#الرواية_مسرح_ليل
#الكاتبة_هاجر_سعيد_محمد
>>>الفصل الخامس عشر<<<
في المستشفى، وصل يزن بأقصى سرعة، يركض بخطواتٍ متوترة في الممر الطويل، يتلفّت حوله في قلق حتى وصل إلى غرفة العمليات، حيث كانت العائلة مجتمعة أمام الباب في انتظار الطبيب.
اقترب منهم وقال بصوتٍ لاهث:
- الدكتور طمّنكم عليها؟
تفاجأ الجميع بظهوره، وصُدم الجد وعماد وشهناز وبكنام لرؤيته.
أسرعت شهناز نحوه قائلة بانفعال:
- أنا مش مصدّقة عيني إني شايفاك!
توقّف يزن في مكانه، ونظر إليها بصدمةٍ واضحة من مظهرها؛ لم يكن يتوقّع أن يراها بهذا الشكل ترتدي فستانًا قصيرًا يلمع تحت أضواء الممر، ووجهها مغطّى بطبقاتٍ من الماكياج الكثيف، وشعرها مصبوغ بلونٍ غريب لم يعتده منها.
التفت ببطء نحو زوجة عمّه، ليجدها هي الأخرى بملابس لا تليق بالموقف وتغيّرٍ واضح في مظهرها، حتى بدا له المشهد كلّه غريبًا، كأنه يرى أشخاصًا لا يعرفهم.
ارتفع صوت الجدّ بنبرةٍ متحاملة تحمل في طيّاتها سخريةً واضحة، وهو يحدّق فيه بعينين غاضبتين قائلاً:
- أهلاً بالبيه اللي شَرَّف أخيرًا!
نظره يزن بحدة، لكن قبل أن ينطق، اقترب منه حامد وهمس له محاولًا تهدئته:
- اهدي يا ابني... جدك ما انت عرفوا.
رفع الجد أحد حاجبيه وهو يقول بنبرةٍ صارمة:
- بتتهامسوا في إيه؟
ردّ يزن بهدوءٍ مصطنع:
- ولا حاجة يا جدي.
تقدّم عماد خطوة للأمام، وقال بصرامةٍ واضحة:
- كنت فين كل المدة دي يا يزن؟!
أجابه بهدوءٍ متعمّد، محاولًا كتم توتره:
- كنت مسافر، ونزلت أول ما عرفت إن أختي هتولد... أول ما قال أدهم إنها في العمليات جيت علطول. وبعد كده، هسافر تاني.
اشتدّت نبرة الجد فجأة وقال بصرامة:
- مش هتسافر تاني.
ضحك يزن بسخرية خفيفة، ثم قال:
- انت مش هتتحكم فيا يا جدي. ودي مش أول مرة أقولها، ولا آخر مرة.
قال الجد بنبرة حادّة:
- همنعك من السفر!
ابتسم يزن بسخرية وردّ بثقة:
- عادي... هروح مكان متعرفش تلقيني فيه.
تبادلا النظرات بتحدٍّ واضح، والجو مشحون بالصمت المتوتر، قبل أن تُفتح أبواب غرفة العمليات وتخرج الطبيبة برفقة ممرضة تحمل طفلًا صغيرًا بين ذراعيها.
قالت الطبيبة بابتسامة هادئة:
- ألف مبروك... المدام وَلِدِت ولد.
تقدّم أدهم بخطواتٍ قلقة وتسأل بسرعة:
- هي كويسة؟
أجابت الطبيبة مطمئنة:
- أيوه، كويسة هي وابنها، وهينتقلوا دوقتي لغرفة عادية.
تقدّمت الممرضة وهي تحمل الطفل بين ذراعيها بخطواتٍ هادئة، وقدّمته لأدهم الذي مدّ يديه سريعًا ليتلقّفه بشوقٍ ودهشةٍ ممزوجة بفرحٍ لا تتوصف.
ابتسمت مليكة بحماس وهي تقول بعيونٍ متلألئة:
- يا ربي! ده شبهك أوي يا ابيه!
ابتسم الجميع، والفرحة عمّت المكان.
وبعد أن نُقلت ريم إلى الغرفة، التفّ الجميع حولها وهي تفتح عينيها ببطء، تبتسم رغم إرهاقها، ثم ناولها أدهم الطفل فضمته ريم طفلها إلى صدرها قائلة وسط دموع الفرح:
- زياد... أهلاً بيك في العيلة.
ساد الصمت لثواني، فقط صوت بكاء الطفل كان يملأ الغرفة، بينما ارتسمت ابتسامات صافية على وجوههم جميعًا.
نهض الجد من مكانه وقال بنبرةٍ حازمة:
- أنا قايم... يلا يا عماد، نروح.
ثم ألقى نظرة طويلة غامضة نحو يزن قبل أن يستدير.
تقدّمت شهناز بخوفٍ خفيف وهي تسأل:
- طب ويزن؟ هيمشي؟
أجاب الجد بثقةٍ باردة:
- متخافيش.
رفع يزن أحد حاجبيه ببطء، ونظر لجده بنظرةٍ حذرة قبل أن يلتزم الصمت.
بارك الجد لريم ببرودٍ واضح، ثم غادر مع عماد والآخرين من معه.
وبعد أن هدأ الجو قليلًا، قال زين وهو يعقد ذراعيه بقلق:
- أنا مش واثق في جدي... ومن نظرته مش مريحني خالص.
أجابه الجميع في وفت واحد تقريبًا:
- ولا إحنا.
قالت ريم بتعبٍ واضح، وهي تمسح على جبينها:
ـ كان مفروض ما كنتش جيت... وتسِيب ليل لوحدها.
رفع يزن يده وضرب جبينه بضيق وهو يقول:
ـ يا نهار أبيض! دي كانت قايلة ليا أتصل بيها وأطمنها عليكي!
أخرج هاتفه بسرعة ليجري الاتصال، لكن قبل أن يضغط على الرقم، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة، فتجمّد للحظة... الرقم كان لأحد الظابط الواقف أمام منزل ليل. خفق قلبه بقوة واضحة.
لمح مالك الموقف وقال بلهجةٍ مرحة متوترة:
- هي رنّت عليك؟ بدلك ولا اي؟
لكن ملامح يزن تجمّدت. جلس على المقعد ببطءٍ، ينظر للهاتف بتوترٍ شديد.
أخذ زين الهاتف منه ونظر إلى الشاشة، ثم نظر نحو أدهم بقلق، وتبادل الجميع النظرات المذعورة.
فتح زين الخط ووضع الهاتف على الطاولة أمامهم، سمعوا صوت الظابط من الجهة الأخرى بوضوح:
- ألو يا فندم، حضرتك فين دوقتي؟
ردّ يزن بصوتٍ مملوء قلقًا:
- ألو يا عمر؟ إيه التدّوشة لعندك دي؟
صوت عمر جاء متلعثمًا:
- مدام حضرتك... فيه راجل دخل البيت عندها. وإحنا بنخبط عليها ومش سامعين صوتها. عايزين نكسر الباب بس إحنا خايفين نعرّض حياتها للخطر. جانبي بنتين وستّ كبيرة وشاب، وهمّ بيقولوا إنهم عارفين مدام حضرتك فاتّصلت بيك قبل اخد اي خطوة.
أمسكت رغدة الهاتف بارتجاف وقالت بصوتٍ مرتفع:
- انت فين يا ابني؟ وسيبتي مراتك لوحدها؟
توقّف الوقت لثواني؛ كلّ واحد صار كأنّه يسمع دقات قلبه.
تجمّد يزن لحظة ثم قال بارتباك وحزم:
- اتصرّفوا فورًا... أنا جايّ حالًا.
أغلق زين المكالمة وقال وهو يقف بسرعة:
- أنا هاجي معاك.
أدهم نظر إلى ريم فلحظت هزة رأسها بالموافقة، وقال بصوتٍ متردّد:
- وانا كمان هاجي معاكم.
تردّد يزن للحظة، ثم رفع صوته بحزم ووضوح:
- لا... مش هعرض حد للخطر تاني بسببي.
تقدّم أدهم إليه وقال بقلق:
- تفتكر هو عايز يذّيك انت بس؟ هل هيكتفي بمراتك، ولا العيلة كلها؟
اقتربت هدية وقالت بجدية:
- عنده حق. لازم نكون معاك... إحنا مش مطمئنين ليل دوقتي حالها عامل ازاي.
نظر يزن إليهم وأشار إلى ريم:
- وريم؟
ابتسمت ريم وقالت:
- هاجي معاكم.
قال أدهم بخوف:
- لأ...
لكن ريم أكملت بحزم:
- اللي عايز يئذينا، هيختار الوقت اللي هنكون فيه كلنا ملهيين، ساعتها هيئذينا.
قال يزن:
- عندها حق. مالك، زين، شوفوا باب الطوارئ، شوفوا جدي ساب حد واقف ولا لأ. وكمان الباب الرئيسي، لو في حد ايلهم. وحضّروا العربيتين تللي هنتحرك بيهم واتصلوا بينا أول ما يجهزوا. أدهم، كلِّم الدكتور يخلي ريم تخرج، وإحنا هنهتم بيها في البيت. ماما، مليكة، عمّتي، جهزوا ريم وابنها بسرعة، ما فيش وقت. بابا، تعالى معايا.
الجميع أومأ له، وبعد دقائق كان الجميع بيتحرك من المستشفى.
كانت ريم لم تكون قادرة علي التحرك، فحمالها أدهم، وسحر حمله حفيدها.
قالت ريم وهي محرجة:
- الناس هتبص علينا!
ردت مليكة بسرعة:
- ما يبصوا؟ واحد شايل مراته، فيها إيه يعني؟
قالت سحر بضيق:
- اخرسي يا زفته!
ضحكت مليكة وقالت:
- حتى الكلمة الصح لما بقولها بتضايقكم! ايه العيلة الغريبة دي.
وتركتهم وتحركت.
نظر حامد ليزن، رأه شارد.
قرب منه، ووضع إيده على كتفه وقال بهدوء:
- كل حاجة هتبقى كويسة، هي هتبقى بخير. وكله هيعدّي.
أومأ يزن ببطء وهو بيحاول يطمن نفسه، ومد في التحرك.
قالت هدية لحامد بخوف:
- أنا خايفة يحصل حاجة لليل... ابنك هيدمَّر من بعدها، ومش هيسامح نفسه إنه سابها لوحدها في البيت.
رد حامد بحزم:
- ما تخافيش، عمر هناك. هينقذها هو واللي معاه إن شاء الله.
أومأت هدية، ونزلوا لاسفل. كان مالك وزين جهزوا العربيتين، وركبوا بسرعة وانطلقوا.
--------------------------
قبل قليل، كانت ياسمين وجودي قد استيقظتا لصلاة الفجر.
نظرت جودي من النافذة فرأت يزن وهو خارج من المنزل، فقبضت حاجبيها باستغراب، ثم اتجهت لتتوضأ وتصلّي.
وبعد الصلاة، التفتت إلى ياسمين وقالت:
- يزن، جوز ليل، لسه خارج دوقتي!
ردت ياسمين بقلق:
- ربنا يستر... ما يكونش حصل حاجة؟
اتجهت جودي نحو النافذة مرة اخري، ورأت شخص غريب داخل منزل ليل، وقالت بسرعة:
- ياسمين، في حد داخل بيت ليل، شكله غريب!
- يا رب! البسي إسدالك بسرعة، وتعالي نروح لمامتك... زمانها بتصلّي وبتقرأ وردها اليومي، هخليها تيجي معانا.
- بس...
- مفيش "بس" يا جودي، يلا بسرعة!
خرجوا الاتنين متجهين لمنزل رغدة، وطرقوا علي الباب.
في الداخل، كانت رغدة قد انتهت لتوّها من الصلاة وجلست تقرأ وردها اليومي من القرآن، ودخل مصطفى الغرفة، فقطعت تلاوتها ونظرت له قائلة:
- ما لسه بدري يا أستاذ؟
رد مصطفى بضيق:
- ماما بالله عليكِ، أنا مش فايق دوقتي!
قالت بسخرية خفيفة:
- هو انت من إمتى فايق يا موكوس؟
نفخ مصطفى بغيظ، وفجأة سمعوا طرق على الباب الخارجي.
فتح مصطفي الباب متفاجئًا بوجود جودي وياسمين واقفين بالإسدال.
تقدمت رغدة بسرعة، مستغربة شكلهم وسألت:
- في إيه يا بنات؟ لبسين إسدال وجايين الفجر كده ليه؟
ردت ياسمين بسرعة:
- جوز ليل خرج من البيت مستعجل، ولسه من شوية شايفين راجل غريب داخل البيت.
ضحك مصطفى وقال:
- إيه ده؟ هي أخلاق صاحبتكم باظت ولا إيه؟
صرخت فيه رغدة:
- اخرس يا ولد! وبعدين يا بنات، إيه تاني؟
قالت جودي:
- إحنا مش عارفين نتصرف، فقلنا نيجي لحضرتك.
قالت رغدة بحسم:
- تمام، أنا جاية. وانت يا مصطفى، تعال معانا. ماينفعش نروح لوحدنا، لازم راجل يكون معانا. يلا، قدامي.
خرجوا جمعيهم متجهين لمنزل ليل، وأول ما وصلوا طرقوا على الباب... لكن كان لا يوجد رد.
زاد القلق في العيون، وبدأوا ينادوا عليها.
وفي تلك اللحظة، رآهم شخص من بعيد، قرب منهم وسأل بصوت متردّد:
- هو في حاجة؟
تقدّم مصطفى واقفًا قدام الرجل، ونبرة غاضبة خرجت منه:
- وانت مالك يا حلو؟
رد الرجل بحدة:
- اعدّل أسلوبك معايا.
تدخّلت رغدة بسرعة، محاولة تلطيف الجو:
- بس أنتم الاتنين مش وقت خناق.
رفعت جودي صوتها وهي تحاول توصل المعلومة بسرعة وقلق واضح في كلامها:
- جوز أختي لسه خارج دوقتي، ولسه من شوية دخل عندها راجل غريب... وإحنا قلقانين عليها.
تغيّر وجه الرجل إلى قلق، ومن خلفه ظهر بعض الرجال الآخرون.
تقدّم واحد منهم وسأل بنبرة صارمة:
- لو حصل حاجة لمدام يزن، حضرة المقدم يزن مش هيسامح حد فينا ولا اللواء.
ارتعشت جودي وقالت بصوت خافت ومتوتر:
- هو... أنتم ظباط؟
همس أحدهم قالا:
- أيوه، إحنا ظباط. وإحنا واقفين هنا من ساعة ضرب النار اللي حصلت. وكنا لازم نأمن البيت ده، ربنا يستر.
تقدّم الظابط الأول وطرق علي الباب بقوة، لكن لا يوجد رد مره أخري.
بقيت الأصوات القلق تعلو بينهم.
قال مصطفى بعصبية:
- نكسر الباب؟
تنهد الظابط بهدوء مدروس:
- مينفعش نكسر كده على طول، ده ممكن يعرض حياتها للخطر. أنتم متأكدين إن في حد دخل؟
أجابت ياسمين بثبات رغم خوفها:
- أيوه، متأكدين.
قال الظابط بكلامٍ مُختصرٍ ورصين:
- تمام.
وبعد وقتٍ قصير، تراجع بعضهم عن الباب، وأخرج الظابط الأول هاتفه من جيبه واتّجه لإجراء اتصالٍ عاجلٍ بيزن.
في الداخل...
ارتجفت ليل بشدّة عندما رأته، جسدها بأكمله ارتعش من الخوف، وبدأت تتراجع للخلف خطوة بخطوة، بينما هو يقترب منها بعيونٍ مليئة بالشرّ، كأنها تفترسها قبل أن تلمسها.
كلّما تقدّم خطوة، تراجعت هي أخرى، حتى وجدت نفسها محاصرة بينه وبين الجدار. حاولت الركض، لكنّه أمسك بكتفيها بعنف، واقترب منها أكثر وهي تحاول دفعه بكل قوتها، تتوسّل بصوتٍ مبحوح:
- سيبني... سيبني بالله عليك!
في تلك اللحظة، دوّى صوت طرقٍ قوي على الباب من الخارج، وصوت ياسمين وجودي ورغدة بينادوا عليها:
- ليل! ليل افتحي يا ليل!
تجمّد الرجل للحظة، ثم كتم أنفاسها بوضع يده على فمها وهو يهمس بتحذيرٍ شيطاني:
- ما سمعش صوتك، فاهمة؟
سمعوا خبطًا ثانيًا، لكن هذه المرة كان أقوى، فالتفت إليها الرجل بنظرةٍ حادّة تحمل تحذيرًا صامتًا، ثم تحرك نحو النافذة ورفع الستارة قليلًا ليرى ما بالخارج. لمح مجموعة من الشباب يتجمعون أمام المنزل، فرفع إصبعه إلى فمه مشيرًا لها بالصمت.
لكن ما إن لاحظ أنهم يبتعدون قليلًا حتى اقترب منها بخطواتٍ ثقيلة، فارتبكت هي، وركضت بسرعة نحو الغرفة المجاورة، وأغلقَت الباب خلفها وهي ترتجف.
حاول كسر الباب بقوة، والضربات تتعالى واحدةً تلو الأخرى، بينما كانت هي تهرول بخوفٍ شديد نحو الهاتف، التقطته بيدٍ مرتعشة، لكنه كان قد فصل شحن.
شهقت بمرارة، والدموع تتساقط على وجهها، ثم تمتمت بصوتٍ مبحوح ومتهدّج، وهي ترتجف في مكانها:
- يزن... يزن، ليه سبتني لوحدي؟ يارب يجي بسرعة... يارب يلحقني....
انفتح الباب بسرعة، وتقدّم نحوها وقطع إسدالها وأمسك بطرحها، فصرخت بكل قوتها، وصوتها يرتجف بين الخوف والرجاء:
- يييييزن!
ثم عادت تصرخ بأعلى صوتها، والدموع تنهمر من عينيها:
- يزن!
في الخارج، سمعت ياسمين صراخها وقالت:
- ليل!
تبادلوا جميعهم النظرات بخوف وقلق، فقال عمر بحزم:
- هنكسر الباب! يلا يا رجالة!
اجتمع الجميع من في القرية وهم يتهمسون بحذر.
كسر عمر والرجالة الباب ودخلوا، وكذلك مصطفي ورغدة وجودي وياسمين، لكنهم توقفوا عند الباب عندما سمعوا صوت خبط قوي.
أسرع مصطفي وفتح الباب، وإذا ظهرت أمامهم ليل واقفة في ركن في الغرفة، تبكي بحرقة وتقول:
- أنا قتلته!
صرخ مصطفي بسرعة بحدة:
- غطوا بصركم يا رجالة!
نظر الجميع إلى الأسفل، وسرعت رغدة وياسمين وجودي نحو الداخل، وحضنت رغدة ليل وقالت لياسمين:
- أدي شال أو أي حاجة تغطيها.
أومأت برأسها، وتقدم عمر نحو الشخص الذي سقط على الأرض، ووجده مليئًا بالدماء. ثم رفع نظره نحو ليل، وكانت ياسمين قد اقتربت، حمله الشال، وغطت ليل به على كتفها وطرحت الأسدال على شعرها.
فهتف عمر بهدوء:
- هو عايش، ها قعده برا لحد ما يجي حضره المقدم يزن.
همس زميل عمر له:
- اللواء عرف باللي حصل وبعت ظابط برا عشان يقبضوا عليه ويشوفوا إيه اللي حصل ويحققوا في الموضوع.
قال عمر باستغراب:
- ملهوش لازمة اللي كل ده، بس ماشي... فوقوا، مدام ليل، أي اللي حصل.
ردت ليل بصوت مرتعش:
- كان بيقرب مني وعايز... وأنا ضربته بالابجورة.
قال عمر بصوت قوي:
- تمام، يلا جماعة نطلع برا.
هتفت رغدة بخوف:
- بقولك يا ابني، وقف حد برا على باب البيت، عشان ما يدخلش حد أبدًا.
رد عمر بهدوء:
- حاضر يا مدام.
خرج الجميع وجلست رغدة وهي تحضن ليل وتهديها، فقالت ياسمين:
- هروح أجيب لها حاجة تشربهاويهدب اعصابها.
أومأت رغدة وخرجت جودي.
--------------------
كان يزن يسوق السيارة، وبجواره والده، وفي الخلف مليكة ومالك وزين، والباقي في السيارة أدهم.
شعر يزن بوخزة في قلبه، فوقف السيارة فجأة، ونظر الجميع إليه، حتى أدهم الذي كان خلفه.
وعندما رأى توقف يزن فجأة، وقف هو الأخرى مستغربًا.
سألت هدية من المقعد الخلفي:
- في إيه؟
نظر إليها أدهم من خلال المرآة الأمامية ورد:
- يزن وقف العربية فجأة... أنا هقف جنبه بالعربية وها شوفوا ماله؟
التفت حامد إلى يزن وقال بقلق:
- في إيه يا ابني؟
نظر يزن إلى والده بعينين مليئتين بالقلق، ثم التفت إلى أدهم الذي اقترب من العربية ليسأله مالك:
- مالك؟ في إيه؟
رد يزن وهو متوتر:
- حاسس بنغزة في قلبي... ممكن يكون حصل حاجة لليل.
قالت هدية بسرعة:
- لا متخافش، مش هيكون حصل حاجة ليها إن شاء الله. سوق بسرعة بس.
أوم يزن برأسه، وساق بسرعة أكبر من قبل، وخلفه أدهم.
وصلوا خلال دقائق معدودة، ونزلوا من السيارة.
الشارع كان مليئًا بالظباط والعربيات، والناس متجمعة، وكان باب المنزل مفتوحًا.
نظر الجميع إلى الباب بخوف، واتجهوا إليه بسرعة.
دخل يزن أول واحد، وخلفه الجميع، فوجد شخصًا الملقى أرضًا.
اقترب عمر منه، ثم وقف وأدي له التحيه العسكرية وقال:
- حمد لله على السلامة يا حضرة المقدم يزن.
نظر يزن إليه، ثم إلى الشخص الملقى أرضًا، وقال:
- ده اللي دخل بيتي؟
رد عمر:
- أه، هو.
فجأة دخلت مروة بعد ما قالت للرجالة الذي واقفين على باب المنزل إنها صديقه ليل، ودخلت هي ووالدتها.
قالت أم مروة:
- دخل غصب عنها ولا هي ادخلته البيت في غياب جوزها؟
قالت مروة بنفذ صبر واحراج:
- ماما...
نظرت اليها والدتها، ثم التفتت إلى جوز ليل لتزرع الشك في قلبه أمام الجميع.
قال عمر لوقف على الباب، موجّه كلامه له:
- مش أنا قولت... ما دخلش حد.
خرجت جودي من المطبخ ومعاها عصير ليمون وقالت:
- دي مش أي حد... دي زميلة لينا عادي.
أومأ عمر برأسه، ثم التفت إلى يزن قائلاً:
- حضرتها اللي قالت إن في حد دخل البيت في غياب حضرتك.
نظرت جودي إليهم، ولاحظت نظراتهم الغريبة، فقالت بنبرة متوترة:
- أوعوا تكونوا شكيتوا فيها! مراتك مش كده يا يزن؟
تدخلت أم مروة بلهجة حادة:
- كله بيتغير، محدش بيفضل على حاله.
قالت مروة بسرعة:
- بس ليل مش كده!
رد مصطفى بغضب، ونبرته ارتفعت:
- اظن لإنتي بتتكلمي عنها كده... دي اللي بتشغل بنتك عندها في المسرح!
نظرت له جودي بدهشة واستغراب، ثم ابتسمت بهدوء، بينما قالت أم مروة بحدة:
- وتحرق بسببها!
خرجت ياسمين من داخل الغرفة مسرعة، وعلامات الانفعال واضحة على وجهها، ثم قالت بصوتٍ مرتفع:
- ده كانت حادثة واسألي جودي!
اومات جودي بسرعة، نظرت إليها أم مروة بنبرة حادة وقالت:
- لا، المسرح اتحرق بسبب إهمالها.
هتفت رغدة بعد ما غطّت ليل وهي تظن أنها نائمة، ثم خرجت إليهم:
- هيرجع وأحسن من الأول، وبكرا تشوفي... وبطّلي كلامك اللي زي السام ده.
ردّت ياسمين وهي تنظر إليها باستغراب:
- ماما رغدة! هو انتِ سبتي ليل لوحدها؟
أجابت رغدة وهي تزفر بتعب:
- هي نامت من كتر الإرهاق.
قالت ليل بصوتٍ هادئ لكنها كانت ترتجف:
- لا... منامتش.
التفت الجميع نحو باب الغرفة، فرأوها واقفة تنظر إليهم بعينين لامعتين جفّ فيهما الدمع من كثر البكاء، وجهها شاحب، وعيناها حمراوان، وملامحها منهكة.
شعر يزن بغصة وهو يراها في هذه الحالة، فشدّ قبضته بعنف، وكأنه يكتم غضبه وألمه في آنٍ واحد.
قالت ليل بمرارة وهي تنظر لأم مروة:
- شكّيتي يا طنط؟ بخالقي، لكلٍّ بيحلف بيها!
ردّت أم مروة ببرودٍ وهي ترفع أحد حاجبيها:
- والله يا حبيبتي، كله بيكلم عن اللي حصل وبيحطّوا اللوم عليكي.
وفجأة، سُمعوا صوت الرجل الملقى أرضًا وهو يحاول يتكلم بصوت متقطع وتعبان:
- هتعملي نفسك بريئة؟ وانتِ اللي دخلتيني بيتك... واتصلت بيا بعد ما جوزك مشي!
نظر يزن إليه بغضب وقال بحدة:
- أمال إيه اللي ضربك؟
ردّ الرجل بتنهيدة متقطعة:
- ضربتني بعد ما قولتلها إني مش هاجي تاني، ولو ما بطلتش تتصل بيا هقولك... راحت ضربتني!
تقدّم يزن من ليل بخطواتٍ بطيئة لكن نبرته كانت حادة:
- أنا قولتلك ما تفتحيش لحد بعد ما أمشي، صح؟
ردّت بصوتٍ مرتجف وهي تنظر له بعينين دامعتين:
- صح... أنا كنت بحسب إنك انت نسيت حاجة ورجعت بعد ما الخبط زاد.
قال بسخرية فيها شك واضح:
- يعني أنا مش معايا مثلا المفتاح؟
خفضت رأسها وقالت بخفوت:
- قولت يمكن نسيته.
نظر إليها يزن طويلًا، بعينين غامضتين تجمعان بين الغضب والخذلان والريبة، ساد الصمت المكان، والأنفاس احتبست في صدور الجميع، كأنهم ينتظرون ما سيحدث بعدها.
نظرت له ليل بخوف واضح، فبادرتها رغدة قائلة:
ـ لو زي ما بتقولي كده، ليه مافتحتيش الباب لما خبطنا؟
ـ عشان كان كاتم نفسي، ولما حاولت أهرب دخلت الأوضة، وكنت ها تصل بيزن بس تليفوني كان فاصل، وهو كسر الباب عليا، وحاول يتهجم عليا، وقطع هدومي، وأنا صرخت، ومسكت الأباجورة وضربته بيها، وأنتم دخلتوا بعدها على طول.
قالت ياسمين بتأكيد:
ـ فعلاً، إحنا مكسرناش الباب غير لما سمعنا صوتها وصوت حاجة اتكسرت في الأوضة، صح يا جماعة؟
وردّ الجميع معًا:
ـ صح.
قال عمر وهو يشير بيده:
ـ وفعلاً يا فندم، هدومها كانت متقطعة من عند الكتف، وطرحتها كانت متشالة.
نظر له يزن بحدة وقال مصطفي بسرعة:
ـ انا خليتهم ينزلوا عنيهم بسرعة لتحت، وماما والبنات رحوا ليها.
تقدمت ياسمين من ليل بخطوات هادئة وقالت:
ـ تعالي ندخل جوا يا حبيبتي.
أومأت ليل برأسها ودخلت، وتبعتها الفتيات جميعًا إلى الغرفة، بينما ظل الشباب في الصالة، وجلست ريم على الأريكة من شدة التعب.
ظلّ الشباب بالخارج، وتقدّم يزن من الرجل بخطواتٍ غاضبة وقال بحدة:
ـ ليه قولت عليها إنها هي اللي دخلتك؟
ردّ الرجل ببرودٍ مستفز:
ـ عشان تطلقها.
اقترب منه أكثر، ثم انحني إليه قليلا:
ـ ليه دخلت البيت وأنا مش موجود؟ ومين اللي بعتك؟
همس الرجل في أذنه بخفوت:
ـ محدش بعتني، أنا اللي دخلت، وانت أصلاً بتتجوز واحدة...
وقبل أن يُكمل كلمته المستفزة، اقترب منه يزن ووجه له لكمة قوية في وجهه وهو يصرخ بغضبٍ مكتوم:
ـ الّا مراتي، انت فاهم؟!
وظلّ يسبّ في الرجل والغيرة كانت عامياه، لم يكن يراه امامه، كان في داخله نار مشتعلة.
اندفع الشباب إليه بسرعة يحاولوا يبعدوه عنه قبل ما يتهوّر أكتر.
قال حامد وهو يمسك بذراع يزن يحاول تهدئته:
ـ هو قالك إيه يا يزن؟
ردّ يزن بصوتٍ غاضب متقطع:
ـ حاجة تخص مراتي. عمر، وديه للمديرية يتصرفوا معاه فورًا.
قال عمر بسرعة:
ـ حاضر يا فندم.
خرج عمر ومعه الرجال وهم يسحبون هذه الرجل، فيما بقيت العائلة متجمعة في الصالون، والجو مشحون بالتوتر.
ريم كانت لا تزال جالسة على الأريكة، مرهقة من التعب، عيناها تائهتان من الخوف، ولم تقدر تدخل الغرفة، بينما ابنها بدأ يبكي من صوت الصياح.
اقترب أدهم منها، احتضن ابنه برفق وقال بصوتٍ حنون:
ـ متخافيش يا حبيبتي، اهدي.
في الداخل، كانت ليل جالسة على الفراش، تضم جسدها النحيل بذراعيها، تبكي في صمتٍ موجع.
شربت العصير بصعوبة، لكن قبل أن تهدأ، دوّى صوت الزعيق من الخارج.
قالت سحر بقلق:
ـ ده صوت يزن... هو بيزعق ليه كده؟
ردّت رغدة وهي تحاول تطمينها:
ـ يمكن بيزعق لحد برّه.
هزّت سحر رأسها بقلق:
ـ بس هو من إمتى يزن بيشتم؟ دي أول مرة أسمعه بطريقه دي.
ضحكت مليكة بخفة وقالت:
ـ أهو طلع بيشتم يا خسارة تربيتك يا مرات عمي!
ردّت رغدة وهي ترفع أحد حاجببها بسخرية:
ـ يعني كانت تربيتك انتِ اللي فلحت؟ ما هي نفس التربية يا هبله!
ضحك الجميع للحظة، لكن طرقًا قويًا على الباب جعل الضحكة تجمد علي الوجوه.
تقدمت مليكة بخطواتٍ حذرة نحو الباب، فتحته ببطء...
-----------
Hager Saeid