وظُلمُ ذَوي القُربى أَشَدُّ مَضاضَةً ** عَلى المَرءِ مِن وَقعِ الحُسامِ المُهَنَّدِ
~طرفة بن العبد
_______________________
زئبق كان جالس عند طاولة في زاوية المقهى وفي زاوية اخرى كانت امرأة حامل تدخل وهي تستند بالحائط بيدها وعلى بطنها يدها الاخرى
وجهها اكله التعب بوجه احمر وعيون منتفخة
وخلفها زمرد، ما ان دخلوا انزاح الناس لهم يزيحوا الطريق نسبة لان هناك حامل
وقد نهض احدهم من كرسيه لتجلس شفق مكانه
دخلت شفق بين الازدحام الشديد بعدما فرغ الناس لها ممر للكرسي، وجلست
وزمرد وقفت خلفها ويليهم دخل راشد
جلست شفق بصعوبة وهي تتأوه، فالم الحمل اشتد عليها
رفعت رأسها تبحث عن احد من بين الحشد... لكن لم يكن زئبق الذي اعلى الكرسي بل كان شخص اخر يتكلم من اعلى الكرسي الذي اعتاد ان يقف فوقه زئبق:
_صوتهم اصبح مزعج جدًا، مثلًا في الليل لم اعد استطيع النوم من نقنقة الدجاج...
كان في عقل شفق تقول: اي دجاج ؟؟؟؟؟ واي نقنقة تلك التي يتحدث عنها وزوجي بين الحياة والموت ؟!
كانت شفق قد وصلت اعلى مراحل الغضب لان الجميع يتعامل بمنتهى الطبيعية وهي زوجها يمــــوت !!!؟ اهذا حلم ؟
ارادت ان تصرخ بهم وتخرج غضبها من استهتار الكل ولم يمنعها من ذلك الا ذهاب زئبق عند كرسي المتحدث وهو يقول للرجل من الاسفل:
_انزل للاسفل، اقتل الدجاج او افعل ما اردت
هبط الرجل من اعلى الكرسي مع كلمات زئبق، وصعد زئبق اعلى الكرسي
كان حتى زئبق الحزن واضح بوجهه، لم يكن طبيعي ابدًا، الا ان رغم حزنه لم يكن متوتر او غاضب
_بشأن امر لهب الذي حدثتكم به امس، لقد اتخذت قراري.... لهب صديقي بل اكثر من صديقي بل اخي بل حتى اكثر من اخي
لذلك ذلك الامر كان الامر عليّ ولكن ولان انا لم اصل هنا وحدي كان عليّ ان افكر بالجميع ليس بي فقط
وانا هكذا فعلت
اخرج زئبق ورقة من جيبه وفتحها وبدأ بقراءتها للجميع:
_تخرج انت وجماعتك مثل الكلاب من المدينة كلها دون سرقة او لمس اي من ممتلكاتنا او سيموت صديقك وتـ...
صمت زئبق لم يكمل ودخل على الجملة التي تليها:
ضع ردك عند شجرة الصنوبر الكبيرة التي عند حدود المدينة وان لم يصل سنفهم وحدنا... لديك على اقصى تقدير مهلة ثلاث ايام تقنعهم
اعاد زئبق الورقة الى جيبه واكمل:
_انا لم ارد اقناعكم بشيء ظالم لكم، انتم خاطرتم بكل شيء من اجل تلك اللحظة وانا لن اضيعها لكم، انا لن اقبل لكم الهوان قبل ان اقبله لنفسي، لذلـ...
قاطعه صوت ناعم خافت واضح به التعب من داخل اكتظاظ الناس:
_سيدي، داخل كل اولائك الناس الذين لا يكترثوا واحد بالمئة للهب ومنهم انت، لهب ليس انسان واحد؛ هو يعيلني انا واهلي وابننا، انا لا شيء دونه، لا اسوى شيء، انا لم اعتاد العمل فكيف لاعمل وانا امرأة وبيدي رضيع ؟ وعدا عن ذلك لهب روحي وحياتـ...
دقق زئبق بالحشد اسفله ليرى صاحبة الصوت وكانت شفق
انزعج زئبق من مقاطعتها له ومن اتهامها له بانه لا يكترث لصديقه! لكنه لم يغضب تنهد وهو يجاوب بهدوء رغم انزعاجه:
_لهب اخي قبل ان يكون زوجك يا سيدة، اما عن ان لهب كان يعيلك انتِ وعائلتك لا تقلقي
انهي عدتك وساتزوجك واعيل اهلك
الكلمات الاخيرة كانت متهورة من زئبق رغم انه كان يفكر بكلماته الاف المرات الا ان تلك المرة خرجت الكلمات منه دون تفكير كافي ولم يدرك تهوره الا بعدما نطقها بالفعل
وشفق وقعت عليها الكلمات كماء بارد، كلمات جعلت جسدها يتجمد، عقلها حتى لم يستوعبهم، اغمضت اعينها وفتحتها عدة مرات
اكمل زئبق غير مبالي بانه قد حكم على نفسه بالاعدام:
_ما افعل ليس قلة غلا للهب انما تفكير منطقي، ولهب نفسه لم يكن ليعترض على التضحية بنفسه من اجلنا ولاجـ...
قاطعته شفق للمرة الثانية فعقلها لتوه استوعب ما كان قد قال قبل قليل:
_انا لا استطيع العيش بدون لهب!... لا انا ولا ابنه، هو كان لي زوج واب عون، انا اموت بلا لهـ...
قاطعها زئبق بنبرة احد واقسى مما سبقتها وقد بدأ يظهر الضيق بصوته:
_لا تقاطعي حديثي مجددًا! ولا احد يموت بدون احد، انا قلت ذلك حين ماتت امي ايضًا وها انا امامك كامل مكمـ...
تجاهلت كلامه الاول وقاطعته للمرة الثالثة لان ببساطة هو يحكم بان يتزوجها ويموت لهب، اي عاقل يقبل بذلك الكلام ؟ وهي لن تستيطع ان تصمت وتنفذ:
_ انت لا تعوض عن لهب ولا تسـ..
لم يتركها زئبق تنهي حديثها اذ قاطعها هو الاخر قائلًا بغضب:
_انا قلت لا تقاطعيني مجددًا! ولا انا ولا الف غيري نعوض عن لهب، لكن شيء افضل من لا شيء وانا قلت كلامي وانتهى، ان كان لديك اي اعتراض اخر إما احفظيه لنفسك او انتظريني حتى انهي حديثي وقوليه، رغم اني لا اهتم لسماعه، لاني حكمت وانتهى
نزلت دمعة على وجنة شفق، من هو وبـ اي حق له الحق في ان يحكم بمن يموت ومن يحيى ؟ من هو ليحدد مصير لهب ؟ الذي هو لا يسوى حتى اظفره
في ظل صدمتها شعرت بيد على كتفها، لوهلة ظنت انه لهب... لانه هو من اعتاد مساندتها
لفت رأسها وكانت زمرد هي التي تواسيها بصمت
لكن لا مواساة تستطيع مساعدتها وهي للتو عرفت ان زوجها سيموت دون ان تودعه حتى...
اما راشد فكان في شدة صدمته من زئبق، كان يتوقع ان تلك ربما ان تكون ردة فعله ان اخذ هو_راشد_ رهينة لكن لهب!!؟ كيـف؟
اكمل زئبق دون تردد:
_فليصعد احد الى هنا، لنكتب رد
هبط زئبق من على الكرسي ووضع عليه ورقة وقلم ، ثم وقف جوار الكرسي، و احد من الناس تطوع وصعد اعلى الدرجة، جلس على ركبه عند الكرسي، التقط القلم، وضع مرفقه على الكرسي وبدأ ينتظر زئبق ان ينص عليه ما يكتب
وبالفعل وضع زئبق يده خلفه ثم اخذ نفس عميق وبدأ بالنص
أملى زئبق على الرجل الكلمات وعند اخر اربعة كلمات تردد الرجل الذي يكتب:
_اانت متأكد يا قائد من الالفاظ الاخيرة ؟
اجاب زئبق واثقًا:
_نعم متأكد
كان الهدف من كلماته العنيفة هو ان يظهر للذي اخذ لهب انه لا يهتم، فيميل الخاطف للتفاوض
كتب الرجل الكلمات ثم اخذ الورقة ونهض يمدها لزئبق، لكن زئبق اعاد للرجل يده بالورقة ولم يأخذها:
_لا تعطها لي، ضعها عند شجرة الصنوبر باخر المدينة، وانتظر حتى يأتِ الرسول واتبعه لكن احذر ان يراك
_امرك سيدي
ازاحت له الناس طريق وخرج الرجل بالرسالة
وزئبق لم يستطع ان يكمل واساسا لا يوجد ما يكمله فقرر دخول مطبخ المقهى ليبقى وحده
_______________________
دخل زئبق مطبخ المقهى وهو يفك ازرار قميصه العلوية، ويضع يده على حلقه ويدلكه، شعر ان الهواء ثقيل رغم انه لم يكن
ثم انتقل يحك رأسه بشدة، هناك شيء يزعجه، شيء ثقيل يعانقه ويقيضه بعناقه
فتح زئبق خزانة فوجد شراب برتقال بها، كان العفن واضح على سطحه لكن زئبق لم ينتبه، كان يريد ان يشرب اي شيء ربما يخفف ما يشعر به
فمد يده ليأخذه لكن قبل ان تصل يده له كان قد سمع باب المطبخ يفتح واحد يدخل
فردة فعل تلقائية منه اغلق الخزانة بسرعة والتفت لمن دخل
_راشد ؟!
اغلق راشد الباب ودخل يقترب اكثر من زئبق:
_انت ماذا فعلت ؟
_ماذا فعلت ؟
_لا تعرف ماذا فعلت ؟
اجاب زئبق بثقة وهو يومأ نفيًا:
_لا، لا ادري
حرك راشد رأسه بضيق وهو يأخذ نفس عميق:
_انت كيف تفعل ذلك بلهب ؟
وزئبق استمر بادعاء عدم الفهم:
_ماذا فعلت انا بلهب ؟
خرج رد راشد غاضب:
_بسببك لهب سيموت! وتقول ماذا فعلت انا بلهب ؟
الكلمات كانت ثقيلة على زئبق، ان يخبره احدهم ان بسببه لهب صديقه واخيه سيموت، امر بشع حتى عقله رفضه:
_ارأيتني اضغط على زناد ؟!
راشد وصل حده من انكار زئبق لاي تهم واستخفافه بالامر فخرج صوته اكثر ارتفاعًا غضبًا:
_خطتك الغبية قتلته ! والان لديك الفرصة ان تنقذه وانت مستمر في لعبتك
رفع زئبق اصبعه في وجه راشد وصوته خرج حاد:
_خطتي الغبية التي لا تعجبك انت بنفسك شاركت بها، خطتي الغبية التي لا تعجبك هي التي جعلتك اليوم تستيقظ على فراش مريح، لذلك لا تدعي المثالية امامي الان
اخذ راشد انفاسه يحاول التهدئة من الروعه:
_ان استيقظ على فراش مريح شيء جميل لكن لا يسوى ان يموت شخص مقابله، خاصة انه لهب... لهب الذي لم يكن مقتنع بهراءك ودخله فقط من اجلك
عض زئبق على شفتيه بشدة:
_لا تتحدث كما لو ان ذلك ليس صعب عليّ كذلك، لكن لهب بنفسه قال لي اعطيك روحي ان اردت، لهب لن يمانع ان يموت من اجلنا
كلمات زئبق كانت مستفزة لراشد لابعد حد والاكثر استفزازًا ان زئبق هو الاقرب للهب في حين ان راشد الاكثر اهتمامِا لامر لهب
_انت واعي لكلماتك ؟ لانه كان كريم معك تستغل كلماته ضده ؟ لهب لن يحب ان يموت، اكنت لتحب انت ان تموت من اجله؟ انت اناني لابعد حد، انا شاركت بتمردك على غير دراية انك لا تكترث لحياة احد سواك، ان كنت انا من خطفت لاجل تمردك لكنت مت دون جنازة حتى
ابعد زئبق شعره عن وجهه محاولًا عدم الانفعال فالصراخ حتى لا يصبح صوتهم مسموع لمن بالخارج:
_لا لم يكن ليكون لدي مانع ان اموت من اجل لهب، ثم انقاذه ليس سهل كما تظن انت، كيف لاقنع كل الناس بالخارج ان يخسروا كل شيء من اجل شخص واحد، انا لست اناني ولست لا اكترث لحياة احد سواي، انا افكر بالمنطق، انت تظن ان حياة شخص واحد وان كان غالي عليّ تستحق موتنا جميعًا ؟ انت تظن اني ان خضعت لهم سيتركوننا وشأننا ويعود كل شيء كالسابق؟ ان كنت تظن ذلك فاعذرني انت احمق، هم لن يرتاحوا حينها الا بقتلنا باكثر الطرق المًا واذلالًا
_علـ..
قاطعه زئبق فهو لم يختم كلامه، هو صمت فقط لكي يأخذ انفاسه:
_انظر يا راشد اذهب واقنع كل الناس بالخارج بان يتنازلوا عن كل شيء حتى ارواحهم من اجل لهب، واقسم ان اقنعتهم لن اعترض بكلمة وسافعل ما تشاء
راشد فهم على الفور ان شرط زئبق تعجيزي فان كانت تنتطبق خدعه على بعض الناس بالمقهى فراشد ذكي يفهم زئبق
فكيف لراشد ان يقنعهم بامر صعب كذلك وان يخبرهم بمخاطره بصراحه تامة، حتى زئبق حين اخبرهم بامر تمرده لم يخبرهم بمخاطره كاملة
واساسا لماذا قد يقبلوا ويخاطروا من اجل شخص لا يعرفونه، ربما لو كان زئبق هو من عرض الامر في الغالب كانوا وافقوا لانه المنقذ امامهم ويثقوا به... لكن راشد ؟
وان استطاع بطريقة ما اقناعهم، فكيف ليقنع اكثر من ال٢٠٠٠ شخص، من المستحيل ان يوافقوا كلهم... لو كان قال معظمهم لكان صعب لكن ممكن، لكن كلهم! مستحيـل
ظل الصمت بينهم قليلًا حتى قطعه راشد بعدما مسح على وجهه قائلًا بنبرة اهدىء مما سبق، نبرة اكثر عقلانية وهدوء:
_انت تعلم ان شرطك تعجيزي، لكن دعنا من كل ذلك، ماذا سيحدث بابن لهب الذي سيولد بلا اب
اجاب زئبق مباشرة بهدوء:
_انا كبرت بلا اب، ولا ينقصني لا يد ولا قدم... وابن لهب لن يكبر بلا اب، انا موجود
_انت تكذب على نفسك ام عليّ؟ كلانا يعلم ان عدم وجود اب في حياتك لم يكن بالسهولة التي تصفها
شعر زئبق بغصة حين ذكر راشد ابوه... لكنه اخفى مشاعره بعدما ابتلع ريقه مجاوبًا ببرود:
_بل كان سهل، وعلى الاقل ابن لهب لن يضطر ان يعمل طفلًا... اكله، ملبسه، شرابه امامه دون يذرف قطرة عرق من اجله
غضب راشد وارتفع صوته:
_اتظن ان كل شيء مال ؟!
فغضب زئبق ايضًا، لأن المال الذي يحتقره راشد هو ذاته المال الذي عدم وجوده هو ما أذلَّه واحقره، فارتفع صوته هو الاخر:
_نعم، ماذا سيفعل لهب لابنه بلا مال !؟ ماذا سيفعل حنان لهب له ان لم يستطع اطعامه ؟!
_لهب كان لديه الطعام الذي يكفيه ويفيض، لا تبرر، زئبق انت انقذت كلب... كلب! وتعجز عن انقاذ صديقك
تأفف زئبق ثم تجاوز راشد يأخذ خطواته صوب الباب، وضع يده على مقبض الباب لكن قبل ان يخرج قال:
_مصلحة الجماعة تفوق مصلحة الفرد
لم ينتظر زئبق رد من راشد اذ خرج فورًا وضرب الباب بقوة خلفه
ما ان استدار ليخرج وجد زمرد امام الباب
توترت زمرد فور خروج زئبق، وضعت نفسها في موضع كما لو انها تتلصص في حين انها كانت تقف لانها كانت تريد الدخول لكن ما منعها انها كانت متوترة منهم وخائفة من زئبق
_زئبق !
_انتِ ماذا تفعلين هنا ؟!
اخفضت زمرد بصرها وثبتت بصرها على اصابعها التي كانت تلعب بها
_كنت ابحث عنك
_تبحثي عني ؟
_نعم
زئبق لم يكن به عقل يلتهي بها لذلك رد ببساطة وهو يتجاوزها ليذهب:
_حسنًا
تجاوز زئبق زمرد لكن هي لحقت به وامسكت بذراعه لتمنع تقدمه وهي تتسأل لتريح جزء من قلقها الداخلي:
_ماذا ان كنت انا من اخذوني رهينة ؟
تأفف زئبق، لا يتحمل اسألتها التي بلا قيمة من وجهة نظره
_دعي ذراعي
لم تترك ذراعه زمرد، بل اقتربت منه اكثر وامسكت بذراعه الاخر لتجعله مقابل لها:
_زئبق جاوبني
_لا لم اكن لاتركك، انتِ اختي
وبمجرد ان انهى جملته سحب ذراعه من يديها ورحل بضيق وهو يخرج لفافة تبغ من جيبه ويشعل طرفها
خرج راشد من المطبخ، ورآى زمرد امامه، تقابلت اعينهم، نظر لها راشد بحسرة كما لو انه يقول "ليس باخوكي امل"
____________________________
قبل الفجر بقليل، حين كانت الشمس بالكاد تخترق الظلام، انوارها تظهر من الاسفل كنقطة ضوء في العتمة، تجعل السماء بفسجية
رجل يجلس يستظل بظل شجرة صنوبر صغيرة بعيدة نسبيًا عن شجرة صنوبر اخرى اكبر بكثير على حدود المدينة
اسفل شجرة الصنوبر الكبيرة كانت رسالة، وتلك الرسالة هي التي تركزت عليها اعين الرجل الناعستين
كان يقاوم النوم بصعوبة، يغلق عيونه بضع ثوان بغية الراحة ثم يفتحها على الفور خشية الراحة
تثاءب الرجل وهو يضع يده على فمه، وقد ضجر من الجلسة، فقط يريد الرجوع للقصر الذي سرقه والنوم على سريره الواسع
نهض الرجل ليرحل ثم سرعان ما عاود الجلوس بسبب شعوره بالاحراج من قائده ان لم ينفذ مهمته
بعد الكثير من الملل والنظر للا شيء قرر ان يغلق جفونه ويغفو لبعض الدقائق، فقد اصبح يرى الشيء عشرة من شدة نعاسه
ما ان اغلق جفونه واراح ظهره على الشجرة سمع خطوات اقدام، ففتح عيونه بسرعة!
رآى رجل يدخل من خارج الحدود يسير بحذر صوب شجرة الصنوبر، من ثم ينحني ويأخذ الرسالة
على الفور استفاق الرجل ونهض من مكانه
نديم على الجانب الاخر تحت شجرة الصنوبر الكبيرة التقط الظرف، وقبل ان يتحرك نظر حوله
الرجل جوار شجرة الصنوبر الصغيرة رآى ذلك الرجل الاخر_نديم_ يتلفت وينظر حوله، فاختبىء خلف الشجرة على امل ان لا يكون قد رآه
تحرك نديم وبدأ بالخروج من حدود المدينة، وعقبه اتباع الرجل الذي ارسله زئبق
سارا الاثنان من داخل الغابة في طريق غير ممهد، لا سيارات لا اسواق ولا ناس فقط اشجار كثيفة متشابكة يسير بينها نديم وخلفه رسول زئبق
بعدة نصف ساعة من السير المتواصل توقف نديم وجلس على الارض ليرتاح قليلًا
حمد ربه رسول زئبق، فارجله كانت على وشك التفكك من كل ذلك السير... فجلس هو الاخر
اخرج نديم من حقيبة خلف ظهره زجاجة ماء وبدأ بروي عطشه
وخلفه رسول زئبق الذي كان يحسده على الماء، كان سيموت في هذه اللحظة على قطرة ماء، منظر الماء وهو على ثغر نديم كانت جذابة وشهية لابعد حد، خرجت منه الكلمات بصوت خافت دون ملاحظة منه:
_ليتك ترويني القليل
وعقب كلماته كان نديم قد القى زجاجته للخلف حيث الرسول!
الذي توتر بشدة، اهل سمعه نديم !!؟ التقط الماء بحذر واعينه مثبتة على نديم
سقى نفسه واعينه لا تفارق نديم
على اي حال نهض نديم، وبالطبع نهض الرسول ايضًا الذي كان يتحسر ويتمنى ان يتوقف نديم مجددًا
وللغريب توقف نديم بالفعل... ولم يتوقف للحظة بل قد مر اكثر من عشر ثواني بلا حركة كما لو انه تصلب
الرسول ارتجف، كيف كل ما يتمناه يحدث !!؟
مرت دقيقة بلا حركة والرسول قد مرت عليه تلك الدقيقة اطول
اقترب الرسول من نديم بحذر وخطوات محسوبة، ومع كل خطوة كان يقبض قلبه اكثر
ونديم في المقابل لم يهتز، عندما اصبحت المسافة بينهم اقرب من اي وقت خرج صوت نديم:
_اتظن نفسك ذكي ؟
صوت نديم كان كالصاعقة على الرسول الذي شعر انه تجمد بالمعنى الفعلي، تمتم الرسول بصوت مختنق:
_ماذا تقصد ؟
استدار نديم يلتفت للرسول وهو يبتسم:
_اقصد ان في المرة القادمة عندما تراقب احد اختبىء... بالطبع ان كان هناك مرة اخرى
اتسعت اعين الرسول عندما رآى خنجر نديم، ونديم في المقابل اندفع عليه
دفع الرسول نديم مما اوقع بنديم ارضًا، والرسول ركض باسرع ما عنده
قفز نديم من على الارض على الفور ولحق به، يركض خلفه
الرسول كان قلبه ينبض بسرعة كما لو انها طبول تعلن وفاته
امسك نديم بيقاته وسحبه يلقي به ارضًا الى الخلف
وقع الرسول على ظهره... وبدأ بالزحف على ظهره
انحنى نديم عليه ولكم وجهه ثم ضرب رأسه بالارض
الرسول كان قد فقد وعيهه نصفيًا وفقده كليًا حين اخترق الخنجر لحمه، ملقي به جثة
سحب نديم الخنجر من جسد الرسول بعنف مما جعل الدماء تتناثر، ثم مسح الدماء من على يديه وخنجره في ملابس الرسول
بعدما نظف خنجره تمامًا، ذهب وترك الرسول يصارع الموت بين الاشجار في الغابة الواسعة
_________________________
بعد اسبوع...
في جناح واسع فخم، يتوسطه سرير ذو ملحفة بيضاء ناصعة، يتكون رأس وقدم السرير من خشب التنوب الداكن، وقد ارتفعت رأس السرير مزخرفة بنقوش محفورة بدقة متقنة، تضفي عليه هيبة واناقة واضحة
على الحائط أعلى السرير كانت لوحة لغصنٍ يحترق طرفه المائل على شمعةٍ ليضيئها
زئبق كان نائم اعلى الفراش حين دخل احد الغرفة بعدما طرق ولم يلقى جواب
_سيد زئبق
لم يستيقظ زئبق فاقترب الرجل وهو يضغط بخفة على كتف زئبق
تأفف زئبق وكان على وشك توبيخ الرجل الا انه تمالك نفسه لكن صوته لم يخلو من النبرة الحانقة:
_اجل؟
فتح زئبق اعينه واول ما لمح كانت لوحة كبيرة مغطاة بلحاف بنفسجي، اخيرًا حضرت زمرد واحضرتها من منزلهم القديم بعد طول انتظار!
ابتسم زئبق وازداد حماسًا؛ فاراد ان يزيح اللحاف ليمعن النظر بالرسمة ويزين ناظريه، لكنه اضطر لضبط نفسه والانتظار حتى يرحل ذلك المتطفل ثم يفعل ما يريد
عاد الرجل للخلف عدة خطوات ثم تكلم:
_قد وجدنا جثة الرسول الذي ارسلته انت، وما حدث انه وهو يتبع الرسول الاخر، الرسول الاخر لاحظه وطعنه
ازاح زئبق نظره من اللوحة وناظر الرجل، ثم مسح على وجهه قائلًا بضيق:
_حسنًا
تعجب الرجل من ردود زئبق المختصرة ولكنه صمت فربما زئبق اعلم منه
نهض زئبق من فراشه، واتجه لخزانة الملابس، فتحها ثم توقف وبصره يتجه للرجل
زفر زئبق بضيق بصوت عالِ، ووضع يده على ازرار بنطاله والرجل مازال لم يتحرك
_اتريد ان ترى سروالي الداخلي ؟
كان الرجل مخفضًا بصره يمعن النظر بخشب الارضية وعندما تحدث زئبق انتبه قائلًا بعدم فهم
_ماذا لم افهم ؟
توسعت اعين زئبق وهو ينظر له بضيق
الرجل للتو استوعب كلمات زئبق وقد شعر بالاحراج:
_اهه، اعتذر لم انتبه
هرول الرجل للخارج، وزئبق بقى بالغرفة وهو يلعن غباء اتباعه لا يدري كيف نجح مخططه بتلك العقليات الغبية
_______________________
قبل المغرب...
في منزل لهب دق الباب ففتحت شفق لتجد ان زئبق الطارق، نظرت له شفق باحتقار فكم تكرهه وهو من دمر حياتها
تقدم زئبق خطوة الى الامام ليدخل لكن شفق ظلت متوقفة عند الباب بنظراتها الحاقدة، وهو لم يرد ان يزيحها من امام الباب بيده حتى لا يلمسها وهي ليست محرم
_ااستطيع ان ادخل ؟
_بشأن امر الزواج ؟
_نعم
حركت شفق نظرها حول المكان بضيق:
_قل ما تريد من على الباب
كرر زئبق سؤاله وهو يشدد اكثر على الحروف:
_ااستطيع ان ادخل ؟
وشفق ايضًا كررت:
_يا اخي، قلت لك قل من هنا
اخذ زئبق انفاسه بعمق، يكره ان يحاول احد فرض شروطه عليه لان ذلك يذكره بنجيب وما كان يفعل به سابقًا... لكنه يقدر معناتها لذلك امسك اعصابه:
_اهكذا تستقبلين ضيوفك يا اختي ؟
_انت ضيف لهب لست ضيفي
قرر زئبق ان يضغط على نقاط الضعف:
_نعم انا لست ضيفك... انا زوجك
اتسعت اعين شفق بصدمة من كلماته، وشعرت بضيق في صدرها
وهو عندما رآى تشنج ملامحها شعر بالانتصار، اكمل زئبق:
_ااستطيع ان ادخل ؟
علمت شفق انه سيتمادى اكثر ولن يستسلم، وهي لا تحتمل فهي باكثر حالاتها ضعفها، فاستسلمت هي وازاحت له الطريق ليدخل
دخل زئبق، تعداها وبسمة نصر ترتسم على فمه
تحرك زئبق صوب الاريكة لكنه توقف في منتصف الصالة على اثر الكلمات التي خرجت منها:
_ابقى هنا، لا يوجد ما تجلس من اجله، لن نطيل الحديث
اغمض زئبق اعينه عدة ثوان، ثم استدار وهو يلتفت لها
اقتربت شفق منه لتقف مقابلة له، لكن نظرها لم يقابل نظره، لن تستطيع ان تنظر باعين قاتل زوجها
تكلم زئبق:
_بخصوص امر الزواج، لهـ...
قاطعته شفق قائلة بحدة وجزم:
_لا يوجد زواج او ما شابه، انا اموت ولا اتزوج بك
اغمض زئبق اعينه مجددًا يتمالك اعصابه، اصبح الامر زائد عن حده، في كل مرة يتكلم تقاطعه، تلك المرأة ستصيبه بالجنون، امن المفترض ان يتعاطف مع انسانة كريهة مثلها ام يريها قيمتها ؟ لا يدري لكنه احترم فقط انها كانت زوجة لهب في يوم من الايام:
_انتِ باي لغة تفهمين ؟ انا كم مرة قلت لا تقاطعيني ؟ اعـ...
قاطعته شفق مجددًا:
_تفضل قل ما تريد، لن اقاطعك
ضرب زئبق على جيبه وهو يتأفف بضيق، اراد ان يشعل سيجارة ليخرج بها انفعاله، لكنه فقط صمت عدة ثوان وبعدما تمالك نفسه تكلم بهدوء:
_شكرًا لك على تفهمك الرائع، دعيني اكمل، بخصوص امر الزواج، لهب هو من طلب مني ان اتزوجك، قبل ان نبدأ بالتمرد... قد شعر قلبه انه سيموت وطلب مني ان اتزوجك... ليس من اجلك بل من اجل طفلك المسكين، انتِ بنفسك قلتِ انك لا تستطيعين تربيته وخاصة الانفاق عليه وحدك، لذلك انا ساكون له اب متكفل بكل شيء وايضًا ساتكفل بعائلتك، ولا اطلب منك اي شيء في المقابل، سنعيش كالاخوة
قالت شفق بتهكم:
_شكرًا لخدماتك الرائعة يا اخي، الله الغني عنك، الباب من هنا
انهت كلامها وهي تشير للباب
_اتطرديني ؟
_اطردك
_حسنًا انظري لاعيني واطرديني
شفق كانت مخفضة بصرها طوال ما هي تتكلم، ولم تتوقع ان زئبق لاحظ ذلك ! الان سيظنها اخفضت بصرها لانها تشعر انه اقوى منها او ما شابه
_لا اريد
_خائفة ؟
ضحكت شفق بتهكم:
_اخاف منك انت ؟!
اجاب زئبق بثقة ليستفزها:
_هذا الواضح لي
نظرت شفق باعينه مباشرة بتحدي:
_اخرج يا قاتل
زئبق تحمل تعديها عليه اكثر من مرة، لكن ان تصل بها ان تتهمه بقتل لهب ! هكذا تجاوزت كل الحدود! ارتفع صوت زئبق بحدة وغضب:
_الزمي حدك !
خافت شفق منه وتراجعت عدة خطوة للخلف، لكن نظرها مازال في اعينه، نظرات الكره له ظلت واحدة
اكمل زئبق آمرًا وهو يتحرك صوب الباب الرئيسي:
_انتِ لن تبقي هنا، سوف نذهب لقصري والان ؟!
صدمت شفق! كيف يطلب منها ان تذهب لمنزله وهم لم يتزوجوا بعد ! اهو سيذلها لانه عرف ضعفها ؟! تجمعت الدموع باعين شفق واهتز صوتها:
_انت لم تصبح زوجي بعد! كيف سنبقى معًا تحت نفس السقف !؟
حك زئبق شعره بشدة ليخرج به انفعاله... ثم تحدث بنبرة اكثر هدوئًا:
_يا ابنة الحلال، انا سأبقى هنا، انا ساوصلك للقصر واعود الى هنا... ماذا ان بدأ مخاضك وانتِ هنا وحدك؟ في القصر زمرد وخادمة نجيب السابقة موجودتان يساعدانك ان حدث شيء
مسحت شفق على وجهها، ثم اومأت برأسها، وتحركت صوب الباب، رغم ان ارجلها لم تبتغي رحيلًا، كيف هي ستلقي نفسها في قصر قاتل زوجها ؟ كيف ستصبح زوجة قاتل زوجها ؟ كيف تقبل على نفسها خيانة كتلك ؟
شعرت شفق نفسها انها اقذر المخلوقات وهي تتخطى لهب بتلك البساطة، وهي من عاهدت نفسها ان لا تصبح لسواه... احتقرت الناس بالمقهى لانهم كانوا يتصرفوا بشكل طبيعي وزوجها بين الحياة والموت...
وها هي جفت دموعها وليست فقط تتصرف بشكل طبيعي بل ايضًا تتزوج...
___________________
في تلك الغرفة تحت الارض، تلك الغرفة التى لا يوجد بها سوى صوت الالم
كان نجيب جالس اعلى كرسي خشبي يمعن النظر بلهب، وخلفه خالد الذي كان يسند يده على ظهر الكرسي
كانا ينظرا للهب الذي اصبح كالجثة لا يدروا حتى هل هو نائم ام مستيقظ... جسده تشوه، حتى صوت صراخه على ضربات السوط بات خافت
كان لهب مخفضًا رأسه بالم ويديه معالقتا بالسلال للسقف... في ذلك الاسبوع شعر لهب نفسه حيوان بل حشرة بل احقر
فقد انسانيته ونفسه وحبه للحياة، اصبح الموت له نجاة
فتح الباب وانتقل نظرا خالد ونجيب للباب، لكن لهب لم يلتفت ولا حتى اهتم
دخل نديم وبيده ظرف
نجيب ظهر في صوته الحنق:
_انت لماذا تأخرت كل ذلك بالطريق ؟!
_اعتذر، مررت بفندق بالطريق وارتحت به عدة ايام
خالد نظر للهب وثم عاود النظر لنديم قائلًا باستنكار:
_كنت على الاقل عد سريعًا وارحم الرجل المعلق امامك
نظر نديم لخالد باستعجاب ثم ضحك بخفة متهكمًا:
_دمعت عيناي من رحمتك يا سيد خالد
سحب نجيب الظرف من يد نديم بقوة، ثم نهض من مقعده وبيده الظرف
اقترب عدة خطوات من لهب الذي لم يبدي اي ردة فعل، فتكلم نجيب ليلفت انتباهه:
_لنرى كم قدرك عند صديقك
مع كلمة نجيب "صديقك" رفع لهب رأسه بتأهب:
_صديقي لا يتركني
ضحك نجيب ضحكة بسيطة بإستهزاء وهو يفتح الظرف:
_لا اظن ذلك من صديقك
انتفض لهب وهو يندفع نحو نجيب لكن ما اوقفه كانت السلاسل التي حدت حركته:
_اتظن ان زئبق حقير مثلك ؟!
نظر نجيب للهب باحتقار ثم عاود النظر للظرف وهو يخرج الورقة
اكمل لهب بنبرة اكثر هدوئًا وثقة:
_زئبق يموت ولا يتركني، اثق به حتى اكثر من نفسي
تجاهل نجيب واخرج الورقة ليقرأها
_________
ان كانت هناك فرصة لتفاوض عادل في رقعة لست انت ملكها، فانا جاهز للتفاوض عدا عن ذلك لهب لديك اشرب دمه ان اردت
_________
صدم نجيب من الكلمات، هو توقع رفض زئبق لكن ليس بتلك القسوة والحدة
لكنه اخفى صدمته تحت قناع ضحكة خفيفة
تعجب لهب من ضحكات نجيب فقال متسائلًا:
_ماذا قال ؟
_اقلقت ؟
_لا، قلت لك زئبق لا يتركني
اقترب نجيب عدة خطوات من لهب... لكن لم يقترب كثيرًا فقد خاف من اندفاع لهب عند قرائته لتلك الكلمات
وضع نجيب الظرف في مستوى نظر لهب
بدت للهب الرؤية مشوشة نسبة للظلام وتورم اعينه لكنه دقق البصر واستطاع فك الخط
الكلمات لم تكن حبر بل كانت صواعق على لهب، صواعق كسرت به شيء لم يكن انكسر بعد
خيانة زئبق له كان لها مذاق موحش من الالم، مذاق سيء اسوء من كل ما عناه
توقف به العالم يستوعب ما قد قرأ للتو، ولم يصدق اساسا ما قرأ بالبداية بل عاود القرائة لكن الكلمات ظلت واحدة
كيف زئبق تركه ؟ كيف زئبق الذي كان اوفى له من كل شيء ؟ كيف زئبق الذي هو اقرب له من كل شيء ؟ كيف زئبق الذي هو يعرفه اكثر من كل شيء ؟ كيــــــف ؟
قرأ نجيب على وجه لهب علامات الخذلان وشعر بالشفقة عليه لكن ذلك لم يمنعه من ان يتشمت به:
_اغيرت كلامك ؟
صمت لهب... شعر بانكسار لم يشعر به من قبل... رغم كل ما حدث له، والذي يكسر حتى الحجر، الا ان كسر زئبق كان اعظم
فسكين الصديق طعنتها اشد من الف طعنتًا لغريب
زئبق تركه تحت رحمة نجيب...
ابتلع لهب ريقه، تنهد ثم رفع رأسه، خرج صوته بلا حياة مكسورًا:
_لا لم اغير رأيي... قلت لك اثق بزئبق اكثر من نفسي
رد لهب كان اكثر ردًا غرابة قد مر على نجيب، فاندهش نجيب بشدة من انه لا يزال متمسك بزئبق رغم خيانته ؟! ماذا فعل زئبق حتى يصبح محبوبًا بذلك الشكل المرعب ؟
التمعت اعين لهب بدمعة، تسللت من اعينه لتشق طريقها حتى اطراف شفاه، وخرج صوته مرتجف:
_زئبق... زئبق بالتأكيد يعلم ما لا اعلمه انا... زئبـ... زئبق بالتأكيد اختار الاصح... لو كانت حياتي اخير من موتي لكان زئبق اختار حياتي... لكن بالتأكيد موتي اخير من حياتي... انا لا امانع الموت من اجل زئبق... ابركها من موتة
_لاتزال تدافع عن صديقك الخائن ؟
_خسئت ان تقول عنه خائن! زئبق محق باختياره، زئبق عانى، وان كان موتي طوق نجاته، لا امانع
لهب كان يريد البقاء على قيد الحياة ليس من اجل شيء بل من اجل رؤية ضناه...الا ان كل ما قال كان نابع من انه يريد الدفاع عن زئبق حتى اخر نفس، وهو يثق ان زئبق لم يكن ليتركه الا لان الامر اصبح اكثر تعقيدًا
خرجت اخر كلمات لهب بهدوء، هدوء لان لم يتبقى به شيء... انهكوه جسديًا بالتعذيب الذي افقده الشعور بجسده وانسانيته... ومن ثم خيانة زئبق والتي اطفت روحه:
_هيا اقتلني
كان نجيب يريد ان يقتله معذبًا، كان يريده ان يفقده روحه من شدة العذاب، ليذيقه الم مشابه للذي ذاقه هو عندما سرق زئبق واتباعه كل ما يملك
كان يريد ان يشرب دمه مثلما قال زئبق... لكنه اشفق عليه
فكيف يعذب انسان بلا روح... الضرب بالميت حرام
نجيب رآى كسرة لهب بعيونه وصوته المرتجف... لم يكن بذلك الانكسار رغم كل ما فعلوه به من تعذيب يجعل الجسد يتخدر
والان بعض الكلمات من زئبق تقتله حي ؟!
سار نجيب صوب الباب قائلًا وهو يسير:
_اقتله بسرعة، برصاصة
خرج نجيب من الغرفة، وخالد اخرج سلاحه من خصره
تردد خالد، تمنى ان لا يفعل ذلك بالطفل البريء الذي كبر امام اعينه
وحتى هو اعينه دمعت حين خاطبت اعين لهب المنكسرة مباشرة
كان كما لو ان اعين لهب تتوسله ان لا يفعل لكن لسان لهب لم ينطق
لم يسمح خالد لنفسه ان يضعف طوال تلك السنوات امام دموع لهب التي اعتادت ان تسقط عند كل عقاب، لم يسمح خالد لنفسه مره ان يضعف عند عقابهم حتى يتحملوا نتيجة افعالهم
نظر خالد باعينه الدامعة لاعين لهب بعمق، بدت اعين لهب اكثر شغبًا ونورًا... رآى في تلك اللحظة لهب الصغير هو من تعلقه السلاسل...
ذلك الطفل المشاغب المرح... رأى ذلك الطفل ذا الشعر المجعّد الأصهب الطويل، الذي مع تقدّم العمر ازداد لونه بنيًا حتى أصبح بالكاد تدرك أنه كان أصهب، ولم يتبقّ منه سوى خصل متفرّقة وحيدة صهباء
تذكّر خالد نفسه وهو يوبخ لهب على طول شعره، رغم أنه لم يكن بذلك الطول، إلا أنه كان يغطي جبهته
لم يستطع خالد...
وضع سلاحه في يد نديم وخرج وهو يمسح دموعه قبل ان تسقط
اغلق خالد الباب خلفه وتمنى ان يركض باسرع ما يمكنه حتى لا يسمع صوت الرصاصة
لكن بمجرد ان اغلق خالد الباب، كان نديم قد ضغط على الزناد
سمع خالد صوت الرصاصة وقد اغلق اعينه وهو يشعر بصداع وكما لو ان العالم يدور به
صوت الرصاصة خرج صاخب ثم اتبعه صمت
دخلت الرصاصة لحم جسد لهب، تمزق اوعيته وعضلاته، اخترقت الرصاصة قلبه وخرجت من الظهره
في اقل من ثانية حتى لم يستوعب، اذ كانت روحه خرجت منه... وهو بقى جثة هامدة
لم يتبقى سوى نديم، الجدران والدماء المتناثرة التي لوثت ملابس لهب شاهدة على الحادث
انطفىء اللهب فلم يبقى سوى الظلام
Mariam