الفصل العاشر

الفصل العاشر

16 0

#رواية_مسرح_ ليل

#الكاتبة_هاجر_سعيد_محمد

>>>الفصل العاشر<<<

ردّت ليل بهدوء:

- لا، مش مخطوبة.

تنهد مالك براحة، فأكملت ليل كلامها بغموض ومعنى خفي:

- بس أكيد هتبقى مخطوبة قريب.

نظر إليها بصدمة وقال:

- إيه؟!

بينما ابتسم الباقون، فأكملت ليل بابتسامة خفيفة:

- ولا إيه يا أستاذ مالك؟

نظر إليها بخجل، فقالت ليل بهدوء وهي تنظر أمامها:

- أنا مش غبية يا مالك، أنا فاهماك كويس. جودي أبوها توفّى وهي صغيرة، ومامتها هي اللي ربّتها، بس أخوها... كل حاجة عنده أوامر، وبيتعامل معاها بعنف.

تنهّدت قليلًا، ثم أكملت بنبرة يغلب عليها الحنان:

- بتمنّى إنك تعوّضها عن اللي شافته في حياتها. أخوها مكانش راضي إنها تكمل تعليمها، بس أنا وقفت له وقلت له إني هتكفّل بكل مصاريفها، وهي مسؤولة مني. هو كان معترض في الأول، بس بعد كده وافق. دوقتي هي بتدرس وبتشتغل معايا، رغم إنها رفضت تاخد مني فلوس... بس بساعدها على قد ما أقدر.

نظر مالك إليها بعينين يملؤهما الحزن على تلك الفتاة، ثم قال بهدوء:

- متخافيش عليها... بس أوعي تقوليلها حاجة، عشان متلهيش عن مذاكرتها. أنا لسه فاضلي سنتين وأخلّص.

نظروا إليه الجميع بحب، بينما تبادلَت هدية وسَحَر نظرات فخر واعتزاز.

قامت ليل وقالت بهدوء وهي تنظر إلى الساعة:

- بما إنهم لسه هيجوا بعد ساعة أو أكتر، قوموا رايحوا شوية عبال ما يجوا.

ردّت ريم بابتسامة خفيفة:

- الفكرة مش بطّالة.

قال مالك وهو يتمطّى قليلًا:

- أنا هنام هنا شوية، بس هروح أغيّر هدومي الأول... ولو يزن هزّقني، هتدافعي عني يا ليل؟

ابتسمت ليل بخفة وردّت:

- هفكّر.

ضحك مالك وقال بنبرة تأكيد:

- يبقى كده هتبعيني! هروح أغيّر وأمري لله.

ضحك الجميع بخفة، فقالت ليل وهي تشير نحو الغرفة:

- الفستان والسدال جوه يا مليكة، وانتِ وريم ادخلوا غيّروا هدومكم.

شكرنها الفتيات وقمن من أماكنهن، بينما ابتسم مالك وهو يتكئ على الأريكة قائلًا:

- أنا ومليكة هنام على الكنب هنا، والباقي يناموا جوه.

وقفت هدية قليلا، ثم سألت ليل بهدوء:

- وانتِ يا ليل؟

ردّت ليل ببساطة وهي تشير اتجه الغرفة:

- مش مشكلة أنا، المهم في مرتبة جوه... مالك ينزلها من الدولاب من فوق وتناموا عليها.

ضحك مالك وقال بنبرة خفيفة:

- وأنا هنام هنا، والحريم يناموا جوه.

—--------------

في بيت جودي،

بعد أن خرجت من منزل ليل، اتجهت مباشرة إلى منزلها. أخرجت المفاتيح من حقيبتها، فتحت الباب ودخلت وهي تنادي بصوتٍ عالٍ:

- مامااا!

خرجت والدتها من المطبخ، تمسح يديها في الفوطة، وقالت بابتسامة دافئة:

- رجعتي من عند ليل؟

أومأت جودي برأسها، لتسألها والدتها بقلقٍ خفيف:

- وجوزها عامل إيه؟ وهي كويسة؟

ردّت جودي وهي تخلع حجابها وتضعه على الكرسي:

- الحمد لله، كويسة... وجوزها هييجي هو وعيلته، وتحسّن الحمد لله.

تنهدت والدتها براحة وقالت بنبرة حنونة:

- الحمد لله... ليل طيبة، ومتستاهلش إنها تخسر حد تاني.

وفجأة، فُتح باب المنزل بعنف، ودخل مصطفى، أخو جودي، وهو يقول بسخرية:

- رجعتي يا ست هانم؟

قالت والدته بحدة وهي تضع يديها على خصرها:

- في إيه يا ولد؟

ردّ بعصبية وهو يرمي مفاتيحه على الطاولة:

- دي آخر دلعك يا ماما! بتتخنقي معايا عشان تكمل تعليمها، وهي مش بتعمل حاجة غير إنها تخروج وتروح المسرح... أما عند ليل!

صرخت جودي بغضب وهي تلتفت له بسرعة:

- إيه يا أخي؟ مش كفاية إني بشتغل وبروح تمرين عملي وبذاكر وبروح المسرح كمان؟! وانت مش بتعمل حاجة غير إنك بتشتغل وتصرف على بتاع اللي بتشربوه!

نظر إليها مصطفى بحدة واقترب منها بخطواتٍ سريعة، لكن والدته وقفت في وجهه وقالت بحزم:

- لما تجيب درجة وحشة في آخر السنة، ابقى اتكلم! وتعالى حاسبها! وأنا واثقة فيها... يلا ادخل جوه!

توقف مصطفى للحظة، نظر إلى والدته بغيظ، ثم دخل غرفته وصفق الباب خلفه بقوة.

تنهدت الأم ونظرت إلى ابنتها قائلة بنبرة ناعمة لكنها حازمة:

- بعد كده ما تعليش صوتك على أخوكي، وسيبيه في حاله... ربنا يهديه. وياريت بقى تذاكري شوية.

ابتسمت جودي بخفة وقالت وهي تخرج كتبها من حقبيتها:

- ما تقلقيش يا ماما... معايا الكتب وبذاكر عند ليل. أما في المسرح…

—---------------

بعد تجهيز أوراق خروج يزن، اتجه الجميع إلى غرفته استعدادًا للرحيل.

كان يزن قد ارتدى ملابس الخروج، ثم التفت إليهم وقال بنبرة حذرة:

- إحنا هننزل من باب الطوارئ، عشان لو جدي ساب حد يراقبنا.

أومأ الجميع بالموافقة، وتحركوا معه بهدوءٍ تام، يحرصون على ألا يلفتوا الأنظار. خرجوا من باب الطوارئ بخطواتٍ سريعة، حتى وصلوا إلى ساحة السيارات.

وبعد دقائق، كانوا جميعًا داخل السيارة؛ جلس زين خلف المقود، بينما جلس والده بجواره، وأدهم ويزن في المقعد الخلفي.

قال يزن وهو ينظر الي زين بنبرة هادئة:

- هنروح المديرية الأول.

أومأ زين دون أن يحوّل نظره عن الطريق، وردّ بهدوء:

- تمام... وبعدها هنروح عند ماما وليل والباقي.

اوم يزن، وتحركت السيارة بسلاسة في الشارع المزدحم، بينما ظل الصمت يخيّم داخلها، لا يقطعه سوى صوت المحرك، وعيونهم تترقب ما سيحدث تاليًا.

—------------

- يعني إيه خرجوا من غير ما تشوفوهم يا أغبياء؟!

انفجر عماد غضبًا، وصوته دوّى في أرجاء القصر. أغلق الهاتف بعصبية، ورماه أمامه بقوة علي الارض، قبل أن يدور بعنف نحو والده، وجهه ممتقع من الغضب وهو يقول بصوتٍ حادٍّ:

- لسه خرجين من المستشفى حالًا!

حاول والده تهدئته، لكن نبرته كانت متوترة رغم هدوئها الظاهري:

- يزن مش هيجبها لبرا... وأنا ليا تصرّف معاه.

ظل عماد يحدّق فيه بعيونٍ مشتعلة، ثم ضرب بقدمه الأرض بعصبية وغادر الغرفة بخطواتٍ غاضبة.

وفي الطابق الأعلى، كان المشهد مختلفًا تمامًا.

كانت شهناز تجلس على طرف الفراش، تبكي بحرقة، ودموعها تسيل بغزارة وهي تقول بصوتٍ متهدّج:

- رفضني يا مامي…

اقتربت منها والدتها بخطواتٍ سريعة، واحتضنتها بقوة، ثم رفعت وجهها نحو ابنتها بعينين تملؤهما النار، وقالت بنبرةٍ غاضبة تشبه الوعيد:

- والله وحيد، كل كلمة قالتها لاهندمك عليها! يابن هدية ؟! مش أنا بنتي اللي تترفض... هيتجوزك يعني هيتجوزك، حتى لو فيها موته!

—--------------

بعد أن وصلوا إلى المقر المديرية الرئيسية بالسيارة، قال حامد وهو يلتفت إليهم:

ـ أنا هستناكم هنا.

أومأوا له بالموافقة، ثم نزلوا من السيارة واتجهوا نحو المبنى بخطواتٍ واثقة وهيبةٍ واضحة، فتوجَّهت إليهم أنظار الجميع باحترام، وتقدَّم بعض الضباط بتحيةٍ خفيفة متمنّين ليزن الشفاء العاجل.

توقّفوا أمام مكتب اللواء، وطرق يزن الباب ثلاث طرقات متتالية، فجاء صوت من الداخل يأذن بالدخول.

دخل يزن، بينما بقي أدهم وزين واقفَين بالخارج.

تقدم يزن وأدي التحية العسكرية، فقال اللواء بابتسامةٍ رسمية وهو يومي برأسه:

- حمد الله على السلامة يا يزن؛ اتفضل اقعد.

ثم ردّ يزن وهو يجلس أمامه ويصافحه باحترام:

- الله يسلمك يا فندم... عايز أعرف، إيه سبب ضرب النار؟ وليه كانوا قاصدين مراتي تحديدًا؟

تنهد اللواء بعمق، ثم قال بصوتٍ هادئ وجاد:

- من فترة كنت في مهمة، وقبضت على عصابة كبيرة ومعاهم كمية مخدرات ضخمة.

في واحد فيهم مكنش عايز يتكلم ولا يعترف مين وراهم، حاول يهرب... وانت كنت السبب في إنه مايفلتش، وقتلته في الاشتباك.

بس اللي محدش كان يعرفه... إن ليه أخ تاني، رجع مخصوص عشان ياخد حقه.

وكان ناوي يوجعك في أغلى حاجة عندك... مراتك.

سكت يزن لحظة، ثم قال بصوتٍ غليظ يملؤه القلق والغضب:

- يعني حياتها في خطر دوقتي... أحميها إزاي؟

ابتسم اللواء بثقة وقال مطمئنًا:

- متخافش، كل حاجة مترتبة.

هيكون في ظباط هتحرس الشارع من أول المنطقة، والمنطقة كلها تحت المراقبة. أما انت... خلي بالك من نفسك، الفترة دي مش سهلة خالص واحنا هنحول نعمل لعلينا.

وقف يزن بثبات، وضرب تعظيم سلام وهو يقول بصرامة:

- تمام يا فندم..

وخرج يزن من المكتب بخطواتٍ ثابتة، فالتفت إليه الشباب فور رؤيته، وسأله زين بفضول:

- حصل إيه جوه؟

قال يزن بهدوء وهو ينظر حوله:

- هقولكم كل حاجة لما نركب العربية... يلا نتحرك.

تحركوا جميعًا نحو الخارج، وركبوا السيارة، وكان حامد يجلس في المقعد الأمامي بجوار زين الذي تولّى القيادة.

التفت حامد إلى يزن الجالس في المقعد الخلفي وسأله بجدية:

- قالك حضره اللواء إيه يا ابني؟

أخذ يزن نفسًا عميقًا، ثم بدأ يسرد لهم ما دار بينه وبين اللواء بالتفصيل، بينما ساد الصمت داخل السيارة، لا يُسمع فيها سوى صوت المحرك وحفيف الطريق تحت الإطارات.

وفي تلك اللحظة، ومع كل ضغطةٍ يضغطها زين على دواسة البنزين، كان يقودهم بثباتٍ نحو وجهتهم التالية، فيما كان عقله مشغولًا بما سمعه من اللواء، وعيناه تلمعان بخليطٍ من الإصرار والخوف في آنٍ واحد.

—------------

أدخلوا الفتيات إلى الغرفة، وبدأت ليل ومليكة في فرش المرتبة على الأرض، واتفقت الفتيات على أن ريم وهدية ستنامان على السرير، بينما سَحَر ومليكة ستنامان على المرتبة.

قالت ليل وهي تبتسم بهدوء:

- هسيبكم تناموا براحتكم.

خرجت من الغرفة، وعندما وصلت إلى الصالة، وجدت مالك غارقًا في نومٍ عميقٍ على الأريكة.

ابتسمت بخفة، ثم اتجهت إلى المطبخ لتحضير الغداء.

مرّت قرابة الساعة، أو ربما أكثر قليلًا، حين بدأت مليكة تتحرك في مكانها، تشمّ رائحة أكلٍ شهيةٍ ملأت المكان.

فتحت عينيها ببطء، وفركت أنفها وهي تقول بخفوت:

- ريحة الأكل دي... جاية منين؟

سارت بخطواتٍ نعسانة حتى وصلت إلى المطبخ، وفجأة فتحت الباب قائلة بخفةٍ ممزوجةٍ بدهشة:

- إيه الرايحة الحلوة دي؟

انتفضت ليل من مكانها بفزع، والتفتت بسرعة وهي تصرخ، لتصرخ مليكة بدورها مع صريخها… لكن سرعان ما تحوّل الصراخ إلى ضحكٍ عالٍ، ملأ المطبخ بأجواءٍ من البهجة والمرح.

على الجهة الأخرى، نهض مالك فجأة من على الأريكة عندما سمع صراخًا، فاتجه نحو الصوت بسرعة. لكنه ما إن اقترب حتى سمع ضحكًا بدلًا من الصراخ، فتوقف للحظة وقال باستئذان وهو يطرق الباب بخفة:

- هو ينفع أدخل؟

رفعت ليل طرحتها قليلًا وقالت بابتسامة:

- اتفضل.

دخل مالك وهو ينظر حوله باستغراب وسأل:

- في إيه؟

ضحكت مليكة، وبدأت تحكي له ما حدث، فانفجر مالك ضاحكًا بشدة.

وفي تلك الأثناء، داخل غرفة ليل، قالت هدية بفزع وهي ترفع رأسها من على المخدة:

- إيه الصوت ده؟

ردت سَحَر وهي مغمضة عينيها:

- هتلاقي الموكوسة مليكة عاملة مصيبة.

قالت ريم مبتسمة:

- يعني أول مرة نقعد مع ليل، نعمل في بيتها دوشة كده؟

قامت هدية من على الفراش وقالت بنبرة تمزج بين العصبية والضحك:

- الله ينتقم منك يا مليكة الكلب!

ثم أمسكت هاتفها وقالت:

- يلا قوموا صلّوا العصر.

نظرت بعد ذلك إلى سَحَر وسألتها:

- هو مالك جاب الهدوم اللي جبناها واحنا جاين؟

أومأت سحر برأسها وهي تنهض من على المرتبة، وكذلك فعلت ريم، واتجهن جميعًا إلى خارج الغرفة.

عندما ضحك مالك، قالت ليل وهي تضع يدها على صدرها بخضة:

- دي خضّتني! تعالوا نقعد برا.

خرجوا جميعًا، فقال مالك وهو ينظر إلى أخته باستغراب:

- وانتِ صوتِي ليه كده يا مليكة؟

ضحكت مليكة وهي تجلس على الأريكة قائلة:

- أنا اتفجعت من صوتها، روحت مصوته زيها!

كانت ليل على وشك الرد، لكن فجأة صرخت هي ومليكة في نفس اللحظة، فانتفض مالك من مكانه بخضة، وبدأ ينظر حوله بتوتر، حين سمعَتا صوتًا خافتًا يشبه الهمس يقول:

- بتعملوا إيه؟

صرخت مليكة وهي تضع يدها على صدرها:

- خضّيتينا!

وضعت ليل وهدية أيديهما على آذانهما من شدّة الصرخة، ونظرتا إليها بغيظٍ واضح، وقالتا معًا:

- صرّعتينا يا مليكة!

فأكملت هدية وهي تلوّح بيدها بعصبية:

- يا بنتِ لِـ... إيه مركّبة مركّبة إزعرينا؟!

بينما جلس مالك على الأريكة يضحك بشدّة، انضمّت إليه ريم وسَحَر اللتان كانتا تقفان في الخلف، فابتسمتا وضحكتا بدورهما. نظرت إليهم مليكة بغيظٍ واضح، وكأنها تحاول كبح ضحكتها هي الأخرى.

قالت هدية بعد أن كتمت ضحكتها بصعوبة:

- أنا هدخل الحمّام عشان أتوضّى وأصلّي العصر.

ابتسمت ليل بهدوء وقالت بنعومة:

- براحتك يا طنط.

توقفت هدية للحظة، ثم ابتسمت بحنان وهي تنظر إليها قائلة:

- بس أنا مش طنط يا بنتي... أنا حماتك، وفي مقام والدتك.

أومأت ليل برأسها، وعيناها تلمعان بدموعٍ محبوسة، فابتسمت هدية بحنانٍ أكبر، وقالت بصوتٍ دافئ:

- يبقى من النهارده قولي لي ماما.

وما إن سمعت ليل الكلمة، حتى سالت دموعها على خديها في صمتٍ جعل الجميع ينظر إليها بدهشةٍ ممزوجة بالحزن.

اقتربت هدية منها بخطواتٍ قلقة، وقالت برقةٍ وحنان:

- بتعيّطي ليه يا حبيبتي؟

ردّت ليل بصوتٍ مبحوحٍ متقطع بين شهقاتها:

- عشان... عمري ما قلت لحد "ماما".

ثم انفجرت في البكاء.

أخذتها هدية في حضنها وربّتت على ظهرها بحنان، بينما أكملت ليل كلامها بين شهقات متقطّعة:

- ماما ماتت وهي بتولدني... واللي رضّعتني ماتت بعديها بسنة... وحتى جدتي اتوفت وأنا عندي تسع سنين... اهتمّت بيا جدّة صحابي، وأم جودي... مع إن ساعات كانت بتقولي: «قوليلي ماما»، بس ابنها الكبير كنت بحس بغيرته لما بقولها كده، فبطّلت أقولها كده... ومن ساعتها وأنا مش بقول الكلمة دي لأي حد…

ثم أجهشت بالبكاء مجددًا.

شعرت ليل بدمعة ساخنة تنزلق على وجهها، فرفعت رأسها فرأت هدية تبكي أيضًا، والجميع كان يبكي متأثرًا بوجعها العميق.

مسحت ليل دموعها وقالت بأسفٍ خافت:

- أنا آسفة... عكننت عليكم.

تقدّمت سَحَر نحوها وصفعتها بخفةٍ على كتفها وهي تقول بمزاحٍ غاضب:

- إيه اللي بتقولي ده يا هبلة؟! انتِ بقيتي واحدة من العيلة خلاص.

اقتربت ريم وهي تمسح دموعها وتقول بنبرةٍ متذمّرة مصطنعة:

- أنتم عيلة كئيبة أوي! هو مفيش حاجة نعملها في البيت الكئيب ده؟

ضحك مالك وهو ينظر حوله وقال بمكرٍ واضح:

- فعلاً... مفيش حاجة نعملها في البيت ده.

صاحت مليكة وهي تضربه على كتفه:

- يا سافل! يا منحط!

ردّ مالك متصنّعًا الوجع وهو يفرك كتفه:

- هو أنا عملت حاجة يا وليّة؟!

صرخت فيه بغضبٍ مضحك وهي تشير إليه بيدها:

- وليك عين يا زفت طين... تعمل حاجة؟!

كان مالك على وشك الرد، لكن صرخت سحر قائلة:

- بس أنا عارفة... لو محدش وقفكم، مش هنخلص!

مسحت ليل دموعها ثم ابتسمت وقالت:

- تعالوا نلعب دومينو.

صرخت مليكة بحماس:

- ياااااا يلا نلعب!

قال مالك وهو متحمس:

- بقلي كتير ما لعبتهاش، أنا متحمس.

ردّت ليل بابتسامة:

- هجبيها من جوه ونيجي نلعب على الأرض.

قالت ريم بحرج:

- أنا نفسي ألعب معكم بس زي ما انتِ شايفة…

ردّت ليل مطمئنة:

- مش مشكلة، هجيب طربيزة وكراسي ونقعد نلعب. أنا هدخل أجيبهم.

تحركت ليل نحو الداخل، وعادت بعد لحظات حاملة الطاولة والكراسي، رتبتهم على الأرض، ثم دخلت مرة أخرى لتجلب صندوق الدومينو، وارتسمت على وجوه الجميع ابتسامة حماسية استعدادًا للعبة.

قالت ريم بابتسامة طيبة:

- ليل طيبة أوي.

ردّت هدية بهدوء:

- فعلاً، ربنا عوضها بينا، وهيعوضها أكتر.

دخلت ليل الغرفة، واتجهت نحو الدولاب، وأخرجت دومينو. وبينما كانت تهمّ بالخروج، لمحت صورة تجمع والدتها وجدتها، فتوقفت، وأمسكتها بيدين مرتجفتين. مرّت أصابعها على وجهيهما في الصورة، وقالت بصوتٍ مبحوحٍ ودموعها تتساقط:

- واحشتوني اوي... دلوقتي بقا عندي عيلة، بس مفيش حد في الدنيا هيعرف يعوّض غيابكم عني.

فجأة، سمعت طرق على الباب، وكان صوت مليكة تقول:

- انتِ نمتي يا ليل جوة ولا إيه؟

مسحت ليل دموعها، وحوّلت صوتها ليكون طبيعيًا، وردّت:

- جايه.

—--------

في القصر، جلست بكنام وهي تحرّك كوب القهوة بين يديها بنظرةٍ ماكرة وقالت بخبث:

- معقول كل ده وهدية وسحر والعيال لسه ما جوش؟

ردّ عماد وهو يعتدل في جلسته بنبرةٍ متحفزة:

- عندِك حق، أنا كمان حاسس إن في حاجة مخبّينها عنّا.

رفع الجد نظره عن الجريدة، وقال بصرامةٍ واضحة:

- شوف تليفوناتهم فين حالًا... كلّهم.

أومأ عماد بسرعة وقال بطاعة:

- حاضر يا بابا.

—--------------------

في منزل ليل، اجتمع الجميع حول الطاولة؛ جلست ليل وريم ومليكة ومالك على الكراسي، بينما جلست هدية وسحر على الأريكة تراقبهم بابتسامة خفيفة بعد أن منعتهم هدية عن اللعب قبل أن يصلوا فرضهم وكان مالك هو الإمام وقام بيهم الصلاه.

فجأة، صرخت مليكة بعبوس:

- انت قفلتها ليه يا مالك!

أسند ظهره على الكرسي وهو يضع يده خلف رأسه، ثم قال ببرود:

- هي جات كده؟ كنت عايز أخسركم… وبعدين انتِ فاشلة في اللعب.

نظرت إليه مليكة بغيظ، فقالت ليل ضاحكة:

- طب والله أنتم أطفال.

قالت ريم مازحة:

- انتِ بتقولي فيها دول قاعدين كده… مؤدبين؟

رفعت ليل أحد حاجبيها وقالت مبتسمة:

- كده مؤدبين.

نظر مالك ومليكة إليها ببراءة، بينما رفعت سحر أحد حاجبيها وضحكت، ثم قالت مازحة:

- مالك ومليكة بيحسوني إنهم مولدين فوق بعضهم.

- فعلاً يا عمّتي…

كان رد ريم، بينما ضحكت هدية وليل، ونظر مالك ومليكة إليهم باستنكار.

راجعوا يستمروا في اللعب، وفجأة سمعوا طرق علي الباب. توجهت هدية لفتحه، وما إن فتحته حتى رأت زوجها وأدهم واقفين أمامها. دخلوا إلى الداخل، وبينما كان زين يسند يزن أثناء دخولهما، وقف الجميع عند دخولهم.

تقدّم أدهم نحو زوجته، وانحنى ليقبّل جبينها، فخجلت منه وضحكت. ابتسمت ليل بحرج، فقال مالك هامسًا:

- خرابها!

جلس يزن على الأريكة، واقترب زين ووضع يده خلف ظهره ليسنده فقط، دون أن يجلس بجواره. ولم يزحزح يزن نظره عن ليل منذ اللحظة الأولى لدخولهم، بينما كانت ليل تخجل من نظرته المستمرة عليها، فتتحاشى عينيه أينما توجهت.

اقترب زين منهم وقال بمرح:

- أنتم بتلعبوا من غيري ياخونا؟

قالت مليكة بغضب:

- إحنا مالناش دعوة، دي ليل.

ردّت ليل بخفوت:

- يا خاينة…

قال أدهم مبتسمًا:

- ما تاخديش بالِك يا ليل، هي ومالك هما أكتر اتنين يبيعوا الدنيا بحالها.

قال مالك بفراغ الصبر:

- أنا عملت إيه دوقتي؟ كنت في حالي… ليه بتجيب سرتي ؟

ردّت مليكة برخامة:

- يا بني… عشان تعرف إنك من غيري ولا حاجة.

رفع مالك أحد حاجبيه وقال بلا مبالاة:

- بلا وكسة!

ردّت مليكة بغيظ:

- نعم يا خويا!

قالت سَحَر مازحة:

- بس أنتم الاتنين… عندنا مريض في البيت، وانتم بسم الله ما شاء الله… لما تصدقوا تتفتحوا.

نظروا إليها بضيق، وقال حامد بحزن متصنع:

- أنا زعلان منكم… عشان لعبتوا من غيري.

ردّت ليل بعفوية:

- متزعلش نفسك يا بابا… يلا نلعب دور تاني عشان خاطرك.

ساد الصمت المكان بعد كلمة "بابا". نظرت ليل إليهم بحرج شديد، بينما هم نظروا إليها بهدوء. أما هدية وسَحَر، فابتسمتا لها بحنان، وكان حامد ينظر إليها بابتسامة فرحة، والباقون بدوا مبسوطين لأنها اعتادت عليهم.

ثم قالت بسرعة:

- أنا آسف…

قطع كلامها حامد وهو يتقدّم نحوها ويحضن كتفها بحنان:

- متسفيش… انتِ من قبل ما تبقي مرات ابني، وربنا وحده يعلم… أني حبّبتك زي بنتي.

ابتسمت له ابتسامة صافية، وامتلأ قلبها بالدفء.

نظر أدهم إلى ريم وقال:

- وانتِ كمان لعبتي معاهم؟

أومأت ريم وقالت بهدوء:

- كنت نفسي ألعب معاهم، فقولت لليل… وهي اتصرفت وخليتني ألعب معاهم.

نظر أدهم إلى ليل بنظرة امتنان، فابتسمت له ابتسامة صغيرة، عكست رضاها وفرحتها.

نظرت هدية إلى يزن وهو يتابع ما يحدث باهتمام، لكن عيناه لم تفارقا ليل.

قالت هدية بهدوء:

- طب أنا مصدعة… هدخل المطبخ أنا وسَحَر نعمل قهوة… طبعًا بعد إذنك يا ليل.

أومأت ليل برأسها بخفوت وقالت:

- ممكن… هعملها ليكم.

فقالت لليل وهي مبتسمة:

- يحببتي… انتِ تعبتي جدًا معانا النها رده، هدخل أنا أعملها بنفسي؟

ردت ليل بسرعة:

- طب أورِيك فين الحاجة؟

هزت هدية رأسها نفيا، ثم اضافت:

- مش مشكلة، هعرف انا لوحدي.

دخلت هدية المطبخ، وهي تلقي نظرة ذات معنى على ابنتها.

فجأة توجعت ريم، ونظر إليها الجميع بخوف، وقالت بوجع:

- أنا هدخل أريح شوية جوا يا ليل.

ابتسمت ليل وقالت:

- ماشي يا حبيبتي، تعالي أسندك.

ردّت ريم بابتسامة وهي تمثل الوجع:

- لا… أدهم هيسندني، ما تتعبيش نفسك.

سندها أدهم، ونظرت إليه بهدوء وهمست:

- ندي علي زين وقاله… عايزك.

استغرب أدهم كلامها، لكنها أكملت بهدوء:

- افهمك بعدين بس اعمل اللي قلتلك عليه.

أومأ برأسه وقال بصوت أعلى قليلًا:

- تعالي زين… عايزك.

قال حامد بغموض:

- أنا هجّي معاكم عشان أطمن عليكِ.

دخلوا الغرفة، وأرسلت هدية رسالة لمالك لتتحجج بشيء، حتى يأتي هو وأخته إلى المطبخ.

أخرج مالك هاتفه، ثم نظر اليه، وقال بهدوء لاخته:

- يلا… تعالي نروح لمرات عمي وعمتي، عشان لو محتاجين حاجة.

نظرت مليكة بغموض لأخوها وقالت:

- طب يلا… لأني عايزة أعملها قهوة.

دخلوا المطبخ، فأصبح المكان فارغًا، ولم يبقَ سوى ليل ويزن ينظران إلى بعضهما البعض بتعجب واستغراب.

فجأة، ارتسمت على وجه يزن ابتسامة توحي بفهم لما يحدث، بينما بدت الحيرة واضحة على ملامح ليل تجاه تصرفاتهم.

----------

تفتكروا اي لهيحصل بعدين؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مسرح ليل

المؤلف Hager Saeid
2025/07/17 مكتملة
قائمة الفصول (25)
الفصل بداية القاء: البارت الأول
2025/07/17
الفصل صورة كشفت الماضي: الفصل السادس عشر
2025/11/21
الفصل عائلة غريبة : البارت الثالث
2025/07/29
الفصل دقت قلب: البارت الثاني
2025/07/19
الفصل لمعه عشق تفتح باب الأسرار : البارت الرابع
2025/10/17
الفصل مفاتيح الماضي: البارت الخامس
2025/10/17
الفصل وجع الحاضر... وجرح الماضي: الفصل السادس
2025/11/03
الفصل ساعة الانتظار: الفصل السابع
2025/11/09
الفصل إجبار وجدال: الفصل الثامن
2025/11/09
الفصل ظل الماضي: الفصل التاسع
2025/11/09
الفصل خلف الأبواب المغلقة: الفصل العاشر
2025/11/09
الفصل حين تري ما لا يقال: الفصل الحادي عشر
2025/11/09
الفصل حين انقلب المشهد: الفصل الثاني عشر
2025/11/09
الفصل الصراع المكشوف: الفصل الثالث عشر
2025/11/09
الفصل حين يطرق الخطر الباب: الفصل الرابع عشر
2025/11/09
الفصل نغزة في القلب... والشك والغيرة: الفصل الخامس عشر
2025/11/13
الفصل المواجهة المنتظرة: الفصل السابع عشر
2025/12/01
الفصل الليلة التي اتغير فيها كل شئ: الفصل الثامن عشر
2025/12/08
الفصل بين البعد والقرب : الفصل التاسع عشر
2025/12/19
الفصل النبض الاول: الفصل العشرين
2026/01/10
الفصل العنيدة : الفصل الحادي عشرين
2026/01/16
الفصل لأجلكم جميعًا : الفصل الثاني عشرين
2026/01/18
الفصل بعد سنة من الغياب: الفصل الثالث والعشرون
2026/01/21
الفصل التهديد الأخير: الفصل الرابع والعشرون
2026/01/25
الفصل مسرح ليل 💥: الفصل الخامس والعشرون والاخير
2026/01/29

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة