اصعد الى حبل المشنقة

اصعد الى حبل المشنقة

23 0

بعدما انهى لهب مهمته عاد للمزرعة ليكمل عمله لاخر مرة، لاخر مرة يزرع القمح، هذه المرة كانت مختلفة عن كل مرة... هذه المرة كانت اشبه باول مرة باختلاف ان الان يده اعتادت العمل، حتى ان اصبح اعمى فيده اعتادت وتستطيع ان تعمل وحدها ليس كاول مرة حين كان تائه ولم يجد من يعلمه وينقذه من التوبيخ سوى زئبق

هذه المرة تشبه اول مرة فقط بشعور غريب من عدم الاستياء من العمل هذه المرة يستطيع ان يشم رائحة سنابل القمح، يرى جمال سنابل القمح وروعة خلقهم لاول مرة منذ سنين، كان دائمًا يراهم بعض العشب الاصفر

لا يتخيل حياته بدون سنابل القمح كم ستكون مملة... ربما يكون سيد نبيل ومزارع بذات الوقت... لا سيئة جدا ربما عليه ان يعتاد على حياة الاغنياء

بينما لهب سارح بالقمح ويتخيل حياته في الثراء جاء ذلك الصوت يحطم جميع تخيلاته، نفسه الصوت الذي اعتاد ان يرعبه كطفل ولكن الان هذا الصوت لسبب ما غريب شعر انه سيشتاق له

_لهب !

استدار لهب يلتفت لصاحب الصوت وهو يعلم من هو جيدًا فلا يخفى عنه صاحب ذلك الصوت العميق الحاد، خاصة رائحة تبغه التي ان لم تكن معه رائحتها تبقى بملابسه وانفاسه

_نعم سيدي

_تعلم انك لن تأتِ غدًا

فكان يوم رأس السنة هو اليوم الوحيد للاجازات الكاملة تقريبا، ليس رحمة بالعمال بل لانه وقت احتفال للنبلاء فقط غير مسموح لغيرهم بالمشاهدة حتى بل حتى ان كثير عليهم معرفة ان هناك حفل

_اعلم سيدي

اومأ نجيب برأسه ثم بدأ يحرك رأسه يمينًا ويسارًا باحثًا عن شخص ما

علم لهب عن من يبحث نجيب، اساسا هو لم يأتِ الا للسؤال عنه فتسائل لهب مؤكدًا شكوكه:

_عن من تبحث ؟

أكمل نجيب بحثه بعينيه اللتين فحصتا المزرعة بأكملها، وهو يدخّن تبغه. ثم أجاب ببرود متسائلًا بعدما أبعد التبغ عن فمه :

_صديقك ذاك شهر ونصف لم يتخطى امه !؟

انزعج لهب من طريقة كلام السيد نجيب عن زئبق وكيف يستخف بمشاعره وحزنه، تنحنح لهب قائلًا بنبرة بها بعض الحزم:

_انها امه سيدي ليست كلبته ليأخذ وقته في الحزن

قال نجيب بحدة ونبرة تخلى من اي رحمة:

_ اخبره ان لا يطول حزنه، لديه شهر اخر ثم يعود للعمل او سأطرده، الحي ابقى من الميت

نبرة نجيب كانت خالية من التعاطف كما لو كان يتكلم عن بهيمة او الة ليس انسان، اسلوبه لم يكن به اقل انواع التقدير وهذا ما ازعج لهب اكثر لذلك همس بصوت منخفض يكاد يسمع:

_زئبق لا يريد منك ولا من وجهك عمل

لم يسمع نجيب صوته الخافت فقال متسائلًا:

_ نعم؟ نعم؟ ماذا قلت !؟

ارتسم على فم لهب بسمة مزيفة قائلا بتمثيل للاحترام

_تم ساخبره

تنهد نجيب وهو يستدير ليرحل لكن ما ان استدار حتى جائه صوت لهب

_سيدي

همهم نجيب له مئذنًا له الحديث وهو يلتفت له، ليقول لهب مستأذنًا

_ هل استطيع الذهاب الان ؟

تأفف نجيب قائلًا بكبر:

_اكمل عملك

انتظر لهب حتى رحل نجيب ودخل قصره ولم يتركها بخاطره اذ القى جاروفه قائلًا بحنق:

_انا الحق عليك استأذنك

وبدأ لهب بأخذ خطواته صوب حظيرة البقر

_______________________

في العتمة والظلام الكاحل ضوء مصباح خافت ينير فوق التل تحت شجرة توت، ومن اسفل التل شخص اخر يصعد بــمصباحه بمصباح ضوئه اكثر خفوتًا لكن ضوئه بدا ساطع جدًا لمن اعلى التل ليس من قوة المصباح بل من قوة حب حامل المصباح

صعدت زمرد اعلى التل بخطوات ثقيلة مترددة، وهي ملثمة وجهها بحجابها حتى لا يتعرف عليها احد ان رآها

وارتسمت بسمة واسعة على فم راشد وهو يراها اخيرًا تتقدم اليه ولا تتجاهله بعد مدة، لا يدري ماذا قال لها لهب لكن بالتأكيد انه فعل حسنًا

اردفت زمرد بارتباك وبصرها مثبت على المصباح:

_ماذا تريد يا راشد ؟

قال راشد وبسمته تتسع مع انشراح صدره:

_وماذا سأريد وزمردتي بجانبي

ابتسمت زمرد بخجل من تحت حجابها ليكمل راشد بحنان:

_انا اسف يا زمرد

تذكرت زمرد في تلك اللحظة ماذا فعل راشد عندما اعتذرت هي له لذلك قررت رد الحركة قائلة بخبث:

_ماذا؟! ماذا؟! لم اسمع

وفعل راشد نفس الشيء حينها عندما اقترب منها هامسًا باذنها:

_اسف يا زمرد اسف، اسف الف مرة ومرة ان اردتِ اعتذر من الان حتى الفجر دون كلل او ملل

تحركت زمرد للخلف لتبعد اذنها عن فمه، ورأسه عن رأسها التي كانت تفصلها عنها فقط ببعض السنتيمترات

_سامحتك، انا اساسًا لم اغضب منك، فمن يغضب من روحـ... ؟

تعثّرت زمرد عند الكلمة الأخيرة؛ لم تستطع أن تواصل اعترافها الآن، كان عليها أن تتثاقل قليلًا قبل أن تبوح بما في قلبها

قال راشد باستغراب وتعجب:

_لم تغضبِ !؟ إذًا فما كان كل ذلك !!؟

قالت زمرد بحنق ودلال:

_بعد ان علمت انك متزوج منذ اربعة سنوات يا سيد راشد كان عليّ ان اقيس غلاي عندك

_ذلك امر انتهى منذ اربعة سنوات، لا داعي لذكره مجددًا انسيه كما نسيته انا

ثم قال بنبرة اكثر حنانًا ومحبة:

_واما عن غلاك... فتدللي، لكِ الغلا كله يا زمردتي

تنهدت زمرد قائلة بنبرة بها بعض المرح:

_صحيح انك مجنون بعض الشيء... او ليس بعض الشيء بل كليًا، وعقلك لا يتحكم بانفعلاتك، ايضا للحق غبي... لكني اثق بك وانك لا تحزنني عن قصد لذا لم يعد يهمني ان كنت متزوج ام لا

كم يحب راشد تلك الفتاة بها كل شيء يتمناه كما لو كانت ملاك، يرى نفسه بعيناها الخضرواتان التي كانتا كالزمرد يلمعا ليلًا، كم هو متشوق اليها ليقول بمشاعر فياضة تكاد تخرج خارج اطار الكلمات:

_اخخ زمردتي لا تعلمين كم احبك اتمنى فقط ان اعانقك الان

ابتسمت زمرد بخجل:

_عناقك وصلني

تخيل راشد نفسه يعانقها ويدأ يصف ما يشعر به كما لو انها في صدره الان، وهو متشوقًا لالحظة التي تصبح له بخلاياها وعقلها وروحها

_لكن لم يصلني، لم اشعر بدفئك، لم اشعر بهمسات انفاسك تداعب بشرتي، ولم اشعر بدقات قلبك في صدري كما لو جاسادانا اصبحا جسدًا واحد، اريد ان ادفنك بين اضلعي فتبقي لي وحدي وبداخلي

_ستشعر ان تزوجتني

تنهد راشد كما لو ان بداخله هم يزيحه بتنهده:

_ساتزوجك وان لم اتزوجك بمن ساتزوج، اعدك

شعرت زمرد ببعض الضيق من تأجيله المستمر لامر الزواج، لكن لا بأس لتصبر عليه، على اي حال ان صبرت هي عليه فزئبق ان لاحظ غيابها لن يصبر عليهم لحظة لذلك قالت مهرولة بعضب مصطنع:

_والى ان يأتي ذلك اليوم الموعود، اخي اولى بي

وبمجرد انهاء جملتها اعطته ظهرها لتبدأ في طريقها في الرحيل، وهو يبدأ رحلته في تأمل شعرها الأسود الحريري، الناعم، المنسدل متجاوزًا نهاية ظهرها، ورغم ارتدائها حجابًا يستر مؤخرة رأسها، كان شعرها الطويل يتجاوز الحجاب قليلًا، فتظهر أطرافه من تحت الحجاب

صاح راشد لتسمعه زمرد، التي كانت أسفل التل وهو أعلاها:

_زمرد، عدّلي حجابكِ

ابتسمت زمرد وهي تدسّ شعرها داخل ثوبها من الخلف

______________________

خلف حظيرة البقر لهب جالس على كومة قش يسند ظهره على جدار الحظيرة الاحمر، يستطيع سماع صوت الابقار لكن لا رؤيتهم، وكان مازال في حدود مزرعة نجيب، فقط يرتاح قليلا ثم سيكمل عمله

لم يكن لهب منزعج ابدًا من رائحة البقر او اصواتهم لا بل على عكس كان سعيد ربما هذه تكون اخر مرة يجلس تلك الجلسة، فحتى ابسط الاشياء عندما نشعر بفقدانها نحبها

لمح لهب رجل لكن لم يميز ملامحه، استعجب لهب من ذلك الذي يتجول بمنتصف الليل، دقق لهب النظر وتعرف على رجل وفهم على الفور لماذا يتجول بمنتصف الليل... الحب وماذا يفعل

صفر لهب ليجذب انتباه السائر، فالتفت السائر لمصدر الصفير وعندما وجده لهب سار صوبه

اشار راشد للهب بان يزيح له مكان وبالفعل انزاح لهب ليجلس في اقصى يمين كومة القش، وجلس راشد على يساره

_سامحتك ؟

اجاب راشد بابتسامة رضا:

_سامحتني

ومن ثم اكمل متسائلًا بنبرة اكثر تحفزًا:

_صحيح ماذا قلت لها حتى ترضى عني ؟

ربت لهب على كتف راشد موصيًا اياه:

_لا يهم ماذا قلت، الاهم استحلفك بـ الله الا تحزنها مجددًا، انا فضلتك على صديقي، فلا تخذلني

اسند راشد ظهره على الجدار بينما تنهد قائلًا بنبرة مثقلة هل من تذكر ماضي اليم ام مثقلة بحبه لا يدري

_لا توصيني عليها يا لهب، فهي نور اعيني، انفاسي، ونبضي...

قبلها انا كنت ميت، الموت كان غاية ولم يفصلني عن التراب سوى خوفي على وصال وحدها دوني، سنتان وعشر اشهر كنت ميت كما لو ان روحي بقيت مع مسك فلم اعد ادري اين روحي واين مسك

فجائت هي تعيد لعيوني نورها، فاستعاد صدري انفاسه، ثم اعادت لقلبي نبضه، اتذكر اول مرة ضحكت منذ سنتين وعشر اشهر كانت معها هي، اول مرة اشعر بذلك الثقل ينزاح عن قلبي منذ سنتين وعشر اشهر كانت معها، اول مرة ابتسم منذ سنتين وعشر اشهر كانت معها ولها... كانت ضحكاتها كالطعام، كلامها كالماء، وانفاسها كانت انفاس لي

انهى راشد حديثه وعيناه بدأتا بالاحمرار

امعن لهب النظر براشد كيف يتحدث بهذا الشكل، كيف عينه تلمع عندما يذكر زمرد، وتلمع اكثر فاكثر عندما يذكر مسك، شعر لهب كما لو انه دخل بنقطة اعمق من راشد فهو في البداية لم يتخيل انه محب لتلك الدرجة ولم يتخيل انه لديه ماضي كذلك

اراد راشد انهاء الحديث فهو ليس بالشخص الذي يحب البوح بمشاعره، لذلك قال مغيرًا الحديث:

"ماذا تظن اقسى ردة فعل لزئبق"

اخذ لهب وقته يفكر بالاجابة وهو يحاول توقع ردة فعل زئبق وتذكر مواقف مشابهة... لكن لم يجد اي موقف طوال الاحد الاثنى عشر عام صحبة مشابه لذلك

_صراحتًا لا ادري لكن اظن زئبق ستتراوح ردة فعله من التصليب حتى القتل

اتسعت اعين راشد وشعر ببعض الالم ببطنه، فضحك لهب على منظره قائلًا من بين ضحكاته

_لا تخف لتلك الدرجة امزح بالطبع سيغضب، يعني لا ادري ماذا يمكن ان يفعل بالضبط لكنه زئبق الذي اعرفه لا يفرط بي ولا باخته، ربما بك

سعل راشد ليقول من بين سعاله محاولًا تحسين مظهره:

_لا لم اخف

_واضح انك لم تخف

_لم اخف حقًا

قال لهب بابتسامة عريضة ونبرة ساخرة:

_ادري ادري

استسلم راشد، نعم ربما خاف قليلًا، ليس من اجل نفسه بل لانه لا يريد ان يصيب زمرد اي حزن وهو يعلم كم تقدر اخيها فهو كل من تبقى لها بالحياة فغضبه كان سيكون ثقيلًا جدا عليها

_انت لن تخبر زئبق صحيح ؟

ضحك لهب قائلًا بمزاح:

_واضح جدًا انك لم تخف

_حقا يا لهب لا امزح

لهب بنبرة اكثر جدية:

_للاسف ساضطر للاخفاء عنه رغم ثقل ذلك من اجل الجمع بين الاحباء

_تُرد لك عندما تحدث بينك وبين زوجتك مشكلة، اساعدك

قال لهب بغرور:

_لا شكرًا، لا تحدث مشاكل بيني وبين شفقي

_لا تكن واثقًا

اسند راشد رأسه على كتف لهب:

_اتدري زئبق غريب جدًا بالنسبة لي، هو جذاب ولا يمل من حديثه، لكن لا ادري... اشعر انه يفكر بطريقة انتقامية بحتة، هو محق النظام ظالم لكن لماذا مثلًا يلوم عمه على موت امه

_موت امه فقط كانت القشة التي قسمت ظهر البعير، انت لا تعلم كم عانى زئبق من الظلم، زئبق شخصية عزيزة نفس جدًا وعزتها كانت تنكسر امامها كل يوم وهو غير قادر على النطق وكان ما يصبره هو الحفاظ وعدم المخاطرة حتى باللحاق الاذى بمن يحب وبعد كل ذلك ماتت امه بسبب عدم قدرته على تكاليف علاجها... زئبق يا راشد ادخل بنفسه داخل حريق لاخراج كلب، زئبق افضل وانقى انسان يمكنك ان تتعرف عليه، فقط الظروف السيئة هي التي جعلتك تتعرف عليه في عز غضبه وسخطه

_نعم ربما انا اسيء الظن به، لم اتعرف عليه كفاية اساسًا، كما اسأت الظن بك، اتعلم كنت اظنك غاضب دائمًا، كنت تنظر لي بغرابة... كنت اقول بنفسي ما ذلك الابله الذي اضطر للجلوس معه من اجل مصادقة اخو زمردتي

تشنجت ملامح لهب، ثم ابعد بيده رأس راشد عن كتفه ليقول بحنق:

_انت من كنت تغضبني باسلوبك المستهزىء، لا تدري كم كنت اكره جلوسك معنا فقط كنت اتحمل من اجل زيادة عدد المشاركين بتمرد زئبق

قال لهب مشيرًا لنفسه:

_انا كنت مجرد عدد !

اعاد لهب رأس راشد على كتفه

_نعم كنت لكن الان بدأت تتشكل لديك ملامح إنسانية

_جيد بدأت تتقبلني كانسان

ضرب لهب رأس راشد بخفة مداعبًا اياه:

_يقولون ما محبة الا بعد عداوة فهذا ان دل على شيء يدل على محبتي لك يا ابله الان

اكملا الحديث فيما بينهما، وهذا الحوار كان نقطة تحول في علاقة لهب وراشد ووطد صداقتهم، فان كان بالبداية كل ما يجمع بينهم هو زئبق اصبح اللان بينهم ود وبداية صداقة

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تحررت النيران

المؤلف Mariam
2025/08/20 مستمرة
قائمة الفصول (28)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة