#روايه_مسرح_ليل
#الكاتبة_هاجر_سعيد_محمد
>>>الفصل الثالث والعشرون<<<
البارت صغير لاني تعبانة ومش قادرة اكتب
---------------
قال بصوتٍ ثابت:
- أنا بقى يا بكنام… طليق سحر.
اتسعت عيناها بصدمة، وتمتمت:
- انت تبقى أبو أدهم؟
أومأ برأسه بثبات:
- أيوة.
كانت على وشك أن تنطق، لكن صوته قاطعها بحدّة هادئة:
- كفاية أسئلة لحدّ كده.
—--------------------
بعد مرور عام
داخل غرفةٍ بيضاء في أحد المستشفيات، كان جسدٌ ساكن يرقد على الفراش، تحيط به الأجهزة، وتنبعث منها أصواتٌ منتظمة تشهد على حياةٍ ما زالت متمسكة بالخيط الأخير.
وفي داخل عقله…
كان يزن يتلفّت حوله في مكانٍ غريب؛ زهورٌ ممتدة، أشجارٌ الأغضان، وخضرةٌ لا نهاية لها.
سمع صوتًا يناديه… صوتًا هزّ قلبه قبل أذنه.
صوتٌ يعرفه جيدًا…
استدار، واتسعت ابتسامته بلهفة:
- انتِ موجودة؟… عايشة؟
نظرت إليه بعينين مملوءتين بالحنين، وقالت بهدوء موجع:
- أنا فعلًا مش موجودة يا يزن.
اختنق صوته:
- أومال انتِ فين؟
ابتسمت بحزنٍ عميق، وقالت بصوتٍ هادئ موجوع:
- أنا في حتّة بعيدة… دور عليّا، يا تلاقيني يا لأ.
وسكتت لحظة، قبل ما تكمل بنبرة أهدى:
- دوقتي مكاني هنا فوق. ابننا محتاجك، والعيلة محتاجاك.
هزّ رأسه بعناد، وعينيه متعلّقة بيها:
- أوعدك إني هدور عليكي مهما طال الزمن… بس انتِ لازم ترجعي، عشان إحنا الاتنين نربي ابننا مع بعض، أحسن تربية.
اقتربت منه خطوة، وصوتها صار أهدأ:
- أنا آسفة… بس مش هقدر دوقتي.
- تقصدي إيه؟
- قصدي إن وقت لقائنا مش دوقتي يا يزن. عيلتنا محتاجاك دوقتي، وزي ما القدر جمعنا أول مرة… هيجمعنا تاني.
ثم همست:
- مع السلامة.
صرخ يزن بصوتٍ مبحوح، ودموعه تنهمر:
- لا… متبعديش عني! أنا محتاجك!
داخل الغرفة…
كانت الممرضة تغيّر المحلول، فتوقفت فجأة عندما رأت الدموع تنساب على خديه.
وفجأة…
فتح عينيه وهو يتمتم:
- ماتسبنيش…
شهقت الممرضة، ثم اندفعت تجري والدموع تملأ عينيها، فرحةٌ مرتبكة، تشبه فرحة الحمقاء… لأنها أحبّته.
صرخت بصوتٍ متقطّع:
- دكتور!… المريض اللي في أوضة… فاق!
نظر الطبيب إليها بعدم تصديق:
- فاق؟
أومأت بحماس، وانطلق معها إلى الغرفة.
دخل الطبيب مسرعًا، فرأى يزن يحاول نزع الأجهزة.
فأمسك به بحزم:
- أستاذ يزن، مينفعش تقوم.
- لازم أقوم!
- اهدي… اتصلي بعيلته.
نظرت الممرضة إليه بنظرةٍ مملوءة بالمشاعر، لكنه لم ينتبه لها.
فسأل بصوتٍ متوتر:
- أنا فين؟
- حضرتك في المستشفى وكنت في غيبوبة.
اتسعت عيناه:
- من إمتى؟
قال الطبيب بهدوء:
- من سنة.
اتجمّد في مكانه… صدمة ثانية ضربته بقسوة.
ابتسمت الممرضة وقالت بفرح:
- حمد لله على السلامة.
نظر إليها باستغراب، فقالت بسرعة:
- هتصل بعيلتك.
خرجت وهي تضع يدها على قلبها، الذي كان يخفق بعنف.
أما الطبيب فقال مطمئنًا:
- مؤشراتك الحيوية كويسة.
—-------------------------
في القصر، كانت ريم تجلس على الأريكة تلعب مع زياد وإياد، ضحكاتهما تملأ المكان، بينما جلست سحر على مقعد قريبًا تقرأ في أحد الكتب بهدوء.
وعلى بُعدٍ قليل، كانت هدية تتابع المشهد بعينين دافئتين، تبتسم وهي تنظر إلى ابنتها وأحفادها.
قاطع السكونَ طرقٌ خفيف على باب القصر.
رفعت هدية رأسها وقالت بصوت هادئ:
- فوزية، افتحي الباب.
أجابت فوزية من الداخل:
- حاضر يا هانم.
فتحت الباب، فدخلت ياسمين وجودي ورغدة وهن يقلن معًا:
- السلام عليكم.
رد الجميع:
- وعليكم السلام.
قالت سحر وهي تشير لفوزية:
- شوفي يشربوا إيه يا فوزية.
طلبن القهوة، فاتجهت فوزية إلى المطبخ.
تساءلت ياسمين وهي تنظر حولها:
- هو زين فين؟
أجابت ريم:
- في الشركة مع أدهم.
التقطت سِحر شرود عيني جودي وهي تجول بنظرها في المكان، كانت تبحث علي شخص بعينيها، فقالت بابتسامة خفيفة:
- مالك معاهم؟
شعرت جودي ببعض الإحراج، فتدخلت رغدة تسأل:
- يا سحر، هما لسه زي ما هما؟
تنهدت سحر بحزن وقالت:
- بعد اللي حصل، بابا تعب قوي زي ما انتِ عارفة، وحالته مش بتتحسن خالص… وعماد كمان تعب.
قالت هدية بأسى:
- وبكنام سافرت، واهملت جوزها، حتى بنتها.
علّقت ياسمين:
- شهناز حالتها بقت غريبة بعد اللي حصل.
قالت جودي بهدوء:
- فعلاً… هو لسه عمو حامد تعبان؟
أومأت ريم برأسها دون كلام.
في تلك اللحظة، دخلوا الشباب إلى القصر.
اتجه أدهم إلى سحر، قبّل رأسها بحب، ثم اقترب من زوجته وفعل كذلك، وثم حمل ابنه وبدأ يلاعبه وهو يضحك.
أما زين، فاقترب من والدته، قبّل رأسها، ثم حمل إياد وقال مبتسمًا:
- إيه يا بطل؟ عملت إيه النهارده؟
وجلس بجوار أدهم.
ضحك إياد بصوت عالٍ، بينما جلس مالك وهو يتأوه:
- آه يا جسمي، اليوم اللي بنزل معكم فيه جسمي لازم يتكسّر.
قالت جودي وهي تضحك:
- انت اللي عيل فافي.
شهق مالك مصطنعًا الصدمة:
- في واحدة عاقلة تقول لخطيبها كده؟
ردّت بابتسامة واثقة:
- آه… أنا.
قالت مليكة وهي تنزل من على الدرج:
- يا كسفتك يا مالك.
سلّمت على الجميع، ثم جلست بجوار جودي وقالت بمزاح:
- مرات أخويا المستقبلية عاملة إيه؟
ردّت جودي ضاحكة:
- مية فل وعشرة.
ضحك الجميع، ثم خيّم صمت قصير قطعه تنهيدٌ حزين.
رنّ هاتف زين، فأخرجه من جيبه، نظر إلى الشاشة وقال:
- ده اتصال من المستشفى.
قالت هدية بقلق:
- رد، يمكن في جديد في حالة أخوك.
فتح الخط ووضع الهاتف على اذنه، وما إن استمع لما قيل حتى ارتسمت السعادة على وجهه.
قال بحماس:
- إحنا جايين حالًا.
أغلق الهاتف وهو يبتسم بفرح:
- يزن فاق.
عمّت الفرحة في المكان، وتعانق الجميع بعضهم بعض بدموع الفرحه.
قالت هدية:
- هطلع أبلّغ حامد.
وقالت سحر:
- وأنا هطلع أقول لعماد.
وأضافت مليكة:
- وأنا هطلع لشهناز.
قال زين وهو ينهض، وأعطى إياد لياسمين:
- وأنا هطلع لجدي.
اقتربت ريم من إياد، انحنت لمستوى عينيه وقالت بابتسامة دافئة:
- مستعد يا بطل تشوف بابا؟
—--------------------
بعد بضع دقائق في المستشفى، كانت الممرضة جالسة تراقب يزن، لكنه كان شاردًا بنظره في مكان ما.
الممرضة كانت فضولية تجاهه، رغم أن الطبيب كان قد حذرها إنها لا تعلق مفسها فيه، لكنها لم تسمع الكلام.
سمعوا طرق على الباب، ودخلت أولًا والدته، وركضت إليه حضنته وهي تقول بصوت مفعم بالحب:
- ابني… حبيبي!
حضنه يزن، وبعدها ابتعد قليلًا وقال بهدوء:
- أنا كويس… أهو.
ابتسمت، وحضنه والده، لكن يزن استغرب شكل أبوه الغريب، وكذلك والدته، ثم جاء زين، ودموعه تنهمر وهو يحضنه قائلاً:
- إحنا من غيرك ما كناش حاجة.
حضنه أدهم وهو شايل ابنه، ثم جاء مالك فعل المثل، نظر يزن إلى جده الذي كان شعره مشيب، فاحتضنه وقال:
- الحمد لله على السلامة.
رد يزن بابتسامة خفيفة:
- الله يسلمك يا جدي.
واتي عمه وسلم عليه، وهو مستغرب من حالته.
سلمت عليه مليكة وقالت:
- الحمد لله على السلامة يا أبيه.
رد يزن مبتسمًا:
- الله يسلمك يا مليكة.
نظر لشهناز وهي ابتسمت وقالت:
- الحمد لله على السلامة.
أوم لها وهو مبتسم، لكنه استغرب ملابسها؛ كانت ترتدي فستانًا طويلًا بأكمام، وشعرها مربوط ذيل حصان.
نظر يزن إلى أخويه وأدهم، فهزّوا رؤوسهم مودعين بأنه فهم كل شيء، ثم ساد صمت هادئ، ممتزج بالحب والدفء العائلي.
أومأ يزن، وقالت رغدة وياسمين وجودي بصوت واحد:
- حمدلله على السلامة!
أومّ لهم هو أيضًا.
تقدمت ريم نحوه وهي تحمل إياد، واقتربت من أخيها وحضنته قائلة:
- انت وحشتني أوي.
ابتسم وقال:
- وانتِ أكتر.
ثم نظر إلى ابنه. أعطته ريم إياد، فحمله يزن بحب وحنان، وظل يتأمل وجهه، كأنه يرى نفسه فيه.
بعد ذلك، نظرت عيناه إلى السوارة التي أعطته إياها ليل، فانسابت دموعه دون أن يشعر.
الممرضة نظرت إليه بدهشة واستغراب، وعندما رأت دموعه شعرت بالحزن، وتساءلت عن سبب ذلك.
اقتربت والدته منه، وبدأت تُربّت على كتفه بحنان:
- ليل في مكان أحسن دوقتي.
نفى يزن بعناد:
- لا… ليل عايشة!
قالت جودي بقلق:
- يايزن… قلبها واقف… هي في مكان أحسن مع مامتها وجدتها.
صراخ يزن ارتفع، مليئًا بالألم:
- كذابين!
أخذت هدية حفيدها من يزن، الذي لم يتوقف عن البكاء، واستمر في الصراخ:
- ليل… ماتتش… ومسبتنيش… ومشيت…
ثم قال بعزم:
- أنا هروح أشوفها!
مسك أدهم وزين كتفه، بينما قالت الممرضة:
- أنا هأنادي الدكتور.
واختلت مسرعة خارج الغرفة.
كان يزن يحاول التحرك على الفراش، والجميع حوله يراقبونه بقلق وخوف.
دخل الطبيب وأعطى له مهدئ، فأغمض يزن عينيه وغرق في نومٍ عميق.
نظر له الجميع بحزن، وتساءل الطبيب بصوت منخفض:
- إيه اللي حصل؟
أجابه الجد وهو يربت على كتفه بحزن:
- مش عايز يصدق… ان مراته ماتت.
اقتربت الممرضة ونظرت إلى يزن بحزن، فأومأ الدكتور:
- مينفعش… لأنتم عملتوا دا كان ممكن يجدوا انهيار عصبي.
أومّ الجميع بصمت.
جلسوا جميعًا ينتظرون حتى يستيقظ يزن، وكانت الممرضة تراقبه بعينين مليئتين بالحنان.
قالت ياسمين للممرضة:
- انتِ عارفة إنه بيحب مراته جدا… وحبه ليها كان لدرجة إنه مستحملش لما الدكتور قال الرصاصة كانت قريبة من القلب… وواقع من طوله وفضل في غيبوبة سنة كاملة.
تنهدت الممرضة وقالت بحزن:
- بس مصيره يتجواز دي سنه الحياة.
قالت ريم، وهي تنظر إلى يزن:
- مع يزن لا… محدش يقدر يملي قلبه غير واحدة بس… ولانه هيربي ابنه.
خرجت الممرضة بحزن، بينما قال الجد:
- ليه عملته كده؟ واضح إنها بتحبه.
ردت ريم بثقة:
- لأنه مستحيل يحب حد بعد ليل، يا جدو.
فتح يزن عينيه ببطء، ونظر إليهم بحزن وقال بصوت متعب:
- فعلاً… أنا عايز أخرج من هنا.
قال أدهم:
- هكلم الدكتور دوقتي.
وبعد فترة، خرج الجميع من المستشفى، بينما طلب يزن الذهاب مباشرةً إلى المدرية، وقررت باقي العائلة التوجّه إلى القصر.
—-------------------
في القصر
كان الجميع في القصر لقد وصلوا وبينتظروا رجوع يزن وزين وأدهم من المدرية.
بعد فترة، وصل الشباب. اتجه يزن مباشرة، وأخذ ابنه في حضنه وقال لريم:
- أنا هاخده ينام معايا.
ابتسمت ريم وقالت بخوف:
- بس… انت تعبان.
رد يزن بثقة:
- لا، أنا كويس. ادي هدومه وحاجته.
قالت ريم:
- ماشي… دي الرضاعه بتاعته.
أخذها منها يزن وطلع، وخلفه ريم على الدرج.
بعد مدة، كان يزن في غرفته، وسمع طرق على الباب.
سمح للشخص الذي كان بيطرق بالدخول، ودخلت شهناز، تركت الباب مفتوح وقالت:
- …
—--------------
خلال السنة اللي قضاها يزن في الغيبوبة:
زين، ياسمين، مالك، وجودي لبسوا الدبل من غير أي احتفال.
توفت الجدة، وده سبب حزن كبير للعائلة.
مصطفى سافر ليشتغل مع عائلة جودي، والمسرح ياسمين وجودي بقى تحت مسئوليتهم.
أما شهناز، فقد تأثرت جدًا بموت ليل وبكل الذي حدث، وقررت تتغير.
سافرت بكنام من حالة القصر الكئيبة، وريم ربّت إياد ورضعته مع ابنها.
---------------
تفتكروا الحلم اللي حلمه يزن كانت ليل قصدها اي؟
وشهناز عايزة اي من يزن؟
Hager Saeid