الفصل السادس عشر

الفصل السادس عشر

13 0

#روايه_مسرح_ليل

#الكاتبة_هاجر_سعيد_محمد

>>>الفصل السادس عشر<<<

ضحك الجميع لثواني قصيرة خفّفت توتر الجو، لكن فجأة دوّى طرقٌ قوي على الباب، فجمدت الضحكات في الهواء، تقدّمت مليكة بخطواتٍ حذرة، يدها على المقبض، فتحته ببطء…

ورأت يزن واقفًا أمامها، ملامحه متحجّرة، وعيونه مشتعلة بغضبٍ واضح…

نظرةٌ واحدة منه إلى مليكة كانت كافية لتفهم، فتنحّت جانبًا وفتحت الباب على مصراعيه دون أن تنطق بكلمة.

دخل يزن… والغيرة مازالت عامياه، مسيطرة عليه الغضب من غير ما يحاول يهدي نفسه، لكن بمجرد ما لمحت عيناه حالة ليل البائسة…

قالت هدية بسرعة وهي تجمع الجميع بإشارة سريعة من يدها:

ـ يلا يا جماعة… نطلع برا.

تحركوا الجميع للخارج، وباب الغرفة اتقفل بهدوء… وبقى يزن وحده مع ليل.

جلس على طرف الفراش أمامها، حاول يخلي صوته ثابت… لكن عيونه فضحاه، مليئة بالقلق ووجع وخوف عليها.

قال بهمس:

ـ ليل…

رفعت رأسها ببطء ونظرت إليه، عيونها فيها عتاب موجوع، وقالت بصوتٍ مبحوح:

ـ انت… انت واهلك شيكتوا فيّا؟

قال يزن وهو يحاول يسيطر علي أعصابه، كلامه يخرج متقطع من شدّة الغضب والغيرة:

- أنا بتسافلك بنيّبة عنهم… عشان هما شاكّين فيكي وأنا آسف… بس والله حسّيت نار بتشتعل جوايا لما مامت صاحبتك قالت الكلام ده… ولما هو كمان قاله… النار زادت.

تنفّست ليل بصعوبة، وصوتها كان مهزوز وهي تبوح بما حدث:

- كنت محتاجاكِ… هو قطّع هدومي وحاول يقرب مني.

تجمّد يزن في مكانه، عيونه اتسعت بصدمة لم يقدر يخبيها، ووجهه اتغير باكمله في لحظة.

اقترب منها خطوة وقال بصوتٍ غليظ لكنه مكسور:

- أوعدِك… أني مش هسيب حقّك.

مدّ إيده وضمّها لحضنه، حضن طويل فيه غضب وحماية ووجع.

تركها بعد ثوانٍ، مسح على شعرها برفق وقال:

- قومي غيرّي… وأنا هاطلع لهم برّا.

خرج يزن من الغرفة متجهًا نحو الصالون.

وجد الجميع مجتمعين، والتوتر مالي الجو.

سأل يزن بغضب:

- هي فين صاحبتكم؟

ردّت ياسمين بسرعة:

- لسه ما ستتأذين… ومشّوا.

ساد الصمت، ولم يجرؤ أحد على إضافة كلمة تحت نظرات يزن الثقيلة.

مرّر يده على شعره الكثيف بتوتر قبل أن يسأل بنبرة حادة، كأن الكلام خارج من صدره غصبًا:

- أنتم إزاي ما تصحبين علي واحدة شبهها؟

نظرت رغدة له بتوتر، وابتلعت ريقها ثم قالت مبرّرة:

- لأ… مروة طيبة، بس مامتها اللي لسانها طويل وما بترحمش.

دخّلت هِدية محاولة تهدئة الموقف، وسألت بحذر:

- طب… ليل فين؟

أجاب يزن دون أن ينظر لأحد، وصوته ما زال مفعمًا بالضيق:

- بتغيّر هدومها… وها تطلع دوقتي.

وظلّ الجميع يراقبون الباب في صمتٍ ثقيل، منتظرين خروج ليل.

كان التوتر يملأ المكان حتى إن أنفاسهم صارت محسوبة.

حاولت ياسمين أن تكسر هذا الجو الخانق، فالتفتت نحو ريم بابتسامة مجاملة خفيفة، قائلة:

- معلش يا ريم… اتلهيت ونسيت أباركلك. ألف مبروك ليكي وللمهندس أدهم.

ردّت ريم بلطف رغم الإرهاق الواضح علي ملامحها:

- مفيش مشكلة… إحنا كلّنا اتلهينا. الله يبارك فيكي، وعقبالِك يا رب.

لكن الجو الهادئ لم يدم طويلًا… قطع مصطفى الكلام فجأة، وهو ينظر لياسمين بنظرة مازحة لكنه نبرة فيها استفزاز واضح:

- دي تتجوز؟! الله يكون في عون اللي هيتجوزها.

رفعت ياسمين أحد حاجبيها، وشبكت ذراعيها كمن يقف مستعدًا للرد:

- وأنا فيّا إيه وحش يا أستاذ؟

ضحك مصطفى ضحكة قصيرة وقال:

- لا تعليق.

انتشرت همهمة خفيفة بين الجالسين، ضحكة هنا وتنهيدة هناك، محاولةً لتخفيف حدّة المكان … لكن الحقيقة أن النظرات بجمعها ظلّت معلّقة على باب الغرفة، تترقب وتنتظر… تنتظر ليل لتخرج، وتنتظر معها مواجهة يزن، وشرارة الغضب التي ما زالت مشتعلة في عينيه.

ضيّقت ياسمين عينيها بغيظ تجاه مصطفى، بينما هو ابتسم بابتسامة مستفزّة واضحة.

حاولت رغدة تلطيف الجو بابتسامة واسعة، وزين كان ينظر إليهم جميعًا بغيرة ظاهرة، والآخرين تبادلوا نظرات الاستغراب وكأنهم يتساءلون: هو في إيه؟

قال مالك وهو يميل بظهره على الأريكة بثقة:

- أدهم مش مهندس… مفروض تقولي "حضرة الظابط". أمّا أنا… فأنا المهندس.

ردّت مليكة فورًا، وهي ترفع يدها باستهزاء مرح:

- مهندس بالستر يا خويا.

ضحك البعض، بينما اتسعت عينا مالك بدهشة مستفزة:

- أومال انتِ مهندسة بإيه؟

أجابت مليكة وهي تعدّل طرحتها بغرور لطيف:

- بالحب.

وانطلقت ضحكة خفيفة من زاوية الغرفة، خففت التوتر للحظات… لكن الباب ظلّ مغلقًا، والهدوء الذي يسبق العاصفة ما يزال يخيّم على المكان، في انتظار ظهور ليل.

فقال مالك وهو ينظر لمليكة بضيقٍ مفتعل:

- حُبّك بَرَص… وعِشرة خَرَس يا بعيدة.

قالت سَحَر سريعًا:

- وبعدين؟

ردّ مالك ومليكة في نفس اللحظة وهما يضحكان:

- ولا قبلين يا سحور… يا قاطعة الرزاق!

انفجر الجميع في الضحك، فقال أدهم وهو يهزّ رأسه بغيظ:

- يا جَزم… بتقولوا اسمها عادي! نِدّوها بعمّتي!

ضحك مالك وقال:

- ما فرقتش يا خويا!

مال مصطفى في اتجه ياسمين وهو يرفع أحد حاجبيه باستفزازٍ خفيف:

- نَاقَر ونَقير… ده مش بيفكّرك بحاجة؟

ابتسمت ياسمين وهي تردّ بثقة:

- حاجة ولا حاجات؟

ضحك مصطفى، وياسمين ضحكت معه، وانتبه لهما البعض من الذين جالسين.

فقال مصطفى:

- فاكرة لما حطيتي المستيجة في شعرك؟

شهقت ياسمين بتمثيل:

- بتفكّرني ليه بس؟! ما هو بسببك شعري اتقص!

ردّ مصطفى وهو يكتم ضحكته:

- طب والله كان حلو لما اتقص… وكنتي بتتعكّسي يا بايره.

رمقته بنظرة ضيّقة وهي تنظر له من الاسفل للأعلى زالعكس بقرف:

- ومين اللي جاب ليا الكلام؟ مش انت! وبعدين أنا بحب شعري طويل وانا مش بايره انا حلوة ومدملكة وألف مين يهمني الدور والباقي علي مش لاقي كلبة تعبرك.

ضحك بسخرية وقال بغيظ:

- تعبرك ده أنا النسوان هتقطع بعضيها عليا.

شهقت رغدة وقالت بتحذير:

- مصطفى

نظر إليها مصطفى وقال بهدوء:

- انا اسف ياماما.

ثم نظر لياسمين وأكمل باستفزاز:

- طب فاكرة لما كنتي بتسقي الزرع… وأنا وقعت الميّة عليكي من فوق؟

- وبسببك برد يا ابن اللذينة!

قهقهت رغدة عليهم وقالت وهي تشير لهم:

- فاكرين أنتم الاتنين لما كنتوا بتتخانقوا… وليل دخلت تحوش ما بينكم؟ واضربت بسببكم… وعيّطِت!

عمّت ضحكة خفيفة المكان، لكن رغم الضحك… العيون كانت مازالت متوجهة للباب المغلق، منتظرة خروج ليل… وتبدأ المواجهة الذي لم يتوقعها شخص كيف سوف تكون المواجهة؟

خرجت ليل من الغرفة، ابتسمت بخفة وقالت:

- وبسبب عيطي اتصلّحوا.

وءهبت تجلس بجوار مصطفى، وسط نظرات يزن الحارقة، لكنها كانت مركزة على ذكرياتهم، وياسمين كانت جالسه بجوار مصطفى هي الاخري.

ابتسم مصطفى وقال:

- فاكرة لما كبّيتي العصير على الأرض؟ وانا وقعت بسببك…

نظرت له بدهشة، فقالت:

- ومين كان السبب؟ مش انت لما قولت انتِ بتلمي الولاد عليكي وبتتعكسي.

ضحكت ياسمين قليلاً وقالت:

- يعني كان بيدها انها حلوة وقمر، ومن كتر غَظّها منك… كبت العصير وانت مش واخد بالك ووقعت.

قالت رغدة ضاحكة:

- وقتها ما كلّمتوش بعض… ودي كانت أكتر مرة خصمتوا فيها بعض.

رد مصطفي، مبتسم لكنه محتار قليلًا:

- أنا مكنتش قصدي أقول كده… بس أنا كنت غيران عليها.

ابتسمت ليل وسألته:

- طب فاكر لما كنت متفق مع جودي إنها تكبّ مية علينا؟

ضحك مصطفي وقال:

- مأنتم بردو كنتم بتفقوا معاها إنها تجيب مية ساقعة وتكبوا عليّا!

قالت جودي مازحة:

- مانت يا مصطفي نومك تقيل.

ردّ مصطفي بابتسامة ساخرة:

- أمال انتِ ايه؟ لو البيت يتهد مش هتقومي؟ ما حتى لو في زلزال بردو مش هتقومي!

ثم قام مصطفي ووقف أمام جودي، ورقع ليها وقال بعد ما مسك إيدها:

- أنا آسف على كل اللي حصل، أنا عارف إنك مش هتقدري تسامحيني… بس رأيك إيه نبدأ صفحة جديدة؟ وترجعي معانا البيت…  البيت، وحش من غيرك جدًا.

ابتسمت له، وابتسم الجميع حولهما، ونظرت رغدة لتتأكد من موافقتها، ثم نظرت جودي إلى مصطفى وقالت بهدوء:

- أنا مش هقدر اسامحك… بس موافقة أرجع البيت.

ضحك مصطفي وقال:

- مش مهم… قلبك هيحن يا جميل بعدين.

ردت جودي بسرعة وهي ترميه بنظرة:

- ملفّزك يا حيوان!

رفع مصطفى يده بزهق:

- يوووووووه…….

ثم اقترب من جودي وضمّها لحضنه ضمة قصيرة فيها اعتذار.

وبعد ما رجع يقف، بصّ ليل وياسمين بنظرة صريحة وقال:

- أنا عارف إني بعدت عنكم… وإننا اتفرّقنا بسببي.

وقف لحظة وكأنه يستجمع شجاعته، ثم قال:

- إيه رأيكوا… نرجع من تاني؟

بادرت ياسمين بحماس طفولي:

- ولقد هَرِمنا لهذه اللحظة!

انفجر مصطفى ضاحكًا وقال:

- إيه… مفيش حضن لعمو؟

رفعت ياسمين أحد حاجبيها باستفزاز لطيف:

- يا سلام!

ضحكت ليل وهي تهز رأسها:

- ياختي جميلة…

نظر لهم مصطفى بتمثيل غضب وقال:

- إيه منك ليها؟ هو عشان أنا الصغير فيكم تتريقوا عليا؟

صاحت ليل بثقة وهي تتدلّل:

- أيوة طبعًا! وبعدين أنا الكبيرة… يعني المفروض تسمع كلامي.

ضحك مصطفى، لكن قبل ما يرد، تمتمت ياسمين وهي تشوّر إليها بإيدها:

- اتوكّسي بقى.

اقتربت ياسمين من مصطفى وحضنته بخفة، وكأنها بتحتفل بمصالحتهم… وبمجرد ما ليل مدّت رجلها وكاد تقرّب هي الاخري.

وقف يزن فجأة، صوته حادّ:

- انتِ رايحة فين؟

تجمّد كل شئ فجاة للحظة.

نظر له مصطفى بضيق وقال:

- وفيها إيه؟

تقدم يزن خطوة نحوه، وقد برزت عروقه من شدة غضبه، وكأنه على وشك إنه يمد إيده عليه.

لكن رغدة وقفت بسرعة بينهم، رافعة يدها بإصرار:

- مفيهاش حاجة لو الأخ حضن أخته!

التفت الجميع لها في نفس اللحظة، ومن غير ما يشعروا خرج منهم صوت واحد:

- إيــــه؟!

الصدمة، المزاح، والحرج اتجمعوا في نفس اللحظة… والعيون كانت بتتنقّل بسرعة بين يزن، وليل، ومصطفى، وكل شخص منتظر الذي سوف يحدث بعد ذلك.

حاولت ياسمين تفكّ التوتر بابتسامة خفيفة وقالت:

- ماهو أكيد أنا مش هِمسك شعر مصطفى واتخانق معاه… إلا لو كان أخويا ولا كنت حضنته حتي.

رفعت ليل إيدها تأكد الكلام وقالت بسذاجة محببة:

- مامت ياسمين رضّعتني… ورضّعت مصطفى مع ياسمين.

شهقت مليكة وهي توسّع عينيها:

- أنتم إخوات برضاعة؟ وااو!

ضحك مصطفى وهو يهزّ راسه:

- آه… بس الأيام فرّقتنا. ومش هتفرّقنا تاني، خلاص.

قهقه جودي وقالت:

- والله ورجعت شِلّتنا المجانين تاني!

تدخلت رغدة، واضعةً يدها على خصرها بنبرة ساخرة:

- طب وهتكون مع مين بقى المَرْدي؟

امتلأ الصالون بضحكاتٍ متشابكة، تتداخل مع همساتٍ خفيفة… لكن وسط الضحك، كانت نظرة يزن لا تزال مشتعلة، وليل ركّزت عينيها عليه بتوترٍ خافت…

قال مصطفى وهو يرفع يديه بمبالغة:

- يا ماما… البنات هيبقوا مع بعض، وأنا لوحدي؟

ضحكت ليل بخفة وقالت:

- هنرجع زي زمان… أنا وياسمين، وانت وجودي.

قالت جودي وهي تهز رأسها بمزاح:

- والله ورجعت تتحيّزي للطرفين زي الأول!

وانفجر الجميع ضحكين مرة اخري.

اقتربت ليل من ريم وربّتت على يدها بحنان:

- اتلهيت عندك… ألف مبروك ليكي ولحضرة الظابط أدهم.

رفع زين أخد حاجبيه باستغراب، ثم سألها:

- انتِ تعرفي إنه ظابط؟

ردّت بثقة:

- أه… مالك قالي.

التفتت الأنظار فورًا نحو مالك، فهزّ رأسه بسرعة وهو يبرر:

- لما حصل ضرب النار… هي سألتني على السبب. ولما توقّعت اللي حصل… قلتلها.

علّق حامد بنبرة ماكرة لا تخلو من الفضول:

- يعني عارفة إن يزن ظابط… وكمان بيشتغل في شركة جده؟

قالت ليل بثبات:

- أه… عارفة. وبعرف كمان إن زين ظابط… ودكتور.

ساد الصمت لثواني… نظرات متفاجئة، وضحكات مخنوقة، وكلمة معلّقة في الهواء.

لكن النظرة الأوضح كانت نظرة يزن… عينه اتسعت للحظة، وظهر فيها مزيج غريب من الغضب والقلق والشك…

قطعت مليكة الهدوء وهي تقول بنبرة ساخرة:

- دكتور بهايم ياختي!

وانفجر الجميع ضحكين لم أحد يعرف ما عددها.

التقطت ياسمين أنفاسها وهي تمسك بطنها وتقول:

- دكتور بهايم؟! ههههههه… والله ما يبان على شكالك يا زين!

ارتفع زين أحد حاجبيه، محاولًا يحافظ على ملامحه:

- ماشي… هنشوف لما تبقي مش مهندسة… هتبقي إيه؟

ثم غمزلها بخفة:

- وبعدين أنا مش دكتور بهايم… هي اللي قالت كده! كنت ناوي أبقى بيطري، بس دخلت طب عسكري.

قالت ياسمين وهي تبتسم:

- أمممم… تمام.

ضحكت مليكة وقالت بثقة مبالغ فيها:

- هبقى أحسن منك برضه!

تنهدت ريم وهي تهز رأسها:

- إحنا مش هنخلص منكم… الله يبارك فيكي يا ليل، وعقبالِك يا رب.

احمرّ وجه ليل بخجل خفيف، ورفعت عينيها من غير ما تقصد اتجه يزن… عينه كانت مازالت عليها، ثابتة، مضغوطة، كأن كل كلمة بتتسجل داخل عقله، وكأن وجود الطفل بين إيديها فجأة وجّع شئ في قلبه لم يكن ناوي يعترف بيها.

قطعت ليل التوتر وقالت:

- ينفع أشيله؟… هو اسمه إيه؟

أومأت ريم ومدّت لها الطفل بابتسامة:

- اسمه زياد.

أخذته ليل بحنان، حضنته بهدوء وحنية على صدرها، وابتسمت وهي تنظر لملامحه الصغيرة:

- شبه أدهم قوي…

اتّسعت عينا مليكة فجأة وقالت بسرعة:

- أنا قلت إيه؟!

ضحك الجميع من جديد… لكن يزن؟ لم يضحك… ولم يشارك… عيناه ظلّتا معلّقتين على ليل وهي تحمل زياد، وفي داخله شيء ما يتحرك…غيرة؟ خوف؟ حنين؟ أم وجع؟ هو نفسه لم يفهم.

ذهبت ليل إلى الأريكة وهي ما تزال تحمل زياد، وتجمّعت حولها ياسمين وجودي وكذلك مصطفى، يلعبون مع الصغير ويضحكون.

قالت هدية وهي تنظر بين يزن وليل بنبرة مازحة:

- أنتم بقا مش ناويين تجيبوا طفل؟

كان يزن طوال هذا الوقت يراقب ليل بحب واضح… يحب حبّها للأطفال… ويغار قليلًا من قرب مصطفى منها.

أفاق من شروده على كلام والدته، فقال وهو ينظر لليل:

- إن شاء الله… مش كده يا ليل؟

رفعت ليل نظرها بخجل، وخفّضت عينيها وهي تقول:

- إن شاء الله.

قال حامد:

- يلا يا جماعة، عشان ريم تعبانه ومحتاجه ترتاح.

قالت ليل بهدوء:

- تريح هنا؟

هزّت ريم رأسها وقالت:

- لا يا حبيبتي، هنروح. انتِ عارفة اننا قايمين من بدري.

بدأ الجميع بالخروج، وكذلك رغدة وياسمين. ولم يتبقَّ في المنزل سوى يزن وليل.

اقترب منها يزن قليلًا وقال بنبرة خفيفة لكنها حادة:

- على فكرة… أنا ماعجبنيش قربك من مصطفى.

نظرت له بدهشة:

- مصطفى أخويا! وإحنا متربين سوا من وإحنا صغيرين.

قال متحشرجا وهو يحاول استعادة أنفاسه:

- حتى لو… وبعدين ياريت بعد كده ما تنديش أدهم وزين ومالك كده. قولي: حضرة الظابط أدهم… والدكتور زين… والمهندس مالك.

رمقته ليل بنظرة مستغربة:

- انت مِفَوَّر المواضيع كدة ليه؟

قال وهو يقترب منها أكثر، نبرته منخفضة لكن جدّيته واضحة:

- افهمي زي ما تفهمي… المهم تسمعي اللي بقوله.

ثم أكمل وهو يحاصرها بنظراته:

- تعالي بقى نسمع كلام بابا وماما… ونجيب عيل.

—-----------------

عادت مروة مع والدتها إلى المنزل، وما إن أغلِق الباب خلفهما حتى التفتت إليها بحدة وقالت:

- إيه يا ماما اللي قولتيه هناك؟

نظرت لها والدتها باستغراب:

- أنا قلت إيه؟

قبل أن ترد، اقترب والد مروة وهو يسمعهما وقال بنبرة جدية:

- بتكلمي مامتك كده ليه؟ وبعدين… رجعتوا بدري ليه؟

تنفست مروة بعمق وبدأت تحكي له ما حدث.

وبعد أن انتهت، نظر الأب لزوجته نظرة عتب واضحة:

- أنا مش قلتلك تروحي مع بنتك عشان هي وحيدة ومحتاجة حد جنبها؟ تروحي تعمّلي كده؟

ردّت الأم بضيق:

- ما هو اللي حصل حصل بقى.

نظرت مروة إليها بحزن وقالت بخفوت:

- يا رب ارحمني.

ثم دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها.

تنهّد والدها وقال لزوجته:

- ربنا يهديكي.

ثم خرج من الشقة.

تمتمت الأم بغيظ بعدما ما بقت في الصالون لوحدها:

- مالهم دول؟

—--------

ساد التوتر في المكان، وقف الرال المجهول وهو بيركل المقعد بعصبية وقال بصوت مليان غيظ:

- يا وِلاد… معرفتش أَكسَر قلبه ولا أقهرّه على مراته… خطّتي باظت!

نظر الحارس الشخصي له:

- طب هنعمِل إيه يا باشا؟

اتسند الرجل المجهول بظهره على الحيطة، ورفع راسه لفوق كأنه بيحاول يهدّى غضبه.

قال وهو يغلق عينيه ببطء:

- سبني… أفكّر.

سكت.

لكن كان يعلم الجميع ما يفكر بيه هذا …

إن اللحظة الذي يفكر فيها هذا،

بتكون دايمًا بداية مصيبة أكبر.

—----------------

ساد توتر واضح في القصر، والعيون بأكملها في داخلها نفس السؤال.

تحدّث الجد بنبرة جادّة، وهو ينظر إلى أدهم:

- يعني دوقتي في خطر على العيلة… عشان كدة جابته ريم وابنها؟

هزّ أدهم رأسه بثقة:

- أيوة يا جدي… وعشان كده يزن سافر. عايز يبعد الخطر عن العيلة بأي شكل.

لم يردّ الجد، بل اكتفى بنظرة طويلة وكأنها بتحسب كل خطوة.

ثم أشار للجميع:

- اطلعوا على أوضكم. كل واحد يرتاح.

تحرك الجميع في صمت، وبدأت الأصوات تخفت تدريجيًا حتي خلت القاعة تقريبًا.

وقف الجد مع عماد فقط، وعندما اتأكد إن الجميع ذهب، قال بصوت منخفض مليان ذكاء:

- يزن… بيشغّل دماغه علينا تمام. أوووي يا يزن…

وبينما الجد وعماد يصعدون، كانت بكْنام قريبة من شهناز.

مالت عليها وهمست بغلٍ مكبوت:

- أنا نفذي صبر قريب جدًا هيتربّا كل حاجة فوق دماغه ودماغ عيلته كلها.

شهناز رمشت بقلق…

تعلم إن كلمات بكْنام عمرها ما كانت مجرد كلام.

—---------------

في صباح اليوم التالي، دخل يزن المديرية بعد ما اطمن علي ليل مع رغدة والفتيات وإنها لا تكون لوحدها.

خطواته كانت سريعة، صلبة… وعينه فيها نار مش مطفية من الذي حدث.

اتجّه فورًا للحجز.

أشار للعسكري:

- اقفل الباب وقفلوا ورايا.

اتقفلت الباب الحديد، عندما داخل يزن نحو الرجل الذي في داخله إجابات كتير ليس ظاهره.

مسكه من ملابسه بقوة، شدّه له وقال بصوت منخفض لكنه مرعب:

- هتقول بذوق… مين بعتك؟ ولا أستعمل معاك حاجة مش هتعجبك.

اتلجلج الرجل:

- محدش… بعتني؟! أنا… لجيت بنفسي…

إيد يزن ارتفعت ونزلت ببوكس مباشر على وجهه الرجل.

وقع على الأرض وهو بيترعش، ويزن قرب منه خطوة بخطوة:

- اتكلّم مين لبعتك… هو نفس الشخص اللي ضرب نار عليا في فرحي؟

رد بخوف بيقطع النفس وهو بيحاول يقف:

- أيوة… أيوة! بس محدّش بيشوفه… لما يعوز حاجة، بيبعد الحارس الشخصي… محدّش يعرف شكله الا هو!

قبل ما يزن يرد، اتفتح الباب بعدما أخد العسكري الإذن:

- حضرت اللواء طالبك فورًا يا فندم.

اتنفس يزن بقهر ساكن…

ونظر للرجل نظرة وعد: لسه ما خلّصتش معاك.

- حاضر.

خرج واتجه لمكتب اللواء.

طرق علي الباب، وعندنا سمع الاذن بالدخول.

فتح يزن ودخل، وقف أمام اللواء ضارب تعظيم سلام.

هتف اللواء بهدوء:

- اتفضل اقعد يا يزن.

جلس، منتظر الكلام.

اللواء نظر له بجدية:

- يزن… متعملش أي فعل متهوّر تاني.

- يا حضرت اللو…

قاطعه اللواء بسرعة:

- لو مش خايف على نفسك… خاف على عيلتك. وعلى مراتك.

جهّز نفسك… بعد شهر هتسافر في مهمة. انت وأدهم وزين.

قال يزن، بشكّ وقلق:

- مهمة إيه دي؟

رد اللواء:

- كل حاجة هتعرفها قبل السفر.

هتف يزن بضيق:

- وهقعد قد إيه هناك؟

- على حسب… ما تخلّص المهمة. اتفضل.

وقف يزن، قالا:

- تمام يا فندم.

خرج من المكتب… لكن هذه المرة، لم يكن الغضب الذي مسيطر عليه فقط.

يوجد خوف… على ليل. وعلى الذي سوف يحدث.

—----------------

مرت الأيام، وبدأت ريم تستعد صحتها، وتحضّر لسبوع المولد الأول للعائلة.

اقتربت هدية من زوجها بقلق وقالت:

- اقنع ابنك ييجي يحضر سبوع ابن أخته.

رد حامد مترددًا:

- يزن مش عايز يجي بسبب بابا، وخايف على ليل يسيبها لوحدها تاني.

حاولت هدية تبريره بابتسامة مطمئنة:

- هو بابا مهم… ولا فرحت بنتي المهمة، أتصرف يا حامد؟ ليل ممكن تقعد عند رغدة عادي.

تنهد حامد وقال:

- حاضر.

نزل بعد ذلك، وتوجّه إلى زين قائلاً:

- تعال، نجيب أخوك.

ابتسم زين وقال:

- هنقنعه يا بابا.

وأضاف حامد بسرعة:

- اه يلا بسرعة قبل ما جدك وعمك يجوا من الشركة، وبكنام وشهناز يصحوا.

فجأة قال مالك ومليكة بحماس:

- عايزين نجي معاكم!

رد زين مبتسمًا:

- هي رحلة… يلا يا بابا.

نظر إليهم حامد وقال:

- لو ما جِوش معانا، هيجوا ورانا… عيالا وإحنا عارفينهم.

ضحك الجميع، ثم قال زين مازحًا:

- زي ما قلت يا بابا… يلا نمشي.

وبينما كانوا يتحركون، سألت ريم بفضول:

- هو يزن مش جاي يا أدهم؟

أجابها أدهم مطمئنًا:

- متخافيش عمي… هيروح له هو وزين، وهيقنعوه ييجي.

—-------------

جلست ليل على الأريكة بعد أن انتهت من الصلاة، بينما كان يزن منشغلًا في إنهاء بعمله على اللابتوب داخل الغرفة.

فجأة، سمعت طرق الباب.

كانت ليل تمسك صورة قد سرحت فيها قبل لحظات، لكن مع تكرار الطرق، وضعتها سريعًا على الطاولة ونهضت بخفة لتفتح الباب.

وما إن فتحت الباب حتى تفاجأت بحامد وزين ومالك ومليكة أمامها، فابتسمت قائلة:

- اتفضلوا.

دخلوا الي الداخل، فسأل حامد:

- فين يزن؟

ردت ليل:

- جوا بيخلص شغل… هروح أناديه. اتفضلوا اقعدوا.

دخلت ليل، وهم جالسوا، وعلم يزن أن عائلته في خارج الغرفة فقال:

- أكيد جاين يقنعوني إني أجي السبوع…

- شكلها كدا ما تكسرش بخاطرهم، وروح معاهم عشان ريم وأدهم ما يزعلوش. قالتها ليل

ابتسم، قائلاً:

- هسيبك لوحدك.

ردت ليل مبتسمة:

- عادي… هقعد مع رغدة والبنات.

خرج يزن وسلم على عائلته بحرارة، بينما ذهبت ليل الي المطبخ.

فجأة، انتبهت مليكة لصورة على الطاولة التقطتها ونظرت إليها بابتسامة:

- مين دول اللي في الصورة يا ليل؟

خرجت ليل من المطبخ وهي تحمل العصير مبتسمة:

- دي ماما… وتيته الله يرحمهم.

رد الجميع بصوت واحد:

- الله يرحمهم.

قال مالك وهو يمعن النظر في الصورة:

- فيكي شبه من مامتك يا ليل.

ابتسمت ليل، وأخذ حامد الصورة بفضول.

ظهرت عليه الصدمة، ثم قال وهو ينظر إليها:

- هي مامتك اسمها رزان؟

قبضت ليل حاجبها متسائلة:

- حضرتك عرفت منين؟

أجاب حامد بحنان وفرحة، ومشاعر مختلطة:

- انتِ بنت رزان.

-----------------

البارت الجاي هيبقى دمار؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مسرح ليل

المؤلف Hager Saeid
2025/07/17 مكتملة
قائمة الفصول (25)
الفصل بداية القاء: البارت الأول
2025/07/17
الفصل صورة كشفت الماضي: الفصل السادس عشر
2025/11/21
الفصل عائلة غريبة : البارت الثالث
2025/07/29
الفصل دقت قلب: البارت الثاني
2025/07/19
الفصل لمعه عشق تفتح باب الأسرار : البارت الرابع
2025/10/17
الفصل مفاتيح الماضي: البارت الخامس
2025/10/17
الفصل وجع الحاضر... وجرح الماضي: الفصل السادس
2025/11/03
الفصل ساعة الانتظار: الفصل السابع
2025/11/09
الفصل إجبار وجدال: الفصل الثامن
2025/11/09
الفصل ظل الماضي: الفصل التاسع
2025/11/09
الفصل خلف الأبواب المغلقة: الفصل العاشر
2025/11/09
الفصل حين تري ما لا يقال: الفصل الحادي عشر
2025/11/09
الفصل حين انقلب المشهد: الفصل الثاني عشر
2025/11/09
الفصل الصراع المكشوف: الفصل الثالث عشر
2025/11/09
الفصل حين يطرق الخطر الباب: الفصل الرابع عشر
2025/11/09
الفصل نغزة في القلب... والشك والغيرة: الفصل الخامس عشر
2025/11/13
الفصل المواجهة المنتظرة: الفصل السابع عشر
2025/12/01
الفصل الليلة التي اتغير فيها كل شئ: الفصل الثامن عشر
2025/12/08
الفصل بين البعد والقرب : الفصل التاسع عشر
2025/12/19
الفصل النبض الاول: الفصل العشرين
2026/01/10
الفصل العنيدة : الفصل الحادي عشرين
2026/01/16
الفصل لأجلكم جميعًا : الفصل الثاني عشرين
2026/01/18
الفصل بعد سنة من الغياب: الفصل الثالث والعشرون
2026/01/21
الفصل التهديد الأخير: الفصل الرابع والعشرون
2026/01/25
الفصل مسرح ليل 💥: الفصل الخامس والعشرون والاخير
2026/01/29

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة