دق زئبق باب غرفة زمرد حتى اذنت له هي بالدخول
"ادخل يا زئبق"
ادار زئبق المقبض ليدخل داخل غرفة زمرد، التي كان جالسة على فراشها تحدق في السماء السوداء تفكر
"بماذا شاردة ؟"
تنهدت زمرد قائلة دون الالتفات لزئبق:
"لا شيء"
اومأ زئبق برأسه ثم بدأ يحرك عيونه يبحث عن شيء ما بالغرفة حتى قاطعه صوت ناعم محبط بعض الشيء
"زئبق... هل الحب اهم ام الكبرياء"
توقف زئبق عن إجالة بصره، ليثبت بصره نحو زمرد... وبدأت تدور بعقله الافكار بينما هو يطلع عليها... في عقل زئبق دار سؤال هل سؤال زمرد مجرد سؤال عابر ام هو تأكيد لشكوكه، لم يبدي زئبق اي مشاعر فقط قال بهدوء باغيًا معرفة المزيد منها:
"ماذا تقصدين ؟"
"اعني مثلا ان غضب عليك من تحب بشدة لاجل اخفاء عنه امر بسيط، على الاقل بسيط من وجهة نظرك... او فقط كان اثقل من ان ينطق به لسانك، هل يجب ان تتخلى عن كبريائك وتسترضيه رغم إساءته لك؟"
قال زئبق عاقدًا حاجبه بعدما بدأت تتأكد شكوكه:
"هل تشيرين لموقف معين ؟"
التفتت زمرد لزئبق بسرعة قائلة بإرتباك:
"لا، إلى ماذا قد اشير ؟"
رفع زئبق اكتافه قائلًا ببرائة:
"لا ادري، فقط شعرت انك توصفين موقف بعينه"
ربما هي وصفت اكثر من اللازم لكنها تريد إجابة قاطعة... تريد ان يساعدها احد، فقط ان يصمت عقلها عن التفكير ويبدأ بأخذ الخطوات... هي لا تعلم ما الصحيح وليس لديها احد لتستشريه سوى زئبق، لكن ايضًا زئبق ان علم لا تعلم كيف ستكون ردة فعله لكن تعلم انها اكبر مما تستطيع تخيله، لذلك قالت متهربة لتبعد شكوكه عنها:
"اهه نعم لقد قرأت موقف كهذا برواية... زئبق هل ستحقق معي ام ستعطني إجابة ؟"
اخذ زئبق خطواته صوب فراشها، ليجلس جوارها
"بخصوص سؤالك هل الحب اهم ام الكبرياء... فكلاهم مهم، الامر يكمن في اي اهم بالنسبة لشخصية الرواية تلك... فان الحب هو اجمل شيء بالكون... ليس جميل فقط بل هو اكثر ما يشعرك بالغبطة، انه الهدف من وجودنا، لكن كل شيء جميل يحتاج لثمن باهظ... وكلما كبر الحب كبر الثمن كذلك... فان كان حب تلك الشخصية كبير لدرجة ان يستحق التضحية بالكبرياء فهو يستحق... فقط ان كان كبير ليكون بذلك البهظ"
ومع انهاء حديثه نهض زئبق من على الفراش:
اومأت زمرد برأسها فكان كلام زئبق دافىء على صدرها، واراح عقلها من التفكير قليلًا
اكمل زئبق يأخذ خطواته صوب الباب قبل ان توقفه كلمات زمرد المتسائلة:
"هل جأت لتطمأن عليّ فقط ؟"
استدار زئبق يلتفت لها وذاكرته تعود لِمَ قد جاء من البداية:
"نعم لقد نسيت... هلّا اعرتني الوانك الزيتية ؟"
ماذا من متى وزئبق يرسم ؟! هي لم تره مرة واحدة في حياتها يرسم فقالت مندهشة:
"من متى وانت ترسم ؟"
"منذ زمن طويل وانا ارسم فقط لم اكن املك الوقت بسبب استعباد سيد قرون"
اشارت زمرد الى صندوق رمادي في زاوية الغرفة قائلة بضحكة خفيفة:
"لا اظن ان السبب سيد نجيب انما ربما بسبب مهاراتك المحدودة... لكن لنرى ابداعك"
قال زئبق وهو يلتقط الصندوق بكل ثقة:
"رسام امامك... انتِ فقط لا تعلمي قيمتي"
وبمجرد انهاء زئبق كلماته سار صوب الباب وخرج من الغرفة، وزمرد أيضاً ما ان خرج زئبق نهضت من الفراش تلتقط حجابها تضعه على رأسها بشكل عشوائي فهي لم تكن محجبة فقط كانت تغطي به الجزء الخلفي من شعرها بهدف الحشمة
فتحب باب الغرفة بهدوء، تاخذ خطواتها ببطىء نحو باب المنزل فهي لا تريد زئبق ان ينتبه لها ويبدأ بتحقيقاته
وعلى عكس ما تظن لاحظها زئبق، الذي كان جالس بغرفة المعيشة امامه لوح رسم، يضع ادوات الرسم امامه، لاحظها لكن لم يعر الامر اهتمامًا، رغم شكه بها الا انه قرر اعطائها حسن نيته فربما هي فقط تريد ان تتنفس بعض الهواء النقي، او قرائة روايتها تحت السماء الصافية... هناك العديد من الاسباب... ايًا يكن ازاح زئبق كل ذلك من عقله وهو يغمس فرشاة الرسم في اللون الازرق الداكن... ازاح كل الافكار من عقله لتحتل عقله صورتها هي وحدها
________________
"Je m'appelle Wesal تعني انا اسمي وصال"
كانت وصال جالسة على الكرسي ودفترها على الطاولة امامها... تقرأ ما كتب لها في الدفتر الذي اعطاه لها ريان لتحفظ كلمات جديدة
"Quel est ton nom ...تعني ما اسـ"
قاطع وصال صوت طرق الباب... تعجبت وصال من ذلك المزعج الذي يطرق الباب في منتصف الليل والاسوء من ذلك قاطع درسها... صاحت وصال لراشد حتى يفتح الباب هو الباب بدلًا من ان تقاطع درسها...
فجائها صوت راشد من غرفته قائلًا بملل:
"افتحي الباب انتِ، انا خامل جدًا"
وبمجرد انهاء كلماته اكمل يقرأ كتابه وهو مستلقي على فراشه في غرفته
نهضت وصال من كرسيها تأخذ خطواتها للباب... فتحت وصال الباب لتجد ان الطارق كان زمرد، فقالت بلطف مرحبة بها:
"اهلًا اختي زمرد، هل تحتاجين لشيء ؟"
قالت زمرد بخجل:
"لا لا، فقط ان لم يكن في الامر مشقة لكِ، هل يمكن ان تنادي راشد ؟"
اومأت وصال لزمرد ثم استدارت تسير صوب غرفة راشد... فتحت وصال باب غرفته دون طرق، لتقول من عند الباب دون الدخول:
"زمرد تنتظرك على الباب"
ابتسم راشد دون قصد ثم سرعان ما اخفى ابتسامته، نهض من على الفراش قائلًا بجمود وملل عكس تمامًا ما بداخله:
"حسنًا..."
قالت وصال من بين ضحكاتها مازحة:
"الان اختفى الخمول حين سمعت اسم زمرد"
ضرب راشد رأس وصال بخفة:
"ليس من شأنك"
تجاوز راشد وصال يأخذ خطواته صوب الباب...
وقف راشد عند الباب يفصل بينه وبين زمرد خطوات قليلة
"ماذا جاء بكِ ؟"
فجائه الرد سريعًا من زمرد دومن مقدمات
"راشد... لنتصالح"
ضحك راشد ضحكة خفيفة يقول متدعيًا عدم الفهم:
"اي صلح ؟"
"كف عن تظاهر الغباء"
قالت راشد يضرب كف بكف:
"لا حول ولا قوة الا بالله، الان ايضًا اصبحت غبي"
قالت زمرد دون النظر اليه، فقط تنظر لاصابعها، تلعب باصابعها كالعادة محاولة تخفيف توترها:
"حسنًا راشد انا اسفة... لن اخفي عنك شيء مرة اخرى"
فرك راشد اذنه كما لو انه ينظفها:
"ماذا ماذا... عذرًا لم اسمع"
بالطبع سمع زمرد لكن كان يريد سماع اعتذارها مجددًا
اقتربت زمرد من راشد، ووقفت على أطراف أصابعها لتبلغ طوله، ثم مالت برأسها للأمام حتى لم يبقَ بين فمها وأذنه سوى سنتيمترات قليلة:
"اسفة"
وما ان انهت كلمتها عادت للخلف الخطوات التي تقدمتها
قال راشد بغرور مزيف:
"سامحتك"
"لكن انا لم اسامحك"
تشنجت ملامح راشد يقول بعدم فهم:
"على ماذا ؟"
صرفت زمرد بصرها عن اصابعها لترفع نظرها لراشد قائلة:
"اقصد بخصوص انك لم تخبرني بامر تلك مسك"
توتر راشد من سماع ذلك الاسم وظهر على وجهه التشنج، وتزامن تشنجه مع نبرته الحازمة قائلًا:
"تكلمي عنها بشكل افضل يا زمرد" ثم اكمل بنبرة مرتعشة:
"ثم اني حقًا لا استطيع التكلم عنها... كلما تكلمت اشعر... اشعر كما لو ان اشواك تضغط عليّ من كل مكان... ترتجف اناملي وتغمرني قشعريرة"
وما وصفه راشد من إحساسٍ، تلك الأشواك التي تضغط عليه وتلك الرجفة التي تسري في أنامله، كان بالضبط ما شعرت به زمرد في تلك اللحظة، وهو يتحدّث بمشاعره الفيّاضة عن فتاةٍ أخرى...
ابتلعت زمرد ريقها تحاول عدم اظهار انزعاجها او شجنها:
"لكن يا راشد، انت تريدني ان لا اخفي عنك شيء بينما انت تخفي عني امر كبير كهذا... تخيل ان اخفي عنك علاقتي العاطفية برجل اخر قبلك"
"من ذلك الذي يتجرأ على خوض علاقة عاطفية مع زمردتي" ثم اكمل راشد بنبرة اكثر جدية "ولم اقل انني لن اخبرك، سوف اخبرك فقط ليس الان"
اومأت زمرد برأسها له، تنظر له نظرات يملئها الحنق... مستديرة لترحل بسرعة ولم تقل سوى كلمة واحدة بنبرة غاضبة:
"حسنًا..."
امسك راشد ذراع زمرد من فوق اكمام ردائها يجزبها نحوهه قليلًا
قالت زمرد مستنفرة محاولة سحب ذراعها منه:
"اتركني، كيف تجرؤ على لمسي"
ترك راشد ذراعها يقول مستسلمًا:
"سوف اخبرك بأمر مسك، لكن لن تفتحِ ذلك الامر مجددًا"
ارتسم على فم زمرد بسمة وهي تومأ له برأسها
***
في ساحة منزل راشد، كان كلٌّ من راشد وزمرد مستلقيًا على العشب في اتجاهٍ معاكسٍ للآخر؛ رأس أحدهما يقابل قدمي الآخر، وتفصل بينهما مسافة قصيرة، تحت ضوء القمر الهادئ
راشد بدأ يروي امر مسك لزمرد بلسان ثقيل اضطر لتذكر كل ذلك مجددًا... كل كلمة نطقها كان يشعر بها تمامًا كما لو انه يعيشها
"رأيت مسك اول مرة حين كنت في السابعة عشر من عمري وهي كانت في ربيعها الخامس عشر... احببتها من بعيد لكن لم اتجرأ على التحدث معها... كنت اراها فقط يوم الخميس بينما كنت اعمل عند السيد صخر احرس منزله، كنت اراها وهي في طريقها للمسجد لحفظ القرآن... لم اتجرأ على التحدث معها او حتى البوح بمشاعري لها، كان يصبرني النظر اليها من بعيد، كنت اكون الاشد سرورًا على الكون حين المح طيفها... كلما اشعر بالضيق فقط النظر اليها يجعل صدري يمتلىء غبطة... بعد اربعة سنوات من عذاب الصمت تقدمت اليها وتكلمت معها... اتضح ان الاعجاب كان متبادل... كنا نتلاقى كل اسبوع ونتحدث ونتبادل الهموم، من بعد ذلك اصبح كل يومين ومن ثم كل يوم... بعد سنة من اللقاءات المستمرة كل يوم... جاء ذلك اليوم وعرضت عليها الزواج وبالطبع وافقت، تزوجنا في السادس عشر من ايلول... عِشنا افضل ايامنا في تلك الفترة او على الاقل عشت انا افضل ايامي، كنا معًا دائما، اتعلمين اني كنت بدأت استعجب كيف كان يمر يومي سابقًا دونها فهي كانت حقًا كالمِسك، حتى اننا تعاهدنا ان لا نفترق... حتى بعد ذلك بثلاث سنوات فقط استيقظت ذات يوم ولم اجد مسك جواري بالفراش... بحثت عنها بكل ركن في البيت لكن لم اجدها... حتى لم تكتب لي ملاحظة، لم تكلف نفسها حتى بالتبرير او حتى بالوداع... فقط تركتني، بحثت عنها بكل مكان في المدينة وحتى بالمدن القريبة... لكن لم اجدها، لا ادري هل هي حية او ميتة...ثم استسلمت انتظر فقط عودة مسك لم ارد منها تبرير او اي شيء اردت منها فقط ان تعود لالقي بنفسي في حضنها فقط... انتظرت اسابيع وشهور وسنوات لكن لم تعد، وها نحن الان مر على مغيبها عني اربع سنوات ولم اجدها"
انهى راشد قصته بصوت مرتجف وعيونه متلألئة بالدموع التي تريد ان تسقط... مسح راشد عيونه، لا يريد البكاء خاصة الان امام زمرد
زمرد كانت كل كلمة تحرقها، صدرها قبض... لم تروى لها قصة اصعب من تلك... اردفت زمرد مترددة بنبرة مرتعشة:
"هل مازلت تحبها ؟"
وقعت الكلمة ثقيلة على راشد، هل هو مازال يحبها؟ لكن ان كان مازال يحبها ماذا يفعل الان مع زمرد، هل ان كان مازال يحب مسك يخونها؟ ولكن هي خانته اولًا حين تركته، حتى هو مضطرب لا يدري ولا يعلم اي شيء فقال بنبرة مكسورة:
"لا ادري يا زمرد..."
ضحكت زمرد قهرًا، تنهض من على الارض قائلة من بين ضحكاتها المستهزئة:
"حقًا يا راشد! انت خدعتني! انا في علاقة مع رجل متزوج وليس ذلك فقط بل ايضًا مازال لديه مشاعر تجاه زوجته"
نهض راشد كذلك من الارض، يحاول تهدئة زمرد والتبرير:
"زمرد انا لا ادري ان كنت مازلت متزوج بها ام لا"
قالت زمرد صارخة به بقهر من بين دموعها التي سقطت:
"انت لا تعلم هل مازلت تحبها ام لا، ولا تعلم هل انت مازلت متزوج بها ام لا... انت كاذب يا راشد وانا ضحيتك... انا الغبية صدقت انك تحبني بينما انت كنت تلعب بي... اتمنى ان اكون امتعتك سيد راشد"
وبمجرد انهاء كلماتها استدارت ترحل، لكن راشد امسك بمعصمها مانعًا اياها من التقدم
فانتفض جسدها تسحب معصمها بقوة من يده، صارخة به من بين شهقاتها:
"اياك ان تمسني مرة اخرى يا قذر"
قال راشد بصوت مهزوز ومنكسر مترجيًا اياها:
"ارجوكي اعطيني فرصة ابرر... فقط اسمعيني"
نظرت له زمرد بإحتقار، نظرات يملئها الكره، اقتربت منه عدة خطوات لتبصق في وجهه، تقول بنبرة حادة، حازمة ومنكسرة في ذات الحين:
"اكرهك يا راشد"
وبمجرد انهاء كلماتها انصرفت تمسح دموعها دون النظر خلفها
مسح راشد وجهه بيده ثم لم تستطع ساقه حمله اكثر فسقط جالسًا أرضًا... لا يدري ماذا حل به... هي محقة في غضبها... لكن هو حقًا احبها...
...
Mariam