للمعلومية قد انتهت كتابة هذا الفصل فعليًا في رأس السنة، يوم ٣١ ديسمبر وتمت المراجعة ١ يناير
بسم الله فالنبدأ
________________________
اليوم التالي
٣١/ ديسمبر
في الخامسة فجرًا استيقظ لهب، كان يخرج من الغرفة وهو يضبط قميصه على عجله ليذهب للمقهى، ليتوقف حين رآى شفق تضع الطعام على الطاولة، هو عندما استيقظ ولم يجدها بجانبه ظنها بالمرحاض لكن لم يتخيل انها تطهي الطعام خاصة انها في اخر شهور حملها
_شفقي... اهذا لي ؟
اجابت شفق بتصنع للغباء ممازحة:
_لا لابن الجيران
لم يفهم لهب انها تمزح لذلك قال بجدية بها بعض الضيق:
_جيد اذًا لارحل انا
وضعت شفق مقلاة البيض المقلي من يدها على الطاولة، سارت صوبه، تمسك عضده وهي تسحبه للطاولة برقة
ارتسم على فمه بسمة لم يعتاد ذلك منها، جلس لهب
وهي تناولت طبق تضغه امامه ثم وضعت بعض البيض والخطروات في طبقه
_اهذا الدلال كله لي؟
ابتسمت بخجل وهي تسحب الكرسي المقابل له لتجلس
لهب كان في اقصى مراحل سعادته، هو يحب تلك الفتاة كثيرًا واهتمامها به الذي يبدو بسيط هو اقصى امنياته، لكن فجأة تذكر وهو ينظر للساعة لينهض سريعًا:
_اسف شفقي اليوم مهم يجب ان لا اتآخر على زئبق، لكن اعدك من بعد اليوم لن اخرج من عتبة المنزل حتى تملي مني
انزعجت شفق كثيرًا، قد تعبت جدًا بتحضير الطعام وهي في اخر شهور حملها من اجله وفي النهاية يتركها ! لا تنكر انها فعلت ذلك حتى تلهيه عن امر زئبق ويبقى معها لانها تكره امر التمرد ذلك ولا تعتقد ان نهايته لن تكون خيرًا
قالت شفق بنزعاج من تحت الضرس دون ان تنظر له بل ثبتت نظرها على طبقها:
_اذهب يا لهب، اذهب
لم تهون شفق على لهب وهو يراها بذلك الحزن بسببه، سار لهب صوبها ليجلس على ركبه جوار ساقها، التقط يدها يقبل كفها ومن ثم اصابعها، اصبع اصبع
_لا تهوني عليّ، لا تعبسي حسنًا، اقسم ان اليوم الاهم بالنسبة لزئبق وان كان اي يوم اخر لبقيت لكن اليوم يوم التنفيذ يجب ان اكون معه، اترضي عليّ ان يقال ترك صديقه ؟
وضعت شفق يدها على يده التي يمسك بها يدها بحنان:
_لا، لا ارضى
_غدًا كله لك، وانا بنفسي احضر لكِ وليمة
ضحكت شفق ضحكة بسيطة ممازحة:
_اي وليمة ؟ انت حتى لا تستطيع ان تسلق بيض
رفع لهب رأسه بغرور:
_اذًا ثلاث سنوات زواج ولم تتعرفِ على زوجك بعد، غدًا سوف تأكلين اصابعك من لذة طعامي
ابتسمت شفق مع ضحكة بسيطة لان كلامه يتنافى مع اخر مرة حاول الطبخ حين حرق الطعام
نهض لهب وهو ينظر لساعته، ثم قبل جبينها
عند الباب وقبل ان يرحل تذكر شيئا
_شفق، لا تنسي اليوم اذهبِ لبيت زئبق، هو لن يكون متواجد فقط اخته، وابقي هناك
نظرت شفق للطعام الذي تركه لهب بضيق ثم تنهدت وهي تعاود النظر لظهره تجيب بهدوء:
_حسنًا
_____________________
في المقهى يقف اعلى كرسيه قائد، ثقته وهو اعلى كرسيه كما لو كان على منصة ليس كرسي خشبي
_موعدنا الساعة ال١٢ ليلًا، تلك الساعة التي سينتهي الاستعباد سينتهي الظلم سينتهي الاستبداد ليبدأ عصر العدل
زئبق يعلم تمام العلم ان كلمة الاستعباد مبالغ بها قليلا، ففي النهاية هم يعملون بارادتهم الحرة، ويستطيعوا ترك كل ذلك متى ما شاءوا، لكن زئبق ذكي، ومحاور ذكي، يعلم كيف يختار كلماته
_وتذكروا ليس من اجل الثروة بل من اجل الحرية
هبط زئبق من كرسيه وتزامنًا مع ذلك تعالت اصوات التصفيق وزئبق ترتسم على فمه بسمة
جلس على الكرسي، لن يستطيع اختراق الازدحام للوصول للطاولة المعتادة عند راشد ولهب لذلك فضل الجلوس منتظرًا رحيل الجميع بهدوء في جلسة ساق فوق ساق تملؤها الثقة وهالة من الهيبة تحاوطه ليس كما لو كان مزارع بسيط
بعد نصف ساعة تقريبًا وبهذه النصف الساعة قد تحدث العديد من الرعاة مع زئبق من ابرزهم رجل اربعيني كان يعمل مع زئبق في مزرعة نجيب، تجاوز الرجل الحشد ليقف امام كرسي زئبق قائلًا باحترام
_سيد زئبق
نهض زئبق من على كرسيه، ليصافح الرجل ثم عاود الجلوس
_تفضل
_هل انت متأكد من نجاح خطتك؟ انا لدي اطفال، لا اخاطر بهم
شعر زئبق بغصة فلهب ايضًا قبله لديه من يخاف عليه ويعطي لعمره قيمة والان ذلك الرجل كيف خائف على حياته من اجل من بها، وفالمقابل هو ليس لديه من يخاف عليه، صحيح هو يحب زمرد ولهب لكن زمرد ولهب يستطيعوا اكمال حياتهم دونه ليس هناك من حياته تتعلق بزئبق شعر زئبق ان روحه وحياته بلا قيمة، ليس كيفما كان في حياة امه حين كان يخاف حتى من معارضة نجيب ليس ضعفًا بل حتى لا يدخل بمشاكل قد تؤثر على امه
الم يحلم بالحرية دومًا وها هو الان حر لماذا تلك الحرية ثقيلة هكذا ؟
ابتسم زئبق ابتسامة لا يشعر بها وهو يربت على كتف الرجل:
_من هذه الناحية لا تخاف سيبقوا بمنزلي ولهب يحرسهم، واثق ان لهب لا يخون الثقة، يحرق نفسه ولا تمس شرارة نار بالنساء والاطفال بالمنزل
تنهد الرجل وهو يردد كلمات زئبق:
_كله من اجل العدل، ليس من اجل الثروة بل من اجل الحرية
اومأ زئبق ورحل الرجل
***
اما الان فقد خلى المقهى كما كان في اول يوم لم يبقى سوى زئبق ولهب وراشد
الثلاثة جالسين حول تلك الطاولة
_____________
ببلاد اعجمية بغرب اوروبا... جالسة بمنزلها ذو الطراز العصري، جالسة على اريكة كحلية اللون بسيطة دون اي تصاميم مميزة ولكن رغم البساطة الا ان بهظ سعرها واضح
تسند ذراعها على ظهر الاريكة وهي تنظر للحائط الزجاجي الكبير خلفها
حائط زجاجي يطل على ابراج مرتفعة ومباني حديثة، تنافي تمامًا منبعها الاصلي مدينتها الام حيث ولدت والتي كانت اقل تقدمًا كما لو كانت مدينتها متأخرة عن كل هذا بمئات السنوات
كانت شاردة فعقلها لم يخرج من مدينتها بعد اخر زيارة
***
قبل ذلك بيوم، امام القصر الكلاسيكي الفخم على البوابة، بيدها حقائبها ذات العجلات
في مظهر من بعيد قد يبدو ان يملؤه الحنان والحرارة الا انه كان جاف جدًا
كانت تبادل نجيب الاحضان الحارة التي تملؤها مشاعر باردة جدًا
قال نجيب مجاملًا اياها بكلمات لم يشعر كلاهم بعمقها:
_ليتك بقيتي اكثر
قالت بمزاح:
_لا شكرًا، رائحة بقرك يا نجيب ستقتلني
_ابتلك البلاد لا يوجد بقر ام ماذا ؟ هذه لحوم بروتين
_يوجد لكن ليس عند المناطق السكنية
_اخاف على ابقاري بالبعد عني
شعرت انه حتى يقدر بقره اكثر منها لكن لا بأس فغلاها عنده كبير هي فقط لا تعرف فلم يعتاد نجيب على ان يحب او ان يظهر مشاعره لغير امرأة واحدة، في حياة كان يجب ان يكون بها دمية بلاستيكية مثالية تسير بطريقة محسوبة، تأكل بطريقة محسوبة وبالطبع تتكلم بطريقة محسوبة كذلك
وعلى نقيضه كان ريان الذي رغم تعرضه لنفس الظروف الا انه وجد من يكسر كل ذلك
ريان كان يركض بعشوائية ليلقي بنفسه بقوة في احضان عفراء
ضحكت عفراء عليه بقوة وهي تراه يتشخبث بساقها
نظر نجيب لابنه وبنقطة عميقة به تمنى ان يفعل نفس الشيء ويعانق اخته بتلك الحرارة
قال ريان وهو يشدد عناقه:
_ابقي او خذيني معك لقد ضجرت
ثم همس بصوت منخفض
_من قوانين ابي
وبعدها قال بصوت اعلى مسموع ليكمل جملته امام ابيه بكلمات كاذبة:
_من رائحة القمح
قال نجيب ممازحًا لكن نبرته غلفتها الحدة:
_ايكره احد رائحة القمح ؟
تأفف ريان بخفة
ضحكت عفراء مجددًا عليه وهي تنغزه بخفة:
_تأدب يا ولد
قال ريان وهو يضرب الأرض بقدمه
_ابقي ارجوك
انزعج نجيب من حركات ابنه الصبيانية، يركض مثل المجنون ولا يحسب كلماته والاكثر يضرب الأرض بقدمه كما لو كان في الخامسة من عمره، قد حاول بالبداية التغاضي لكن لا يحتمل رؤية الخطأ اكثر
_ريان كفى! اتركها
قالت عفراء بحنان وهي تداعب شعره
_اعدك سأعود قريبًا
ترك ريان ساق عفراء، مطيعًا لاوامر ابيه حين قال كفى
قال نجيب بنبرة اكثر لطفًا مما سبقتها موجهًا حديثه لعفراء:
_اتريدي ان اوصلك
_لا اخي، شكرًا
انتهى الوداع بين الشقيقين وانفتحت ابواب اسوار القصر، خرجت عفراء لكن بدلًا من ان توقف سيارة اجرة ذهبت خلف القصر
خلف القصر حيث كانت سلة مهملات كبيره بها اكياس سوداء
اقتربت عفراء بتردد وهي ترى اكمام قميص بتصميمات مربعة صفراء وسوداء، ينسدل من طرف السلة
امسكت باطراف اصابعها طرف القميص... شعرت بثقل في صدرها وانفاسها تتثاقل، لماذا كل ذلك التوتر من اجل قميص مزارع فقير ليس حتى من مستواها بنظرها ؟!
نظرت مطولًا تفكر، ثم اخيرًا سحبت يدها الى جانبها، لا ليست هي من تحتفظ بسترة رجل وقح لا يعنيها
***
وها هي الان تتحسر على عدم اخذها للسترة، ولكن لماذا ؟ ذلك السؤال لماذا يضغط على صدرها، مجرد التفكير بذلك الوقح يضغط عليها كلها
التقتط بعنف شريحة بيتزا من الطاولة امامها وهي تخرج غضبها بها، كما لو كانت البيتزا هي نفسها ذلك الوقح، فكلما فكرت به اكثر وبقميصه ذاك تأخذ قضمة اكبر
________________________
في غرفة واسعة جدا تشغل معظم مساحة الطابق الثاني من المنزل، ينتصب مكتب بعيد عن الجدران بعدة امتار، يجلس نجيب على كرسيه خلف المكتب، ثابتا صامتا
وخلفه، على الحائط، تتدلى لوحة عملاقة بخلفية سوداء شديدة الظلام، يتوسطها اسد شامخ زجاجي بداخل الزجاج شعلة نار ضئيله جدًا بالكاد ترى وهي مصدر الضوء الوحيد داخل الرسمة وهي ماتظهر ملامح الاسد
امامه على المكتب كان كتاب، كان الكتاب صفحه فارغة تمامًا، فقط اول صفحة زينها الحبر وكانت تلك الصفحة هي التي يقرأها
< أَمُوتُ حَيّاً بكلِّ ليلٍ إذا طَالَا
ويُحرقُ الصدرَ من ذِكراكِ ما سَالَا
سُعَالُكِ المُرُّ سِكِّينٌ تُقَطِّعُني
وحُمَّ جِسمِكِ للأشواقِ زِلزالَا
تَعلو حرارتُكِ العطشى، ولكنَّها
لا تُطِفئُ النارَ في جَنْبَيَّ إشعالَا
يَكفي بِيَدِّكِ في كَفِّي، فبَرْدُهُما
أذكى بقلبي من النيرانِ أهوالَا
بَرْدٌ يَفُوقُ لَظَى الدنيا وقَسوتَها
وفيهِ رَوحي تَرى الأوجاعَ آمالَا
مادُمتِ فِيَّ، وفي نَبضي، وفي نَفَسي
فالموتُ أصْبَحَ لي فوزاً وإجلالَا
أشتاقُ هَمسَكِ والأنفاسَ خافيةً
تُعيدُ للروحِ بَعْدَ اليأسِ فَالَا
يا ليتَني بَيْنَ أضلاعي أُواريكِ
فتَصطلي هِيَ.. كَي تَلقِيْنِ سِربالَا
تَذوبُ أضلاعيَ الحَرّى لتَدفئي
ويستحيلُ عَذابي فيكِ مِثقالَا >
قرأ تلك الكلمات وهو يذبح مع كل كلمة وكلمة فالكلمات كانت كالسيوف بل ليست الكلمات التي كانت تذبحه بل الذكريات هي السيوف التي تذبحه، شعر ان شرايينه تسيل منها الدماء ورقبته تنحر فتمنى لو كان ذلك حقيقيًا فربما في الموت لها لقاءًا...
لكن سرعان ما تذكر ان الدماء لا تسيل منه فهذا الالم الذي يشعر به حتى سيوف العالم كلها لا تؤلمه كما يتألم الان
طرق الباب يعلن انتهاء وقت ضعفه اغلق الكتاب سريعا وادخله بالدرج اسفل المكتب وهو يأذن للطارق بالدخول:
_ادخل يا خالد
دخل خالد باحترام وهدوء
_سيدي عروة على الباب يريد لقاؤك، يقول امر مهم
اجاب نجيب سريعًا:
_لا، لا اريد، ربما في وقت لاحق
_سيدي هذا عروة نفسه الذي انقذك
عروة نفسه الذي حرمه احتمال لقاؤها... لكن على الاقل لم يحرم ريان ابًا
_حسنًا دعه يدخل لكن اخبره اني مشغول
اومأ خالد برأسه وخرج
اما نجيب عاد بنظره للدرج ومن ثم اخرج مفتاح من جيبه ليغلق قفل الدرج
مضت بعض الدقائق ومن ثم دخل الرجلان فخرج خالد وبقى عروة، ليبدأ عروة بالقاء السلام
_السلام عليكم
تأفف نجيب بكبر وحدة:
_ادخل بصلب الامر
تنحنح عروة وقد شعر ببعض المهانة من نبرة نجيب لكن لا بأس ان كان بالامر احتمال لان يعلى قدره عند سيد نبيل كنجيب
_حسنًا... اتعرف زئبق ؟
تأفف نجيب بصوت اعلى ونبرته بدأ يظهر بها الضيق:
_اقول ابدأ بالامر او اخرج، الباب يتسعك
_لا العفو سأبدأ الان
ثم اكمل عروة ليدخل بالامر الذي جاء من اجله
_زئبق ذلك يختطط لتمرد ضدكم في احتفال رأس السنة اليوم
ضحك نجيب بإستهزاء:
_صحيح زئبق به كره وحقد تجاهي وادرك ذلك تمام الادراك لكنه ليس قوي لتلك الدرجة
_ليس هو وحده سيدي بل حرض الكثير لقد وصل عددهـ...
ظن نجيب ان عروة كاذب وان هدفه من ذلك هو المال ونوال الرضا فقط، فهذا ليس بالشيء البعيد على شخص حين انقذ انسان فكر بالمال قبل الروح، لذلك قاطعه بحزم:
_حسنًا انتهى وقتك معي
ثم صاح بصوت اعلى:
_خالد تعال
قال عروة محاولًا التبرير واقناع سيده:
_سيدي انا لا اكذب صدقـ...
لم يكاد يكمل كلمته اذ شعر بيد تنطبق على ذراعه، التفت عروة لصاحب اليد اذ كان خالد
_هيا السيد نجيب قال انتهى
_لكـ
قاطع خالد عروة هامسًا له
_ليس من مصلحتك الاطالة، قال السيد انتهى فانتهى
بعد ذلك استسلم عروة وخرج محطم الامال ظن انه سينال الكثير من الابلاغ عن زئبق واتباعه لكن نجيب غروره منعه من تصديق ان زئبق قد يكون تهديد، عدو او ند له فلم يصدق
_____________________
في المقهى حول تلك الطاولة، كان جالس فقط لهب وزئبق اما راشد فكان بالمرحاض
كل منهم يتسلل لقلبه القلق خاصة مع اقتراب وقت التنفيذ خاصة زئبق الذي حتى رغم ثقته بالخطة، فرغم قلة احتمال الهزيمة الا انه اذا حدث وهزموا سوف يتدمر كل شيء، وكل شيء بمعنى كل شيء، يعلم ان الطبقة النبيلة لن تكتف بتعذيبهم حتى الموت، وعدا عن ذلك فجميع اتباعه سوف يحملونه المسؤولية كاملة وحده رغم ان الخطأ سيكون مشترك لكن الكره سيناله هو وحده بحكم انه القائد
وعلى الصعيد الاخر لهب الذي لم يفكر بنفسه لحظة بل كان يفكر في كيف سيكون حال شفق وابنه اذا مات، يعلم ان شفق لا تستطيع تحمل مسؤولية وحدها فهي لم تتعلم ذلك بالصغر، وخاصة مع طفل رضيع
يعلم ايضًا ان ما يفعل هو ليس الا مخاطرة كبيرة لكن ليس هو من يترك صديقه وخاصة زئبق الذي لم يتخلى عنه مرة طوال صداقتهم
رغم ان التفكير في ما سيحدث اذا نجحت الخطة كان سيكون مبهجًا اكثر لكن الانسان ميال للتفكير بالجانب السيء
مرت بعض الدقائق والصمت هو كل ما يحتل المقهى حتى قطعه لهب:
_زئبق
التفت زئبق للهب وهو يهز رأسه ويصدر صوتًا يوحي بتسؤاله
_زئبق، ان مت تزوج شفق، لكن لا تجبرها، اسألها وان وافقت تزوجها، لا اريد ان لابني ابًا غيري سواك
اعتني بشفق ولا تحزنها كن لها زوج وعون وعوضها عني هي وابني بالطبع
القى لهب بنقبله جعلت اعين زئبق تتسع وهو يشتد بالسعال
ضرب لهب على ظهر زئبق
انهى زئبق سعاله وهو يبتلع ريقه قائلًا بصدمة:
_ماذا تقول يا لهب؟ اجننت ؟! اي موت تتحدث عنه؟ ثم اني لا استطيع التعويض عنك باي شكل
قبل ان يجيبه لهب سمع كلاهم صوت باب المرحاض يفتح ويخرج منه راشد فهمس لهب لزئبق
_زئبق، هذه وصيتي ان مت، وانهي الامر لا اريد التحدث بهذا امام راشد
تقدم راشد ثم سحب كرسيه ليعاود الجلوس
بالفعل صمت زئبق وقال مغيرًا للحديث
_راشد، ااخبرت اختك ان تذهب لمنزلي ؟
تأفف راشد وهو يضع يده على رأسه:
_وصال! لقد نسيت، وبالطبع لن اعرف اين هي للان
نهض راشد بضيق لا يعلم كيف نسي ان يخبرها، ويليه نهض زئبق الذي لم يرِد الانفراد بلهب حتى لا يفتح لهب ذلك الامر مجددًا معه
_انتظر يا راشد سابحث معك عنها
نهض زئبق هو الاخر وهو يبادل لهب نظرات العتاب كما لو كان يقول له "لماذا تحملني ما لا طاقة لي به؟"
اما لهب فكان الامر عليه اصعب واصعب فحتى تخيل انه قد لا يرى ابنه شعور صعب لحد الموت... شعور مميت
______________________
قبل المغرب بقليل، وصال وريان كانا جالسين عند حدود مزرعة نجيب متكئين على سور الابيض ملوث ببعض لطخات الطين، في زاوية بعيدة عن القصر حتى لا يستطيع رؤيتهم احد من قصر نجيب
كانت وصال تسند رأسها على كتف ريان الذي بيده كتاب الفرنسية ويشرح:
_nous تصرف مع allons وتعني نحن ذاهبين
Vous تصرف مع allez وتعني انتم ذاهبين
غالبا تستخدم في صيغة احترام
Ils و elles ...تصـ
التفت ريان لوصال على كتفه التي كانت تنظر له ببعض الملل، فتوقف عن الشرح متسائلا:
_هل مللتي ؟
_انا ؟! لا، لا اكمل
بالفعل اكمل ريان بسؤال ليجذب انتباهها
_كيف يصرف فعل aller مع vous ؟
توقفت وصال وهي تحاول تحليل الجملة او حتى تذكرها لكن بلا جدوى فهي كانت شاردة كل ذلك الوقت، تأففت ثم بدأت بالتصريح عن ما بداخلها حقًا:
_بصراحة... لم امل بالمعنى الفعلي لكـ... لكن انا اشعر ان اللغة اخذت وقت طويل؛ انا ظننت اني سأتعلمها كلها واتكلمها بطلاقة باسبوع او اسبوعين على الاكثر، لكن انت اطلت كثيرًا، كل تلك الايام ولم اتعلم سوى بعض الكلمات
اغلق ريان الكتاب متسائلًا بهدوء:
_هل تريدين تعلم الفرنسية ام لا ؟
_بالطبع اريد
_واللغة لا يتم تعلمها باسبوع او اسبوعين بل تأخذ شهور وسنوات لتتعلميها وبعد كل ذلك لن تتعلميها كلها لان ذلك يستحيل لكن ستتحدثينها بطلاقة ان تابعتي معي باهتمام لا بملل
تنشطت وصال وهي تقول بحماسة تتنافى مع الملل الذي كان قبل قليل:
_اذا لنلتقي دومًا كل يوم لسنوات حتى اتعلم الفرنسية كلها
التمعت اعين ريان وهو يقول مع بسمة:
_بالطبـ...
قاطع ريان الصوت الغاضب الذي يقترب اليهم مفسدًا صفوهم
_انتِ يا فتاة مصائب! انا واخوكي نبحث عنك منذ الظهيرة وانتِ هنا تستمتعين بوقتك مع ريان ؟!
رفعت وصال نظرها لترى المتحدث والذي كان هو نفسه من كان يزعجها بالماضي حين كانت تدور حول القصر لتلفت انتباه ريان
_ماذا تريد سيد معدن سائل
ابعد زئبق شعر الاسود عن وجهه بضيق:
_هيا تحركي راشد يقول لك اذهبي لمنزلي بسرعة
قالت وصال بضحكة مستهزئة:
_ومن متى انت تعرف راشد ؟
_اسأبرر لكِ ؟
قالت وصال بعناد:
_لا، لا اريد الذهاب الى اي مكان
انحنى زئبق يمسك بذراعها باغيًا رفعها منه:
_اقول تحركي، ليس لدي وقت لجدالك
لاحظت وصال انه احد بكثير مما سبق رغم ان سابقًا كان ايضًا مزعج معها لكن لم يكن بتلك الحدة، ابعدت يده عنها وهي تقول بنبرة اكثر عنادًا مما سبقتها
_لا لن اذهب لمكان
_تحركي والا اخبرت نجيب بان هناك فتاة متسللة في مزرعته حينها يريك عملك
زئبق كان يهدد فقط لكنه يستحيل ان يفعل ذلك ليس حبًا بوصال، لكنه لن يتحدث الى نجيب مجددًا وهو محتاجًا له او طالبًا منه شيئًا فبالنسبة لزئبق لم يعد نجيب سيده باي شكل ولن يكون
خافت وصال لكن ليس على نفسها بل على ريان؛ خافت ان يوبخه نجيب لذلك بسرعة نهضت وهي تركض لكن ليس الى منزل زئبق بل لتتأكد اولًا من راشد ان كان ذلك حقيقيًا ومن ثم اذا اكد لها راشد تذهب
كان ذلك يحدث تحت انظار ريان الذي لم ينطق بحرف الا بعد ذهاب وصال
_زئبق انت ماذا تفعل ؟ اتظن ان هذه طريقة تعامل بها فتاة ؟
كان زئبق يراقب رحيل وصال لكن عندما تكلم ريان التفت له
_انت يا ريان اتظن ان وصال تلك فتاة ؟
انهى زئبق كلامته وهو يضحك بسخرية
اكمل ريان بجدية وهدوء ولباقة فهو يعلم كيف يتعامل وكيف يتكلم جيدًا:
_نعم فتاة وان لم تتصرف كذلك تظل فتاة، زئبق لا يصح ان تعاملها كهذا وتضع يدك عليها
لم يأخذ زئبق كلام ريان الطفل بجدية كبيرة
_حسنًا سيد ريان نتعلم منك اداب السلوك
_لا العفو اخي لم اقصد ذلك
ابتسم زئبق وهو يداعب شعر ريان:
_اعلم يا ريان لكن لم يتعلم الجميع مثلك اداب السلوك
ابتسم ريان:
_ان تتعامل بلطف مع فتاة لا يحتاج له تعلم
اعجب زئبق نبل ريان وتمنى لو كان مثله لكن طبيعة حياته لم تسمح له ان يكون بذلك القدر من اللطف والاحترام
_انهض يا فتى
نهض ريان رغم استعجابه من امر زئبق ثم قال متسائلًا:
_ماذا؟
_اريد عناقك
_ماذا! !
اقترب زئبق من ريان وهو يعانقه، لم يفهم ريان سبب العناق ولكن كان هذا العناق وداعًا بالنسبة لزئبق
بعد مدة ابتعد زئبق وهو يوصيه
_ان سمعت اصوات ضجيج هجوم اهرب وان لم يسعفك الوقت اختبىء فقط ولا تحاول المقاومة، وان وجدك احد ابدي عن رغبتك بالاستسلام ولا تقاوم
كانت تلك مخاطرة بالنسبة لزئبق ان يخبر ريان بتعليمات لان ربما يروي لابيه عن ذلك الحوار وهنا ربما يخرب كل المخطط لكن ضمير زئبق لم يسمح له بعدم اخباره
لكن ريان ببرائته لم يفهم مقصد زئبق
_ماذا تقصد يا زئبق ؟
عانقه زئبق مجددًا لكن هذه المرة عناق اسرع ومن ثم داعب شعره مجددًا
_انتبه لنفسك
وبمجرد انهاء كلمته ربت زئبق على كتف ريان ثم استدار ليرحل تاركًا ريان في حيرة خلفه
________________________
بيت زئبق اصبح يضج بالنساء والاطفال التي تلعب وتدور حول الطاولات بمرح وزمرد تحاول ان تضايف كل الناس بالمنزل بالموارد المتوفرة
كانت تعبر وبيدها صينية شراب بين الاطفال الراكضة بصعوبة
وبينما هي تحاول السير بصعوبة وتفادي الصدمات، صدم بها طفل كان يركض من صديقه، ادت صدمته لاهتزاز الكئوس فسكب بعض الشراب على الصينية، فصرخت به زمرد:
_انتبه يا فتى واجلس عاقلًا من اخبرك ان هنا مدينة اللعاب لك ولاصدقائك
بالطبع لم يستمع الطفل لها حتى فكان منشغل بامر اكثر اهمية وهو الهرب من صديقه
همست زمرد وهي تتأفف:
_آه منك يا زئبق انت تخطط وانا اطورت، كنت استقبل الناس انت
بعدما اخيرا استطاعت زمرد تجاوز جميع الاطفال والوصول للمجلس وجدت ان النساء كثر جدًا حتى اكثر من عدد الكئوس، لذلك وضعت الصينية على الطاولة بالمنتصف قائلة وفمها يرتسم عليه بسمة
_تفضلوا
بعد ذلك ذهبت وجلست بجانب شفق، اخذت انفاسها ترتاح اخيرًا، تشعر ان رأسها سينفجر من صراخ وضجيج الاطفال
_اتعلمين ماذا يسعى خلفه زئبق من كل ذلك
التفتت لها شفق بصعوبة بسبب كبر بطنها، فكان هذا السؤال الذي تنتظره حتى تخرج غضبها من زئبق وخطته الغبية بوجهة نظرها:
_اخيك هذا ولهب يريـ...
_انتظرِ
قاطعتها زمرد لانها سمعت الباب يدق، فتأفتت وهي تنهض لتفتحه للمرة الاف
وصلت عند الباب وهي ترتسم تلك البسمة التي تجبر نفسها عليها لتجد ان الطارق كان راشد وتقف جواره وصال
وهنا حقًا خرجت منها بسمة حقيقية بمجرد رؤيته لكن لم تدم طويلًا من تذمرات وصال
_اين المرحاض ؟
وجه راشد نظره للاسف حيث وصال المتذمرة:
_على الاقل قولي السلام
تجاهلته وصال وهي تتقدم للداخل لتتجاوز زمرد
_هيا زمرد؟ اين المرحاض ؟!
استدارت زمرد تلتفت لها وهي تشير للمرحاض ثم بدأت بالسير لترشدها، لكن مع ثاني خطوة لها شعرت بيد تسحبها للخارج من ثم الباب يغلق
وجدت نفسها فجأة بساحة المنزل وظهرها مسند على الباب وامامها راشد
_راشد ! ماذا تفعل ؟اجننت؟
_جننت، جننت ومنذ زمنٍ طويل
_حقًا! وماذا ان رآنا زئبق الان، اقسم يقتلك ويقتلني
نظر راشد خلفه يتأكد ان لا احد خلفهم ثم عاد بالنظر لها
_لا اخوكي المجنون لديه امور اهم الان
_وماذا ان مر احد ورآنا
_لم يعد يهمني، لا يهمني ليرانا من يريد، اكان الحب عيبًا يومًا ؟ ثم انني لا اضمن ان اعيش بعد تمرد زئبق، لذلك بصراحة لا اريد ان يكون اخر شيء اراه قبل ان اموت اي شيء سوى انتِ
يعلم راشد ان نسبة الموت بسيطة جدًا خاصة مع اخذ الاختياط واخفاء الادوات التي يمكنهم بها صد الهجوم لكن احب ان يرى خوفها عليه
انتفضت زمرد برعب، اي موت ذلك الذي يتحدث عنه ؟! لن تتحتمل موت شخص اخر بعد موت امها
_راشد ماذا تقول! انت حقًا جننت، راشد لن تموت صحيح ؟
ابتسم راشد والسعادة لا تسعه وهو يستمع لنبرة الخوف عليه بصوتها:
_فديت الخائف
ضربته زمرد على صدره:
_اتعلم انك مزعج
_الا يحق لي؟ ايتسع احد ان تخاف عليه زمردتي
قالت زمرد بنبرة اكثر جدية واسى:
_حقًا يا راشد لا تموت
ضحك راشد عليها وعلى خوفها عليه ليقول ممازحًا ليحاول التخفيف عنها:
_لا تخافي الا تعرفي زوجك، انا اقتل عشرة بلكمة واحدة من لكماتي
فجائة فتح الباب خلف زمرد بقوة حتى كادت ان تقع لولا انها استندت على الحائط، نظرت لمن فتح الباب، وبداخلها تملكها بعض الخوف من ان يكون قد رآهم احد
_زمرد ! اين المرحاض، انتِ هنا تحبين راشد وانا سأفعلها في بنطالي
ركض راشد بقوة نحوها يضع يده على فمها
_ارفعي صوتك اكثر مازال هناك اثنان لم يسمعوا
اخذت زمرد انفاسها بعد الفجعة التي تعرضت لها من ثم التفتت لوصال
_ادخلي يا وصال، ادخلي
ازاحت وصال يد راشد من على فمها ودخلت للداخل فلحقتها زمرد بعدما اغلقت الباب وبداخلها حنق لانها تركت راشد بالخارج، ارادت امضاء معه وقت اكثر
____________________________
الساعة ال١١:٥٩
خلف احد الاسوار القصيرة نسبيًا صف كبير من الرجال الذي تجاوز عددهم ال٥٠٠ وكانوا كلهم يرتدون ملابس تنكرية كلاسيكية، يتقدمهم زئبق وبالصف الاول يقف راشد يتوسط الصف
زئبق كان يرتدي زي بطابعٍ أرستقراطي كلاسيكي، حيث يرتدي معطفًا داكن اللون مزخرفًا بتطريزات ذهبية دقيقة على الحواف، وتحته صديري خمري ينسجم مع قميص أبيض ذي ياقة مرتفعة. تتوسط الصدر ربطة عنق عريضة منسدلة على هيئة طبقات متموجة بلون خمري داكن، تضيف لمسة فخامة وأناقة واضحة. يعكس الزي بأكمله مظهرًا رسميًا راقيًا يشي بالهيبة والغموض، وكأنه ينتمي إلى طبقة نبيلة أو شخصية ذات مكانة مرموقة. وعلى وجهه كان يرتدي قناع حديدي يخفي الجزء العلوي من وجهه فكان هناك فقط فتحة للعيون، اما الجزء السفلي كان مكشوف، واعلى القناع كان هناك قرون شيطان حديدية طويلة
وراشد خلفه ايضًا كان يرتدي زي لا يقل فخامة ورقي، فكان يرتدي قميص اسود وفوقه صديري احمر داكن، تتوسط الصدر ربطة عنق عريضة منسدلة بطبقات بلون اسود، فوقهم معطف ذو عنق طويلة اسود ثقيل، لونه الخارجي اسود ومن الداخل احمر داكن، ويربط بين اطراف المعطف سلسلة فضية، وبنطال كلاسيكي احمر داكن، اما قناعه فكان فخم ذو طابع غامض وأرستقراطي، مصنوع بلون داكن يميل إلى الأسود والخمري، ومزخرف بنقوش نباتية متداخلة دقيقة تعكس أسلوبًا باروكيًا قديمًا. تتوسطه زخارف بارزة بلون فضي تضفي عليه هيبة وثِقلًا بصريًا، بينما تحيط بحواف العينين تفاصيل دقيقة تزيد من حدّته وغموضه. يكتمل القناع بسلسلة معدنية جانبية
زئبق كان ثابتًا دون اي حركة او كلمة فقط ينظر لساعته
مضى بعض الوقت في عتمة الليل والسكون كل ما يحتل الصفوف منتظرين الامر
بعد دقيقة وعند الساعة الثانية عشر تمامًا، انفجرت اللعاب نارية ذهبية داخل الاسوار تعلن سنة جديدة
وَلى صوت الالعاب النارية صوت زئبق الواثق بعدما تجاوزت عقارب ساعته االساعة الثانية عشر، فقال وهو يتقدم ليتسلق بالسور
_قد بدأت اللعبة
مع كلمة زئبق تحرك جميع الرجال ينتشرون كلٌ منهم يجد له مكان مختلف يتسلل منه حتى لا يدخلون كلهم من نفس المكان ويلفتوا الانتباه
Mariam