفق:
"لا ادري... انه حقًا جميل... لكن لا ادري هل مناسب مع لون بشرتي"
جاء صوت زئبق الساخر من الخلف:
"لا سيء جدًا"
تأففت عفراء بصوت صاخب لتبدي عن غصبها ثم التفتت لزئبق تقول بنبرة حادة:
"ما شأنك بي انت يا رجل؟ ها، اليس لديك عائلة او حياة تلتفت لها ؟! فقط تركض خلفي من مكان الى اخر ؟!"
ضحك زئبق يقول بنبرة ساخرة:
"اركض خلفك !؟ انتِ حقًا مخدوعة بنفسك، انظري لنفسك انتِ من تحومين خلفي"
قالت عفراء بإستهزاء وغيظ:
"ومن انت يا ترى لاحوم حولك ؟!"
قال زئبق يبعد خصلات شعره عن وجهه قائلًا بغرور:
"يجب ان تسألي نفسك ذلك السؤال"
نظرت عفراء لزئبق نظرات حادة تقول بنبرة حازمة وهي ترفع اصبعها في وجهه:
"احذرك ان تظهر في طريقي مرة اخرى!"
"وإن ظهرت ؟"
"لن يعجبك ما سيحدث حينها"
ضحك زئبق بصوت صاخب مستهزئًا بها، ثم تحولت ضحكاته الى نبرة حازمة وهو يقول حانقًا:
"انظري يا ايا من كنتِ، انا لا اهتم اليك والى من انت... وان كنا سنتحدث عن من لن يعجبه نهاية ذلك... فهو لا احد سوى انتِ"
لم يعجب كلام زئبق عفراء اطلاقًا فهو يسحق كبريائها، اساسا لم يسبق لاحد ان يتحدث معها بذلك الشكل ابدًا، فتملك الغضب جسد عفراء ولم يخرج سوى في نبرتها الصاخبة وهي تصرخ به:
"انت لا تعلم من انا، يا مزارع"
وسط ذلك الشجار في زاوية ليست بالبعيدة منهم كان راشد يسير في الاسواق في طريقه لمنزله... وبينما هو يسير لاحظ زئبق، وحين رآه مع امرأة يتشاجر معها ثار الامر اهتمامه لذلك هرول اليه ليرى ما الامر
قال زئبق ببرود:
"ولا يهمني ان اعلم"
اردفت عفراء بنبرة خافتة كتعبير عن غضبها:
"قذر"
رنت كلمة قذر في اذن زئبق عدة مرات، هل حقًا تلك المدللة نعتته بالقذر ؟! قال زئبق متسائلًا مكذبًا اذنه:
"ماذا ؟! ماذا ؟! من القذر ؟"
قالت عفراء بنبرة تملئها التحدي:
"ااتكلم الان مع احد سواك ؟"
شعر زئبق بالاهانة منها، فشعر كما لو ان الغضب يحرق صدره، وانفاسه تتثاقل من شدة غضبه، قبض يده، يشد على قبضته... يريد ان يمسكها من شعرها ويوسعها ضربًا... فهو في تلك اللحظة لم يكن يراها سوى نجيب لا مجرد فتاة مددلة فظة، لكن قبل ان يفعل اي شيء بها شعر بذراع يوضع حول كتفه يجذبه للخلف، وصوت احد من الخلف
"هيا زئبق، لنذهب"
اغمض زئبق عينه يتمالك نفسه قبل ان يقتلها ثم التفت للخلف ليرى راشد
"انتظر يا راشد" ثم استدار زئبق رأسه ينظر لعفراء من الاعلى للاسفل باحتقار يكمل: "لاري تلك كيف تكون القذارة"
قال راشد بصوت خافت يتدارك الامر:
"ماذا ستفعل لامرأة يا زئبق؟ اتركها لا تفعل شيء تندم عليه لاحقًا"
صمت زئبق يفكر حقًا ما بوسعه ان يفعل لها، بالتأكيد لن يضرب امرأة هذا لم يكن يومًا من شيمه... فاكتفى فقط ببعض التهديد:
"اتمنى ان لا المحك مجددًا، لان حينها لا اضمن غضبي"
ارتعش جسد عفراء من الخوف فبعد نعتها له بالقذر حقًا تحول لكائن مرعب حتى اعينه احمرت من شدة الغضب... ظنت عفراء لحظتها انها ستصبح قتيلته... لكن من حسن حظها مر الامر بسلام...
وضع راشد يده خلف ظهر زئبق:
"هيا"
التفت زئبق لراشد معطيًا ظهره لعفراء:
"هيا"
تحرك الاثنان تاركين عفراء قلبها يدق بسرعة كالطبل لا تدري كيف نجت
بعد عدة خطوات قليلة من تركهم لعفراء توقف زئبق، ثم استدار يأخذ خطواته صوب عفراء التي لم تتحرك خطوة من مكانها
هنا ظنت عفراء انه قادم لقتلها حقًا، لم تنجو، لكنها استقامت ظهرها تحاول اظهار الثقة...
وقف زئبق امام عفراء يحدق بكتفها العاري بصمت لعدة ثوان... وتلك الثوان كانت ساعات بالنسبة لها... لكنها لم تجرأ على سؤاله فقط كانت تنظر له بحدة تخفي خوفها
خلع زئبق سترته ووضعها على كتف عفراء، يقول الكلمات من تحت ضرسه:
"نحن هنا لسنا باوروبا"
وبمجرد انهاء كلماته استدار يسير صوب راشد الذي كان يحدق به مستعجبًا
توقف بعفراء العالم تستوعب ما الذي حدث قبل قليل... هل سترها للتو ؟؟ كانت تنظر للسترة بصدمة ثم حركت بصرها لزئبق الذي كان ابتعد هو وراشد... اخفضت عفراء رأسها تبتسم بخفية وهي تضع اذرعها داخل اكمام السترة ثم تضبط ياقة السترة على رقبتها... لا تدري لماذا ابتسمت... هل لان احد اعارها بعض الاهتمام ؟
_______________
في الليل عادت عفراء لقصر نجيب، فتحت لها الخادمة الباب... اخذت منها الحقائب التي كانت تملىء يدها من كثرة التسوق ثم وضعت الحقائب جانبًا لتضع يدها فوق اكتاف عفراء باغية مساعدتها في خلع السترة
وضعت عفراء يدها فوق يد الخادمة قائلة بلطف:
"اتركيها"
سحبت الخادمة يدها من على السترة تومأ برأسها لعفراء وهي تأخذ جانبًا تفسح لها الطريق
دخلت عفراء الى الداخل وقبل ان تطأ قدمها غرفة الاستقبال، على بُعد فقط كم خطوة من الباب كان ريان قد ركض صوبها يعانقها بقوة متلهفًا لها
اخفضت عفراء قامتها لتجلس على ركبها نسبة لفرق الطول لتعانق ريان
قال ريان وهو في صدر عفراء:
"لماذا تأخرتِ"
سحبت عفراء يدها من حول ظهر ريان لتأخذ بعض الخطوات للخلف وهي تقول ممازحة:
"لا تهتم، هل جائت اميرتك السرية اليوم ؟"
تشنج وجه ريان وهو يقول خائفًا:
"عفراء! سيسمع ابي"
ضحكت عفراء وهي تنهض من على الارض ثم داعبت شعر ريان قائلة:
"يا لك من محتال يا ريان"
قال ريان مستنفرًا يدافع عن نفسه ببرائة:
"هي من تأتِ اليّ مهما منعتها ومهما اظهرت عواقب معرفة ابي ذلك هي لا تهتم وتقترب"
قالت عفراء مع ابتسامة ترتسم على وجهها:
"إذًا لا تمنعها"
لاحظ ريان السترة التي ترتديها عفراء... هو رآها من قبل على زئبق... لكن ربما فقط اشتروها من نفس المكان... لذلك لم يقل شيء عن ذلك الامر فقط احتفظ به لنفسه انما سألها عن امر اكثر اهمية بالنسبة له:
"صحيح عفراء، تكلمي مع ابي اجعليه يتنازل عن عقوبتي... اريد الخروج من المنزل، ضجرت !"
"حسنًا ريان سأفعل، لكن تعلم ابوك صعب الطباع، امهلني بعض الوقت"
ثم اكملت عفراء متسائلة:
"صحيح ما اسمها اميرتك"
"وصـ..."
ثم صمت عندما دخل ابوه بخطوات ثقيلة يدخن تبغه بهدوء وهو يسير صوبهم...
اقترب نجيب من عفراء يضيق عينه يدقق النظر بمظهر اسيل الغير مناسب اطلاقًا... ترتدي سترة غريبة ذات نقوش مربعة بدرجات الاصفر والاسود... سترة رجالية كبيرة وطويلة، طولها يتجاوز حد فستانها بقليل
"ما هذا الذي ترتدينه ؟"
نظرت عفراء للسترة تقول بارتباك:
"اـ اشتريتها... الم تعجبك ؟"
نظر نجيب للسترة بإحتقار قائلًا بكبر:
"لا لم تعجبني... تبدو رخيصة بعض الشيء"
"لكنـ"
قاطع نجيب عفراء ليكمل حديثه:
"تبدين كمزارعة"
"ما بهم المزارعين ؟"
هذه ليست عفراء التي اعتاد عليها نجيب... بها شيء لكنه لا يهمه فقال ببرود وهو يستدير ليتركها ويعود لغرفته:
"بدلي ثيابك افضل"
ثم اكمل نجيب اوامره موجهًا حديثه للخادمة دون التنازل حتى بالتوقف عن السير والنظر اليها:
"وانتِ خذي منها السترة والقيها بـ اقرب قمامة"
قالت عفراء باستسلام وهي تنظر لظهر نجيب:
"حسنًا نجيب... آمر"
بعدما رحل نجيب تنفست عفراء نفس عميق متجهة لغرفتها قبل ان توقفها كلمات الخادمة
"اعطيني السترة فضلًا يا آنسة"
استدارت عفراء تلتفت للخادمة:
"لا، لا بأس انا سوف القي بها"
"لا ترهقي نفسك، انا سوف اهتم بذلك"
تأففت عفراء وهي تخلع السترة، لم تكن تريد القاؤها لكنها ايضًا لا تريد التمسك بها، لذلك خلعتها بهدوء تعطيها للخادمة
Mariam