الفصل التاسع عشر

الفصل التاسع عشر

16 0

#روايه_مسرح_ليل

#الكاتبة_هاجر_سعيد_محمد

>>>الفصل التاسع عشر <<<

https://www.facebook.com/share/g/1Ch8EcYmFE/?mibextid=NSMWBT

دا جروب بيدعم الروايات اللي علي الواتباد اللي مش مشهورة

https://www.facebook.com/profile.php?id=61579058400442&mibextid=ZbWKwL

ده الجروب بتاعي الرسمي

https://www.facebook.com/groups/785286724345169/?ref=share&mibextid=NSMWBT

وده جروب بتاعي ده هنقاش حول رواية

------------------

اتسعت عيونهم بصدمة، وقالت ليل فجأة، بنبرة مرتعشة لكنها حاسمة:

- بس… أنا مش مراته.

نظر مصطفى إليها بعدم تصديق وقال:

- يعني سيبتي موضوع إنك حامل، ومسكتي في إنك مش مراتي؟

رفعت الطبيبة حاجبيها باستغراب، وسألت بجدية:

- لو هي مش مراتك… أومال حضرتك مين؟ وفين جوزها؟

تقدّمت ياسمين بسرعة من الطبيبة، محاولة احتواء الموقف:

- أنا هفهمك يا دكتورة… إحنا إخواتها، وهي لسه مطلقة.

تنهدت الممرضة وقالت بحزن:

- حول ولا قوة إلا بالله…

عادت الطبيبة تنظر إلى ليل نظرة فاحصة، ثم قالت بنبرة مهنية صارمة:

- خلي بالكم منها كويس، الرحم عندها ضعيف، وأي ضغط نفسي ممكن يضرّها. لازم تبعدوا عنها التوتر تمامًا، وتهتمّ بأكلها كويس. هكتب لها شوية فيتامينات تمشي عليها.

قالوا جميعًا في وقت واحد:

- حاضر.

خرجت الطبيبة، ولحقت بها الممرضة، وكلتاهما تنظران لبعضهما باستغراب واضح.

ساد الصمت للحظات، ثم قالت ليل بصوت منخفض لكنه حاسم:

- أنا مش عايزة يزن… ولا عيلته يعرفوا إني حامل. إنتوا فاهمين؟

رمقوها بصدمة. قال مصطفى بعصبية:

- إنتِ بتهزري يا ليل؟

نظرت إليها ياسمين بقلق وقالت:

- يعني إيه؟ هتمنعي ابنك أو بنتك من أبوهم وعيلتهم؟

ردّت ليل بسرعة، وصوتها مهزوز من الخوف:

- دول لو عرفوا بحملي… هيخدوا طفلي مني.

همّ مصطفى بالكلام، لكن ياسمين سبقته، ونظرت لليل بحزن وقالت:

- براحتك يا ليل… القرار قرارك.

أغمضت ليل عينيها، ووضعت يدها على بطنها بحذر، وكأنها تعتذر لطفلٍ لم يولد بعد… بينما قلبها كان غارقًا في حربٍ لا يراها أحد.

---------

أوقف يزن سيارته على نفس الطريق الذي رأى فيه ليل أول مرة.

أدار المحرك جانبًا، وانحنى للأمام، ثم ضرب المقود بقبضته بقوة:

- ليه؟

ليه يا ليل؟

ليه خلّيتينا نوصل لكده؟!

ارتفع صوته بالصراخ، مبحوحًا، مكسورًا:

- أنا كنت مستعد أحارب الكل علشانك…

أسند جبهته على المقود، وأنفاسه متقطعة، وعيناه تحترقان بالدموع التي أبت أن تنزل.

يزن لم يكن يحب أن يراه أحد في هذا الضعف…

ولا أن يعترف لنفسه بأنه انهزم.

اعتدل في جلسته، ومسح وجهه بعصبية، واتخذ قراره في صمتٍ قاسٍ:

لن يعود إلى القصر في هذا الوقت…

ليس الآن، على الأقل، حتى يهدأ.

أدار السيارة من جديد، وانطلق في الطريق المظلم، هاربًا من مكانٍ لم يعد يشعر فيه بالانتماء… ولا من قلبٍ كان مستعدًا أن يخسر العالم كله لأجله.

وفي تلك اللحظة، اتخذ يزن قرارًا صعبًا… قد يغيّر كل شيء.

—------------------

في القصر، كان الوقت قد تأخر، والقلق يسيطر على الجميع.

عاد أفراد العائلة من الخارج، واجتمعوا في القاعة، معظمهم ممسك بهاتفه، يحاول الاتصال بيزن، لكن هاتفه كان خارج نطاق التغطية.

بعد قليل، انفتح باب القصر.

تجمّعت كل الأنظار نحو المدخل.

دخل يزن.

كانت حالته غير مطمئنة؛ شعره مبعثر، عيناه محمرتان، ملابسه غير مرتبة، وملامحه جامدة تتشح ببرود قاسٍ.

أسرعت والدته نحوه، وقالت بقلق:

- مالك يا ابني؟ شكلك عامل كده ليه؟

نظر إليها بنظرة خاوية، وقال ببرود متكلف:

- مليش… أنا كويس أهو.

قال والده باستغراب:

- متأكد؟

- أيوه، متأكد… هيكون في إيه يعني؟

تبادل الجميع النظرات بقلق من حالته الغريبة، بينما كان الجد ينظر إلى يزن بنظرة انتصار صامتة.

اتجه يزن وجلس على أقرب مقعد، وأسند يده خلف رأسه وتنهد.

قال مالك وهو يزفر:

- ليل…..

لكن يزن قاطعه بحدّة:

- متجبش سيرتها.

نهض فجأة، واتجه نحو جده، وقال بنبرة باردة:

- أتمنى تكون مبسوط… أنا طلّقتها.

شهق الجميع بصدمة.

وأكمل بصوت أقسى:

- وعلشان أريحك أكتر… أنا موافق أتجوز شهناز.

ثم استدار متجهًا نحو الدرج.

لكن صوت الجد أوقفه:

- أنا قلتلك من الأول متتحدّنيش… وهو ده اللي حصل، وفي الآخر وافقت.

تقدمت شهناز نحوه بفرحة واضحة، وقالت:

- بجد؟ إنت هتتجوزني؟

نظر إليها وقال بجمود:

- آه، هتجوزك… بس متحلميش أكتر من كده.

ثم اقترب قليلًا وقال بصوت منخفض:

- أنا هتجوزك بجسمي… لكن قلبي وروحي مش ملكي.

وبصوت أعلى:

- يعني متحلميش إني أحبك.

قالت شهناز بانكسار:

- ليه مصمم تكسّرني؟ أنا مستعدة أتغير علشانك.

- اتغيري… بس مش علشاني.

ثم التفت إلى جده وقال:

- اللي في دماغك نفّذته، خلاص. هتجوزها… بس على مزاجي، مش على مزاجك.

تقدم الجد بنفعل:

- إنت بتقول إيه؟

- زي ما سمعت. جوازي من شهناز أنا اللي أحدده، مش إنت. كفاية تحكم فيا.

أنا عندي مهمة… والله أعلم هرجع إمتى. والكلام انتهى.

ثم صعد الدرج بخطوات حاسمة، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا.

قالت هدية بصوت موجوع:

- ابني اتدمر…

وصعدت خلفه.

قال حامد بمرارة:

- أتمنى تكون مبسوط.

وتبعها.

صعدت ريم، وخلفها أدهم، ونظراتهما متكسرة نحو الجد.

تحرك مالك نحو جده وقال بغضب مكتوم:

- إزاي ليل تهون عليكم؟ دي مش من العيلة؟

ثم التفت لمليكة وهي تبكي، مسك ايدها وصعد معها.

نظر زين إلى جده، وصوته خرج واطي… لكنه كان موجِع:

- حرام اللي بتعمله ده. إنت دمّرت حياة أخويا.

ما انتظر رد. التففّ وطلع، وترك المكان تقيل بالسكوت والذنب.

قالت سحر وهي تنظر إلى والدها بمرارة:

- عاجبك اللي عملته يا بابا؟ خليت يزن نسخة منك… قلبه بقى حجر. إنت كنت عايز كده من زمان، زي ما عملت مع أخويا الكبير.

ثم تحركت، وبدأ الجميع ينسحبون إلى الأعلى، بينما ظل الجد واقفًا… منتصرًا، لكن القصر من حوله كان ينهار بصمت.

—----------------

في غرفة يزن…

ما إن دخل حتى أغلق الباب خلفه بقوة.

خلع رباط عنقه بعصبية، ألقاه جانبًا، ثم فكّ أول زرين من قميصه ورماه فوق السرير.

وقف لحظة في منتصف الغرفة، صدره يعلو ويهبط بثقل، وكأن الجدران تضيق عليه.

في تلك الليلة، دخل الجميع غرفهم مثقلين بالحزن والقلق؛ قلقٌ من حاضرٍ ينهار، وخوفٌ من ماضٍ يعيد نفسه بلا رحمة.

أما ليل…

فقد عادت إلى بيتها، دخلت غرفتها بصمت، وتمددت فوق سريرها بإرهاقٍ جسدي وروحي، كأنها ألقت خلفها عالمًا كاملًا.

وعندما علموا بحمل ليل، تسللت الفرحة إلى قلوبهم رغم الألم، فرحة خافتة، ممزوجة بالخوف والقلق.

لكن جدة ياسمين لم يُعجبها قرار ليل بإخفاء خبر الحمل عن عائلة يزن، ورغم اعتراضها، اتفق الجميع في النهاية على شيء واحد:

أن هذا قرار ليل وحدها… وحريتها الشخصية التي لا يملك أحد حق انتزاعها منها.

—-------------

مرت الأيام…

نجحت جودي في الثانوية التمريض، ودخلت كلية التمريض، وكان حامد وزين وأدهم معهم قد وعدوا مالك بعربية كمكافأة على نجاحه.

في نفس الوقت، يزن لا يكاد يخرج من غرفته إلا نادرًا. الجميع كان قلقًا عليه، يحاولون التخفيف عنه، لكن يزن كان يتعامل ببرودٍ مصطنع، يخفي وجعه العميق في قلبه، ويتركه يدمّره ببطء دون أن يشعر بنفسه، دون أن يشعر. كانت عيناه تلمعان أحيانًا بالحزن، لكنه لا يسمح لأي أحد برؤيته ضعيفًا، كأنّه يحمل كل العالم على كتفيه بمفرده.

كل خطوة خارج غرفته كانت صعبة، وكل كلمة يتفوه بها كانت مختصرة، باردة، بلا روح، بينما الداخل منه يغلي بالوجع والحنين.

—-------------------

في إحدى الليالي، نزل يزن إلى القاعة.

لم يكن أحد هناك؛ الجميع في غرفهم.

جلس على الأريكة، ووضع الحاسوب المحمول أمامه، ثم فتح ألبوم الصور… صور فرحه.

ظلّ يتأمل ضحكة ليل، ابتسامتها البريئة، تلك النظرة التي كانت تسرق قلبه دون جهد.

ارتسمت ابتسامة شاحبة على شفتيه، ومعها تسللت الأغنية إلى رأسه…

«وملهاش طعم أيامي…»

أسند ظهره إلى الخلف، وعيناه معلّقتان بالصورة.

«بطيء الوقت مبيمشيش…»

تردّد صوتها في أذنيه.

«وصوتك سامعاه بوداني…

كأنك جنبي مبعدتيش.»

أغمض عينيه، وتذكّر كلماتها، ووعودها.

في تلك اللحظة، بدأ الجميع ينزلون الدرج.

توقفوا حين رأوه، ثم تابعوا نزولهم بهدوء.

وعندما شعر بوجودهم، أغلق الحاسوب سريعًا.

كانوا سعداء برؤيته بينهم، لكنهم عاجزون عن الكلام.

نزل الجد، وقال بنبرة هادئة:

- أنا مبسوط بوجودك.

ابتسم يزن ابتسامة باهتة.

كان واضحًا عليه الإرهاق؛ فقد وزنه في الأيام الماضية، قلة أكل، سهر طويل، شعره طال حتى اقترب من كتفيه، ولحيته نبتت…

ملامحه تغيّرت.

في تلك الأثناء، دخل مالك ومليكة من بوابة القصر، دون أن ينتبهوا لوجود أحد. قالت مليكة بقلق:

- أنا حاسة إنهم مخبّيين حاجة… كل ما أسأل جودي عن ليل ترد بتوتر وتقول كويسة، بس مش مطمّنة.

تجمّد عقل يزن عند اسم ليل.

هل حدث لها شيء؟

«وطول الوقت أنا فاكرك

بموت كل ما افتكرتك

يادوب بالاسم بس بعيش…»

تنحنح الجد، فانتبه الجميع.

شهق مالك ومليكة حين رأوا يزن… وبالأخص حالته.

قال الجد بحدّة:

- لو لسه بتوصلوا معاهم من هنا ورايح، اقطعوا علاقتكم بيهم أحسن ليكم. إنتوا عارفين أنا ممكن أعمل إيه… دي آخر مرة بحذّركم.

أومآ بحزن. تحرك يزن إلى الأعلى، وتبعه زين وأدهم ومالك. طرقوا باب غرفته، فسمح لهم بالدخول.

قال مالك بألم:

- آسف إني جبت سيرتها… بس هي أختي. ولما صدّقت إن عندي أخت تخاف عليّ وتنصحني، وجدي ضغط عليّا جامد.

أومأ يزن، وتنهد بوجع:

- كان نفسي يكون عندي طفل منها كنت نفسي نعيش مع بعض بسلام….. أنا خلاص تعبت.

اقترب الشباب منه، واحتضنوه، وعيناه امتلأتا بالدموع.

«وأنا بحكي عليكي

ساعات بتنزل دمعة من عيني

ويعلم ربنا إني خلاص هموت

علشان وحشتيني…»

«خلفتي الوعد كده؟

معقول مشيتي؟

حبيبتي سبتيني…»

«مبتكلمش غير عنك

وأعيد في كلامي وأفضل أزيد

وإيه يا حبيبتي غير سيرتك

يريّح قلبي وإنتِ بعيد…»

«قليل الحيلة وبعاني

ماهو إنتِ دايمًا وحشاني

وفاكرك عمري

يوم ما نسيت.»

خلف الباب، كان حامد وهدية وريم يقفون بصمت، يشاهدون المشهد بألم.

في الأسفل، قالت سحر بصوت مكسور:

- زي ما تمنعهم من أختهم يا بابا…

لم يجب أحد.

نظرت مليكة حولها بألم، ثم صعدت إلى غرفتها.

تبعتها سحر، وعيناها ممتلئتان بالحزن.

قبلت ريم مليكة وهي تبكي، لكن مليكة رفضت الكلام.

حكت سحر ما حدث، وتنهد الجميع بألمٍ ثقيل.

بينما في بيت ليل…

كانت ليل تمكث في غرفتها أغلب الوقت.

شهيتها للطعام شبه منعدمة، لكن البنات كنّ يُجبرنها على تناول القليل، خوفًا على طفلها.

كانت تُرجِع كثيرًا، ونفسيتها لم تكن في أفضل حالاتها.

—--------------------

في إحدى الليالي، كانت البنات يجلسن في الصالون، أما هي فكانت في غرفتها، تجلس على الكرسي أمام النافذة،

تنظر إلى الخارج بشرود، وتستعيد كل ذكرياتها مع يزن… لحظة بلحظة.

وفي رأسها، بدأت الأغنية تتردّد:

بتوحشني

قلبي في بُعدنا حبسني

أيام حلوه عشناها

وعود أنا وانت خدناها

في 100 إحساس بيرفضني

كل ما أحاول أنساها

أغمضت عينيها، وشدّت ذراعيها حول نفسها.

أقولك سر

بقيت في البُعد أقرب لي

وأيامك ما بتسيبنيش

حنيني في قلبي غرّبني

وتفاصيلك ما رحمتنيش

تنهدت بوجع، ومرّت صورة يزن أمام عينيها.

مكنش القصة دي آخرها

ولا ده اللي اتفقنا عليه

وبسأل نفسي من يومها

فراقنا كان أساسًا ليه

في تلك اللحظة، طرقَت ياسمين الباب، وقالت بهدوء:

- إحنا رايحين المسرح… لو حابة تيجي معانا بدل الحِبسة اللي إنتِ فيها. تعالي غيّري جو.

قالت ليل بصوتٍ خافت ومدبوح:

- حاضر… ثم قامت وغيّرت ملابسها.

فقالت ياسمين بهدوء:

- هنستناك أنا وجودي. ثم تحركت من أمام الباب.

عندما خرجت إليهم، نظروا إليها بحزن؛ كانت مطفأة، وجهها شاحب، وزنها قلّ بوضوح.

ابتسموا لها ابتساماتٍ خافتة، وخرجوا سويًا.

حاولوا المزاح معها، فكانت تبتسم… لكن قلبها عاد بها إلى المرات التي كانت تخرج فيها مع يزن:

بتوحشني

كرامتي بقسوة بتحوشني

فبهرب منها أروح لبعيد

وأقابلك من ورا المواعيد

أروح لمكان زمان مشيناه

أنا وانت وإيد في إيد

بتوحشني

وصلوا إلى المسرح.

تقدّمت مروة بخطوات سريعة، وقالت:

- طنط رغدة وستّيك يا ياسمين ومصطفى موجودين هنا… ومعاهم ناس أول مرة أشوفهم. طنط رغدة قالتلي أبلغك وعايزكي، وعايزاكِ.

عقدت جودي حاجبيها باستغراب:

- مين دول؟

هزّت مروة رأسها:

- ما قالتليش… بس هما دلوقتي في مكتب ليل.

نظرت ليل لياسمين وقالت بهدوء متعب:

- تمام، شوفي شغلك.

ثم التفتت للبنات:

- يلا نروح نشوف مين دول.

أومأن جميعًا، واتجهن نحو المكتب.

—-----------

داخل مكتب ليل…

كان الجميع جالسين بين الأرائك والكراسي، وبعضهم واقف.

تقدّم أكبرهم سنًّا وتحدث بنبرة حاسمة:

- بعد ما جودي تعرف إننا هنا… هنأخدها معانا.

تدخلت رغدة بحدة:

- لا، دي بنتي. أنا اللي ربتها وكبّرتها.

وبنبرة أشد:

- إنتوا لسه فاكرين إن عندكم بنت؟! أنا لولا إنكم مش هتسكتوا، ما كنتش جبتكم هنا من الأساس.

في تلك اللحظة، طُرق الباب، ودخلت ليل وخلفها ياسمين وجودي.

تقدّمت ليل، ووقفت أمام مكتبها، والبنات خلفها.

جلست على كرسي المكتب، ورفعت نظرها بثبات، بينما وقفت البنات إلى جوارها.

قالت الجدة بقلق:

- نزلتي ليه يا ليل؟ إنتِ تعبانة.

ابتسمت ليل ابتسامة خفيفة:

- أنا كويسة يا تيته الحمد لله.

وسألت بنبرة هادئة:

- ينفع أعرف مين حضرتكم وعايزين إيه؟

كان الجميع يرمقها باستغراب.

قالت رغدة:

- تعالي يا جودي.

تقدّمت جودي بخطوات مترددة، والعيون تتابعها.

قال أحدهم:

- دول أهلك… أهل أبوكي.

تغيّر وجه جودي فجأة، وصاحت بانفعال:

- أهلي؟!

ثم بصوت أعلى:

- عايزين إيه دلوقتي؟!

رد الرجل ببرود:

- عايزينك ترجعي معانا.

- إيه؟!

نظرت جودي إلى مصطفى ثم إلى رغدة، وقالت بصوت مكسور وغاضب:

- وإنتوا موافقين كده عادي؟ مش دول اللي رموني؟ وإنتوا اللي حضنتوني وربّيتوني؟!

ساد الصمت المكان، واحتبس الهواء في الصدور.

قالت رغدة بهدوء حزين:

- يا جودي… دول برضه أهلك.

هزّت جودي رأسها بعناد:

- لا، إنتوا أهلي. هما لسه فاكرين إن عندهم بنت دلوقتي بس.

قال كبيرهم بنبرة محاولة للتبرير:

- إحنا اكتشفنا إننا غلطانين، وعايزين نصلّح غلطنا. إحنا غلطنا فيكي… وعلشان كده، إنتِ هتتجوزي ابن عمك.

صاح مصطفى بانفعال:

- تتجوز مين؟! أختي لسه صغيرة ولسه قدّامها مستقبل!

التفت الرجل إليه بحدّة:

- إنت مالكش حق تتكلم. إنت مين؟

ردت رغدة فورًا:

- ده أخوها.

تقدّم أكرم وقال بهدوء:

- عمي… أنا مش هتجوز حد غصب.

- إنت بتعصي كلام عمك؟!

رد أكرم بحزم:

- مفيش قبول من ناحيتها ولا من ناحيتي. إحنا جينا ندور عليها بعد ما لفّينا كتير، ولقيناها كويسة ومبسوطة… يبقى خلاص.

تدخّل أحدهم:

- بابا، عنده حق. نبقى نجي نطمن عليها كل فترة وخلاص.

نظر كبيرهم إليهم لحظة، ثم أومأ برأسه:

- نستأذن.

بدأ الجميع في الخروج، يصافحونهم واحدًا تلو الآخر، ويعرّفون جودي بأنفسهم.

حتى وصل الدور إلى أكرم، فمدّ يده إليها وقال بابتسامة صادقة:

- اعتبريني أخوكي… ولو احتاجتي أي حاجة، كلميني في أي وقت.

أومأت جودي بصمت.

تحرّك أكرم وخرج.

بعد لحظة، قالت جودي بصوت متردد:

- هما… لسه فاكرين إن عندهم بنت؟ وبعدين… فين بابا؟

تنهدت جدة ياسمين بحزن:

- أبوكي اتوفّى من عشر سنين… بسكتة قلبية.

اتسعت العيون بصدمة، ثم توجّهت الأنظار إلى جودي.

خفضت رأسها، وقالت بهدوء مكسور:

- عندي شغل مخلصتوش… هقوم أعمله. عن إذنكم.

وخرجت.

ظلّ الجميع ينظرون في أثرها بحزنٍ ثقيل،

كأن الحقيقة سقطت على قلبها دفعةً واحدة.

—-----------

في يوم سفر يزن وأدهم وزين…

كان الجميع واقفين يودّعونهم، ومالك هو من سيتولى توصيلهم.

ركب يزن بجوار مالك في الأمام، بينما جلس أدهم وزين في الخلف.

قطع يزن الصمت فجأة وقال بهدوء:

- عايزك تعدّي على قرية ليل.

التفتوا إليه جميعًا بدهشة وعدم استيعاب.

أكمل يزن وهو يخفض عينيه:

- عايز أشوفها من بعيد… أطمن عليها.

أومأ مالك دون كلام.

وصلوا إلى القرية، لكنهم توقفوا على مسافة بعيدة.

ومن هناك، رأوهم…

ليل، والبنات، ومصطفى… كانوا عائدين من الخارج، متجهين إلى بيت جدة ياسمين.

كانت ياسمين ومصطفى يمزحان، وبينهما ليل.

ابتسامتها كانت حزينة… خفيفة، مرسومة بصعوبة.

كانوا يحاولون إخراجها من حزنها.

أما جودي، فمنذ أن عرفت الحقيقة، وهي مكتئبة، قليلة الكلام.

من بعيد، كان يزن يراقب ليل بعينين موجوعتين.

ملامحها تغيّرت، وجهها شاحب، وزنها قلّ… قلبه انقبض.

مالك كان ينظر إلى جودي بحب واضح، يتألم لحزنها وصمتها، وشعر بغيرة مكتومة من مزاح مصطفى معها.

أما زين، فكان يتابع ياسمين بابتسامة صافية، بينما نظر أدهم إليهم جميعًا وتنهد: الفراق صعب…

نظر إلى يزن، فرأى الحزن في عينيه، دمعة معلّقة لم تسقط:

من اللي قال إن أنا نسيتك

ومين قال إني أقدر أعيش

حقيقي حاولت أنساكي

نسيت روحي وما نسيتكيش

في الجهة الأخرى…

شعرت ليل بإحساس غريب، ذلك الإحساس الذي لا يخطئ…

الإحساس نفسه الذي يزورها حين يكون يزن قريبًا:

يا عايش لسه جوايا

تعالى حبيب ما تسبنيش

حياتي واقفة من غيرك

حتى الساعة ما بتمشيش

ليه اخترنا ليه البُعد

تعيش وحدك وأنا لوحدي

ما هانش علينا نرحم بعض

وسيبنا خصامنا ده يعدّي

قال يزن بصوت خافت:

- اتحرك… يلا.

أومأ مالك، واتجه مباشرة إلى المطار. وصلوا، ودّعهم مالك، ثم عاد إلى القصر.

أما البنات ومصطفى، فنظروا إلى ليل بقلق:

- مالك؟

هزّت رأسها:

- مفيش… بس حسّيت إحساس غريب.

ابتسمت بخفة:

- عادي.

عادوا إلى البيت، وتعشّوا مع جدّة ياسمين ورغدة، ثم استأذنت ليل بهدوء، واتجهت إلى بيتها.

جلست على سريرها، أمسكت هاتفها، تقلّبت في الصور… ثم نامت.

—---------------

وصلت الطائرة، واتجهوا إلى غرفهم في الفندق.

—--------------

مرت الأيام…

كان يزن يجلس على الشاطئ، يحدّق في البحر بشرود، وأدهم وزين يراقبانه من بعيد:

ولسه حبيبتي بافتكرك

وأجيب سيرتك مع قلبي

وأغمض عيني

وأتمنى أقول بكرة تكون جنبي

وفي الوقت نفسه…

كانت ليل جالسة على سريرها، تمسك هاتفها، تشاهد صور يزن:

وأنا زيك ساعات بحلم

إنك لسه ويايا

وأقول بكرة أكيد راجع

وأقوله على اللي جوايا

ليه اخترنا ليه البُعد

تعيش وحدك وأنا لوحدي

ما هانش علينا نرحم بعض

وسيبنا خصامنا ده يعدّي

ليه اخترنا ليه البُعد…

—-------------------

مرّت خمسة أشهر…

كبر بطن ليل، وكان حملها تقيل وصعب، التعب باين عليها في كل خطوة، وإرهاقها زاد يوم بعد يوم.

ورغم ده كله، كانت بتحاول تضحك، تحاول تعدّي الأيام وكأنها بخير.

في نفس الوقت، رجع يزن والشباب من السفر بعد نجاح المهمة، وترقّى يزن ترقية كبيرة وكذلك زين وادهم، الجد، من غير تردد، استعجل قرار كتب كتاب يزن وشهناز.

يزن ما اعترضش…

وافق، بس ببرود، من غير حماس، من غير روح.

على العكس، كانت شهناز متحمسة جدًا.

قررت تنزل مع العيلة يختاروا ديكور أوضتهم، والحاجات اللي هيحتاجوها في كتب الكتاب، وأصرت إن الكل ينزل معاها يختاروا الهدوم اللي هيلبسوها في اليوم ده.

وبعد جدال خفيف، الجميع نزل.

في نفس اليوم، كانت ياسمين والعيلة نازلين مول علشان يشتروا هدوم طفل ليل.

—----------------

في المول، قالت جدة ياسمين وهي بتتنهد:

- يا بنات… أنا وليل تعبنا من اللف، حرام عليكم.

ضحكت رغدة:

- والله عندِك حق… العظمة كبرت.

مصطفى ضحك وقال:

- بس يا عواجيز!

ليل بصّتله وقالت:

- أنا مش محسوبة معاهم يا مصطفى.

قالت جودي وهي بتضحك:

- بصراحة يا ليل، من ساعة ما حملتي وإنتِ بقيتي زي العواجيز.

شهقت ليل بخفوت، ابتسمت ياسمين وقالت:

- بس الحقيقة تتقال… يا جودي، ليل وهي حامل بقت زي القمر، وبقت جالبوزة.

ضحكوا جميعهم.

قالت جودي:

- أنا هدخل الحمّام أعدّل الطرحة وراجعة.

أومأت رغدة:

- ما تتأخريش.

ومشيت جودي.

قالت ياسمين لمصطفى:

- الطقم ده تحفة قوي، إيه رأيك نجيبه لليل؟

- تمام، تعالي نشوفه.

قالت ليل وهي بتضحك:

- كل واحد بيشوف مصلحته، وإحنا متزنّبين… هو مش كفاية اللي اشتريناه؟

ضحكوا من جديد.

—------------

في جهة تانية من المول…

كانت شهناز ماسكة دراع يزن وماشية جنبه، لكن يزن كان بارد… ساكت… تعاملُه كله لا مبالاة.

أدهم مع مراته وابنه، مالك مع أخته ومامته، وعماد مع والده، وحامد مع مراته وسحر، وزين ماشي جنب مالك ومليكة.

فجأة قال مالك:

- هو إحنا هنفضل نتمشي كده كتير؟ رجلي ورمت يا قوم!

زين ضحك:

- بصراحة عنده حق… تعالي يا مالك نروح كافيتيريا نشرب حاجة ونريح رجلينا.

قالت مليكة:

- وأنا معاكم.

واندمج الجميع في الاتفاق، فقال الجد:

- خلاص… يلا.

سابوهم، واتحرك مالك وزين، ومليكة راحت تشيل زياد من ريم.

وفجأة… خبط مالك في شخص.

- ما تخلي بالك يا أعمى!

مالك رد بهزار:

- حاضر، أوعدك المرة الجاية… بس تكوني إنتِ لابسة نضارة قبلي.

التفّ… وفجأة شهق:

- جودي؟!

رفعت وشّها بخجل:

- مالك…

—--------------

في الجنب التاني، مصطفى اتكلم فجأة:

- الصوت ده… صوت جودي!

لفّ وراح ناحيتهم، وخلفه ياسمين.

وأول ما شافوهم… شهقوا بعدم تصديق.

يزن ابتسم لا إراديًا لما شاف ياسمين، وهي ابتسمت بخجل.

وفي اللحظة دي، بدأت عيلة يزن تقرّب، وأول ما شافوا المشهد… الصدمة خبطتهم كلهم.

—---------------------

في الجهة التانية، كانت ليل واقفة.

قالت باستغراب:

- هما واقفين هناك بيعملوا إيه؟

ردت رغدة:

- مش عارفة… تعالي نشوف.

كانت عيلة يزن مديّة ضهرها لليل. ولما قربت، عدّت من جنب يزن، وخلفها باقي العيلة.

قالت ليل:

- مالكم واقفين كده ليه؟

لكن الصدمة ضربتها فجأة… الكلام اتشلّ من على لسانها.

يزن شعرت إن قلبه هيطلع من مكانه لما شعر بيها وهي بتعدي من جنبه.

عيونه ظلت تتابعها، حتى وقفت… ونزلت عيناه لوحدها… من وشّها… لبطنها.

بطنها الواضحة… اللي أعلنت حملها من غير ولا كلمة.

الصدمة كانت ليه…

وليهم كلهم.

وقف يزن يبص لها من فوق لتحت،

مش مصدق…

مش فاهم…

مش قادر يتحرك.

والكل…

كان واقف في نفس الصدمة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مسرح ليل

المؤلف Hager Saeid
2025/07/17 مكتملة
قائمة الفصول (25)
الفصل بداية القاء: البارت الأول
2025/07/17
الفصل صورة كشفت الماضي: الفصل السادس عشر
2025/11/21
الفصل عائلة غريبة : البارت الثالث
2025/07/29
الفصل دقت قلب: البارت الثاني
2025/07/19
الفصل لمعه عشق تفتح باب الأسرار : البارت الرابع
2025/10/17
الفصل مفاتيح الماضي: البارت الخامس
2025/10/17
الفصل وجع الحاضر... وجرح الماضي: الفصل السادس
2025/11/03
الفصل ساعة الانتظار: الفصل السابع
2025/11/09
الفصل إجبار وجدال: الفصل الثامن
2025/11/09
الفصل ظل الماضي: الفصل التاسع
2025/11/09
الفصل خلف الأبواب المغلقة: الفصل العاشر
2025/11/09
الفصل حين تري ما لا يقال: الفصل الحادي عشر
2025/11/09
الفصل حين انقلب المشهد: الفصل الثاني عشر
2025/11/09
الفصل الصراع المكشوف: الفصل الثالث عشر
2025/11/09
الفصل حين يطرق الخطر الباب: الفصل الرابع عشر
2025/11/09
الفصل نغزة في القلب... والشك والغيرة: الفصل الخامس عشر
2025/11/13
الفصل المواجهة المنتظرة: الفصل السابع عشر
2025/12/01
الفصل الليلة التي اتغير فيها كل شئ: الفصل الثامن عشر
2025/12/08
الفصل بين البعد والقرب : الفصل التاسع عشر
2025/12/19
الفصل النبض الاول: الفصل العشرين
2026/01/10
الفصل العنيدة : الفصل الحادي عشرين
2026/01/16
الفصل لأجلكم جميعًا : الفصل الثاني عشرين
2026/01/18
الفصل بعد سنة من الغياب: الفصل الثالث والعشرون
2026/01/21
الفصل التهديد الأخير: الفصل الرابع والعشرون
2026/01/25
الفصل مسرح ليل 💥: الفصل الخامس والعشرون والاخير
2026/01/29

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة