شمس في غسق

شمس في غسق

21 0

في الليل...

في السيارة شفق جالسة، رأسها على النافذة ويدها على خدها، قبل قليل شعرت بتقلصات في اسفل ظهرها، لكنها لم تظهر المها لان من جوارها كان زئبق، تحملت التقلصات وهي تضغط على شفتيها وتتنفس بصعوبة لكن لم تصدر اي صوت يدل على المها

رغم انك ان نظرت اليها حتى من بعيد ستلاحظ انها ليست بخير الا ان زئبق لم ينتبه ولا حتى نظر لها

الان هدأت التقلصات وهي تشاهد الطريق امامها... لكن عقلها كان منشغل بامور اخرى، عيناها كلنت تراقب عالم، وعقلها كان سارح في عالم لهب، مازالت تفكر به للحين، بل لم يغب عن عقلها لحظة... كيف الحياة قست عليهما لدرجة ان تصبح هي زوجة صديق وقاتل لهب؟! كيف سيربي قاتل لهب ابن لهب ؟! لماذا هي مكتفة الايدي وضعيفة بذلك الشكل؟ كله من لهب هو من جنى عليهم بوفائه الاعمى لشخص لا يستحق!

وبينما شفق افكارها تأتي وتذهب توقفت السيارة وجاء صوت زئبق:

_وصلنا

مع صوته توقفت عن الشرود، وفتحت باب السيارة ونزلت دون أن تنطق بكلمة، وما إن أغلقت الباب خلفها، حتى تحرك فورًا وأدار السيارة

وقفت شفق عند باب اسوار القصر، وبدا المنظر رائعًا في الداخل، مساحة الفناء بين المنزل والاسوار كانت شاهقة، وهناك نافورة تقع في منتصف الساحة

دفعت شفق الباب بخفة، وفتح على الفور، دخلت شفق ومع اول خطوة لها داخل حدود القصر شعرت بتقلصات مجددًا لكن اكثر شدة من تلك التي شعرت بها في السيارة، وتلك المرة التقلصات كانت تسللت الى بطنها

وضعت شفق يدها على بطنها وبدأت تهبط ببطىء لتجلس ارضًا، لكن وهي تهبط شعرت بسائل يسقط باندفاع منها، اخفضت بصرها فوجدت انها بللت نفسها والارض امتلئت بسائل شفاف

عرفت شفق ان مائها (السائل الامينوسي) قد نزل وان ولادتها اقتربت

جلست شفق على الارض ووضعت يدها على بطنها وهي تتمنى ان ينتهى ذلك العذاب، رآت سيارة زئبق لم تبتعد كثيرًا فبدأت تصيح له وهي تصرخ:

_زئــــبق انا الد، زئبــــق، ساعدني ارجوك

لكن اين؟ زئبق لم يستمع لها والسيارة ابتعدت اكثر

شفق الحلول امامها صفر! بدأت تزحف باتجاه السيارة وهي تصيح له وتكرر الكلمات

ابتعدت السيارة اكثر وشفق ادركت انها لن تصله وهي تزحف ولا هو سيلاحظها

بعد معاناة خف الم التقلصات، انتهزت شفق الفرصة ونهضت من على الارض وهي تتسند على السور

سارت بصعوبة ويدها على بطنها، كانت تتسند باي شيء تجده، بالكاد تقف على قدميها

بصعوبة وصلت عند الباب، وكادت تطرقه الا ان التقلصات عادت بصورة ابشع من كل ما سبق، وقعت شفق ارضًا، بدأت تلتقط انفاسها بعنف، صوت اخذها لانفاسها كان واضح ومسموع... لم تعد تحتمل...

بكت شفق... كفـــى! فوق شجنها على لهب، والمها، شعرت انها وحيده! تموت وحدها على الباب ولا احد موجود

فتح الباب وخرجت منه زمرد وهي تركض وخلفها دجى

رفعت شفق نظرها لزمرد، وقالت من بين دموعها:

_انا الد يا زمرد! الد!

نظرت زمرد لشفق التي كانت ترتجف، ورأت زمرد عبائة شفق مبللة كما لو انها تبولت بشكل مبالغ به في ثيابها، انحنت زمرد وهي تضع يدها على كتف شفق

_حسنًا، لا بأس انهضي

التقتط شفق انفاسها، ثم ابتلعت ريقها قائلة وصوت انفاسها واضح بكلامتها:

_لا استطيع

تكلمت دجى التي كانت تقف عند الباب تشاهد بصدمة:

_انتِ كيف جأتِ هنا وحدك ؟!

اردفت شفق بصعوبة:

_زئبق اتى بي وتركني

قالت زمرد باستعجاب واستنكار لتصرفات اخيها:

_كيف تركك! كان عليه ان يوصلك حتى الباب ثم يذهب

ضربت دجى كتف زمرد بخفة وهي تهمس لها في اذنها

_ليس وقته

ثم توجهت دجى بالكلام لشفق وهي تتقدم وتخرج من كونها مجرد مشاهد:

_اهدئي وتنفسي

صرخت شفق اكثر فشعرت كما لو ان اعضائها تتلاصق ببعضها البعض، بدأت تتنفس بعمق شهيق وزفير، وجسدها تعرق بشدة

حتى اخيرًا بعد عدة ثوان من الالم البشع بدأت تخف الالام بالتدريج، فانتهزت الفرصة، ورفعت نفسها وهي تستند على الحائط

__________________________

"أصعب أنواع السجون هي تلك التي نصنع قضبانها بقراراتنا، وأقسى أنواع القتل هو أن تضطر لقتل جزء من روحك لتعيش الأجزاء الأخرى.. لكنها تعيش ميتة"

في غرفة لهب وشفق، القى زئبق بجسده على الفراش، كان منهك، منهك لابعد حد، لم يرحمه احد، لم يفكر به احد، الجميع فكر بلهب ونسوه... نسوا انه لم يكن سوى امام خياران افضلهم مر...

ان كان زئبق اختار لهب، كانت جماعته وضعته بخانة الخائن الجبان الذي تركهم عند اخر خطوة

وحين لم يختار لهب وضعوه راشد، زمرد وزوجة لهب بخانة الخائن الجبان الذي ترك صديقه عند اخر خطوة

كل من بحلقه كلمة قالها، كل من اراد ان يستشرف على حسابه استشرف، نعتته شفق بالقاتل، وراشد بالاناني، وزمرد بالقاسي

زئبق كان كمن يخيروه اتحب ان تعدم ام تحبس مؤبد، خياران نهايتهم واحده فقط احدهم اطول... لكن زئبق كان اجبن من اختيار الموت السريع...

تمدد زئبق على السرير وهو يحاول اسكات عقله والراحة، زئبق منذ ان تم امر التمرد ذاك وهو كل يوم يموت، كل شيء يحاصره، يشعر انه يختنق بل اختنق بالفعل... وكل ما يستطيع فعله هو اظهار القوة، هلِك من اظهار القوة، هلِك! شفق بكت حتى اخرجت كل ما بداخلها... لكن هو لا يستطيع ان يبكي على قراره الخاص... والاهم لا يستطيع ان يضعف

كان سيغمض اعينه، لكنه لمح صورة داخل اطار فوق طاولة السرير الجانبية، اعتدل زئبق ليجلس وتناول الاطار ليمعن النظر به

كانت صورة باللون الابيض والاسود للهب وشفق، كان فيها لهب يعانق كتف شفق بذراع، وبذراعه الاخر كانت يده على بطن شفق التي كانت بشهورها الاولى، لم يكبر حتى بطنها بعد، لهب كان ينظر لآلة التصوير بابتسامته الواسعه وعيناه كانتا تلمعا

انهار الجبل الجليدي...

انهار زئبق لم يعد يحتمل، كل القوة الزائفة التي زيفها بالايام الماضية انهارت وهو يعانق الصورة ويبكي

بكى زئبق حتى برزت عروق وجهه ويديه، بكى بحرقة وقهر، والاكثر قهرًا انه هو من اتخذ قرار موت لهب! كيف لعب به القدر حتى جعله قاتل صديقه !

_انا اسف يا لهب، اسف يا صديقي، اقسم اسف

بكى زئبق كطفل... عيناه احمرتا، ووجهه احمر، كان يصرخ بلا صوت، كان يئن، خيط رفيع من اللعاب ربط بين اسنانه العلويه والسفلية

اخرج زئبق الصورة من اطارها، وضع الاطار جانبًا، ووضع الصوره في موضع قلبه

عاود زئبق النوم ووضع فوقه اللحاف، نام زئبق في وضعية الجنين، واشتد في عناق الصورة، وهو يشهق في بكائه، بكاء قاطع انفاسه

___________________________

قبل الفجر بقليل، الشمس مازالت لم تظهر لكن نورها ظاهر؛ يضيء العتمة رغم ضعفه وضآلته

صوت صراخ شفق امتلئت به ارجاء القصر، وحتى تستطيع سماع صراخها من خارج القصر، كانت بالغرفة تصرخ وفي فمها منشفة تضغط عليها باسنانها، كما لو انها تريد تمزيقها

كانت مستلقية بظهرٍ مسنود إلى خلفية السرير، وقد رفعت ركبتيها تحت لحافٍ أبيض، بينما انهمكت الطبيبة برأسها تحت الغطاء في محاولة حثيثة لمساعدة الطفل على الخروج

_ادفعي، ادفعي

صرخت شفق وهي تحاول دفع الطفل، واشتدت في الضغط على يد دجى، دجى في المقابل ربتت بلمسات حانية على يد شفق باصابعها

زمرد كانت جوار الطبيبة تحمل دلو ماء دافىء، وهي ترتجف وتشاهد ولادة شفق

تعالت صرخات شفق وهي تنادي لهب، وكانت تتعرق بشدة، وجهها يتصبب عرق، حتى اضطرت زمرد لترك دلو الماء الدافىء التي كانت تحمله، لتلتقت بعض المحارم لمسح عرقها

اخرجت الطبيبة رأس الطفل برفق من رحم شفق

_اوشكنا

صرخات شفق كانت كما لو انها تخرج لتمزق احبالها الصوتية والالم وصل ذروته، حتى ظنت انها تموت...

بدأت حدة الم تنخفض، وتهدأ الانقباضات، حين اخرجت الطبيبة الطفل، اخذت شفق انفاسها بهدوء وشكل طبيعي

خرج الطفل بجسدٍ شديد الحمرة يغطيه ملمسٌ لزج؛ سارعت الطبيبة بالتقاط منديل نظيف ومسحت فمه وأنفه برفق، لتفتح الطريق لأنفاسه الأولى كي تجد طريقها عبر منخريه، ثم بدأت بفرك ظهره وباطن قدمه بحركات محفزة

قلقت شفق حين لم تسمع صوت الطفل، للحظة ظنت انه مات! وذلك ما جعل صدرها يضيق من مجرد الفكرة

سرعان ما جاء صوت الطفل يبكي يشق السكون... تنفست شفق الصعداء، وارتسمت على شفاها بسمة واسعة، انشراح وسعادة لم تشعر بهم منذ موت لهب... جاء طفله ليعيد لجسدها روح، ولحياتها معنى

رفعت دجى عبائة شفق، حتى اصبحت لا تغطي سوى ثديها، ووضعت الطبيبة الطفل على بطن امه

لامس جسد شفق جسد الطفل مباشرة، شعرت بان الجنة وما فيها فوقها، الهواء الذي كان ثقيل خف فاصبح بلا كثافة

لامست شفق ظهره باصابعها برفق، ملمس جسده الرقيق عليها جعلها تخشى لمسه حتى لا يتمزق، كانت تلامس جسده وهي تنظر من النافذة للشمس التي اعتلت السماء

__________________________

ظهرًا فتحت دجى باب القصر لزئبق، استعجب زئبق حين رآها سعيدة، ليست سعادة عادية بل حتى عيناها كانت تشع بالغبطة

لم يسأل زئبق لكنها تكلمت:

_سيد زئبق !

_اجل؟

_مبارك، مولودك خرج للحياة!

تشنجت ملامح زئبق مما تعجبت له دجى، ظنت انه سيسعد، لكن على عكس

ابتلع زئبق ريقه قائلًا باستعجاب:

_مولودي ؟

ظنت دجى هنا ان سبب استعجابه انه لم يفهم، رغم ان جملتها كانت واضحة

_السيدة شفق وضعت طفلها، اتريد ان تراه ؟

لم يتوقع زئبق ان تلد بتلك السرعة! توتر زئبق لا يدري كيف الاحداث تمر بتلك السرعة! لكن كل شيء كان قراره وعليه تحمله

_نعم، اين هو ؟

_الحق بي

تحركت دجى ولحق بها زئبق، توقفت دجى عند باب غرفة، كادت ان تفتح الباب لكن اوقفتها كلمات زئبق:

_انا لن ادخل، احضري لي الطفل

اومأت دجى برأسها، ثم فتحت الباب لتدخل واشعلت اضواء الغرفة

حين فتحت دجى الباب على مصراعيه واشعلت الانوار، كشفت شفق لزئبق، كانت نائمة ومنهكة لابعد حد، بدت جثة له، وجهها شاحب، وشعرها مبعثر، اطال النظر بها، وقد شعر بالذنب تجاهها فهو قتل المرأة حية

ثم سرعان ما لاحظ زئبق نفسه وهو يمعن النظر بحرم صديقه واستحى فاستدار معطيًا الغرفة ظهره

خرجت دجى حاملة الطفل، رآت زئبق معطيًا ظهره للغرفة، لم تفهم الغرض من حركته لكن على اي حال تحركت لتقف امام زئبق ومدت له الطفل

_سم بالله

اخذ زئبق الطفل من يديها وهو يسمي بالله، وضع زئبق الطفل بين ذراعيه، كان خفيف جدًا كما لو انه لا يحمل شيء، ورقيـــق لابعد حد

بدا ضعيف وصغير جدًا، قدماه كانت كبيضاوي صغير تخرج من مقدمته دوائر اصغر

ابتسم زئبق لا اراديًا ثم تلاشت بسمته حين نظر بوجه الطفل، كان لهب بين يديه! لم يكن له ملامح واضحة لكن... كان به طيف لهب، كما لو ان لهب مات ليعطي روحه لابنه

شعر زئبق ان العالم توقف به، وصداع احتل رأسه، اختل توازن زئبق... كيف يواجه لهب مجددًا بعدما قتله! كيف يصبح اب لمن حرمه من ابوه؟ هو لا يستحق ان يكون اب لابن لهب، لماذا يأخذ ما حرم صديقه منه ؟!

شعر زئبق ان الطفل لهب نار جعل جسد زئبق يحترق، وبدأت يده ترتجف... لم يستطع حمل الطفل اكثر، فاعطى الطفل لدجى وركض يبتعد

صدمت دجى! كيف تلك تكون ردة فعل زئبق على الطفل الذي من المفترض انه ابوه فقالت متسائلة بتردد:

_سيد زئبق، الا تريد ابنك ؟

كان زئبق عند باب القصر الرئيسي حين تكلمت، وكان سيتجاهلها ويخرج لكنه قرر ان يتكلم اولًا ثم يخرج، فخرج صوته حاد وبه غضب مكتوم:

_هذا ليس ابني

__________________________

في ملحق القصر من نافذة الملحق، كانت زمرد تشير لاحد ما بالخارج وهي تطرق على الزجاج

وفي الناحية الاخرى من الزجاج كان ضائع بالفناء الخارجي من شدة اتساعه، يبحث عن شخص ما لكن لا يلمحه

ضربت زمرد الزجاج بخفة بكفها وهي تهمس:

_راشد

التفت راشد لصوت طرق الزجاج، وجد من كان يبحث عنها! فركض بسرعة صوب الملحق

فتحت له زمرد باب الملحق وهو دخل سريعًا، اغلقت زمرد الباب بعدما دخل، ثم اغلقت ستائر النوافذ

رآها راشد متوترة جدًا فقال مخففًا عنها ممازحًا:

_اهل دخل عليك وحش ؟

جلس راشد ارضًا واسند ظهره على وحدة تخزين

اجابته زمرد بضيق وهي وتعاود التأكد ان كل ستائر النوافذ التي تكشفهم مغلفة:

_اصمت يا راشد ليس وقتك

وكانت اجابة راشد عليها هو انه سحب ذراعه، ليجلسها جواره

سقطت زمرد ارضًا وخرجت منها شهقة، وشعرها غطى وجهها من سرعة السحبة

ضحك راشد على منظر شعرها:

_بلهاء

ابعدت زمرد شعرها عن وجهها قائلة بحنق:

_اقسم انت الابله، ايفعل احد فعلتك ؟

اعتدلت زمرد نفسها لتجلس جواره بشكل صحيح

راشد عندما ابعدت شعرها الاسود المسترسل الطويل عن وجهها، كان منظرها ساحر له لابعد حد، امعن النظر بها، وهي امعنت النظر به، حتى تقارب وجهيهما بمسافةٍ لم يتجرّآ عليها من قبل

تعانقت اعينهم، كل منهم رآى انعاكسه بالاخر، واصبح صوت انفاس كل منهم واضح للاخر، اطالا النظر ببعضهم البعض، كانت لحظات بها كل منهم محتل عقل الاخر، كما لو ان العالم انحسر عليهما

لاحظت زمرد نفسها واستحت بشدة، فادارت وجهها للجانب الاخر

انزعج راشد حين ابعدت وجهها عنه... ظن انها لم تعد تستحي منه، فخرج صوته مكلوم:

_اما زلتِ تخافين مني ؟

صمتت زمرد عدة ثواني، ثم التفتت له لتعاود مقابلة وجهه، لكن اعينها لم تعد تقابل عيناه، فلم تستطع ان تعاود النظر اليه

_لا اي خوف؟ لماذا ساخاف منك ؟

لاحظ راشد انها لا تريد النظر باعينه، وانها عاودت اللعب باصابعها، الحركة التي اعتادت فعلها كلما توترت، صمت راشد لم يرد الضغط عليها

احتل الصمت المكان عدة دقائق... كل منهم يفكر بالاخر لكن لا يستطيع البوح... ليت كانت الظروف تسمح لهم ان يخرجوا ويعلم الجميع بهم...

اردفت زمرد بتردد لتكسر الصمت:

_صحيح راشد، اردت سؤالك مسبقًا، لكن تعرف الظروف لم تسمح، اانت اصبحت قاتل في تمرد زئبق ؟

التفت راشد لها بعدما كان شارد بالارضية، شعر راشد بغصة حين تذكر الفتى الذي قتل امامه، وشعر بالغصة اكثر شدة حين تذكر شيء معين، فخرج صوته مهتز:

_لا يا زمرد لم اقتل احد... انا شاركت معهم لكن لم الطخ يدي بالدم، اساسا القتل شيء بشع لابعد حد، لانك لا تقتل كيان واحد، بل تحرم ابن ينتظر عودة والده من عمله من والده، وتحرم ام للتو انهت عشاء ابنها المفضل من ابنها، وتحرم زوجة تزينت لزوجها منتظرة اسعاده بعد يوم طويل من العمل من زوجها، لا اتخيل نفسي اقتل حتى

_اتقتل من اجلي ؟

جاء سؤالها كنخزة عليه، سؤال لم يفكر به من قبل، ازاح عيناه من عليها، ليجاوب دون النظر باعينها:

_صراحتًا لا يا زمرد؛ ليس قلة غلا لكِ لكن انا شخص خسر والديه بسبب قتل احد لهم، لذلك وان كان الشخص سيء لا يستحق ان يتيتم طفل، وانا لا استطيع ان اكون سبب في تيتيم طفل، لا استطيع ان اجعل طفل يعيش نفس معاناتي بسببي

_اتفق معك

اندهش راشد من ردها! كان ردها منطقي لكنه ظنها ستتدلل، او ستسختف بالامر الا ان ردها جاء واقعي ومتفهم جدًا، عاود النظر لها وابتسم وهو يداعبها بكلامه ويغير الاجواء الكئيبة التي احتلت المكان:

_فديت العاقل

ابتسمت زمرد بخجل وهي تخفض رأسها

قال راشد وعلى فمه ارتسمت بسمة واسعة:

_رأيت بسمتك، لا تخفيها

احمرت زمرد من الخجل فنهضت بسرعة من مكانها وكانت ستركض للخارج الا ان راشد نهض مثلها ووقف امامها يعيق الطريق:

_الى اين الهارب ؟

كانت زمرد تريد الهرب لانها كلما جلست معه تشعر بخجل اكثر حتى اصبحت تستحي رؤيته لها ليس فقط النظر باعينه لكنها تهربت من قائلة:

_تأخرت عليّ الرحيل

راشد كان يفكر، اهل يجب ان يتركها وشأنها ام يبقيها معه لكن قبل اتخاذ اي رد فعل فتح باب الملحق

التفتت زمرد للباب وعيناها اتساعتا من الصدمة والدم بعروقها تجمد، راشد حين رآى صدمة زمرد استدار ليرى من فتح الباب رغم انه كان نصف متأكد من من على الباب بسبب صدمة زمرد

زئبق على الباب كان ينظر اليهم وداخله عدة مشاعر لم يظهر منها واحدة، بل كان وجهه جامد

تدارت زمرد خلف راشد وكانت على وشك البكاء، الان ماذا سيظن زئبق بها؟

ظل كلاهم ينظر لزئبق وزئبق ينظر بهم، كان كل منهم في اقصى مراحل صدمته، الكلام حتى لم يستطع ان يخرج، زمرد شعرت انها وصلت لحافة الجبل، وراشد كان يشعر انه وقع من الجبل بالفعل لانه وضع زمرد في ورطة وذلك اكثر ما يكره، هو لن يحتمل ان يأذيها زئبق باي شكل، لكن ايضًا كيف يلوم زئبق ان فعل، هو ان كان وجد وصال بنفس المنظر كان جن

ابتلع راشد ريقه وتقدم خطوة الى الامام:

_انا ساشرح لك هي ليس لها دخل بالامر، انا السبب

زئبق صمت لم يقول شيء، لانه لم يكن غاضب، كان منزعج لانهم لعبوا خلف ظهره، ولان الموقف يسيء لرجولته، لكن غاضب؟ لا، كيف ليغضب منهم بعد كلما حدث، هو لم يعد به روح لتغضب، زئبق لم يفعل شيء سوى رمقهم باحتقار

عاود الصمت يسود المكان، كانت نظرات زمرد لزئبق المتوسلة هي التي تتكلم، مر الوقت وصوت دقات الساعة كان الصوت الوحيد المسموع، الان اصبحوا امام بعضهم البعض وكشفت جميع الاوراق، ولا يملك احد كلمة ليقولها

بعد عدة دقائق كان زئبق سيخرج ويتركهم دون كلمة الا انه قرر تسميع راشد الكلام قبل الخروج:

_احتقرتني واستشرفت عليّ يا سيد راشد بمطبخ المقهى لاني خنت لهب وتركته، وانت كنت تواعد اختي من خلف ظهري، فماذا تسمي ما فعلت يا صاحب الرجولة

نظر زئبق لهما من الاعلى للاسفل باحتقار مرة اخيرة ثم اعطاهم ظهره فتقدم راشد قائلًا:

_زئبق، انت لا تفهم الامر بشكل صحيح

تجاهله زئبق وتابع طريقه، وكان راشد سيلحق به، لن يتركه يسيء الظن بهم الا انه توقف على كلمات زمرد المختنقة:

_اتركه

بمجرد ان قالت كلمتها سقطت جالسة ارضًا وهي تبكي وتضع يدها على عيناها، فهرول راشد اليها وجلس هو الاخر ارضًا

كان سيضع يده على كتفها ليواسيها لكنه لم يستطع، فواساها بالكلمات فحسب:

_اهدئي، هو سوف يفهم الامر

تمتمت زمرد بصوت متقطع ببكائها:

_هو احتقرني لدرجة انه لم يوجه اليّ كلام حتى

_________________________

مر النهار...

مر النهار وقد عطش انسان وارتوى انسان

مر النهار وقد حزن انسان وسعد انسان

مر النهار وقد مات انسان، وولد انسان

مر النهار وروح خرجت للحياة بعدما لم تعرف سوى ظلام رحم امها، واخرين كشفت اسرارهم التي ظنوا انهم بهم ذكاء كافي لاخفائها... جرح البعض وكسر البعض ومات البعض ثم نام الجميع ليفتتحوا يوم جديد في الحياة نفسها...

عقب انتهاء النهار انتهى الليل، فبدأ نهار جديد، بصفح جديدة تزين الكتاب حبرًا

في غرفة فارغة شديدة السواد، كل حائط يشع نور اسود، لهب وقد كان يرتدي ثوب ابيض، وجهه لامع لابعد حد، كان لهب ينظر لزئبق، ونظراته تقطر عتاب، نظراته لزئبق كانت اشبع لشبل ينظر لابوه الاسد حين يفترسه

خرج صوت لهب معاتبًا مختنق بغصته

"لماذا حرمتني من ابني ؟"

انتفض زئبق من مكانه وهو يصيح ويردد برعب، شعور ذنب احتل جميع خلاياه، تلك الحوائط التي يشعر انها تنضم عليه لتخنقه اصبح محاصر بينها، كل حائط يلامس احد اطرافه:

_حاصروني يا لهب! حاصروني!

ظل زئبق يردد الكلمات بصوته المرتعش حتى ادرك ان المكان تغير، الحوائط لا تشع نور اسود، بل هي حوائط مهترئة بطلاء اصفر فاتح مخدوش، ونور الشمس يتسلل للغرفة من النافذة

بحث زئبق باعينه عن لهب بالمكان، لم تكن موجودة سوى رائحته بالاساس... ادرك زئبق انه كان كابوس، بل ربما كان حلم، فحتى اسوء الكوابيس في وجود لهب احلام...

التقط زئبق كوب ماء من جواره بيده المرتجفة، اهتز الكوب في يد زئبق حتى اصبحت قطرات المياه تتناثر من الكوب، رفع زئبق الكوب لثغره، كان يشرب والكوب يرقص في يده فكانت المياه بعضها يسقط في حلقه، ومعظمها تبلل وجنته وشفتها ثم تتساقط على ثيابه

اعاد زئبق الكوب فارغ مكانه، تزامنًا مع وضعه للكوب سمع زئبق الباب يطرق، مسح زئبق وجهه وهو يسحب لحمه كما لو انه يريد تمزيق نفسه

نهض زئبق من على فراشه وهو يتمطى جسده ويتثاءب، اخذ خطواته للحمام، ومن على الباب مازال يدق لكن زئبق كان متجاهل تمامًا لا يملك الطاقة لاي احد، مسح وجهه بالماء، وتمضمض عدة مرات، ثم في النهاية خلع ثيابه، وضعها جانبًا ووقف تحت الدش

استحم زئبق بهدوء كما لو انه لا يسمع من يطرق الباب، ورغم ان زئبق لم يستعجل نفسه بل اخذ اكتر من وقته في الحمام الا ان الطارق لم يمل وهو يطرق بل كان مُصر مما اثار فضول زئبق عن ما الامر المهم الذي يجعل انسان لا يمل كل ذلك الوقت

على اي حال اكمل زئبق يغتسل، وبعد عدة دقائق حين انتهى تمامًا خرج من تحت الدش، ولف منشفة حول جسده، خرج من الحمام وعاد للغرفة، فتح خزانة الملابس، وكاد يخرج ملابس الا انه توقف... الملابس كانت بها رائحة لهب، وتذكر زئبق تلك القمصان وهي تكسي لهب قديمًا، ارتجفت يده، كيف له الحق في اخذ اشياء صديقه التي هو بنفسه حرمه منها ؟!

اغلق زئبق الخزانة وعاد للحمام ليرتدي ملابسه السابقة رغم انها لم تكن بالنظافة المطلوبة لكن لا بأس تفي بالغرض، طوال تلك المدة ظل الطارق يطرق الباب دون كلل او ملل، كل بضع ثواني يتوقف عن الطرق ثم يعود من جديد

خرج زئبق من الحمام بعدما انتهى من تضبيط نفسه بكل هدوء، ثم اخيرًا فتح الباب بعدما ترك الطارق عند الباب مقربة النصف ساعة

...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تحررت النيران

المؤلف Mariam
2025/08/20 مستمرة
قائمة الفصول (28)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة