امل

امل

25 0

قبل احد عشر عام...

كان حينها زئبق في السادسة عشر من عمره ولهب في الرابعة عشر من عمره... رغم صغر عمرهم الا ان حتى في ذلك العمر كانوا يعملون في مزرعة نجيب

كان زئبق حينها يحمل خنجرًا في يده الصغيرة يقطع به جذور سنابل القمح يحصدها ويضعها في اجولة، حتى وجد لهب يركض اليه ويظهر على اعينه الخوف

كان يقول وهو يلهث بصوت مرتجف:

"زئبق زئبق انقذني... بينما كنت اسير حاملًا جُوال القمح على ظهري اوقعت الجُوال فتمزق الجُوال وتبعثر القمح، صدقني لم اقصد كان ثقيل جدًا لم اتحمل واوقعته عن طريق الخطأ"

اتسعت اعين زئبق من المصيبة التي ارتكبها صديقه:

"هل رآك احد؟"

نظر لهب للخلف يرى ان كان احد وراءه ثم عاود النظر لزئبق:

"اتمنى لا"

ربت زئبق على ظهر لهب وهو يقول بهدوء:

"حسنًا هيا نجمعه قبل ان يلاحظه احد"

اومأ لهب برأسه في توتر، لكن قبل ان تخطو قدمه خطوة سمعوا صوت غليظ يصيح وهو يتجه صوبهم

شعر لهب حينها ان قلبه ينبض بقوة كما لو انه يريد الخروج من صدره وجسده يرتجف بشدة وهو يرى تلك العصا التي بيد خالد، على عكس زئبق الذي كان هادىء جدًا فقط ينظر نظرات حادة لـخالد

"من فيكم الذي بعثر القمح ؟!"

لمعت اعين لهب دموعًا وهو خائف، بطنه تؤلمه من شدة الموقف

ظل الولدان صامتان لكن خالد فهم من منظرهم من هو المذنب خاصة ان لهب كانت عيونه تلمع من الدموع ووجهه احمر كالدم وكان يقضم اظافره متوترًا... نظر خالد الى لهب يقول بنبرة ساخطة:

"انت بالطبع من غيرك... سوف يطردك السيد نجيب في يومًا ما ليكن بعلمك"

ثم امسك خالد ياقة لهب الخلفية، يجزبه منها وهو يسير بإتجاه غرفة العقاب وبيده الثانيه عصا كبيرة

بمجرد ان امسك خالد ياقة لهب شعر لهب ان نفسه ينسحب منه

كان خالد يجر لهب من ياقته ولهب يبكي وتسقط دموعه وهو يتوسل قائلًا:

"ارجوك لا"

القى زئبق خنجره ارضًا ثم قال بنبرة متوترة:

"انـ...انا من فعلت ذلك"

توقف خالد عن السير واستدار ينظر لزئبق:

"انت من اوقعت الجُوال ؟"

اخذ زئبق نفس عميق ثم قال بصوت واثق:

"نعم انا"

كانت نظرات لهب لزئبق مزيج من الامتنان، والاستعجاب لماذا فعل ذلك؟

القى خالد بجسد لهب بعيدًا مما جعل لهب يسقط ارضًا بحدة، ثم اتجه لزئبق ليمسك ذراعه بشدة قائلًا متوعدًا له:

"حسنًا"

ابعد زئبق يد خالد عن ذراعه وهو يقول بحزم:

"يدك عني، استطيع ان اسير وحدي"

ثم سار متجه لغرفة العقاب بكل ثقة كما لو انه يسير الى منصة تكريمه وليس غرفة عقابه

تعجب خالد منه ومن ثقته وقال بإستهزاء:

"سِر امامي، سِر"

رفع لهب رأسه وهو ينظر لزئبق نظرات عتاب كما لو كان يسأله بنظراته لماذا ؟

نظر زئبق للهب وابتسم له ابتسامة تخفي خوفه ثم اكمل السير...

دخل زئبق تلك الغرفة وبعده خالد الذي اغلق الباب خلفهم ولهب مازال على الارض يراقبهم، نهض لهب من على الارض واتجه صوب الغرفة لكن كلما اقترب كان يسمع صراخ زئبق اوضح

"كفى كفى"

كانت نبرة زئبق ليست توسل بل اقرب للامر لكن بالطبع خالد اكمل عقابه يضرب يد زئبق بتلك العصا، كل ضربة كانت اقسى من التي قبلها، كان يضرب تلك الضربات التي تشعر ان يدك تتخدر بعدها

لم يستطع لهب ان يقترب اكثر للغرفة كانت كل صرخة مؤلمة له كما لو انه هو من يتعرض للعقاب... اخذ بعض الخطوات للخلف واغمض عينه ووضع يده على اذنه يحاول عدم السمع

بعد مدة سمع لهب صوت الباب يفتح وخالد يمسك بياقة زئبق ثم يلقي به بين القمح المتناثر وهو يأمره بصوت غليظ:

"اجمعه !"

حينها زئبق وهو ملقى على الارض نظر لخالد الذي امامه، رفع رأسه ينظر له بعيون يملئها حقد وكره

لم يكن ذلك بإختيار خالد هو فقط كان منفذ اوامر سيده، هو من امره ان يعاقب المخطىء بتلك الطريقة ايًا كان عمره وخالد كان خادمه المطيع

بعدما ذهب خالد هرول لهب لزئبق... انحنى يجلس على الارض بجانبه يجمع القمح ويضعه بجُوال جديد بدال ذلك الذي مُزِق

كان لهب يشعر بالذنب الشديد وهو يرى يد زئبق كانت حمراء جدًا، بها كدمات زرقاء، منتفخة وبها خدوش وفوق كل ذلك مضطر للعمل بها وجمع القمح

قال لهب بنبرة متوترة وهو ينظر ليد زئبق:

"هل تؤلمك ؟"

قال زئبق وهو يضع حبة قمح بالجُوال:

"ما هي؟"

نظر لهب لزئبق وهو يقول بصوت يملؤه الاسى:

"حقًا يا زئبق لا امزح، هل تؤلمك يدك ؟"

ابتسم زئبق وقال زئبق بمنتهى الهدوء كما لو ان لم يحدث اي شيء متجاهل يده الذي يشعر انها تحترق:

"وانا حقًا لا امزح، لا اشعر بالم"

كان لهب يعلم ان زئبق كاذب رغم ان زئبق لم تنزل منه دمعة واحدة الا انه سمع صوته بتلك الغرفة وصراخه واساسًا كيف يده بذلك المنظر ولا تؤلمه

فقال هو يأخذ حبة القمح التي بيد زئبق:

"حسنًا، اذهب، انا سأجمع القمح"

صفَعَ زئبق ظهرَ لهبٍ ليمزح معه ولكن وما إن ارتطمت يده بظهر لهب حتى أصدر تأوّهًا

ضحك لهب حينها على كذب صديقه:

"اذهب يا غبي، اذهب ضع عليها ثلج"

كان زئبق يهز يده في الهواء حركات عشوائية في محاولة لتخفيف الالم ولكن عندما قال لهب تلك الكلمات توقف وهو يقول متظاهرًا بالقوة:

"فقط الم بسيط"

امسك لهب حبة قمح والقاها في وجه زئبق ممازحًا وهو يقول:

"اذهب، لقد كشفت امرك"

حسنًا استسلم زئبق وهو اساسًا كانت يده تقتله المًا خاصة انه يعمل بها فتمتم من تحت اسنانه متظاهرًا عدم الرضا:

"حسنًا..."

استدار يركض بسرعة للمنزل لكن سرعان ما قاطعه نداء

"زئبق!"

توقف زئبق يلتفت لمن يناديه وكان لهب وقبل ان يسأله عن ماذا يريد، اكمل لهب حديثه وهو ينظر اليه باعين يملؤها الامتنان:

"انك لنعم الصديق يا زئبق"

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الان في الحاضر ليلًا كان راشد يطرق على باب غرفة وصال ولكنها كانت تتجاهله، استمر راشد في الطرق قائلًا:

"لقد احضرت لكِ الحلوى"

لكن وصال استمرت في المكابرة ولم تجبه لكن راشد كان قد نفذ صبره وفتح الباب... وضع كيس الحلوى على الارض جانبًا وتقدم الى داخل الغرفة

كانت وصال تتظاهر بالنوم، ولكن كيف لراشد ان لا يعرف سلوك اخته، جلس بجانب فراشها وازال البطانية عن وجهها:

"اعلم انك مستيقظة"

فتحت وصال اعينها ببطىء وهي تنظر لراشد نظرات حاقدة

ابتسم راشد كان يعلم تمام العلم انها مستيقظة، ولكن اخفى ابتسامته ليبدأ حديثه:

"وصال انا اعلم اني لست اخ مثالي لك ولكن ايضًا حياتي ليست مثالية لا استطيع حتى الزواج بالفتاة التي احبها واعمل من شروق الشمس حتى بعد غروبها، لا مكان للراحة في حياتي سوى القليل، انا اعـ..."

قاطعته وصال وهي تستقيم لتجلس:

"لكنك تجد وقت لزمرد"

شعر راشد بالإحراج حينها، اخفض رأسه يفكر بإجابة لكن لم يجد... رفع رأسه مجددًا يقول بنبرة متوترة:

"انا اهرب من عملي لاقبالها، لكن حقًا معك حق انا اسف انا مقصر في حقك"

ثم ابتسم وهو يكمل حديثه:

"لكن بما ان الغد إجازة اعدك غدًا سوف ابقى معك طوال اليوم"

بادلته وصال الابتسامة وقد شعرت بالسعادة لاهتمامه بها ولكن سرعان ما تذكرت موعدها:

"حسنًا لكن عليّ فعل شيء صباحًا، لنقضي الليل معًا"

عقد راشد ما بين حاجبيه وهو يقول محققًا معها خشيًا ان يكون ما في باله صحيح:

"لن تذهبي لذلك الطفل الابله صحيح ؟"

قالت وصال بتوتر وبرائة:

"لا ليس بالظبط... نعم سوف اذهب له"

نظر لها مطولًا ثم اخذ نفس عميق يحاول تجاهل انزاعجه قائلًا بلطف:

"لقاءاتك كثرت مع ذلك الطفل"

"لا انا... انا فقط ألتقيه لاني تشاجرت مع اصدقائي الآخرين؛ لذا ليس لدي سواه حاليًا لكن اساسًا ريان فتى ابله وخجول ليس نوعي المفضل، انا افضل مفتعلي المشاكل"

ارتاح راشد عندما سمع من وصال ان ذلك الفتى مجرد بديل مؤقت حتى تصالح اصدقائها لكن سرعان ما استوعب اسم "ريان" فقال ممازحًا:

"وتعلمين ما اسمه ايضًا"

اجابت وصال تبرر مرتبكة:

"نعم انه صديقي، كيف لي ان لا اعلم ما اسمه"

ضحك راشد على سذاجتها وهو يقول:

"اعلم، اعلم لا بأس"

ثم نهض من على الفراش ليخرج لكن بينما هو يسير صوب الباب للخارج سمع ما يسر قلبه من وصال

"انت اخ مثالي لي يا راشد"

لكن راشد لم يعلم كيف يجيب لذلك توقف يبتسم ولم يقل شيئًا فقط اكمل سيره صوب الباب

ــــــــــــــــــــــــــــ

مع طلوع الفجر كان زئبق يرتدي حذائه ليخرج للمقهى في حماس ولاول مرة منذ سنوات يخرج في حماس من المنزل لا يخرج ليذهب لمقبرته...

وصل زئبق المقهى ودهش عندما وجد لهب، بها لقد جاء قبله حتى! كان لهب جالس على كرسي واضعًا رأسه على الطاولة نائمًا

اتجه زئبق نحوه، نقر على كتفه يوقظه

تأفف لهب حينها وهو يقول بصوت يغمره النعاس:

"نعم شفق قلبي"

ضحك زئبق عليه ثم قال يخفف من حدة صوته بطريقة انوثية:

"حبيبي لهوب قلبي اريد ان اتقيأ الان"

"حسنًا تقيئي"... لحظة هل نادته ب"لهوب"! ولماذا صوتها بذلك الشكل، رفع لهب رأسه ليستوعب زئبق الذي كان بالكاد يكتم الضحك، تأفف لهب مجددًا وهو يقول منزعجًا:

"هذا انت يا غبي"

لم يستطع زئبق الاستمرار في منع ضحكاته ففرط من الضحك على وجه لهب، الذي كان به خطوط حمراء من النوم على الطاولة

نظر لهب لزئبق بإنزعاج، هو الحق عليه لانه قطع نومه في فراشه المريح وذهب يكمله في المقهى ليدعم صديقه

ثم سرعان ما لاحظ زئبق انزعاج لهب فقال محاولًا لتحسين الوضع:

"لا تعبس امزح"

ثم اخذ زئبق كرسي بجانب لهب ليجلس عليه ينتظر حضور اي احد...

انتظروا ساعة، اثنين، ثلاث، اربع حتى خمس ساعات... ولم يأتي احد

بعدما شعر زئبق بالملل نظر للهب يتسائل قائلًا:

"كم الساعة ؟ كم تبقى ؟"

رفع لهب يده اليسار ينظر لساعة يده ثم نظر لزئبق وهو يجيب قائلًا:

"العاشرة والنصف"

تأفف زئبق وقد شعر بالحسرة وهو يقول:

"الم يكن الموعد العاشرة بالضبط"

اومأ لهب برأسه وهو يقول:

"نعم لكن انتظر"

نهض زئبق عن كرسيه وبدأ بالسير في المكان ذهابًا وايابًا

اما لهب ارجع رأسه على الطاولة ليكمل نومه

لاحظ زئبق لهب فقال متذمرًا بصوت عالٍ ليوقظه:

"انت ستتركني وتنام ؟!"

ذعر لهب من صوت زئبق، رفع رأسه عن الطاولة وهو يجيب حانقًا:

"انت وشفق تكرهون رؤيتي نائم في سلام"

ضحك زئبق على لهب الذي حياته كلها تتلخص بشفق، ثم قال اول شيء في باله لفتح موضوع وكسر الملل:

"ماذا سوف تسمي ابنك"

"ليس لك شأن"

ثم انزل لهب رأسه مججدًا بالطاولة لينام

اخذ زئبق نفس عميق وقد يأس من محاولات محاورة صديقه واكمل سيره...

بعدما اكمل زئبق الخطوة ال٢٤٥٤٦٦٥ في المكان سمع صوت الجرس المعلق فوق الباب...

رفع لهب رأسه عن الطاولة وتوقف زئبق عن سيره يحدقون بالباب

فتح الباب ببطىء ليدخل رجل عجوز غارق بعرقه قائلًا:

"هنا يتم توزيع المشروبات ؟"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تحررت النيران

المؤلف Mariam
2025/08/20 مستمرة
قائمة الفصول (28)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة