الفصل الرابع والعشرون

الفصل الرابع والعشرون

11 0

#روايه_مسرح_ليل

#الكاتبة_هاجر_سعيد_محمد

>>>الفصل الرابع والعشرون<<<

بعد أن عاد يزن إلى القصر، جمع من شقيقته حاجيات ابنه، وتعلّم منها كيف يغيّر له وكيف يُحضّر الرضاعة.

وما إن انتهت من نقل أشياء إياد إلى غرفة يزن حتى غادرت.

دخل يزن الغرفة بشرود، يتأمّل أركانها واحدًا واحدًا. كلّ شيء في مكانه، رغم التنظيف المستمر خلال غيابه.

استوقفت نظره علي حقائب ليل؛ بدت كما هي، كأنّ أحدًا لم يجرؤ على نقلها أو العبث بها.

التفت إلى ابنه وقال بهدوءٍ ممزوجٍ بالألم:

- تعال يا باشا… اقعد هنا.

أجلسه علي الفراش المخصّص له، ثم أضاف:

- خليك هنا، هدخل آخد شور سريع وأفوقلك.

دخل الحمام اخد شور سريعًا وخرج، فإذا بابنه يبكي.

اقترب منه ووضع المنشفة على عنقه، وحمله وهو يضحك بخفوت:

- إيه يا ابني؟ مركّب ازعارينا؟ مكنش ربع ساعة اللي سيبتك فيها!

ظلّ يحمله بيد، وينشّف شعره بالأخرى.

وبعد أن انتهى، وضعه على الفراش وأعطاه لعبته، وبدأ يلاعبه حتى تعالت ضحكاته بصوت عالٍ.

غير أنّ شروده عاد إليه فجأة، لتنسحب ذاكرته إلى لقاءٍ سابق جمعه باللواء هو والشباب.

فلاش باك

بعد أن سُمح لهم بالدخول، أدّوا التحية العسكرية، فأشار اللواء لهم بالجلوس.

- حمدالله على السلامة يا بطل.

ابتسم يزن وردّ:

- الله يسلمك يا فندم.

ابتسم اللواء قائلًا:

- أخيرًا الفريق اتجمع من تاني.

بادل الجميع الابتسامة، لكن ملامح الجدية ارتسمت على وجه يزن وهو يقول:

- يا فندم، إحنا جايين نعرف مين اللي عايز يؤذي عيلتنا.

أجابه اللواء:

- مبدئيًا يا سيادة العقيد، عندنا تأكيد إن العدو ده مش عدو شغل وبس… ده عدو عيلة.

قال أدهم باستغراب:

- بس يا فندم حضرتك قولت قبل كده إن العدو اللي بيحاول يأذينا بيكون عدو شغل.

هزّ اللواء رأسه:

- قولت كده فعلًا، بس ده ما يمنعش إن الشخص يكون عدو للاتنين، خصوصًا لما يكلفوا حد بل المهمة دي بيقتله بعد تنفيذ المهمة. وده اللي حصل في حادثة المسرح؛ قتلوه، وكمان حاولوا يقتلوك وجت في مراتك… الله يرحمها. وأكيد ليهم إيد في اللي حصل يوم فرحك. وممكن جدًا يكون ليهم جاسوس بينكم في القصر أو في الشغل، عارف كل تحركاتكم.

نظر يزن بحيرة وقال:

- طب مين اللي مراتي كلمته وقالتله ما يؤذيش حد من عيلتي؟

ردّ اللواء:

- عملنا تحريات فعلًا. الرقم اللي كلمته منه كان مشفّر. حاولنا نوصل للمكان، ولما وصلنا لقيناه مهجور. الواضح إنه كان بيتواصل معاها من أكتر من رقم… شخص ذكي.

قال زين بجدية:

- المشكلة إننا لقينا ملف مقفول، وعشان نطمنك وإحنا كانا عايزين نعرف إذا كان فيه حاجة ليها علاقة باللي حصل. خلّينا ياسمين تحاول تفتح الموبايل بحكم الخصوصية، بس للأسف معرفناش نفتح الملف.

رفع يزن نظره بتركيز، محاولًا تهدئة أعصابه:

- تليفونها فين؟

أجابه أدهم:

- محطوط في درج أوضتك.

نظر يزن إلى اللواء وقال بهدوء:

- نستأذن يا فندم… أحاول أفتح الملف، يمكن يكون فيه حاجة مهمة.

أومأ اللواء برأسه:

- اتفضلوا.

فاق يزن من شروده على صوت طرق خفيف على الباب. أذن بالدخول، معتقدًا أن الطارق أحد إخوته أو أدهم أو مالك، وربما والدته أو والده.

لكن اتجمد من الصدمة.

كانت شهناز.

دخلت وتركَت الباب مفتوحًا، وبدت ملامحها متوترة على غير عادتها.

قالت بإحراج واضح:

- أنا آسفة لو جيت في وقت مش مناسب… بس في موضوع مهم، ولازم أتكلم معاك فيه.

أومأ يزن بهدوء، محاولًا إخفاء دهشته:

- مهم؟

- أيوه.

قال بنبرة حاسمة:

- طب استنيني في مكتب جدو، وأنا جاي لكِ.

أومأت شهناز وخرجت، وهي تُغلق الباب خلفها بهدوء.

ظل يزن ينظر في أثرها لثواني، غير مستوعب هذا التغيّر المفاجئ في شخصيتها.

انخفض نظره إلى ابنه الذي كان يلعب، فحمله وقال بابتسامة خفيفة:

- تعالى يا أستاذ.

نزل إلى الطابق السفلي، حيث كان أغلب أفراد العائلة في غرفهم أو في الحديقة القصر.

اتجه إلى المكتب، طرق الباب، ثم دخل.

كانت شهناز تجلس متوترة.

جلس يزن على مقعد جده، ووضع إياد على ركبتيه.

نظرت شهناز إلى الطفل وهو يضع لعبته في فمه، وقالت بصوت خافت:

- ربنا يخليهولك.

ابتسم يزن ابتسامة مقتضبة، ثم قال بجدية:

- اتفضلي… أنا سامعك.

تنحنحت شهناز:

- في يوم… بعد اللي حصل، سمعت ما…

ثم توقفت، وأكملت بسرعة:

- أقصد، المدام بكنام هانم… سمعتها بتكلم حد في التليفون.

استغرب يزن في داخله أنها لم تقل ماما، لكنه تمالك نفسه ولم يقاطعها.

فلاش باك

بعد موت ليل، كان الجميع يتردد على المستشفى على أمل أن يفيق يزن.

صعدت شهناز الدرج ببطء، ومرت بجوار غرفة والدتها.

كان الفضول ينهشها… فمنذ وفاة ليل، لم تكن والدتها طبيعية.

حزنها مصطنع، ضحكاتها تخرج في أوقات لا تنفع، وكأن الفقد لم يمسّها.

اقتربت شهناز، ووضعت أذنها على الباب، مستغلة جلوس والدها في الحديقة.

فتحت الباب ببطء، ونظرت إلى الداخل.

رأت والدتها، بكنام، جالسة على المقعد، رافعة ساقيها، تحركهما بدلال، وتتكلم بصوتٍ منخفض… لكن بنبرة سعادة صريحة.

- أهو كده… خلصنا من ليل.

ضحكت بخفوت.

- ويزن كمان دخل في غيبوبة… ههههه… انت عارف؟ يزن لو فاق مش ممكن يسيب حق مراته.

توقفت للحظة، ثم تابعت:

- كان نفسي نقتله هو كمان، بس الحراسة كتير… وبعدين الدكتور قال إنه مستسلم للغيبوبة.

شهقت شهناز بخفة.

اكملت بكنام فجأة بصدمة:

- انت بتقول إيه؟! يعني هي…؟!

اتخضّت شهناز عندما شعرت بأحد لمس كتفها.

التفتت بسرعة…

كان أبوها واقف وبيفتح الباب.

اتفزعت بكنام ، قامت بسرعة وقفلت المكالمة.

دخل عماد وهو يصرخ:

- إيه اللبس اللي انتِ لابساه ده؟!

كانت بكنام ترتدي فستانًا أحمر، مكياجًا صارخًا، وشعرها مصبوغًا…

وهو أمر لم يكن غريبًا عليها، لكنه بدا مقززًا في هذا التوقيت.

أمسكها من شعرها وهو يصرخ:

- مفيش ميت في البيت؟! يزن في غيبوبة، وانتِ عاملة كده؟ انتِ مش بني آدمة… ربنا ينتقم منك يا بعيدة!

دفعها بقسوة، وخرج وهو يردد:

- ربنا ينتقم منك!

مرّ بجوار شهناز دون أن ينظر إليها.

قالت بكنام بغيظٍ مكتوم:

- أنا مسافرة… ومش راجعة غير لما أعصابي تهدى.

رد عماد من بعيد:

- روحي… في داهية تاخدك!

نظرت بكنام له بشرّ، ثم بدأت تجمع أغراضها، وقالت لشهناز:

- حضّري هدومك… يلا.

رفعت شهناز رأسها بثبات:

- لا يا ماما. مش هسيب العيلة في الظروف دي وأمشي. بعد إذنك.

وخرجت، وأغلقت الباب خلفها.

صرخت بكنام بصوتٍ عالٍ:

- جاتك القرف انتِ وعيلتك!

نهاية الفلاش باك

نظرت شهناز إلى يزن بخوف.

كان الغضب ظاهرًا على ملامحه.

قال بصوتٍ مشحون:

- يعني… مامتك تعرف الشخص اللي عايز يإذينا؟ مامتك هي الجاسوسة؟ هي الشيطانة؟!

ابتلعت شهناز ريقها وقالت وهي تبكي:

- أنا مش هزعل من كلامك… لأنك عندك حق.

سكتت للحظة، ثم قالت:

- بس في حاجة مش فاهمها. لما ماما قالت: انت بتقول إيه؟ يعني هي…

أنا حاسة إنها كانت بتتكلم عن ليل. وليه ما تكونش ليل… عايشة؟

نظر يزن بحيرة، ونظر له لابنه، ثم قال:

- يعني مامتك ممكن تكون عايشة؟

عاد بنظره إلى شهناز:

- وإيه اللي يضمنلي إنك مش زيها؟

قالت بسرعة:

- أنا أكيد ما كنتش أجي أحكيلك حاجة زي دي لو كنت زيها. كان الشيطان عميني… بس فوقت. وبتمنى تسامحني، وكلهم يسامحوني.

نظر لها طويلًا، ثم قال:

- عايزني أسامحكِ؟ إثبتي إنك فعلًا ندمانة.

قالت بلهفة:

- حاضر… هعمل أي حاجة.

نظر لها بغموض، وقال:

- …

—------------------

في الصباح

كان الجميع يجلسون حول مائدة الإفطار، ينتظرون نزول يزن وابنه.

قال حامد باستغراب:

- هو انتِ مشوفتيش يزن؟

ردت هدية بهدوء:

- كانت تعبانة امبارح، ولما صدّقت إن ابني رجع فنامت

لم يكد كلامها ينتهي، حتى ظهر يزن على الدرج، يحمل إياد ويلعب معه، وضحكات الطفل تملأ المكان.

نزل إليهم بابتسامة:

- صباح الخير.

ردّ الجميع بصوت واحد:

- صباح النور.

جلس يزن، فقال أدهم وهو يضحك:

- إيه يا عم… عرفت تنام  من ابنك؟

رد يزن بثقة:

- أيوة، عرفت أنام في إيه؟

ضحك أدهم:

- يا بختك! أنا مش بعرف أنام من ابني، ومن ابنك كمان!

ابتسم زين وقال:

- خمسة في عينك.

تدخلت شهناز ضاحكة:

- ماهو عشان إياد أول مرة يشوف أبوه، فا محترم نفسه. بس بعد كام يوم هيقعد جنبك يا أدهم… هههههه.

ساد صمت مفاجئ، ونظر الجميع إليها بدهشة واستغراب.

شعرت شهناز بالإحراج، فانخفضت عيناها بسرعة.

لكن زين كسر التوتر وهو يضحك:

- والله يا شهناز، انتِ ما قولتيش حاجة غلط… هههههه.

انفجر الجميع بالضحك، وعاد الدفء يملأ المكان.

—----------------

في المكتب

كان يزن يقف خلف المكتب، وفي يده هاتف ليل.

طلب من أدهم وزين الدخول، وبمجرد أن جلسوا، بدأ يقصّ عليهم كل ما قالته له شهناز بالتفصيل.

وقبل أن يُكمل حديثه، سُمع طرقٌ خفيف على الباب.

- اتفضل.

دخلت شهناز، فتراجع يزن بظهره وأشار لها بالجلوس، وسط نظرات الاستغراب من زين وأدهم.

قال يزن بجدية:

- عملتي اللي قولتلك عليه؟

نظرت شهناز إلى زين وأدهم بتوتر واضح، فطمأنها يزن:

- اتكلمي عادي.

تنفست بعمق ثم قالت:

- أيوة… عملت. كلمت ماما، واقنعتها إنها ترجع.

فلاش باك

- يزن يا ماما فاق.

ردت بكنام بتوتر:

- أيوة… عرفت من الأخبار.، فاق إمتى؟

- فاق امبارح… مش هترجعي بقى تجوزيني له؟ أنا محتاجالك، ويزن اتغير، وبيدور على اللي قتل مراته.

صمتت بكنام للحظة، ثم قالت بنبرة حاولت إخفاء ارتباكها:

- يعني… عايز ينتقم؟

- آه يا ماما، وأنا محتاجالك. انتِ عارفة أن بنتك خايبة.

ترددت بكنام، ثم قالت:

- أنا راجعة النهارده… قصدي… مبسوطة إنه فاق. وهحجز أول طيارة.

عودة من الفلاش باك

أنهت شهناز حديثها وقالت:

- ده كل اللي حصل.

قال أدهم وهو يربط الأحداث:

- ده هي كانت عارفة إنك فُوقت، وكانت راجعة، بس ما كانتش متوقعة إن شهناز هتتصل بيها، فاتوترت.

أومأ يزن وقال:

- وده اللي حصل فعلًا. على العموم… أنا جبت الموبايل ليل، وعايزين نفتح الملف.

أومأ الجميع.

نظر زين إلى شهناز ثم إلى أخيه:

- نفتح دوقتي؟

توترت شهناز قليلًا، فقال يزن بحسم:

- أيوة… بس ننادي العيلة كلها.

قالت شهناز بسرعة:

- أنا هنادي مرات عمي وعمتي، عرفت إن ياسمين وجودي ورغدة موجودين في الجنينة معهم. وأنتم نادوا الرجالة.

أومأ يزن، واستأذنت شهناز وخرجت.

قال أدهم بصوت منخفض:

- هو من إمتى بندخل شهناز في حاجة زي دي؟ ما يمكن تكون جاسوسة لأمها؟

رد يزن بثقة:

- لا… شهناز مش كده. هي ندمانة فعلًا.

بعد دقائق، كان الجميع مجتمعًا في المكتب.

جلست مليكة إلى جوار شهناز، تراقبها بابتسامة خفيفة، سعيدة بتغيرها الواضح.

بدأ يزن يحكي كل ما عرفه أمام الجميع، ومع كل كلمة كان الغضب يتصاعد في عيون عماد، حتى ضرب بيده على المكتب فجاة، وقال:  

- يعني… هي ليها إيد في موت بنتي؟!

ساد الصمت، وثقل السؤال خيّم على الغرفة.

قال يزن بهدوء محاولًا السيطرة على الموقف:

- اهدى يا عمي… إحنا لسه محتاجين نعرف مين العدو الحقيقي.

شردت مليكة ما حدث من قليل، وعندما سلمت شهناز على ياسمين وجودي ورغدة لأول مرة، ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجوه الجميع.

قطع الجد لحظة الصمت وقال بقلق:

- يعني… بكنام جاية؟

أومأ يزن برأسه:

- أيوة.

ثم التفت إلى عماد وقال بحزم:

- عمي، أمسك أعصابك لما تيجي… إحنا لازم نفتح الملف اللي على التليفون.

قالت ياسمين:

- جربنا كل التواريخ الممكنة: تاريخ وفاة مامتها، وجدتها… تاريخ جوازكم، وتاريخ ميلاد إياد، بس مفيش فايدة.

تساءل يزن:

- طب جربتوا تاريخ أول مرة شوفنا بعض؟ أو اليوم اللي عرفت فيه إننا عيلتها؟

قال الجميع معًا:

- لا.

أومأ يزن، وأمسك الهاتف:

- الباسورد إيه؟

قالت ياسمين:

- تاريخ جوازكم.

نظر يزن إليها للحظة، ثم أدخله…

فانفتح الهاتف، وظهرت الخلفية: صورة زفافهما.

ابتسم بحزن، ثم دخل إلى الملف السري، وبدأ يدخل التواريخ التي ذكرها… لكن دون نتيجة.

قال مالك باندهاش:

- أومال حطة إيه؟

قالت مليكة بتفكير:

- ممكن تكون حطة تاريخين مع بعض.

قالت شهناز بحماس:

- ليه لأ؟

أحضرت ورقة وقلم:

- قوليلي التواريخ.

بدأ يزن يذكرها، وهي تدون سريعًا، ثم قالت:

- ممكن تكون جمعت  بين يوم جوازكم ويوم ولادة إياد. نجرب يوم من هنا وشهر من هنا… ولو منفعش نعكس.

أومأ يزن، وفعل ما قالته.

وفجأة…

انفتح الملف.

نظر إليها بفرحة وذهول:

- اتفتح!

تحمس الجميع، وقال الجد بلهفة:

- شوف اللي جواه.

دخل يزن على التسجيلات، ويده ترتجف، ثم ضغط تشغيل.

ساد الصمت.

جاء صوت كان صوت ليل:

- أنا عملت اللي انت عايزه بالظبط، وطلبت الطلاق… انت عايز إيه تاني مني؟ ابني هيتولد بسببك من غير أب!

جاءه صوت رجولي ساخر:

- انتِ فاكرة بكلامك ده هرحمه؟ فوقي.

صرخت ليل بغضب:

- انت واحد حقير وزبالة! بسببك جرحته، خليته يسيب البيت مكسور، وبسببك إخوتي اتخانقوا معايا! انت واحد حقير!

ضحك الصوت:

- ههههه… استني مني مكالمة تانية.

التسجيل الثاني:

- حسبنا الله ونعم الوكيل فيك.

- ههههه… لو ما كنتيش نفذتي، كان ابنك زمانه مخطوف دلوقتي. مبسوط إنك رفضتي… بس اسمعي، أوعي تروحي كتب الكتاب، لو روحتي، قولي على عيلتك يارحمان يارحيم.

قالت وهي تضحك بسخرية مرّة:

- هههههه، إني أسمع كلامك؟ كان زمان. أنا مش هسيب جوزي عشان تتجوزوا واحدة ملهاش أي لازمة في الحياة، واحدة لا راحت ولا جت، واحدة مستهترة، دلوعه مامي وبابي.

ردّ بحدة:

- هو في حد يتكلم كده على أخته؟

صرخت بانكسار وغضب:

- أختي؟ أختي فين دي؟ دي قلت مني ومن أمي. بس أنا مش هلومها… هي كانت ضحية أب سايب مراته تتحكم فيه، وأم شايفة نفسها فوق الكل، ومش مستاهلة تكون أم للأسف.

سكتت للحظة، ثم أكملت بصوت مبحوح:

- إحنا كلنا كنا ضحية إهمال عيلتنا. وجدّ عايز يتحكم في كل حاجة، ومش مهم إيه اللي يحصل… المهم كلمته تمشي، حتى لو هيدمّر عياله وأحفاده. هما إزاي هيقابلوا ربنا بعد اللي عملوه فينا؟

تنهدت بعمق وقالت:

- إحنا كنا ضحية دنيا قاسية. أنا آسفة… بس لو عايز تأذي حد، ابقى أذيني أنا. أنا فعلاً كنت عايزة أبعده عني عشان كنت خايفة انه يبعد عني زي ماما وتيته، وعشان كده سمعت كلامك. بس خلاص…

زي ما قلتلك:

عايز تأذيني؟ أذيني أنا. بتمنى إن يزن والعيلة يسامحوني. وربنا ينتقم منك يا بعيد.

ضحك الطرف الآخر بسخرية وقال:

- اتصدقي اتأثرت من كلامك. وتصدقي كمان؟ صعبتي عليا. هههههه. ماشي… عايزة تضحي؟ ضحي. بس متزعليش لو الرصاص جه في حبيب القلب بتاعك.

وانقطع التسجيل فجأة.

ساد الصمت قاتل… الرؤوس تكاد تنفجر من هول ما سمعوه.

قال الجد بصوت مكسور:

- إحنا كلنا كنا ضحايا… أنا آسف يا يزن. ظلمتك. قسيت عليكم كلكم. سامحوني.

تقدمت سحر واحتضنته:

- لولاك يا بابا… ماكنتش خلفت أدهم.

وكذلك احتضنه حامد وعماد.

ثم اتجه عماد إلى شهناز ومليكة واحتضنهم:

- أنا آسف ليكم.

بكوا الاثنتان في حضنه.

قالت شهناز:

- وأنا كمان آسفة ليكم كلكم.

اتجه عماد إلى مالك واحتضنه:

- سامحني يا ابني.

قال مالك بسعادة:

- مسامحك يا أبويا.

ابتسم الجميع بحزن، ثم قال الجد بابتسامة باهتة:

- رغم كل الوجع اللي عاشنا… مبسوط إننا اتجمعنا، بس لسه ناقص فرد واحد من العيلة…

ساد الصمت من جديد.

تنهد الجميع بحزن، بينما قطع يزن على نفسه عهدًا صامتًا:

اذا ليل عايشة… هرجعها مهما كان الأمر.

تنحنحت ياسمين وقالت:

- يعني لما جيت البيت وطلقتها، هي مكنش قصدها يحصل كده… هي كانت في حد مهددها.

قال الجد بأسى:

- إحنا ظلمناها… طلعت ليل مش بياعة يا يزن.

أومأ يزن برأسه، وقال بحزم هادئ:

- المهم… لما تبجي مرات عمي نعملها حلو. يا ياسمين، معاكي مفتاح شقة ليل؟

أومأت:

- أيوة.

- طب تمام، هاخد إياد ونروح هناك.

—-----------------------

في منزل ليل

وصل يزن، وضع المفتاح في الباب وفتحه.

ما إن دخل حتى شعر بروحها تملأ المكان… الهواء، الجدران، الذكريات.

نظر حوله بشرود، ثم قال لابنه:

- الاوضة دي… أوضة جدتك. مامتك قالتلي إن لما جدتك ولدتها، واتوفت، الاوضة اتقفلت، وكل حاجة فيها زي ما هي.

فتح غرفة نومهما… فوق الفرلش، كانت هناك ورقة.

قرأ يزن الورقة، وعيناه تتنقلان بين السطور بارتعاش.

- «قبل ما حد يقرأ الورقة دي ويوصلها اللي يزن… أنا مش عارفة هكون موجودة ولا لأ.

بس قبل أي حاجة، لازم أقولك إني بحبك.

من أول مرة شوفتك فيها، لما جيت أنقذتني، حسّيت إنك أماني.

كل اللي حصل كان حقيقي، ويوم سبوع زياد كان حقيقة مش كدب.

أنا فعلاً مكنتش عايزة أعيش في القصر، زي ما إنت عارف، وكنت خايفة أتعلق بيك، وتبعد عني زي ماما وتيتة.

ياسمين كلمتني أرجع، وجدتي كمان، وكنت موافقة وجهزت وكنت هاجي… بس جاتلي مكالمة قالولي فيها: لما ييجي جوزك، اطلبِي منه الطلاق، أحسن ما أقتله واقتل عيلتك كلها واللي بتحبيهم.

خوفت. وبعد ما مشيت، وقعت من طولي.

لما فوقت، لقيت ياسمين ومصطفى جنبي، والدكتورة قالتلي إني حامل. مكنتش مصدقة. كنت خايفة تاخدوا ابني مني.

ولما جيتوا تطمّنوا عليّا، كنت ناوية أرجع معاكم… بس قبلها جاتني رسالة تانية، بتقول لو رجعت، ابني هيتخطف. خوفت أرجع. وأنا مش عارفة مين الشخص ده، ولا ليه مش عايزني أوقف كتب الكتاب.

بس أنا هاجي… سامحني على كل حاجة عملتها وقلتها. يا أول حب… ويا آخر حب.

ليل»

انتهى يزن من القراءة، ودموعه تتسقط على الورقة.

ضمّها إلى صدره وهمس بصوت مكسور:

- يا رب تكوني عايشة… وأنا هعوضك عن كل اللي شوفتيه. أنا آسف.

نظر إلى ابنه باستغراب…

كان إياد يضع يده في فمه، ثم أنزلها، وزحف نحوه، واحتضنه.

شدّه يزن إلى صدره وبكى:

- يا رب…

—-------------------

على الطريق

قاد يزن سيارته، نظر إلى إياد في الخلف وقال:

- ده أول مكان شوفت فيه مامتك. أنقذتها من شوية صايع… وكان أحلى يوم في حياتي اني شافتها.

رن الهاتف.

- ألو؟ في إيه؟

جاءه صوت متوتر:

- ارجع بسرعة القصر! مرات عمك رجعت، وعمك ماسك فيها خناق، وشهناز بتحاول تحوش… والدنيا مقلوبة.

قال يزن :

- هو أنا مش قولت تعملوها حلو؟ حاضر… أنا جاي.

تنهد وقفل المكالمة.

بدأ يتحرك بالسيارة، وفجأة ظهر شخص ينظر إليه من الخلف، وقال بصوت خافت:

- أنا مقدرش أظهر دوقتي… حياتكم في خطر، بس أكيد… هظهر قريب.

-----------------------

تفتكروا مين الشخص اللي ظهر ده؟!

احتمال والله أعلم الفصل الجاي الاخير 🙂❤️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مسرح ليل

المؤلف Hager Saeid
2025/07/17 مكتملة
قائمة الفصول (25)
الفصل بداية القاء: البارت الأول
2025/07/17
الفصل صورة كشفت الماضي: الفصل السادس عشر
2025/11/21
الفصل عائلة غريبة : البارت الثالث
2025/07/29
الفصل دقت قلب: البارت الثاني
2025/07/19
الفصل لمعه عشق تفتح باب الأسرار : البارت الرابع
2025/10/17
الفصل مفاتيح الماضي: البارت الخامس
2025/10/17
الفصل وجع الحاضر... وجرح الماضي: الفصل السادس
2025/11/03
الفصل ساعة الانتظار: الفصل السابع
2025/11/09
الفصل إجبار وجدال: الفصل الثامن
2025/11/09
الفصل ظل الماضي: الفصل التاسع
2025/11/09
الفصل خلف الأبواب المغلقة: الفصل العاشر
2025/11/09
الفصل حين تري ما لا يقال: الفصل الحادي عشر
2025/11/09
الفصل حين انقلب المشهد: الفصل الثاني عشر
2025/11/09
الفصل الصراع المكشوف: الفصل الثالث عشر
2025/11/09
الفصل حين يطرق الخطر الباب: الفصل الرابع عشر
2025/11/09
الفصل نغزة في القلب... والشك والغيرة: الفصل الخامس عشر
2025/11/13
الفصل المواجهة المنتظرة: الفصل السابع عشر
2025/12/01
الفصل الليلة التي اتغير فيها كل شئ: الفصل الثامن عشر
2025/12/08
الفصل بين البعد والقرب : الفصل التاسع عشر
2025/12/19
الفصل النبض الاول: الفصل العشرين
2026/01/10
الفصل العنيدة : الفصل الحادي عشرين
2026/01/16
الفصل لأجلكم جميعًا : الفصل الثاني عشرين
2026/01/18
الفصل بعد سنة من الغياب: الفصل الثالث والعشرون
2026/01/21
الفصل التهديد الأخير: الفصل الرابع والعشرون
2026/01/25
الفصل مسرح ليل 💥: الفصل الخامس والعشرون والاخير
2026/01/29

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة