احترق حي

احترق حي

26 0

اخذ زئبق خطواته بإتجاه بوابة القصر... لكن اوقفه حارسين كانوا يقفون امام البوابة

اشار له احد الحراس بالتوقف وهو يقول:

"إلى اين ؟!"

رفع زئبق نظره ينظر للقصر مطولًا ثم اعاد نظره للحارس وتنهد وقال:

"إلى عمي، اخبره زئبق بن صهيب"

بدت على الحارس علامات تعجب، هل للسيد صخر الرجل النبيل الثري ابن اخ يبدو عليه الفقر بهذا الشكل حتى ان شعره عليه بقايا قش:

"حسنًا انتظر سوف اخبره عنك"

ثم استدار الحارس يأخذ خطواته الى داخل القصر...

اما الحارس الثاني الذي بقى مع زئبق كان ينظر لزئبق بحقد ولا يبعد نظراته الحاقدة عنه

زئبق لم يفهم كثيرًا سبب تلك النظرات لكن على اي حال لن يشغل نفسه به، فقط وقف ينتظر

مرت خمس دقائق حتى حضر الحارس مجدداً بعدما اخذ اذن سيده...

قال وهو يشير بيده لزئبق ان يدخل:

"تفضل"

ابتسم زئبق ابتسامة جانبية، ثم هرول إلى داخل القصر...

بعدما تأكد الحارس الثاني (غيث) ان زئبق دخل ولم يعد يسمعهم قال يحدث صديقه:

"هذا هو الرجل الذي ضربني في السوق يا راشد"

ــــــــــــــــــــــــــــــ

كان صخر يجلس بغرفة المعيشة على الاريكة ويضع قدمه فوق الطوالة التي امامه يقرأ جريدة

دلت الخادمة زئبق الى غرفة المعيشة، وهو الان امام الباب متردد هل عليه الدخول ام لا...

قبض يده وطرق الباب وهو يشعر بذباب في بطنه من كثرة التوتر

"ادخل"

اراحه صوت عمه وهو يأذن له بالدخول، اخذ زئبق نفس عميق، هو في العادة لم يكن ليطلب المال من احد خاصة عمه لانه حتى قبل انفصال ابيه وامه كان عمه لا يسأل عنهم او يزورهم ربما كان يكرههم او هو فقط تكبر... لم يسع زئبق ان يعرف لانه لم يره في حياته قط... فقط يعرفون اسماء بعضهم البعض

كان الاختيار هنا اما كرامته او فرصة لنجاة امه وامه كانت الاثقل في الميزان

فتح زئبق الباب بأيدي مرتجفة

نظر لغرفة المعيشة الفخمة الكلاسيكية الكبيرة التي كانت ربما اكبر من بيتهم كله... لكن هذا لم يشغل تفكيره كل ما شغل تفكيره وهو من يجلس فوق تلك الاريكة التي بمنتصف الغرفة

اخذ زئبق خطواته الثقيلة الى داخل الغرفة، كارهًا للظروف التي وضعته بذلك الموقف

"اهلًا زئبق"

ربما هو قسى بالحكم على عمه... ابتلع ريقه يبتسم ابتسامه جانبية وهو يرد متوترًا:

"عليكم السلام عمي"

تعجب العم... هذا الابله يرد السلام على من ! لكنه تجاهل على اي حال

حتى زئبق لاحظ بلاهته ولكن قد قالها بالفعل... يجب ان يحاول السيطرة على توتره، اخذ شهيق وزفير مجدداً يحاول السيطرة على مشاعره

كان يقف زئبق امام عمه ويفصل بينهم الطاولة التي يضع عمه عليها قدمه كما لو كان زئبق خادمه

اخذ زئبق خطواته للاريكة ليجلس رغم ان صخر لم يعرض ذلك لكن بدلًا من وضعه الذي ان رأيته لظننت زئبق خادمه وليس ابن اخوه

لكن بينما زئبق يثني ركبتيه ويهبط بجسده ليجلس، قال عمه بنبرة امر يشير على رف مطلي بالذهب:

"احضر لي الماء من على الرف"

"تبًا هذا يظنني خادم عنده" كان ذلك ما يدور بعقل زئبق بسبب انه بدأ يشعر بالذل من اسلوب عمه ولكن قرر او اساسًا لا يملك خيار سوى افتراض حسن النية لذلك قال وهو يرتسم بسمة مزيفة:

"حسنًا"

استقام زئبق يذهب بإتجاه الرف الذي كان عليه العديد من زجاجات الماء فأخذ زئبق واحدة عشوائية ثم عاد لعمه بها يعطيها له

قال وهو يمد يده التي بها زجاجة الماء الى عمه:

"تفضل"

لكن عمه بدا عليه الانزعاج وقال حانقًا:

"هذه مياه قليلة المعادن يا غبي انا اريد مياه كبريتيه تساعد على الهضم بعد وجبتي الدسمة"

كانت تظهر على وجه زئبق علامات استفهام وهو حتى لا يعرف الفرق بينهم، هو يكاد يشرب من البحيرة وهذا لديه رفاهية اختيار نوع الماء، لكنه جارى عمه في هذا وقال بهدوء:

"اي واحدة الكبريتية ؟"

قال عمه بإستياء وهو ينزل قدمه عن الطاولة:

"تلك التي بداخل الزجاجة صفراء يا غبي"

كررها غبي مره اخرى، زئبق كان بدأ ينفذ صبره... لكنه صبر وذهب يرجع المياه قليلة المعادن على الرف ويأخذ المياه الكبريتية ليعطيها لعمه مجددًا عسى ان ينتهي فيلم الخادم والسيد هذا

مد يده مجددًا يعطيه زجاجة الماء

لكن هذه المرة ابتسم صخر وهو يتناول الزجاجة من يد زئبق، ثم قال متفاخرًا بمعلوماته:

"اتعرف ايها الولد الجاهل الفرق بين انواع المياه ؟! هناك ماء غنيـ..."

نتعه مجددًا بالولد الجاهل وقبلها الغبي، قد نفذ صبر زئبق بالفعل فقال مقاطعًا اياه:

"يسعدني جدًا ان اعرف هذا لكن انا جأت بأمر هام لا يحتمل التأجيل ربما آتي لك في وقت لاحق لنناقش ذلك"

انزعج صخر بسبب مقاطعة زئبق كان يريد ان يكمل موضوعه لكنه طفل جاهل ماذا ينتظر منه، حرك صخر عينه في الغرفه ثم نظر لزئبق يقول بملل:

"ها ما الموضوع المهم الذي لا يحتمل التأجيل"

اخيرًا وصلوا لصلب الموضوع... تنهد زئبق وهو يقول الكلمات الاكثر ثقلًا عليه:

"انت تعرف ان امي مريضة سرطان دم وهي تحتاج لعملية زرع نخاع لذلك جأت لك طالب المال للعملية واعدك ان اعمل ليلًا ونهاراً لارد لك مالك، فقط اريد اقتراض المال"

"زرع نخاع ؟!" كانت تتردد تلك الكلمات بعقل صخر الذي يعلم كم هي مكلفة، بالطبع هو يملك ثمنها لكن لماذا؟ ماذا سوف يستفيد إن انفق ذلك المال على انسانه لا تعنيه... استقام صخر ظهره وهو يتظاهر بالبؤس:

"اتمنى او كان بإمكاني لكن انا للاسف لا املك المال الكافي"

تغيرت ملامح زئبق وهو يستمع لتلك الكلمات، اغمض عينه وفتحها عدة مرات عسى انه قال كلام مختلف، كيف هو لا يملك المال وهو قصره اقل تمثال به يسوى اكثر من ثمن تلك العملية!؟ قال زئبق بغضب ويأس وتوسل معًا:

"لا اريد منك المال فقط الاقتراض من اجل حياة امي لو كان لديها وقت لم اكن لأسئلك عن مال لكن ليس لدينا الكثير من الوقت ارجوك هي تحتاج لتلك العملية بسرعة او ستموت، اعدك افعل اي شيء تريده لو تريدني ان اعمل عندك طوال حياتي سأفعل، وان كنت تريد مالك سوف ارده لك كاملًا فقط اعطني الوقت"

رد عمه ببرود وهدوء:

"قلت لك ليس لدي ما يكفي"

ابعد زئبق شعره عن رأسه ثم شد شعره بعنف يخرج به غضبه وقال مستهزئًا:

"حقا ليس معك المال انظر لمنزلك عفوًا قصرك، اقول لك حياة انسان على المحك!"

زئبق بدأ يعكر صفو صخر لذلك قال وهو يشير له بالخروج وقد بدأ يظهر على نبرته الغصب:

"هيا اذهب انتهى وقتك قبل ان انادي للحراس يخرجونك"

نظر زئبق لعمه بحقد واحتقار وهو يتوعد له:

"سوف تندم على ذلك"

ضحك صخر باستهزاء على تهديدات زئبق الفتى الابله الذي لا يملك بعض الاوراق في وجهة نظره والان يهدده

لمعت اعين زئبق دموعًا... شعر زئبق ان حتى عينه تتمرد عليه وتخونه، شعر ان دموعه سوف تسقط لذلك استدار يرحل وهو يمسح دموعه قبل ان تسقط ويظهر ضعفه اكثر

***

بعدما خرج زئبق من بوابة القصر بعدة خطوات لمح صُرصار يمشي في الارض، في لحظة غضب دهس زئبق الصُرصار بحذائه ليخرج به غضبه

"انت هِاي انه يسير في السبل التي خلقها الّله له، لا يسير في بيتك"

التفت زئبق ينظر لمصدر الصوت وكان راشد... اقترب زئبق من راشد يقول مستهزئًا:

"ماذا يا راعي حقوق الحشارات"

قال غيث مناصرًا صديقه، يقول بحدة وهو يسخر من زئبق:

"ليست فقط الكلاب هي الارواح الوحيدة... ايضا ايها البطل الخارق المنقذ يجب ان لا تُخرج غضبك في البشر او الحشارات"

كان غيث يشير للموقف الذي حدث في السوق عندما ضربه زئبق

لكن لم يفهم زئبق ما يشير اليه الحارس الثاني، فقال حازمًا مدافعًا عن نفسه:

"لم اكن لادخل نفسي داخل النار للتظاهر، بل لانه روح"

ضحك راشد عليه وهو يقول:

"الصُرصار ايضًا روح يا سيد رحيم"

حتى زئبق لا يعرف لماذا قتل الصُرصار بينما كان يسير بسلام لكنه فقط وجد شيء يخرج به غضبه، لذلك استدار يغادر تاركًا اياهم

ابتعد زئبق عنهم ذاهبًا للمستشفى ليرى زمرد التي بقت كل ذلك في المستشفى وحدها مع امها، ويطمأن على امه لكنه كان يريد النوم بشدة لذلك قرر ان يذهب للبيت لينال قسطٍ من الراحة ثم غدًا مبكرًا يذهب اليهم قبل دوامه

ــــــــــــــــــــــــــــــ

عندما كانت السماء لونها يتدرج من الاسفل احمر ومن الاعلى ازرق حينما كانت الشمس تخترق السحب لتلقي اشعتها البيضاء...

كان زئبق في طريقه للمستشفى ليرى امه وهو مشتاق لها يتذكر ذكرياتهم معًا...

***

قبل خمسة عشر سنة...

كان زئبق يجلس تحت شجرة تفاح حزين بائس يضرب تفاحتين ببعض

رآته ثريا في تلك الحالة وشعرت بالحزن على حاله، اخذت خطواتها تقترب منه لتجلس بجانبه تحت شجرة التفاح

وضعت يدها حول عنقه وهي تجزبه لها:

"لماذا الحزن ؟"

قال زئبق وهو ينظر للاسفل ويزال يعبث بالتفاحتين:

"لماذا تركنا ابي، هل انا سيء ؟"

ابتسمت ثريا وهي تشد العناق اكثر عليه وتلعب بشعره المجعد بيدها الاخرى وتقول بصوت حنون:

"انت سيء! انت افضل ولد رآته عيناي الا ترى نفسك"

ابتسم زئبق في خجل ولمعت اعينه وهو ينظر لامه

ثم امسكت ثريا خده وقالت تداعبه:

"كم انت لطيف"

ضحك زئبق وتحول حزنه وبئسه الى سعادة... ثم لمح زهرة كانت بجانبه فأخذها ووضعها في شعر امه

احمر خد ثريا في خجل:

"كم انت نبيل، كل هذا وتقول انك سيء، خسئ من وصفك بذلك" ثم اكملت ثريا وهي تبتسم وتخرج كتاب من حقيبتها "هل تريد ان اروي لك قصة الابن الاصلي"

غمرت السعادة قلب زئبق وهو يقول بحماس:

"قصة جديدة مرحة"

(قصة الابن الاصلي او الابن الطبيعي (حسب الطبعة والترجمة) ما تعرف ب Native Son – Richard Wright

رواية أمريكية تسلّط الضوء على العنصرية والفقر في شيكاغو لعشرينيات القرن العشرين.

بطل الرواية: شاب أسود يُدعى بيغ جيسايل.

أحداثه تدور حول جريمة قتل ترتكب عن طريق الصدفة، وتأثير الفقر والتمييز العنصري على خياراته وحياته.

الرواية تحليل اجتماعي ونقد للظلم الهيكلي في المجتمع الأمريكي، وتظهر كيف يُقمع الإنسان بسبب لونه وظروفه الاجتماعية.)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فتح زئبق باب المستشفى يدخل يتجه لغرفة امه...

عندما دخل الممر الذي به غرفة امه لاحظ زمرد امام الطبيب تبكي...

ركض زئبق نحوهم وامسك الطبيب من ياقة ملابسه يصيح به:

"ما بها !"

ارتجف الطبيب من زئبق الذي تحول لذئب:

"هل يمكن ان تهدأ"

ترك زئبق الطبيب وابتعد عنه يحاول الهدوء ثم قال بصوت اهدأ نسبيًا:

"ما بها !"

توتر الطبيب، لكنه قال تمالك مشاعره وقال بهدوء:

"السيدة ثريا في مكان افضل الان"

اغمض زئبق عينه وفتحها عدة مرات لا يصدق تلك الكلمات احمر وجهه وارتجفت يده، تصلب مكانه لا يصدق ما قد سمع لا يعرف هل عليه ان يصرخ او ماذا فقط قال وهو يحاول تكذيب اذنه:

"هل انت متأكد"

اومأ الطبيب لزئبق برأسه ثم قال:

"هل سوف تدخل للتغسيل"

"للتغسيل... للتغسيل.. للتغسيل..." ترددت تلك الكلمة في رأس زئبق وهو يشعر انه يحترق حي، شعر ان رؤيته تتشوش والعالم يدور به حتى وقع على الارض فاقد الوعي لا يشعر بشيء

ركضت زمرد نحو زئبق، انحنت على الارض تجلس بجانب زئبق وتضرب خده برفق وهي تصيح له وتشهق في بكائها:

"زئبق زئبق ارجوك لا"

ـــــــــــــــــــــــ

هذا كان الباب الاول من الرواية فكل ما مر في كافة والاحداث القادمة في كافة اخرى...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

تحررت النيران

المؤلف Mariam
2025/08/20 مستمرة
قائمة الفصول (28)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة