انا سوف اكون الرياح

انا سوف اكون الرياح

34 0

<الباب الثاني>

رغم ان هدف الوصول للنجوم يبدو لامع وجذاب الا انك ان صلتها سوف تحرقك نارها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعد مرور شهر ونصف...

"زئبق مثل الجثة يا لهب اخاف ان يموت مثل امي حتى انه بالكاد يقبل ان اطعمه، اظن انه يريد الموت ولكن انا لا استطيع ان اكمل بدونه"

كان لهب في بيت زمرد وزئبق بعدما لاحظ غياب صديقه عن العمل في البداية ظن انه اعطى نفسه إجازة ولكن لقد طال الغياب، هو حاول زيارتهم اكثر من مرة خلال الشهر لكن كان عندما يدخل غرفة زئبق التي حبس نفسه بها منذ موت امه كان زئبق يطرده دومًا... لكن هذه المرة كان مُصر على ان يبقى مع صديقه خاصة بعدما اردفت زمرد تلك الكلمات... حتى هو لا يستطيع ان يواصل بلا صديق عمره وطفولته

اومأ لهب لزمرد برأسه وهو يظهر على عينه الحزن:

"سوف اتحدث معه"

استدار لهب من امام زمرد متجه لغرفة صديقه... في البداية طرق الباب لكن بالطبع لا رد لذلك فتح الباب على اي حال

ليرى زئبق مستلقي على فراشه يتأمل في جمال بياض السقف او في الا شيء... كانت رئحته نتنه ووجهه باهت وعينه تملئها الهالات السوداء لو رأيته من بعيد لظننته جثة

التفت زئبق لصوت الباب ببطىء ثم اردف بصوت مبحوح:

"إلى الخارج"

كما توقع لهب طرده زئبق كالعادة لكن هذه المرة لن يستسلم بسهولة:

"الا تريد توزيع الطعام او الشراب على روح امك ؟"

كان يقول تلك الكلمات حتى يشجع زئبق على النهوض وفعل اي شيء لانه ان بقى على تلك الحاله سوف يبتلعه الفراش

امسك زئبق الوسادة التي تحت رأسه ثم القاها على وجه لهب هو يقول بصوت حاد وقد بدا عليه الغضب:

"قلت للخارج"

فشلت محولاته مجددًا... خرج لهب لن يفيده الاصرار ربما زئبق يحتاج لاخذ وقته بالحزن اكثر

قال وهو يغلق الباب:

"لن يفيد يا زمرد، اخوكي عنيد"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نام زئبق على صدره وهو يضع وجهه في السرير... كان يشعر بالم بالرأس من كثرة التفكير كانت فكرة انه لولا بعض المال لكانت امه حية تخنقه، لم يكن يفكر انه فقط قدرها وان موعد موتها كان قد حان... وضع لوم موت امه كاملًا على عمه الذي لم يشفق ببعض الاموال التي ربما لكانت تنقذ حياة امه... وعمه في النهاية حي يرزق ويعيش الرفاهية بينما ثريا في التربة... وهو هنا بين حزنه بدون فعل اي شيء... وهذا لهب يقول له ان يوزع الطعام على روح امه وهو حتى لم يستطع الحفاظ عليها... الطعام! فجأة خطرت فكرة على بال زئبق كان قد فكر بها خلال ذلك الشهر لكن لم يكن يعرف كيف يمكنه تنفيذها لكن الان اخيرًا لمعت في باله تلك الفكره...

قفز زئبق من على السرير وخرج من غرفته يصيح للهب

لمعت اعين زمرد حين وجدت اخوها اخيرًا خرج من غرفته، فقالت وهي تهرول اليه لتعانقه:

"اخيرًا يا زئبق"

لكن زئبق اشار لها بيده ان تتوقف وهو يقول:

"اين لهب"

توترت زمرد ما به هذا لا يريد عناقها ولكن على اي حال لا شيء يفسد سعادتها بأن اخيها اخيرًا خرج من غرفته، فقالت وهي ترفع كتفيها للاعلى:

"لا اعرف يا زئبق هو قد ذهب منذ قليل"

ركض زئبق نحو الباب الرئيسي يفتح الباب والحمد لله لم يبتعد لهب كثيراً، صاح زئبق للهب حتى يحضر

التفت لهب للصياح وقد ظنها زمرد لكن عندما استدار رآه زئبق مسح اعينه عدة مرات يتأكد هل هو حقًا زئبق، وكان هو بالفعل... هرول لهب إليه وهو تغمره السعادة

وقف لهب امام زئبق الذي كان مثل الزومبي بملابسه المتسخه ووجهه الاصفر وشعر المبعثر هو كان مبعثر في العادة لكن ليس كتلك المرة

داعب لهب شعر زئبق وهو يقول ممازحًا اياه:

"اخيرًا ظننتك مت"

لكن زئبق عبس ولم تتغير ملامحه ولم يضحك فقط قال بحدة:

"فقط ادخل الى الداخل"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان لهب وزئبق جالسين على الأريكة في مقاعد متقابلة بينما زمرد كانت بالمطبخ تحضر الطعام

لهب كان جالس ينتظر حديث زئبق الذي بقى صامتًا فقال لهب كاسرًا الصمت:

"هل انت بخير ؟!"

تنهد زئبق ثم أجاب بعينين حادتين مثل الذئب:

"لست بخير حاليًا ولكن سوف اكون بخير عندما انتقم"

قال لهب مستعجبًا من حديث صاحبه:

"تنتقم مِن مَن ولماذا يا زئبق"

استقام زئبق ظهره وهو يردف حاقدًا:

"من الذل الذي عانيناه، من الظلم الذي وقع علينا، ومن النظام الذي يجعلنا هنا فقراء بينما نحن من نعمل ليلًا ونهاراً بلا رحمة، والاسياد النبلاء يجلسون في بيوتهم دون فعل اي شيء يعيشون الرفاهيه وهم من يجنون الثراء ونحن بالكاد نملك حق الطعام"

"حسنًا كيف وماذا علينا ان نفعل ؟"

ابتسم زئبق لان لهب كان في ظهره ولم يعترض بل بالعكس شاركه

"علينا ان نجمع الناس اولًا، سوف ابحث على مكان تجمع وانت انشر المنشورات باننا سوف نوزع الطعام او المشروبات المجانية هناك على روح امي... بالطبع سوف يأتون الناس بسبب الفقر الذي نعانيه وهناك سوف اقول مخططتي"

قلق لهب من تفكير زئبق فقال محذرًا اياه:

"لكن ماذا ان علم احد الاسياد وافسد الخطة، لا تأتي الرياح بما تشتهيه السفن"

رد زئبق واثقًا مع ابتسامة جانبية بسيطة:

"انا لن اكون السفينة او احد الركاب... انا سوف اكون الرياح"

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كان راشد يجلس على طاولة الطعام في بيته يأكل بعض الخبز بالجبن في امان لكن وصال لم يعجبها الحال فاتجهت له بهدوء تقول ببرائة:

"كيف حالك اخي"

نظر راشد لوصال باستعجاب في العادة هي لا تهتم عن حاله... كان على وشك إجابتها لكنها سرقت خبزته وركضت بعيدًا خارج المنزل

"انتِ تعالي هنا!"

لكنها بالطبع تجاهلته وهي تركض وتضحك، نهض راشد من على كرسيه ليركض ورائها، ولكنه بالطبع متأخر لانها قد خرجت وهو لتوه نهض، لكنه سوف يلحق بها

ركض راشد خلف وصال التي سرقت شطيرته وهو يتوعد لها

لكن وصال كانت سعيدة جدًا بتلك المطاردة هي اساسًا كانت قد شعرت بالملل لذلك قررت مشاكسة راشد

راشد كان اسرع بكثير من وصال لذلك استطاع الامساك بها في نهاية المطاف

كانت وصال تحرك ساقها حركات عشواية تحاول ركله وايضا يديها كانت تحركها حركات عشوائية تحاول خدشه

لكن لم تستطع راشد اكبر منها بكثير، فرق ١٦ سنة، بالإضافة على انه كان قوي البنية، كان يمسك بها كما يمسك صياد سمكة مشاغبة

قال راشد امرًا اياها:

"نلت منكِ اعطيني الشطيرة"

لكن رغم انها في موضع ضعف لم تستسلم وقاومت رافضة اعطائه الشطيرة ليس لانها تريدها بل فقط تريد مشاكسته

استطاع راشد ان يمسكها بيد واحدة واليد الثانية كان يحاول اخذ الشطيرة منها بها... لكن فجأة شعر ان بحر سكب فوق رأسه، فلا اراديًا ترك وصال ليرى من سكب عليه الماء

"هيا اميرتي"

قال ريان تلك الكلمات ثم امسك يد وصال وركض بها

اما راشد بقى مكانه يستوعب ما حدث وهذا الولد لماذا ينعت اخته باميرتي ؟!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جلست وصال وريان امام بحيرة

كان ريان يحاول صنع تاج من الزهور لها

اما وصال كانت تجمع الزهور الساقطة لتُعطيه ايها

قالت وصال وهي منحنية تأخذ زهرة:

"شكرًا لك لقد انقذتني"

اجاب ريان وهو يقص ساق زهور الجيبسوفيلا بشكل متساوي:

"لا شكر على واجب... ولكن هل هذا كان اخوكي ؟"

اجابت وصال منزعجة وهي تأخذ خطواتها لريان لتعطيه الزهرة:

"نعم للاسف"

ضحك ريان ثم سألها:

"لماذا كان يحملك بذلك الشكل"

حكْت وصال شعرها بيد وباليد الاخرى ناولت زهرة لريان وهي تقول:

"لا شيء انه فقط شرير"

قالت ذلك متناسية حقيقة انها هي من بدأت مشاكسته

رفع ريان حاجبه وهو يتناول منها الزهرة ويقول باستنكار:

"كيف لاميرة مثلك ان يكون لها اخ بذلك الشر"

كان ريان يتخيّل نفسه فارسًا صغيرًا، ويرى فيها أميرته. يعجبه في وصال أنها مشاكسة، تتصرّف بتلقائية وعفوية، مندفعة أحيانًا وبربرية بعض الشيء، على عكس الفتيات النبيلات اللائي يعرفهن، اللواتي يتحرّكن بحذر ويحسبن حساب كل خطوة. لذلك كانت شخصيتها الطبيعية تجذبه إليها

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بعدما حل الليل كان راشد امام منزل زمرد بعدما بدل ملابسه التي بللها ريان... وهو ايضًا يريد ان يرى اميرته

رآى زمرد من نافذة المطبخ وهي مازالت تحضر الطعام، فذهب بإتجاه النافذة وطرق عليها بيده ليلفت انتباهها

توترت زمرد منه ومن غبائه، ماذا ان رآه زئبق ؟! غسلت يدها ثم هزتها لتجففها وهي تركض مهرولة تأخذ حجابها تضعه على رأسه وتخرج سريعًا قبل ان يراها احد

وصلت عند راشد وهي يبدو عليها الانزعاج منه:

"انت يا ابله ماذا ان رآك احد"

اجاب راشد وهو يتظاهر بالبرائة:

"ماذا افعل زمردتي غلبني الشوق"

ابتسمت زمرد باستهزاء وهي تقول:

"الا يستطيع شوقك الانتظار حتى لا يفضحنا"

ضحك راشد ثم اجاب يداعبها:

"لا لم يستطع الانتظار، وكيف ليستطيع مقاومتك وانتِ قد نلتِ قلبي وعقلي"

ابتسمت زمرد في خجل واحمر خديها

اكمل راشد متسائلاً:

"ثم يفضحنا امام من ؟ الم تقولِ اخوكي لا يخرج من الغرفة"

قالت زمرد وهي تبتسم والفرحة تغمر وجهها:

"اتصدق يا راشد انه خرج من فراشه اخيرًا والان هو جالس مع صديقه"

ابتسم راشد وقد سعد هو الاخر لها:

"جيد، الحمد للّه"

ثم اخرج راشد من جيبه بعض الاموال ليمد يده بها يُعطيها لزمرد

تشنجت ملامح زمرد وهي تنظر للمال وتقول رافضة بحدة:

"لا يا راشد لا احتاج"

ابتسم راشد وهو يقول بلطف:

"انا زوجك يا زمرد او لست زوجك حتى الان لكنك قلتِ بانك لا تريدين احد سواي لذلك انا زوجك المستقبلي وانا لا يعجبني حالك وانت تعملين وسط الماعز انظري لنفسك"

بعدما توقف زئبق عن العمل بسبب حالته النفسية التي كان بها بعد موت امه اضطرت زمرد للعمل في رعي الاغنام مقابل مبلغ زهيد جدًا لانها امرأة وفي ذلك الوقت عمل النساء لم يكن مرحب به كثيرًا، ولكن لم يكن لديها خيار آخر، كان ذلك المال هو الذي بالكاد يكفيها لجلب الطعام لتبقى حية هي واخوها

نظرت زمرد لثيابها المتسخة ثم شمت رائحتها السيئة حتى هي لا يعجبها حالها وسط الغنم من الصباح حتى المساء ويوم إجازة واحد فقط في الشهر وكان يوم الإجازة الوحيد ذلك هو اليوم... لكن زمرد اصرت على موقفها تستصعب جدًا اخذ المال منه:

"لا يا راشد اخي استعاد نفسه وسوف يعود للعمل قريبًا وان لم يعد انا استمتع بعملي"

نظر لها راشد وهو يعلم انها كاذبة ولا تستمتع بعملها ابدًا:

"نعم لقد رأيتك وانتِ تعملين كانت إبتسامتك واسعة جدًا... حقًا يا زمرد خذيهم لا امزح، انا سوف اكون زوجك"

توترت زمرد، ثم عبست وهي تتذكر رائحة برازهم القذرة التي حتى اسوء من رائحة زئبق الذي لم يستحم لاكثر من شهر، لكنها اخفت كل ذلك وقال مبتسمة ابتسامة مزيفة:

"لقد كنت فقط متعبة لا اكثر لذلك لم اكن سعيدة كثيرًا"

وضع راشد ماله على حافة النافذة ثم استدار يرحل وهو يقول:

"وانا لا اريد ان اراك عابسة او متعبة يا زوجتي"

نظرت زمرد للمال بحسرة لم تتمنى يوم ان تحتاج منه مال رغم انها لم تطلب لكنه اعطاها لانه يعلم انها حقًا كانت تحتاجه، اخذت المال ووعدت نفسها ان تعيد له ماله قريبًا، لكن على الاقل تتوقف عن العمل في هذه الفترة خاصة لان زئبق سيغضب من نفسه ان علم ان اخته اضطرت للعمل وسوف يلوم نفسه

...

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ارجو من القراء التعليق والتصويت للرواية ان اعجبكم الفصل، فهذه الاشياء وان بدت كبسة زر بسيطة فهي اكثر من ذلك بكثير بالنسبة لي فهي اشارة لي على ان هناك شخص مهتم للعمل مما يشجعني ♡

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تحررت النيران

المؤلف Mariam
2025/08/20 مستمرة
قائمة الفصول (28)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة