#روايه_مسرح_ليل
#الكاتبة_هاجر_سعيد_محمد
>>>الفصل الرابع عشر <<<
اقترب صاحب الصوت من مصطفى، أمسكه من شعره وصرخ فيه، فكانت الصدمة للجميع:
- انت! يا اللي مش بتحرم! إزاي عندك الجرأة تتجوز أختك؟! لحد قد أبوها أو جدها!
ثم صاحت بغضب أشدّ:
- لو ماما رغدة ماعرفتش تربيك… أنا أربيك بنفسي!
تجمّد الجميع من المفاجأة، ثم علت ابتسامات الدهشة على وجوههم أمام شراسة هذه الفتاة الغاضبة.
أما زين، فعندما رأى هذه الفتاة ذات اللسان الطويل، تجمّد مكانه؛ كانت ساحرة بحق… لون عينيها رمادي لامع، وبشرتها بيضاء كأنها قطعة ثلج، فيها هيبة وجمال غريب خطف أنفاسه من أول نظرة.
صرخ مصطفى بغضب وهو يبعد يدها عنه:
- أبعدي عني!
تراجعت الفتاة وهي تبادله نظرة حادة كأنها سهام تخترق عينيه.
نطقت ليل بفرحة وهي بتقفز من مكانها:
- ياسمين!
التفتت ياسمين نحوها، وابتسمت على الفور، ركضت إليها واحتضنتها بقوة، ثم احتضنت جودي أيضًا:
- واحشتوني أوي!
ضحكت ليل وقالت بسعادة:
- وانتِ أكتر… فين تيته؟
ردت ياسمين بنبرة فيها غموض:
- هقولك بعدين، نخلص من المصيبة دي الأول.
أومأت ليل بهدوء.
نظرت ياسمين إلى وجه جودي، كانت عيونها مليانة دموع، فالتفتت بسرعة نحو مصطفى وقالت بغضب مكتوم:
- مصطفي هو اللي عمل كده فيكي؟
أومأت جودي برأسها، والدموع في عينيها.
صرخت ياسمين فيه:
- انت إيه يا أخي؟! ماعندكش دم؟ في حد يعمل كده في أخته؟
نعم، أيها السادة، كان مصطفى أخًا لـياسمين في الرضاعة.
فقد كانت رغدة والدة مصطفى حاملًا في الوقت نفسه الذي كانت فيه والدة ياسمين في شهور حملها الأخيرة.
وضعت والدة ياسمين طفلتها قبل رغدة بثلاثة أشهر، ثم أنجبت رغدة طفلها مصطفى، لكنها كانت قد وَلَدت مبكرًا، وكان لبنها ضعيفًا.
ولهذا كانت والدة ياسمين تُرضع مصطفى أحيانًا مع طفلتها ياسمين.
أما ليل، فقد فقدت والدتها أثناء ولادتها، فتولت والدة ياسمين رعايتها وإرضاعها أيضًا، ليصبح الثلاثة ياسمين وليل ومصطفى إخوة في الرضاعة.
ردّ مصطفى ببرود وهو ينظر إلى جودي، التي كانت بين ذراعي ليل:
- دي مش أختي.
نظرت رغدة إلى ابنها بخوف، ثم تقدّمت نحوه بخطوات سريعة، ووقفت أمامه مباشرة، قبل أن ترفع يدها وتصفعه على وجهه صفعة مدوّية جعلت الجميع يشهق من المفاجأة.
تجمّد مصطفى للحظة، ثم قال ببرودٍ موجع:
- ما دي الحقيقة يا ماما… إنها مش أختي، أختي ماتت… وانتِ بتولديها.
اتجمدت جودي في مكانها، ابتعدت عن ليل ببطء، ووجهها شاحب كأن الدم فارق جسدها، نظرت لمصطفى ثم لوالدته بصدمة مكتومة، والدموع بدأت تترقرق في عينيها.
أما الآخرين، فكانوا ينظرون إليهم جميعًا بدهشة، عاجزين عن الفهم أو حتى النطق.
قالت جودي بصوت مبحوح يرتجف:
- هو… إيه اللي بيقوله ده يا ماما؟
تنهدت رغدة بعمق، والدموع تملأ عينيها، ثم قالت بصوتٍ مكسور لكنها تحاول أن تكون ثابتة:
- قبل أي حاجة، انتِ بنتي… بنتي اللي ربيتها ورضّعتِها وكبرتي على إيدي.
سكتت لحظة تجمع شجاعتها، ثم تابعت بصوتٍ واهن:
- بنتي الحقيقية ماتت بعد ما ولدتها… ساعتها دخلت في حالة نفسية صعبة جدًا.
اتنهدت، ومسحت دموعها وهي تكمل:
- المهم… لما كنت هخرج من المستشفى، وفي نفس اليوم قبل ما أخرج، شُفت راجل قاعد في الممر، بيعيّط بحرقة، وشايل بنوتة صغيرة على دراعه.
رفعت عينيها للسماء وهي تحاول تسيطر على ارتجاف صوتها:
- قربت منه وسألته: “مالك؟”
كانت معايا ساعتها مامت ياسمين ووالدته، ومصطفى وليل وياسمين كانوا عند جدة ليل في البيت… سبتهم وقربت من الراجل ده علشان أعرف حكايته.
فلاش باك
قالت رغدة وهي تنظر للرجل الذي أمامها:
- مال حضرتك؟ شكلك تعبان… في إيه؟
رفع الرجل عينه إليها، وصوته كان مبحوح بالحزن:
- مراتي ماتت وهي بتولد… ومش عارف أعمل إيه مع بنتي.
رغدة نظرت للفتاة الصغيرة الذي في حضنه وقالت بهدوء:
- دي محتاجة ترضع… انت مش معاك حد من عيلتك؟
تنهد الرجل وقال بوجع:
- لأ… أنا لما اتجوزت، اتجوزت من ورا أهلي. كانوا رافضين الجوازة دي، وسافرت واتجوزتها هناك.
ولما عرفوا… قالولي يا ترجع من غيرها يا ما ترجعلناش خالص… ودلوقتي ماتت وسابتلي حته منها، ولو رجعت بيها مش هيقبلوها لأنها منها.
وأنا عندي شغل طول نهار، مش هقدر أراعيها كويس.
رغدة سكتت لحظة، وصوتها اتكسر وهي تقول:
- وأنا بنتي ماتت وأنا بولدها… جوزي كان ظابط، مات في مهمة، وبعدها عرفت إني حامل… يمكن بنتك تكون عوض ليا عنها.
نظر الرجل إليها، ودمعة نزلت من عينه، ثم ابتسم ابتسامة حزينة، وقال:
- يمكن فعلاً ربنا عايز يعوّضك بيها.
ام ياسمين الذي كانت واقفة معاهم، نظرت إلي رغدة وقالت بابتسامة خفيفة:
- يمكن دي إرادة ربنا فعلا.
وهنا تم الاتفاق إن جودي تعيش مع رغدة، وهي تربيها كأنها بنتها، وأبوها يزورها من وقت للتاني عندما يكون مصطفى غير متواجد.
مرت الشهور، وبدأ الأب يقلل زياراته.
رغدة لاحظت التغيّر وسألته مرة وهي متوترة:
- بطلت تيجي ليه زي الاول؟
قال بابتسامة مصطنعة:
- والله الشغل واخد وقتي… أول ما أفضى هاجي.
أومأت رغدة، لكنها كانت تشعر إن في شئ غلط.
ومع الوقت… اختفى الأب فجأة.
حاولت تتواصل معاه كتير، لكن مفيش رد…
وفي يوم اتصلت بيه، ورأت تليفونه مقفول.
وكانت جودي وقتها عندها سنة.
رجوع من الفلاش باك
قالت رغدة بصوت متهدّج وهي تمسح دموعها:
- ومن يومها ما رجعش... اتفقت أنا ومامت ياسمين وجدتها إن محدش يتكلم في الموضوع ده تاني. قررت أعتبرك بنتي، بنتي الوحيدة.
كتبتك بأسم جوزي... عشان تبقي عِوَض عن بنتي اللي ماتت، وهو وافق من غير تردد، عشان ما يكونش في فرق بينك وبين مصطفى.
كانت رغدة تنهي حديثها والدموع تتساقط بغزارة على وجنتيها، بينما الجميع يقف في صدمة لا يستوعبوا ما سمعه.
جلست جودي على الأرض مذهولة، فهرعت إليها ليل وياسمين وحاولتا تهدئتها، لكنها تمتمت بصوت مرتجف:
- يعني... يعني أبويا اتخلى عني؟ يعني ماليش حد؟
اقتربت منها ليل وجلست بجوارها، بينما أمسكت ياسمين يدها وقالت بنبرة عتاب ووجع:
- انتِ بتقولي إيه يا جودي؟ أمال إحنا إيه؟
احتضنتها ليل، وتمسكت ياسمين بيدها أكثر كأنها تخاف أن تفقدها، لكن جودي رفعت عينيها نحو مصطفى وقالت بمرارة:
- عشان كده بتعاملني وحش، صح؟
رد مصطفى بحدة:
- أيوه! انتِ اخدي اسم مش اسمك... عايشة في بيت مش بيتك... واخدة أمي مني، وهي اللي بدافع عنك في كل حاجة!
تدخلت رغدة بعصبية وهي تحاول السيطرة على الموقف:
- بس هي أختك في الرضاعة يا مصطفى! كنت بتحبها وبتعاملها كويس، إيه اللي حصل؟
نظر إليها مصطفى بعينين غاضبتين وقال بصوت متهدّج:
- يوم ما عرفت إنها مش أختي، مكنتش مصدق. اليوم ده... كنتي بتكلمي ست ياسمين وبتقولي ليها إنك خايفة أبوها يرجع وياخدها منك، وهي قالتلك بس دي بنتك لأن مكتوبة باسمك واسم جوزك.
في اليوم ده كنت جاي من بره، وسمعتكوا، ومخدتيش بالك... دخلت وقلت هتأكد بنفسي. اخدت شعرة من المشط بتاعها، وعملت تحليل... وطلعت مش أختي! ومن ساعتها ماقدرتش أتعامل معاها زي الأول.
قُطع حديثه برعشة قوية انتابت جسد جودي، فنظرت ياسمين وليل لبعضهما بقلق، ثم نهضتا بسرعة وسندتاها لتقف على قدميها، لكنها كانت بالكاد تقدر.
قالت ياسمين بحزم وهي تحاول تهدئة الموقف:
- بس يا مصطفى، اللي قولته مش هيغير الحقيقة... إنها أختك في الرضاعة!
رفعت جودي وجهها بانكسار لكن لم تستطع التحدث، ثم قال مصطفي بنفعل:
- أبوها ضحك على ماما…
ردّت ياسمين باضطراب:
- منعرفش، لولا مامتك أخدتها كان ابوها عامل فيها إيه.
تدخلت ليل بسرعة محاولة إنهاء الجدال:
- يلا ندخل جوا ونحل المشكلة دي بهدوء.
لكن مصطفى قاطعها بقسوة وهو يشيح بنظره عن جودي:
- لا، هي مش هتدخل جوّا.
ساد الصمت لثواني ثقيلة، كأن الشارع بأكمله توقف عن التنفّس.
قالت رغدة بصوت مرتجف:
- انت بتقول إيه يا وِلد؟
ردّ مصطفى ببرود قاسٍ، وصوته يخلو من أي إحساس:
- لو عايزة تروحي معاها… يبقى خُديها وامشي. واعتبري إن ابنك مات.
نظرت له رغدة بصدمة، عيناها امتلأتا بالدموع، ثم التفتت نحو جودي، التي كانت تنظر لها بعيون دامعة حاولت تخفي ضعفها.
فهمت جودي من نظرتها أن رغدة ستختار ابنها مهما حدث.
قالت جودي وهي تتصنّع القوة، وصوتها يرتجف كأنه يختنق:
- يلا… كل واحد يشوف حاله، الفيلم خلص خلاص.
تفرّق الجميع في اتجاهات مختلفة، وكلٌّ منهم يحمل وجعه بصمت، ما عدا عيلة يزن الذي ظلّوا واقفين مكانهم بحزن واضح، ومالك كان قلبه بيتقطع وهو يراي جودي بتلك بالحالة.
اتجه مصطفى للمنازل بخطوات غاضبة، بينما وقفت رغدة في مكانها، عينيها معلقتان بجودي.
قالت بصوت مبحوح:
- أنا آسفة…
قاطعتها جودي بنبرة حاسمة وموجوعة:
- روحي ورا ابنِك… عشان ما تخسرهوش.
نظرت رغدة إلى ياسمين وليل، والدموع بتغرق وجهه.
قالت ياسمين بهدوء وهي تمسك بإيد جودي:
- ما تخافيش عليها… هتبقى معايا.
أومأت رغدة لياسمين وقالت بصوت متعب:
- هابعت لكم هدومها حالًا.
دخلت إلى الداخل بخطوات بطيئة مترددة، متجهة نحو غرفة جودي.
لكن ما إن بدأت تجمع الملابس حتى دخل مصطفى الغرفة بعصبية، وقال بنبرة قاسية:
- هو انتِ لسه هتنقّلي هدومها؟ في إيه؟ ارمي هدومها في الشارع على طول!
صرخت رغدة فيه بغضب لأول مرة، والدموع تلمع في عينيها:
- تفتكر لو أبوك كان عايش… كان هيبقى مبسوط باللي عمله؟ لا يا مصطفى، ابعد عن وشي أحسن… قبل ما أقول كلام مش هيعجبك.
هي مشيِت وهتستريح منك ومن قرفك… يبقى ما أسمعش منك كلمة تاني استريحت كده!
وقف مصطفى مذهول، ملامحه مليانة صدمة وندم، قبل ما يلتفت ويتحرك بسرعة لغرفته، والذنب بيخنقه وهو يقفل الباب خلفه.
بعد قليل، خرجت رغدة وهي حملة شنطة فيها أغلب ملابس جودي.
وعطيتها لياسمين، ودخلت منزلها بهدوء مرة أخري، أغلقت الباب خلفها، ثم دخلت غرفتها وجلست على السرير.
لم تستحمل أكتر…
وانفجرت في بكاء مرير، كأنها بتخرج كل وجع السنين دفعة واحدة.
في الخارج، بعد دخول رغدة إلى الداخل، تنهدت ياسمين وقالت بنبرة فيها سخرية وتعب:
- هو ما ينفعش اجي بعد غياب من غير لما ألاقي مصيبة مستنياني؟! هي المشاكل بتحبني أوي كده ولا إيه؟ شكلها بتستنيني لحد ما أرجع!
ضحكت ليل وابتسمت جودي بخفة.
جاء صوت من خلفهم:
- ولقد اجتمع المجانين مرةً أخرى!
التفتت ياسمين بسرعة، ورفعت أحد حاجبيها وقالت باستغراب وهي تنظر لمروة:
- ثانية واحدة… مين قال عليا إني مجنونة؟
مروة وضعت إيدها في وسطها ورفعت أحد حاجبيها هي الاخري وقالت بنبرة تمثيلية:
- أومال انتِ إيه ياختي؟
ضحكت ياسمين وقالت بثقة مضحكة:
- أنا هبلة… بس ياحببتي!
ضحكت ليل بصوت عالي، وابتسمت جودي وهي تراقبهم، تفكر إن مهما كانت حزينة، وجودهم كفيل يخرجها من أي وجع.
أما يزن، فارتفع أحد حاجبيه بغيرة من ضحكة ليل العالية، بينما ابتسمت عائلته بخفوت.
وفجأة، رفعت ياسمين أحد حاجبيها ونظرت اتجه عائله يزن الذي كانوا واقفين قريبين منها، وقالت بعفوية:
- هو مش احنا فاضينا؟ أومال واقفين ليه كده؟
شهقت ليل بصدمة، والتفتت بسرعة اتجه ياسمين، كاتمة فمها بإيدها:
- انتِ بتقولي إيه يا ياسمين؟! دول أهل جوزي!
اتسعت عيون ياسمين وقالت بدهشة:
- أهي؟!
أومأت ليل بسرعة، فابتلعت ياسمين ريقها وقالت بعد أن صمتت من إحراج بابتسامة باهتة:
- آسفة يا جماعة… ما يعرفكم ياجهلكم! ماخدتش بالي والله!
ثم التفتت إلى ليل وهمست بنبرة ضاحكة:
- كنتي تعرفيني قبل ما أحرج نفسي قدام عيلة جوازك يا جاهلة!
ضحكت ليل وهي تغمز لها، بينما أهل يزن اكتفوا بابتسامة خفيفة.
قالت مروة وهي تضحك:
- انتِ بتقولي إيه يا شيخة؟ بدل ما تكحّليها، عمّيتيها!
انفجر الجميع ضاحكين، وفي تلك اللحظة خرجت رغدة من الداخل، تقترب بخطوات هادئة من ياسمين وهي تحمل شنطة فيها ملابس جودي.
عطيتها إليها بحزن وقالت:
- خدي يا بنتي هدوم جودي… لسه في شوية تانيين، بس جبت المهمين.
نظرت إليها ياسمين بعطف، وقالت بصوت خافت:
- متشليش هم، جودي هشيلها في عينيا.
ابتسمت رغدة رغم دمعة لمعتها في عينيها، وقالت:
- وأنا واثقة فيكي.
ثم التفتت ياسمين نحو الآخرين وقالت بنشاط بتحاول تخفف الجو:
- يلا يا جماعة، نروح كلنا عند ليل ونتعرف على بعض أكتر!
وبدأت تشير واحدة واحدة وهي تضحك:
- انتِ يا أبو عيون عسلي… انتِ مليكة أبو لسان طويل! وانتِ يا أبو بطن منفوخة، انتِ ريم!
وبعد ذلك، ضحكت وهي تنظر على الأخيرة:
- وهو انتِ هدولتي؟ إمتى بقى؟
ردّت ريم بخجل وظرف:
– قريب إن شاء الله.
دخل الجميع إلى المنزل ليل، بينما مروة لم تدخل معهم، إذ استأذنت ورجعت منزلها.
أما جودي فاستأذنت من الجميع إنها تدخل تغيّر ملابسها في الغرفة، وبعد ما خدت إذن يزن وليل، دخلت بهدوء.
غيّرت ملابسها وارتدت فستانًا بسيطًا يليق بملامحها الرقيقة، بينما كانت ليل تتابعها من بعيد، ثم همست لـ يزن وهي تنهض قائلة:
- هدخل المطبخ أجيب تلج وقماش لجودي، أعمللها وشها جوا.
أومأ لها يزن بهدوء، فابتعدت بخطوات ثابتة نحو المطبخ.
أما ياسمين فجلست بحماس تتحدث مع مليكة وريم، والضحك يملأ المكان.
كان مالك شاردًا، لا يُركّز مع أحد، كأن عقله تائه في جودي، بينما زين لم يرفع عينيه عن ياسمين، يراقبها بنظرةٍ غامضة تجمع بين الفضول والإعجاب، غير قادر على فهمها تمامًا…
هل هي غريبة؟ أم جميلة؟ ربما الاثنان معًا.
قالت مليكة وهي ترفع حاجبها ضاحكة:
- بقى تقولي عليا لساني طويل؟ أومال انتِ تبقي إيه يا شيخة؟
ردّت ياسمين بسرعة وهي تضحك بصوتٍ عالٍ:
- أنا؟ أنا أبو لسانين ياختييييييي!
قهقهت هدية وقالت بخفة دم:
- انتِ فظيييعة والله!
ردّت ياسمين بميوعةٍ مقصودة:
- لااا، ده أنا غلبانة!
ابتسمت سَحر بسخريةٍ لطيفة وقالت:
- ما واضح!
في تلك اللحظة، وكز أدهمُ يزن بخفة، فالتفت إليه الأخير مستغربًا، لكن أدهم أشار بعينيه نحو زين الذي كان يحدّق في ياسمين، ثم نحو مالك الغارق في شروده.
ابتسم يزن وهمس بخفة وهو يميل نحوه:
- واضح إن الكل ناوي يدخل القفص قريب!
ضحك أدهم بصوتٍ خافت، بينما تبادل حامد وسَحر وهدية نظراتٍ متبادلة مليئة بالتلميحات.
انفجر الجميع بالضحك على أجواء المرح، وصارت ياسمين كعادتها كتلة طاقةٍ غريبة تُحرّك الأجواء أينما جلست.
في داخل الغرفة، دخلت ليل وهي تحمل أدوات التطهير.
جلست جودي على الفراش بعد أن غيّرت ثيابها، فاقتربت منها ليل بهدوء وبدأت تنظّف الجرح عند شفتها، تزيل آثار الدم بعناية، ثم وضعت قطعة ثلج داخل قطعة قماش صغيرة وضغطت بها على وجه جودي لتخفيف الورم لبضع دقائق، ثم أحضرت لها مرهما وبدأت تدهنه برفق.
قالت جودي بصوتٍ خافت:
- تعالي نطلع برا.
نظرت لها ليل باستغراب وقالت بلطف:
- رايحة فين؟ انتِ تعبانة، اقعدي استريحي شوية.
هزّت جودي رأسها وقالت بإصرار:
- لا، ما ينفعش… دي أوضتك انتِ وجوزك، تعالي نطلع نقعد معاهك برا.
ابتسمت ليل وقالت باستسلام:
- ماشي، يلا.
أخذت جودي جاكيت مالك بعد أن وضعت طرحتها بهدوء، ثم سارت خلف ليل بخطواتٍ واثقة، يُخفي ثباتها ما يعتمل في ملامحها من إرهاقٍ واضح.
انفتح الباب، فالتفتت الأنظار نحوه.
خرجت ليل أولًا، ثم لحقتها جودي بخطواتٍ هادئة.
اتجهت ليل نحو المطبخ لتحضر ماءً، بينما تحركت جودي إلى حيث يجلس مالك.
لم يزيح نظره عنها منذ لحظة خروجها، تأمل وجهها المحمر من أثر الضرب، وكأن الوقت توقف.
انتبه فقط عندما وقفت أمامه وقالت بصوتٍ مبحوح:
- شكرًا يا مالك على الجاكيت… اتفضل.
ابتسم مالك بخفوتٍ وقال:
- العفو.
قامت ياسمين من مكانها بسرعة واتجهت نحو جودي وجلست بجوارها، نظرت إليها نظرة حزينة وملامحها مليئة بالشفقة والقلق.
أما مالك فظلّ يتابع جودي بعينيه إلى أن جلست.
خرجت ليل من المطبخ تحمل كوب ماء، واقتربت من جودي وقدّمته لها.
أخذته جودي وشربت ببطء، وساد الصمت لثواني، لم يُسمع سوى أنفاسهم المتوترة.
كانت مليكة تراقب أخاها الذي ما زال ينظر إلى جودي بنظرةٍ حزينةٍ غامضة، فرفعت أحد حاجبيها بدهشة ولوّحت له بيدها بخفة، لكنه لم ينتبه إلا حين أشارت نحوه بوضوح.
قطّب حاجبيه مستغربًا، فابتسمت مليكة بخبثٍ خفيف، ثم همست بغيظٍ خافت:
- غبي كعادتك.
لتكسر الصمت بعدها بنبرةٍ مليئة بالفضول والمرح قائلة:
- قوليلنا يا ليل، انتِ إزاي اتصحبتي على ياسمين؟!
يعني انتِ وجودي الاتنين هاديين كده، ماشوفتش منكم غير الهدوء، ماعدا ياسمين... حالها ما يعلم بيه إلا ربنا! دي مشعننة لوحدها يا شيخة!
شهقت ياسمين بدهشة، بينما ضحك الجميع، وابتسمت جودي بخفوت.
ردّت ليل بابتسامة خفيفة:
- حظنا بقى!
ارتفعت ياسمين أحد حاجبيها وقالت بمرح:
- لا والله؟ هو في حد أهبل تاني في العيلة غيرك يا مليكة؟
ضحكت مليكة قائلة:
- أهو عندك مالك وزين.
ارتفع زين أحد حاجبيه بثقة مصطنعة وقال:
- يا سلام! يعني مالك ماشي، بس أنا مش أهبل… أنا عاقل.
ارتفع يزن وأدهم أحد حاجبيهما معًا وردّا بسخرية لطيفة:
- عقل أوي انت!
قهقهت ياسمين وقالت وهي تهز رأسها:
- ليه؟ ده باين عليه إنه محترم وعاقل.
قال زين ضاحكًا:
- الله ينصرك زي ما نصرتيني!
فردّت ريم بخفة دم:
- ميغروكيش الشكل ياختي!
انفجر الجميع ضاحكين من جديد، قبل أن يقول حامد وهو ينهض:
- طب يلا نروح بقى.
قال يزن متوسلًا:
- خليك يا بابا شوية.
لكن حامد هزّ رأسه قائلًا بهدوء:
- لا يا بني، عشان جدك.
استأذن الجميع وغادروا، بينما بقي يزن وليل وياسمين وجودي في المكان.
وقبل أن تخرج ياسمين، أوقفتها ليل بخفة، بينما دخل يزن إلى غرفة النوم ليترك لهما خصوصيتهما.
سألتها ليل بقلقٍ خفيف:
- فين تيته؟ وإزاي جيتي وسِبتّيها؟
تنهدت ياسمين قائلة بنبرةٍ متعبة، بينما ليل وجودي تنصتان بانتباه:
- الدكتور قال لسه شوية وتخلّص العلاج الطبيعي، وفي نفس اليوم جت مكالمة من مروة إن المسرح اتحرق.
تيته قالتلي: "روحي ليهم وكوني جنبهم"، وقالت إن في حد هيتابعها هناك، وأنا هتواصل معاها أول بأول، ولو حصل أي حاجة هروح لها فورًا.
أومأت ليل برأسها وقالت بهدوء:
- تمام، طمنتيني.
سألتها ياسمين بلطف:
- عايزة حاجة؟
- لا، خدي بالك من نفسك.
خرجت ياسمين وجودي من المنزل، وأغلقت ليل الباب بهدوء.
ثم دخلت الغرفة، فرأت يزن مغمض العينين.
اقتربت منه وغطّته، ففتح عينيه ببطء ونظر إليها نظرة هادئة، فابتسمت له.
عمّ المكان صمتٌ ثقيل… صمتٌ يحمل بين طيّاته تعب اليوم وضجيج الأفكار.
—-------
رجع الجميع إلى القصر، وكان الجدّ جالسًا على كرسيّه الكبير في قاعة الاستقبال، يرمقهم بنظراتٍ حادة.
قال بصوتٍ جادّ:
- كنتم فين؟
ردّ حامد محاولًا التخفيف من حدّة الموقف:
- هيكون نكون فين يا بابا؟
قال الجدّ بنبرةٍ صارمة:
- مثلاً عند يزن؟
ابتسم حامد ابتسامةً باهتة وقال:
- انت بتقرّبنا يا بابا؟
ردّ الجدّ وهو يضيق عينيه شكًّا:
- يعني كنتم عنده؟
قال حامد ببرودٍ واضح:
- لا، ما كناش عنده.
قطّب الجدّ حاجبيه وقال:
- أمال كنتم فين؟
تدخّل أحدهم محاولًا إنهاء الموقف:
- هنكون فين يا جدي، كنا بنتمشّى شوية.
هزّ الجدّ رأسه وقال بحدةٍ خافتة:
- تمام... لما نشوف آخرتها معاكم.
ثم نهض ببطء متكئًا على عصاه، ثم صعد إلى جناحه بصمتٍ ثقيل.
تبادل الجميع نظراتٍ متوترة، قبل أن يتنهدوا ويصعدوا إلى غرفهم، لينتهي اليوم بصمتٍ يملأ القصر.
—------------
مرّت الأيام سريعًا، حتى جاء ذلك اليوم...
وفي وقت الفجر، رنّ هاتف يزن فجأة، فاستيقظ مفزوعًا هو وليل.
قالت ليل بصوتٍ متوتر:
- في إيه يا يزن؟
أمسك الهاتف وهو يقطّب حاجبيه بقلق، وقال:
- ده أدهم.
ردّت بسرعة:
- يمكن في حاجة؟
فتح يزن الخط، وجاءه صوت أدهم متلهفًا:
- ريم بتولد يا يزن! تعال بسرعة على المستشفى!
انتفض يزن واقفًا وقال وهو يتجه الي المرحاض:
- أنا جاي حالًا!
أغلق الخط، فسألته ليل بقلق:
- قالك إيه؟
- ريم بتولد... أنا متوتر جدًا.
وضعت ليل يدها على صدرها وقالت بدعاء:
- ربنا يقومها بالسلامة. خش خد شاور وأنا ها جهزلك هدومك.
ثم نظرت له بخجلٍ خفيف وقالت:
- ينفع أجي معاك؟
هزّ رأسه قائلًا بحنان:
- لا يا حبيبتي، جدي ها يكون هناك.
بعد دقائق، كان يزن قد انتهى من ارتداء ملابسه، ووقف عند الباب مودّعًا ليل قائلاً:
- خلي بالك من نفسك، وما تفتحيش الباب لحد.
ابتسمت برقة وقالت:
- حاضر، وطمني على ريم أول ما تولد.
خرج يزن مسرعًا، وما إن ركب السيارة حتى أغلقت ليل الباب بإحكام.
بعد قليل، أذّن الفجر، فأضاءت ليل الأنوار، وتوضأت، وأدت صلاتها بخشوعٍ وهي تدعو من قلبها:
- يا رب، قوم ريم بالسلامة.
لكن في الخارج…
كانت هناك عينان تراقبان منزل ليل بترقبٍ شديد.
ظلّ هذا الشخص ينتظر حتى رأى يزن يغادر، فابتسم بخبثٍ خافت وأمسك بهاتفه يتحدث بصوتٍ منخفض:
- لسه خارج يا باشا.
سمع الشخص التعليمات من الطرف الاخر، ثم تحرك بخطوات هادئة نحو المنزل.
وقف أمام الباب وبدأ يطرق بخفة، ثم زاد الطرق تدريجيًا حتي صار أكثر وضوحًا.
في الداخل، كانت ليل تؤدي صلاتها، ولم تنتبه في البداية إلى الصوت، لكن الطَرق استمر حتى انتهت.
رفعت رأسها بقلقٍ خفيف، ونظرت نحو الباب باستغراب، ثم همست لنفسها:
- هو مين اللي هيخبط في وقت زي ده؟ يمكن يزن نسي حاجة.
تقدّمت بخطواتٍ مترددة نحو الباب، وقلبها يخفق بسرعة غريبة.
كانت ما تزالت مرتدية سدالها وحجابها، واقتربت بهدوء، مدت يدها إلى المقبض وفتحته بحذرٍ شديد...
لكنها تجمّدت في مكانها.
وقف أمامها رجلٌ غريب، ملامحه قاسية ونظراته حادة مليئة بالغموض.
وقبل أن تستوعب ما يحدث، دفع الباب ودخل بسرعة، ثم أغلقه خلفه بقوة جعلت قلبها يرتجف.
اتسعت عينا ليل من الصدمة، وصوت أنفاسها صار متقطعًا، حاولت أن تتكلم…
لكن كلماتها لم تخرج.
وقفت متجمدة في مكانها، عاجزة عن النطق أو الحركة، بينما الرجل يقترب منها بخطواتٍ بطيئةٍ ومخيفة.
--------------------
تفتكره يزن هيجي في الوقت المناسب وهيلحقها ام لا ؟!
Hager Saeid