الفصل الحادي عشرين

الفصل الحادي عشرين

13 0

#روايه_مسرح_ليل

#الكاتبة_هاجر_سعيد_محمد

>>>الفصل الحادي عشرين<<<

تم تأجيل كل ما يخص طلاق يزن وليل، وموضوع الكلام في إخفاء حملها، بقرار جماعي…

الجميع اتفق إن الأولوية تكون لشفاء ليل، وبأمرٍ صريح من يزن نفسه، خصوصًا بعد العراك العنيف الذي حدث بينه وبين جده، والذي انتهى بتأجيل كتب كتابه على شهناز إلى أجل غير مسمّى.

مرت الأيام، وكبر الصغير يومًا بعد يوم…

وبدأت حالة ليل تتحسّن ببطء، لكن الدكتورة شددت على منع دخول العائلة إليها، خوفًا عليها.

وعندما علمت ليل أن يزن قد علم الحقيقة…

أن طفلها هو ابنه، لم يكن الخبر مجرد معلومة، بل صدمة اخترقت قلبها.

عرفت ذلك من الطبيبة أولًا، ثم أكّد لها مصطفى الحقيقة كاملة:

حياة طفلها كانت في خطر حقيقي، والذي أنقذه… كان والده.

اتجمّد الخوف في صدرها لم تخف على نفسها، بل على اللحظة القادمة؛ لحظة المواجهة بينها وبين يزن، وبينها وبين العائلة بأكملها.

تساءلت في صمت:

كيف ستقف أمامه بعد كل هذا؟

كيف ستبرر إخفاءها للحمل؟

وكيف ستتحمل نظرته، بعدما عرف أن الطفل الذي حارب من أجله… كان قطعة من روحه؟

الخوف لم يكن من العتاب، بل من انكشاف كل ما حاولت دفنه داخلها طوال الشهور الماضية.

ياسمين وجودي كانوا بيأتوا المستشفى يطمنوا عليها من بعيد.

والجد أصدر أوامره: لم يذهب أحد ليراها ولا ابنها إلا بعد ما يتم شفاؤها تمامًا.

لكن يزن… لم يلتزم بهذا الامر.

كان بيأتي في الليل، من غير ما حد يعرف. يدخل غرفتها بهدوء، يطمن عليها، وغالبًا يرأها نائمة…

وفي إحدى الليالي، دخل يزن الغرفة بعدما كانت الطبيبة قد أعطتها دواء النوم.

كانت نائمة بعمق، ملامحها هادئة على غير عادتها، كأنها هربت أخيرًا من كل ما أتعبها.

وقف بجوار سريرها، ثم سحب مقعدا وجلس بجوارها دون أن يبعد عينيه عنها.

تردّد للحظة، ثم أمسك يدها بحذر، كأن لمسة واحدة قد توقظ كل أوجاعه.

خرج صوته مكسورًا، هامسًا، وكأنه يخاف أن تسمعه حتى وهي نائمة:

- مش عارف أقسى عليك… وبسببك دايمًا بستسلم عشان بِتبيعِي حُبي ليكي؟ خمس شهور وأنا بحاول أنساكي… ومش قادر كل ما احول بقسى على قلبي، ألاقي نفسي أنا اللي بتوجع، أنا آسف… آسف إني مش قادر أسامحك، رغم إني بحبك أكتر من نفسي.

ضغط على يدها برفق، وكأن اعترافه كان وداعًا مؤقتًا، ثم تركها كما وجدها… نائمة، لا تعلم أن قلبًا كان ينكسر بجوارها.

مسح يزن دموعه بسرعة، وكأنه يحاول يمحو ضعفه، ثم نهض بهدوء وهو يستعد للمغادرة، وعند باب الغرفة، توقّف فجأة…

اتجمّد مكانه حين وجد مصطفى وياسمين وجودي واقفين أمامه.

اتسعت أعينهم بصدمة، والدهشة جمدت ملامحهم للحظة، وكأنهم لم يتوقّعوا رؤيته هنا أبدًا.

قال مصطفى بإستغراب:

- بتعمل إيه هنا يا يزن؟

نظر يزن إليهم، وبصوت منخفض:

- كنت بطمن على ليل.

تساءل مصطفى باستغراب:

- ليه؟

رد يزن من غير تفكير:

- عشان دي تبقى مراتي… وأم ابني.

قالت جودي بذهول:

- انت… انت لسه فعلا مطلقتهاش؟

أومأ يزن برأسه وقال بصوت منخفض:

- أنا نطقت الكلمة لما هي صمّمت وكانت لحظة غضب… من غير ورق رسمي.

تساءلت جودي:

- ليه؟

ابتسم بوجع:

- مش محتاج أقول… قولولي أنتم. ليه ليل خبت حملها؟

ردت ياسمين بتوتر:

- كانت خايفة… خايفة بعد ما تولد تاخدوا منها الطفل.

هتف يزن بعصبية مكتومة:

- يعني دي أخلاقكي؟

قالت ياسمين بهدوء وفيه خوف:

- هي خافت… وبعدين حتى لو انت ما أخدتوش، جدك كان هيعمل كده أكيد.

رد يزن بوجع وهو بيشد فكه:

- أنا مستعد أتحدّى جدي عشانها تاني، زي ما عملت قبل كده… بس ما ترميش كل ده وراها.

قال مصطفى بهدوء:

- اعذرها يا يزن…

قال يزن بانهيار:

- أنا تعبت… مش عارف أواجه مين ولا مين. جدي اللي واخد كل حاجة على إنها تحدّي، ولا شغلي وضغطه، ولا ليل، ولا إيه ولا إيه.

اقترب مصطفى منه، وربّت على كتفه:

- وحّد الله يا يزن. انا مش بتعود عليك كدا… اوعى تستسلم استعين بربنا.

أومأ يزن بتعب، وقال بصوت منخفض:

- لا إله إلا الله، محدّش يقول لـ ليل إني جيت.

ثم استدار وتركهم، وقلبه معلّق بين خوفٍ ينهش صدره، وحنينٍ يوجعه، ومواجهةٍ قادمة لا مفرّ منها.

ردّوا جميعًا:

- حاضر.

تحرّك يزن ليغادر، لكن صوت ياسمين أوقفه:

- يزن!

توقّف، ثم التفت إليها، وقال:

- نعم؟

قالت وهي تحاول تطمّنه:

- الدكتورة قالت إنها هتسمح لينا كلنا نزور ليل بكرا… وكمان نشوف ابنك، كبر عن الأول، انت بقالك كتير ما شوفتهوش.

ابتسم يزن ابتسامة موجوعة، وقال:

- مين قالك إني ما بشوفوش؟ انا بشوفوا كل يوم… بس كل مرة أشوفه، بحس إني عايز آخده في حضني وامشي مش بيهون عليّا أسيبه.

اقترب منه مصطفى، وقال بثبات:

- أوعى تستسلم يا يزن… المواجهة اللي جاية أصعب.

أومأ يزن:

- مش هستسلم، شكرًا ليكم.

ثم استدار وغادر، وقلبه يحترق شوقًا لتلك التي ما زالت تسكنه، يتمنى لو يركض إليها ويضمّها، لكنه يخشى أن تقف أمامه من جديد… تجرحه، وتُهين كرامته، وتُعيده لنقطة الصفر.

بعد رحيله، قال مصطفى بقلق:

- تفتكروا بكرة هيحصل إيه؟

تنهدت ياسمين، وقالت بجدية:

- بكرة المواجهة هتكون صعبة… بس أوعوا تنسوا إن جدتي مش هتسكت، ولا هتهدى غير لما ليل ترجع بيت جوزها.

ابتسم الجميع ابتسامة خفيفة، رغم أن الخوف من الغد كان حاضرًا في قلوبهم جميعًا.

—--------------------------

في القصر، اتجه يزن إلى الداخل وهو يشعر بثِقَلٍ يجثم على صدره.

ما إن خطا للداخل حتى وجد الجميع مجتمعين، والتوتر واضح على وجوههم.

نظر إليهم بغموض، ثم قال بصوتٍ عالٍ:

- بدآ، في إيه يا جدي؟

رفع الجد عينيه إليه وقال:

- فهمني.

ابتسم يزن ابتسامة باهتة، وقال بنبرة خافتة تحمل مرارة:

- مش شبهك.

قال الجد بنبرة حازمة:

- المهم يا يزن… انت أخّرت جوازك من شهناز، وأنا وافقت، بس لحد إمتى؟ دا أول سؤال.

ساد الصمت، فتابع الجد:

- تاني سؤال… السنيورة طليقتك قصدي مراتك، لإنت قلت إنك طلقتها، وطلعَت لسه على ذمّتك.

ظهر القلق علي الجالسين، بينما أكمل الجد ببرود:

- انت هتطلقها يوم كتب كتابك على شهناز. وبالنسبة لابنك… لازم يتربّى هنا وسطنا، ده ابننا، وإحنا اللي هنرعاه، قولت إيه؟

رفع يزن حاجبه بهدوء مستفز، والجميع ينظر لبعضه بتوتر. وفجأة… ضحك يزن بصوتٍ عالٍ، ضحكة خالية من أي مرح.

وقال:

- هو أنا ما قلتلكش يا جدي إن مفيش جواز؟

صمت تام سيطر فجاة، علي المكان.

ثم أكمل بثبات:

- ببساطة… مراتي أنا مش هطلقها. وأصلاً، أنا مطلّقتهاش رسمي. انت فاكر إني طلقتها، لكن أنا رجعتها على ذمّتي.

اقترب خطوة للأمام:

- والمهم… ليل هتعيش هنا في القصر، هي وابننا، ومحدش يعترض.

ضحك الجد بسخرية، وقال:

- هعتبر نفسي إني ما سمعتش حاجة.

ثم أضاف بنبرة حادة:

- بس هرد على آخر جملة قلتها. ليل هتعيش هنا؟ انت ناسي إنها من كام شهر رفضت تعيش في القصر؟انت قليت من نفسك قدامها، وهي ولا هزّت فيها كلمة.

اشتعل الغضب في عيني يزن، لكنه تمالك نفسه، واقترب من الجد بنظرة تحدٍّ:

- لو وافقت وجت… أول حاجة هتحصل: أني مش هتجوز شهناز.

تاني حاجة: أني مش هطلق ليل.

نظر الجد إليه بنفس التحدي، وقال:

- وأنا موافق. بس لو هي ما وافقتش… تطلقها، وتتجوز شهناز. وابنك ييجي يعيش هنا، وريم هي اللي تربيه.

ابتعد يزن خطوة للخلف، وصوته خرج مبحوحًا لكنه ثابت:

- تعرف ليه ليل خبت حاملها؟ عشان كانت خايفة… خايفة إننا ناخد منها ابنها أول ما يتولد.

سكت للحظة، ثم قال بصدق موجع:

- أنا آسف… أنا ممكن أوافق على أي حاجة، إلا إني آخد الولد وأحرمه من أمه، لا.

نظر الجد إليه طويلًا، ثم قال ببرود قاسٍ:

- حفيدي… ما يتربّاش في بيت مش بيته.

صرخ يزن بغضب:

- جدي! أنا مستحمل فكرت إني هطلقها بالعافية… فما تجيش انت وتقول لازم نرحمها من ابنها عشان حضرتك تبقى مبسوط، وتشوفها بتتوجع قدامك؟ لا يا جدي… ده مش هيحصل!

التفت يزن وكاد يصعد على الدرج، لكن سمع صوت شهناز من خلفه تقول:

- يزن… انت ليه ما طلقتهاش؟

وقف يزن في مكانه، وابتسم بابتسامة قصيرة مليانة حزم:

- عشان بحبها.

ردّت شهناز بحزن:

- بعد اللي هي عملته…

ابتسم يزن قليلاً وقال:

- اه… جهزوا نفسكم. بكرا الدكتورة هتسمحت لينا نشوفها ونشوف ابني.

واستكمل صعوده على الدرج وسط دهشة الجميع وزهولهم.

قال عماد بدهشة:

- ليه وافقت يا بابا؟

ردّ الجد بثقةٍ هادئة:

- ببساطة… هي هترفض.

ثم صعد إلى الأعلى، وخلفه عماد وزوجته وابنته، بينما ظلت الدهشة مرسومة على وجوه الجميع.

تبادلوا النظرات بقلقٍ واضح.

قالت مليكة بصوتٍ منخفض لكنه مسموع للجالسين:

- أنا مبسوطة إننا هنشوفها… بس خايفة.

قالت هدية بحزن:

- ليه يزن يتحدّى جده تاني؟ مش كفاية اللي حصل المرة اللي فاتت ورجع قلبه مكسور؟

ردّ حامد:

- آه، بس في فرق بين المرتين… المرة دي في طفل ما بينهم.

قال مالك بتردد:

- بس ليل عنيدة.

ضحكت سحر وقالت:

- هتكون العنيدة لمين يعني؟

قال حامد:

- لأبوها.

تدخّل أدهم، قائلًا:

- خالو عنده حق. الحرب دي بقى فيها طفل محتاجلهم، ومن كلام ست ياسمين واضح إنها ما كانتش موافقة على إخفاء حملهة من الأول، وأكيد كانت بتتمنى الخير لليل. وهي عارفة إن من مصلحت ليل مع جوزها، والولد يتربّي وسط أهله.

قال زين بسرعة:

- يبقى لو ليل رفضت تعيش هنا، يبقى زي ما انت قلت يا أدهم. ست ياسمين هتتكلم معاها وهتقنعها، خصوصًا إنها وافقت بصعوبة على إخفاء الحمل… المرّة دي مستحيل توافق علي القرار ده.

هزّ الجميع رؤوسهم مؤيدين، وكلٌ منهم يدعو في سرّه أن يمرّ الغد على خير.

وفي الأعلى، كان يزن واقفًا وحده، يرفع يديه بالدعاء، وقلبه معلّق برجاءٍ واحد: أن توافق ليل… وتعود، من أجل ابنهما.

—--------------------

في صباح اليوم المنتظر…

داخل القصر، كان مالك يستحمّ في المرحاض الملحق بغرفته، بينما كانت مليكة تقف خارجه وتطرق الباب بعصبية:

- إيه يا ابني؟ بتستحمي حميه العيد؟ خلّص بقى… أبيه يزن هينفخنا لو ما طلعتش!

خرج مالك أخيرًا من المرحاض وهو ينشّف شعره وقال:

- في إيه؟ الواحد مش عارف ياخد راحته في الحمّام بتاعه! وبعدين أنا خال الواد، لازم أكون متشيّك وانيق.

نظرت له مليكة باشمئزاز وقالت:

- مهما تعمل، هي هي نفس الريحة… جاتك القرف!

تفاجأ الجميع بدخول زين وهو يقول:

- الحمّام فاضي عندكم؟ أنتم بتعملوا إيه؟ مش مهم؟

صرخ مالك:

- الله يخربيت البيت لجانب بيتك! إنت عايز إيه من حمّامي؟

ردّ زين بضيق:

- ادهم طفشان بسبب ابنه عمال ينعر، فا جه عندي وانا قولت اجي ليك.

قال مالك بضيق:

- طب ما تدخل حمّام أخوك.

ردّ زين بسرعة:

- أخويا خلّص من بدري ووقف تحت أدخل حمّام مين؟ انت عايزني اتعلّق؟ يلا دخلني أحسن ما يعلّقني!

دفع الباب ودخل، فصاح مالك بصوت عالٍ:

- الحمّام حمّامي، ومش أي حد يدخلُه!

رفع زين يده وضربه بخفة:

- اهدا بقى.

تحسّس مالك ذراعه وقال:

- ماشي… مسموح ليك ولأدهم ويزن بس!

تكلّمت مليكة بعد صمت:

- أنا نازلة… وإن شاء الله أبيه يزن يعلّقكم كلكم.

خلع مالك الشبشب وقذفه اتجه مليكة:

- امشي يا بت!

قفلت الباب ونزلت، وكان واضح إن الجميع تقريبًا جهّز نفسه.

في الأسفل، قال يزن بحدّة:

- الباقي ما نزلوش ليه؟

وقبل أن يُكمل، نزل أدهم وزوجته وابنه، وقال أدهم باستغراب:

- في إيه يا يزن؟ انت عامل رعب للكل ليه؟

ردّ يزن بجدّية:

‐ أنا معملتش حاجة.

ضحكت هدية وقالت:

- حصل! وأنا شاهدة… أمال مين اللي صحّانا من بدري؟

ردّ يزن ببرود:

- خيالي.

في تلك اللحظة، نزل الجد، وخلفه ابنه وزوجته وابنته، وقال بسخرية واضحة:

- محسّسني إن علي اللي انت بتعملوه ده هيخلّيها توافق مثلًا… وتيجي! ههههه.

نظر يزن إليه بثقة وقال:

- وأنا واثق يا جدي.

ثم التفت حوله وأضاف بحدة خفيفة:

- هما الحمير ما نزلوش ليه؟

قالت مليكة بسرعة:

- زين لسه داخل الحمّام يستحمّى.

سكت يزن لحظة، ثم وضع يده على قلبه وقال بهدوء ساخر:

- يبقى هنستنى ساعة… ساعتين… لحد ما الأستاذ ربنا ينصره جوا ويطلع.

تعالت ضحكات الجميع، وهم ينظرون إليه باستغراب من ردّ فعله الغير متوقع.

لكن يزن، بعد أن صلّى ودعا ربّه بكل إخلاص، شعر براحة غريبة تسلّلت إلى قلبه، وكأن ثقلاً كان جاثمًا على صدره وانزاح أخيرًا.

وفي الصباح، استيقظ بنشاط غير معتاد… وطمأنينة لم يعرف لها سببًا، إلا أنه كان يشعر أن يومه لن يمرّ عاديًا.

—---------------

في منزل الجدة

كان الجميع قد أنهى استعداداته، والقلق ظاهر على الوجوه قبل الخروج.

قالت الجدة بحزم وهي تنظر إليهم واحدًا واحدًا:

- المرة دي في اي قرار… لو مش مقتنعة بيه، هرفضه، وهعمل اللي في دماغي.

أومأ الجميع موافقين، ثم ركبوا السيارة. جلست الجدة في المقعد الأمامي بجوار مصطفى، بينما توزّع الباقون في الخلف.

وبعد مدة، وصلوا إلى المستشفي، وفي اللحظة نفسها تقريبًا وصلت سيارة يزن والعائلة.

ترجّل الجميع، تبادلوا السلام بفتورٍ واضحة، فالتوتر كان سيد الموقف، ثم اتجهوا إلى الداخل.

قال أحدهم:

- مين اللي هيدخل الأول؟

اتفق أغلبهم على أن تدخل ياسمين أولًا، ويتبعها الجميع.

طرقت ياسمين الباب بخفة، وما إن سُمعت صوت الإذن حتى دخلت مبتسمة.

أول ما وقعت عينا ليل عليها، قالت بخوف ممزوج بمزاح خافت:

- مش عايزين يخلوني… اشوف ابني تاني، خريجين من هنا.

اقتربت ياسمين منها واحتضنتها بحنان وقالت:

- حاضر… من عينيّا.

دخلت جودي ومصطفى بعدها، فاحتضناها، وقال مصطفى بابتسامة صادقة:

- حمد لله على السلامة.

وفي تلك اللحظة، كان يزن يشعر بنار تشتعل في صدره، لكنه تماسك.

توالى دخول الجميع:

الجدة، ثم رغدة، وبعدهما هدية وسحر. ابتسمت ليل حين رأتهما واحتضنتهما بقوة.

ثم دخل حامد، ومالك، ومليكة، فاحتضنتهم ليل بشوق واضح.

دخلت ريم وهي تحمل طفلها، فاقتربت من ليل وابتسمت ليل قائلة:

- ابنك… ما شاء الله، قمر.

ثم دخل أدهم وزين وقائلا:

- حمد لله على السلامة.

ردّت ليل بابتسامة هادئة:

- الله يسلمكم.

وأخيرًا، دخل عماد، ثم الجد، وشهناز، وبكنام. قالوا جميعًا:

- حمد لله على السلامة.

ردّت ليل باستغراب:

- الله يسلمكم.

رفعت ليل عينيها نحو الباب…

فرأت يزن واقفًا هناك، ينظر إليها بحبٍ لم يستطع إخفاءه.

نظرت إليه باشتياق حاولت كتمانه.

تقدّم بخطوات هادئة، اقترب منها، وانحنى يقبّل رأسها بحنان، وقال بصوت منخفض:

- حمد الله على السلامة.

شهق البعض بصمت، ونظر الجميع إليهما بصدمة.

أما ليل، فتجمّدت للحظة، ثم نظرت إلى الجد بتوتر، وعادت بنظرها إلى يزن، قبل أن تجيب بصوت خافت:

- الله يسلمك.

جلس يزن على المقعد المقابل، ورفع عينيه إليها. تلاقى عينيهم طويلًا… لم تُقال كلمات، لكن الصمت كان أبلغ من أي حديث.

في عز سكوتنا… نتكلم.

عيوننا بتحكي وبتحلم.

وأنا حسّيت بأنفاسك

تدفّي إيديا… وتسلّم.

أقول آه من غير صوت،

تحبني موت… وأحبك موت.

وإحساسنا يونسنا،

أقوى من الحياة والموت.

ومهما تغيب،

بعيش وياك… وأنسى فيك أحزاني.

ودمعة حب في عينيّا

بتستناك يا أحلى ملاك.

قالولي الحب له علامات:

نبض في القلب، وهمسات،

روح تنادي عليك،

ورعشة إيد في السلامات.

قطع تلاقي عينيهم صوت شهناز البارد:

- هو إحنا مش هنشوف الطفل؟ ولا نعرف اسمه ولا إيه؟

ردّت ياسمين ببرود مماثل:

- الممرضة هتجيبه دوقتي.

عاد الصمت من جديد…

صمت مليان حكايات، وعيون بتتكلم أكتر من أي كلام.

بعد لحظات، طُرق الباب، ودخلت الممرضة وهي تحمل بين ذراعيها طفل ليل.

اتسعت عينا ليل، وارتسمت ابتسامة دافئة على وجهها، وعاد بها الزمن إلى أول مرة سمحوا لها برؤيته بعد تحسّن حالتها.

فلاش باك

تحسّنت حالة ليل قليلًا، وأصرت بإلحاح:

- عايزة أشوف ابني.

في البداية، رفض يزن.

وقتها لم يكن في المكان سوى الجدة ورغدة، أما ياسمين وجودي ومصطفى فكانوا منشغلين.

جاء يزن ليطمئن على ابنه كعادته، قبّل يد الجدة ورغدة، وطلب منهما ألا تُخبر ليل بوجوده.

قالت له الجدة بهدوء:

- ليل بتطلب تشوف ابنها.

اعترض يزن فورًا:

- هي لسه تعبانة وضعيفه… جسمها مش مستحمل.

لكن رغدة تدخلت بحنان:

- هي مصرة يا يزن… ومش هتهدى غير لما تشوفه.

وبعد لحظات صمت، استسلم.

في تلك الأثناء، حضر مصطفى، فابتعد يزن خطوة للخلف، ووقف يراقب من بعيد، كأنه يخشى الاقتراب أكثر.

أخذ مصطفى ليل إلى الحضانة.

ما إن وقع نظرها على طفلها، حتى دمعت عيناها وقالت بصوت مكسور:

- ابني…

ابتسم مصطفى وقال:

- كبر عن الأول، والأسلاك قلت كتير.

نظرت إليه برجاء:

- عايزة ألمسه… عايزة أضمه في حضني يا مصطفى.

بعد محاولات، سمحت الطبيبة:

- خمس دقايق بس.

وحين حملته بين ذراعيها، شهقت وبكت:

- آه يا ابني… آه يا حبيبي…

وبابتسامة مختلطة بالدموع أضافت:

- شوفوا حلو إزاي.

ابتسم الجميع.

من خلف الزجاج، كانت الجدة ورغدة تنظران إلى يزن، الذي تابع المشهد بعينين لامعتين، مليئتين بالشوق واللهفة.

همست الجدة:

- لازم يرجعوا لبعض… عشان الولد.

أومأت رغدة موافقة.

أخبر مصطفى ليل بهدوء:

- اللي أنقذ حياة ابنك… كان يزن.

ابتسمت ليل باشتياق، دون أن تنطق.

عودة من الفلاش باك

ظلت ابتسامة ليل معلّقة على شفتيها، وعيناها لا تفارق طفلها…

بينما قلبها، من غير ما تشعر، كان بيرجع يدق باسم واحد.

نظرت ليل إلى الممرضة وهي تناوِلها طفلها.

لمعت عيناها، وضمّته إلى صدرها وهمست بصوت مرتعش:

- حبيب ماما…

عاد بها الخيال إلى تلك اللحظة التي عرفت فيها أن الجنين ولد.

اتمني في ذلك اللحظة من قلبها أن يكون شبيه يزن، وكانت الفرحة لا تفارقها، كأن القدر كان يبتسم لها في صمت.

اقترب مصطفى، وابتسم وهو يتأمل الصغير:

- إيده صغيرة أوي… يختي على الحلاوة.

قالت الجدة بابتسامة دافئة:

- هتسميه إيه يا ليل؟

وبنبرة تحمل عتابًا لطيفًا أضافت:

- انتِ وجودي وياسمين ومصطفى سمتوه وخبيتو… حان الوقت نعرفه.

ابتسمت ليل، وضمت ابنها أكثر، ثم قالت بثبات:

- إياد…

وساد صمت قصيراً.

رفعت عينيها، ونظرت إلى يزن مباشرة، ثم أكملت:

- إياد يزن المهدي.

ابتسم الجميع، بينما ظلّ يزن ينظر إليها طويلًا، وكأن الاسم أعاد له أنفاسه.

قال أدهم بابتسامة:

- إياد… اسمه قريب من زياد.

ردّت ياسمين بابتسامة:

- ما ليل قالت إنها عايزة الاسم على نفس الوزن وقريب من اسم ابنك.

ابتسمت ريم، وابتسم أدهم معها بسعادة صافية.

اقترب مالك بخفة ظلّه المعتادة:

- ينفع أجي أشوفه؟

ضحكت ليل:

- تعال.

اقترب مالك، وبعده ياسمين وجودي ومصطفى، وقال مالك وهو ينحني قرب الطفل:

- إياد… أنا هبقى خالك.

ردّت مليكة بسرعة:

- الأهبل!

كان مالك على وشك الرد، لكن ليل سبقته:

- أمال انتِ إيه يا خاله هبلة؟

انفجر الجميع ضاحكين.

ضحك مالك وقال:

- الله!

ضحكت ليل وقالت:

- بس يا رخم… تعالي مالك واقفة بعيد ليه كدا؟

اقتربت مليكة بسرعة، وانحنت تنظر للصغير:

- يختي جميل… شبهك أوي يا أبيه يزن.

اقتربت ريم وهي تحمل زياد، وقالت بابتسامة:

- ده يبقى أخوك يا زياد… خلي بالك منه.

ثم التفتت إلى ليل:

- ولا إيه؟

ابتسمت ليل، ونظرت إلى طفلها، وقالت:

- ولا اه

قال زين وهو يمدّ يده بحماس:

- أنا عمّ الولد… عايز أشيله وأشوفه.

ضحكت ليل وقالت:

- في إيه يا عم زين؟ انت هتبلعنا ولا إيه؟

ضحك الجميع، فقال حامد بمزاح:

- ليل اتطوّرت خالص.

علّقت ريم ضاحكة:

- الله يرحم أيام ما كانت بتكسف من خيالها.

ضربتها ليل بخفة، فضحكوا أكتر على خجلها.

أخذ زين إياد من مليكة، وقال بفخر:

- أنا أبقى عمّك يا بطل.

قال مالك فورًا:

- العبيط.

نظر له زين بغيظ، ثم نظر لإياد وقال:

- والله يا ابني… مفيش حد عدل في البيت ده غير أبوك.

رفع أدهم أحد حاجبيه وقال:

- لا والله؟

وأخذ إياد من زين وهو يكمل:

- وأنا كمان… أبقى عمّك.

في تلك اللحظة، أعطت ريم ابنها لزين، وقالت وهي تأخذه من زوجها بدلال:

- وانا عمتك يا حبيب قلبي.

قالت هدية بغضب لطيف:

- وسّعوا كده! كل واحد عمال يلفوا لـ التاني… وأنا إيه؟

ثم مدت يديها:

- تعالي يا حبيب تيته من جوا.

قال حامد معترضًا:

- إدي إياد!

أكملت هدية بضحكة:

- هو أنا لحقت أشيله أصلًا؟

وضجّ المكان بالضحك، بينما كان إياد يتنقّل بين الأيادي، محاطًا بحبٍ صاخب، وكأن القدر قرر يعوّضه عن كل شيء… بعيلة كاملة.

قال حامد بإصرار وهو يمد يده:

- ابقي شيليه في وقت تاني، المهم أشيل حفيدي.

قالت ليل بسرعة وخوف:

- ابني هيتفعص!

ضحك الجميع، ثم قالت سحر بحماس:

- أنا هشيله بقى، دوري!

وحملته بحذر، ثم أضافت ضاحكة:

- أنا بقى اللي هربيك، أصل العيال دي متربّتش.

قال مالك ومليكة في صوت واحد:

- لااا، هتجيبي للولد عقده!

صرخت سحر فجاة:

- في إيه يا حمير؟ هتصرّعوا الولد!

قالت ليل بحسرة:

- يعني كده ما صرعتهوش؟

ضحك الجميع، بينما نظرت إليها سحر بتحذير جعلت ليل تصمت وتضع ايدها علي فمها.

ضحكت رغدة وقالت:

- أنا عايزة أشيله.

وأخذته منها وهي تهمس:

- بسم الله ما شاء الله… ربنا يخليك ليهم.

قالت الجدة بحزم لطيف:

- إيه ده؟ وأنا؟ أنا عايزة أشيله.

وبالفعل حملته، وقالت وهي تبتسم:

- ربنا يحميك.

ثم اتجهت نحو يزن، فوقف احترامًا لها.

قالت الجدة:

- سَمّي يا ابني وانت بتشايله.

ابتسم يزن، وأخذ إياد من بين يديها وما إن أمسك الصغير إصبعه بيده الصغيرة، حتى رفع يزن نظره تلقائيًا، فالتقت عيناه بعيني ليل، التي كانت تبتسم له بحنانٍ صامت.

اقترب يزن من الجد وقال:

- كبّر في ودانه يا جدي.

نظر الجد إلى يزن، ثم إلى حفيد حفيده، وكبّر في أذنه، والجميع يبتسم في صمتٍ مهيب.

أعاد الجد إياد ليزن، وما إن حمله مرة أخرى حتى قالت هدية بضيق:

- أنا مش شيلته كتير… عايزة أشيله.

ناولها يزن إياد، فقال الجد وهو يبتسم:

- نِتكلم في الجايين علشانه.

أغمض الجميع أعينهم، فالجميع يعلم الخطوة التالية.

رفعت ليل نظرها إليهم وقالت بهدوء ممزوج بعتاب:

- هو أنتم جايين عشان حاجة… ولا جايين عشان تطمّنوا على إياد؟

وساد المكان صمتٌ خفيف، قبل أن يعود الدفء من جديد… ولكن هذه المرة، كان مختلفًا.

قال حامد بهدوء:

- جايين عشان الاتنين.

أومأت ليل بصمت، فقال الجد بنبرة حاسمة:

- المهم دوقتي إننا عرفنا إن يزن مش مطلّقك.

اتسعت عينا ليل، ونظرت إلى يزن في ذهول. تذكّرت تلك اللحظة حين حملها وهي تتألم وقت الولادة، كيف أسرع بها إلى المستشفى، وكيف قبّل رأسها منذ قليل. كانت تشك… لكنها لم تملك اليقين.

قالت بصوت متماسك يخفي اضطرابها:

- والمطلوب مني إيه دوقتي؟

قالت هدية بنبرة عملية:

- دوقتي في عيل بينكم، وله حق يتربّي بين أمه وأبوه وأهله.

حرّكت ليل رأسها هزّة خفيفة، فقال الجد:

- وعشان كده قررنا إنك تيجي تعيشي معانا في القصر… عشان حفيد حفيدي يتربّي وسطنا.

اتجهت الأنظار بأكملها إلى ليل، يترقّبون ردّها.

نظر يزن إليها بقلقٍ ظاهر، وفي عينيه رجاء صريح ألا ترفض.

التقت عيناها بعينيه، ولاحظت ذلك التوسّل الصامت.

انتظر الجميع موافقتها… لكنها خالفت كل التوقّعات.

قالت بثبات:

- بس أنا مش هقدر أعيش هناك.

أغمض البعض أعينهم في خيبة، بينما ارتسمت ابتسامة خفية على وجه شهناز، كأن القرار أرضاها. نظر عماد إلى ليل، ولاحظ العناد ذاته الذي يسكنه، فابتسم بخفة، لكنه ما لبث أن نظر إلى يزن ولاحظ قبضته المشدودة وعصبيته الواضحة.

قال الجد محاولًا التماسك:

- بس إياد لازم يعيش…

قاطعه عماد، متحدثًا للمرة الأولى:

- خلاص… نلاقي حل وسط يرضي الطرفين.

نظر الجميع إليه بدهشة، بينما ابتسم حامد؛ فقد فهم قصد أخيه، وأنه يريد حفيده قريبًا من ابنته.

حاول يزن كتم غضبه، لكنه لم ينجح.

اتجه نحو ليل ووقف أمامها مباشرة، وقال بغيظ مكبوت:

- أنا مش هرضى إن ابني يتربّي بعيد عني وأنا عايش على وشّ الدنيا.

رفعت ليل رأسها وقالت بثبات لا يخلو من حدّة:

- ابنك هيتربّي معايا، وهيتربي أحسن تربية. ومعايا مصطفى، والباقي هيقفوا جنبي.

ثم أكملت بنبرة حاسمة:

- وأنا مش هقبل إن ابن يزن المهدي يتربّي بين حارات، ولا يروح مدارس أقل من مستواه.

وساد المكان صمت ثقيل… صمت ينذر بأن المواجهة الحقيقية لم تبدأ بعد.

قالت ليل بنبرة حازمة وعيونها تتلألأ بالدموع:

- مالها يا يزن؟ الحارة دي… انت كنت عايش فيها ولا بتستعار منها؟ بل المكان لأنا عشت في، وأكيد مش هدخل ابني مدرسة تقل من مستواه أو من مستواك.

تنهد يزن بغضب ووجهه صار محمرّ:

- انتي اي؟ مش كفاية يا ليل عناد بقي؟ مش كفاية إنك خبّيتي موضوع حملك عني، وأجمل لحظة بيتمنّاها أي أب… إن مراته تبقى حامل ويحط رأسه على بطنها ويحس بحركة طفله؟

نظر الجميع بحزن، ودموع ليل انسكبت على خدّيها، وقالت بخفوت:

- صعب… صعب جدًا.

ضحكت شهناز بخبث وقالت:

- خسرت الرهان يا يزن… ومفروض تسمع كلام جدك، وتطلقها وتجوازني، ولا إيه يا جدي؟

قال الجد بجدية:

- صح يا شهناز… وبعد ما طلقها، ابنك هييجي يتربّى وسط عيلته.

ردت ليل بنبرة قوية:

- لا! ابني مش هيتربّى بعيد عني.

قالت سحر محاولةً التخفيف:

- تبقي تيجي تعيشي معانا…

صرخت ليل بعناد:

- أنتم بتضغطوا عليا!

تدخل الجد بحزم:

- خلاص… تبقي تعيشي معانا.

نظر يزن إلى مصطفى وياسمين وجودي، وحرك رأسه لهم بمعني: مفيش فايدة.

تنفّس يزن بعمق، وقال بنفاد صبر:

- سبيها يا جدي… براحتها… مش هنقل من مستوانا وكرامتنا عشان الست الهانم تبقى مبسوطة.

قالت ليل:

- يزن…

قاطعه يزن بعصبية وغضب:

- ابني هيتربّى معاكِ! وورقة الطلقة هتوصللك… بس مش هسمحلك تتجوزي حد بعد ما اطلقك، ولا ابني يتربّى في حضن حد غريب وانا عايش! فاهمني؟

قالت ياسمين متدخلة:

- مينفعش تطلقها الا بعد العدة عشان لسه والده.

رد يزن بحزم أكبر:

- يبقى اطلقها بعديها!

ثم نظر إلى الجد وقال:

- وجوازي من شهناز في نفس اليوم، طلقها مني… هي مش هتحضر يوم فرحي، يبقى أنا هطلقها في نفس اليوم، أو براحتك يا جدي… شهناز اتجوازها النهاردة، ليل هطلقها بعد كده!

ومع هذه الكلمات، خرج يزن وطرق الباب بعنف واغلقه خلفه. الجميع اصُدموا من الموقف.

قالت هدية قبل ما تخرج بحزن:

- أنا زعلانة منك يا ليل… ابني تحدى جده للمرة التانية عشان خاطرك، وانتِ تصغري قدامه بشكل ده وتقوليله كده؟

بعد ذلك خرج الجميع واحدًا تلو الآخر، والحزن يخيّم على المكان.

ظلت ليل جالسه علي السرير، وتحتضن إياد، وملامحها متعبة وكأنها تحمل العالم فوق كتفيها.

اقتربت منها الجدة، وصوتها هذه المرة لم يكن قاسيًا، بل مكسورًا:

- ليه عملتي كده يا ليل؟ ليه تحرمي ابنك من أبوه وهو عايش؟

سكتت للحظة، ثم أكملت بحرقة:

- انتِ تعرفي إن يزن كان كل يوم بييجي هنا؟ ييجي يطمن عليكي وعلى ابنه… يقعد شوية ويمشي، كأنه موجود ومش موجود في نفس الوقت.

تنهدت بعمق:

- يوم ما طلبتي تشوفي ابنك هو كان موجود ورفض عشان من خوفه عليكي، بعدين وافق… بس كان واقف بعيد، بيراقب، وكأنه بيتمنى يكون مكان مصطفى.

اقتربت منها أكثر:

- انتِ كده يا ليل بتمنعيه من حقه… ومن مسؤوليته كأب.

اتكلمت ياسمين بهدوء حزين:

- إحنا بنحسب إنكم متعرفوش.

نظرت لـ ليل مباشرة:

- امبارح كان هنا، واتكلم معانا، وكان شكله تعبان ومستعد يستسلم… بس إحنا قولناله ما يستسلمش.

اقتربت خطوة منها وأضافت:

- عشان كده وقف قدام جده.

ثم قالت بصدق موجع:

- يزن بيحبك يا ليل… هتستحملي تشوفيه بيطلقك وبيتجوز واحدة غيرك؟

انهارت ليل، وبكت وهي تهز رأسها:

- أنا تعبت… تعبت قوي… أنا عايزة أمشي من هنا.

قال مصطفى بنبرة عقلانية لكنه موجوعة:

- ماشي… هنمشي، بس متضيعوش من إيدك.

ثم اضاف، وهو ينظر لها بجدية:

- الراجل ده متمسك بيكي جدا، وانتِ كده بتضيع من إيدك.

قالت الجدة بهدوء حاسم:

- إحنا هنسيبك براحتك، ومش هنضغط عليكي أكتر من كده…

ثم تنهدت وأضافت بأسى:

- بس اعرفي إنك بتخسري.

التفتت للجميع:

- يلا… لبّسوها، ولبّسوا إياد، عشان نتحرك.

خرجوا واحدًا تلو الآخر، وظلت ليل، تحتضن ابنها، وقلبها عالق بين خوفٍ قديم… وحبٍ لم ينتهِ.

—-----------------

خرج يزن من الغرفة بعصبية وحزن، ونزل إلى السيارة وجلس فيها بصمت، عينيه شاخصة للأمام، قلبه مثقل بالهمّ.

خرجت العائلة خلفه، وبدأوا جميعًا بالركوب، لكن يزن لم يتحرك.

قال الجد بصوت حازم:

- يلا اتحرك يا يزن.

نظروا إليه في صمت، وانتظروا للحظات، لكن دون جدوى.

يزن لم يتحرّك. لم يُدر المحرّك، ولم يلتفت إليهم، فقط ظلّ يحدّق للأمام وكأن الزمن توقّف عند نقطة واحدة.

تبادلوا الجميع نظرات قلق، ثم بدأوا ينزلون من السيارة واحدًا تلو الآخر، مستغربين ثباته المفاجئ.

اقتربوا بحذر، وتتبعوا اتجاه نظره…

وهناك، عند مدخل المستشفى، لمحوا ما كان يزن يحدّق فيه.

ليل.

كانت تقف متعبة، متماسكة بصعوبة، مصطفى يسندها من جانب، وياسمين من الجانب الآخر، والجدة خلفها تراقب المشهد بعينين ممتلئتين قلقًا.

وفي حضن جودي… كان إياد.

توقّفت الأنفاس.

وساد الصمت.

ابتلع يزن ريقه بصعوبة، وعيناه لمع فيهما وجع واشتياق لم يعرف كيف يخفيهما، بينما ظلّ جسده مشلولًا، كأن خطواته خانته في اللحظة الوحيدة التي احتاجه فيها.

وقف الجميع مذهولين، بينما وقفت ليل فجأة، ونظرت إلى يزن الذي كان يحدق فيها بحزن، عينيه تلمعان.

ابتسمت ليل بخفة وقالت جودي:

- ليل… يزن عايز يشوف ابنه على ما أعتقد.

ردّت ليل بخفوت:

- ودهوله…

قالت الجدة بصوت حازم:

- ليل…

قالت ليل، وهي تشير لمصطفى:

- متغطيش عليا يا تيته… ركبني يامصطفى.

تقدم مالك وقال بابتسامة:

- تعالي يا ليل… أوصلك بعربيتي.

تساءلت ليل بدهشة:

- إيه دا… انت عندك عربية؟

رد مالك بفخر:

- اه… عمي جابلي لما نجحت… تعالي أورّيهلك.

قالت ليل بخفة:

- طب يلا، خدني ليها.

ابتسم مالك وأخذها معه، بينما كان يزن يراقبها بصمت.

فتح لها باب السيارة، فركبت ليل بهدوء، دون أن تنتبه في البداية… لكن القدر كان أسرع منها.

كانت سيارة يزن مركونة بجوارهم مباشرة.

وحين استقرت في مقعدها، اكتشفت أنها تجلس في الجهة الأقرب إليه، مقابلة له تمامًا.

رفعت عينيها دون قصد…

فتلاقت بعين يزن.

توقّف الزمن عند تلك اللحظة.

صمتٌ ثقيل، محمّل بكل ما لم يُقال:

حنين مكبوت، وجع قديم، وأسئلة مؤجَّلة.

شدّ يزن على المقود، وكأن قربها المفاجئ أربكه أكثر مما توقّع، بينما أسرعت ليل بخفض بصرها، تحاول عبثًا أن تُقنع قلبها بالهدوء… دون جدوى.

كانا قريبين حدّ الوجع، وبعيدين حدّ الخوف.

ركبت الجدة مع مصطفي في المقعد الأمامي، وصعدت رغدة في الخلف، وقالت الجدة مازحة:

- اركبي مع العنيدة يا ياسمين.

أومأت ياسمين وصعدت، بينما تقدمت جودي من سيارة يزن وقالت:

- مش هتودع إياد؟

ابتسم يزن، ثم نزل من السيارة بخطوات هادئة، وأخذ الطفل من جودي بحنانٍ بالغ.

لمحت ليل عينيه تلمعان، وهو يحدّق في ملامح ابنه وكأنه يحاول يحفظها بقلبه.

ابتسم لابنه، وانحنى يقبّل رأسه برفق، قبلة طويلة تحمل شوقًا لا يُقال، ثم أعاده إلى جودي دون كلمة.

ركب السيارة مجددًا، شدّ على المقود، وحبس دموعه بصمتٍ موجع.

وقبل أن يُشيح بوجهه للأمام، التقت عيناه بعيني ليل…

نظرة عتاب صامتة، أثقل من أي عتاب بالكلام.

ثم نظر أمامه، وتحرك.

أخذت مليكة إياد من جودي وضمّته إلى صدرها، وركبت السيارة مع مالك، بينما جلست جودي بجوار ياسمين.

وتحرّكت السيارات جميعها على الطريق… تحمل قلوبًا مثقلة، وقرارات لم تُحسم بعد، وقدرًا يكتب فصله القادم على مهل.

طوال الطريق، كانت مليكة تلعب مع إياد وتحدث مالك:

- بصراحة… أنا مش عارف اللي هقولوا ده، بس لازم تعرفي…

اغمضّت ليل عينيها بتعب وقالت:

- عارفة… انت هتقول ايه.

ردت مليكة بابتسامة صغيرة:

- لا، احنا هنقولك لمحدش غيرنا يعرفوا…

- قول، قول يا مالك.

بدأ مالك يحكي ما حدث في اليوم: كيف تحدى يزن جده، وكيف ذهب إلى منزاها، وطلقها بنفس اليوم، وكل الأحداث التي اتعيشها يزن وهو محطم، وكيف كان يريد رؤيتها قبل السفر.

قالت مليكة:

- والبارح لما اتحدى جدي وحكت كل الذي حدث ليها، وصحي الصبح نشيط بطريقة غريبة… وأنا شايفة… يزن بيحبك أوي… وبتمني ترجعي لأبيه يزن، وميتجوزش شهناز

اغمضّت ليل عينيها بوجع، وهي تسمع، وتشعر بثقل الأحداث على قلبها… والجميع صامتون، مستغرقون في التفكير، كل واحد منهم يراقب الطريق والحياة التي تنتظرهم بعد هذه اللحظات العاصفة.

—-------------

في القصر، طوال الطريق كان يزن صامتًا، وجهه يحمل الحزن، وكل من حوله يشعرون بثقله وكأنهم يحملون همومه معهم.

قال الجد ببرود لكنه واثق:

- حضر نفسك… كتب الكتاب النهارده.

ظل يزن يحدق أمامه بلا حراك، وبمجرد وصول السيارة إلى القصر، خرج مسرعًا وصعد إلى الأعلى بسرعة، وجميع من حوله ينظرون إليه بحزن.

قالت شهناز ببرود:

- يلا… روحوا، اجهزوا! ماما اتصلي بالكوڤير بتاعتي، وفستاني هيوصل كمان شوية… أنا كنت مفصل من فترة.

بدأ الجميع بالصعود إلى غرفهم بحزن، وبعضهم بالضجر من تصرفات شهناز.

—------------------

في غرفة يزن، كان يرتدي بدلته، بينما كان زين، أدهم، حامد وعماد يحاولون إخراجه من حالته الحزينة.

سأل عماد:

- هو مالك فين؟ مرجعش؟

رد زين:

- لا، مرجعش… أنا بعدت له رسالة وعرفته إن جده قرر كتب الكتاب يبقي النهارده، وقال إن مليكة قاعدة تلعب مع زياد ومش عايزة تسيبه، وأكد إنه هيجوا قبل كتب الكتاب.

شعر يزن بوجع عميق في قلبه، ثم قال أدهم:

- يزن… انت مفروض تروح تجيب شهناز.

رد يزن ببرود:

- لا مش رايح… مفيش حد هيضغط عليا.

ذهب عماد ليحضر شهناز، وطرق على الباب ففتحت بكنام.

دخل عماد، وكان شهناز ترقص وتزغرد، بينما جلسة ريم حزينة، وهدية وسحر بين انزعاج وحيرة.

قال عماد:

- يلا… انزلك لتحت.

قال بكنام بتحدي:

- اي ده؟ هو مش جي يزن؟

رد عماد:

- لا… مش جي، هو لقالي. أجي… أوعي تعندي… ممكن يلغي كتب الكتاب.

وافقت شهناز، وضعت يدها في يد أبيها، ونزلوا، وخلفهم الجميع.

في الأسفل، كان من المفترض أن ينهض يزن ليأخذ عروسته ويُجلسها إلى جواره، لكنه ظلّ جالسًا في مكانه، ساكنًا على غير المتوقع، وكأن الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد.

تجاهلها تمامًا؛ لا حركة، ولا نظرة، ولا حتى التفاتة عابرة.

وفي المقابل، ارتسمت على وجوه شهناز وبكنام والجد ابتسامات متوترة، وضحكات مكتومة خرجت على استحياء، مزيج من الدهشة والارتباك أمام تصرّفه الذي كسر كل ما كان متوقَّعًا.

كان صمته أبلغ من أي كلمة، وكأن جلوسه في مكانه لم يكن سوى إعلانٍ صامت أن هذا المشهد لا يشبهه… ولا يشبه قلبه.

ضحك البعض خلسةً على ملامح شهناز وبكنام والجد، ضحكات مكتومة لا صوت لها، لكنها كانت واضحة في العيون ونبرات الأنفاس.

فبينما حاولوا الحفاظ على هيبتهم وثباتهم، فضحتهم تعابير وجوههم المتشنّجة ودهشتهم من تصرّف يزن،

وكأن الموقف انقلب عليهم دون أن ينطق بكلمة واحدة.

كان الضحك صامتًا…

لكن معناه كان عاليًا بما يكفي ليكسر التوتر للحظة.

جلس عماد ابنته على المقعد، وكان المأذون حاضرًا، وقال:

- امضي يا عريس.

امسك يزن القلم، وكأنه على وشك أن يوقع على أوراق الزواج، لكن قبل أن يمضي، سمع الجميع صوت يناديه:

- يزن!

-----------------------

اتمني يكون عجبكم الفصل؟

تفتكروا مين اللي بينادي عليه؟

المواعيد الجديدة الأحد والأربعاء

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مسرح ليل

المؤلف Hager Saeid
2025/07/17 مكتملة
قائمة الفصول (25)
الفصل بداية القاء: البارت الأول
2025/07/17
الفصل صورة كشفت الماضي: الفصل السادس عشر
2025/11/21
الفصل عائلة غريبة : البارت الثالث
2025/07/29
الفصل دقت قلب: البارت الثاني
2025/07/19
الفصل لمعه عشق تفتح باب الأسرار : البارت الرابع
2025/10/17
الفصل مفاتيح الماضي: البارت الخامس
2025/10/17
الفصل وجع الحاضر... وجرح الماضي: الفصل السادس
2025/11/03
الفصل ساعة الانتظار: الفصل السابع
2025/11/09
الفصل إجبار وجدال: الفصل الثامن
2025/11/09
الفصل ظل الماضي: الفصل التاسع
2025/11/09
الفصل خلف الأبواب المغلقة: الفصل العاشر
2025/11/09
الفصل حين تري ما لا يقال: الفصل الحادي عشر
2025/11/09
الفصل حين انقلب المشهد: الفصل الثاني عشر
2025/11/09
الفصل الصراع المكشوف: الفصل الثالث عشر
2025/11/09
الفصل حين يطرق الخطر الباب: الفصل الرابع عشر
2025/11/09
الفصل نغزة في القلب... والشك والغيرة: الفصل الخامس عشر
2025/11/13
الفصل المواجهة المنتظرة: الفصل السابع عشر
2025/12/01
الفصل الليلة التي اتغير فيها كل شئ: الفصل الثامن عشر
2025/12/08
الفصل بين البعد والقرب : الفصل التاسع عشر
2025/12/19
الفصل النبض الاول: الفصل العشرين
2026/01/10
الفصل العنيدة : الفصل الحادي عشرين
2026/01/16
الفصل لأجلكم جميعًا : الفصل الثاني عشرين
2026/01/18
الفصل بعد سنة من الغياب: الفصل الثالث والعشرون
2026/01/21
الفصل التهديد الأخير: الفصل الرابع والعشرون
2026/01/25
الفصل مسرح ليل 💥: الفصل الخامس والعشرون والاخير
2026/01/29

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة