الفصل الثالث عشر

الفصل الثالث عشر

15 0

#روايه_مسرح_ليل

#الكاتبة_هاجر_سعيد_محمد

>>>الفصل الثالث عشر<<<

بمناسبة إفتتاح المتحف المصري حبيت انزل بارت

------------------

في مكانٍ لم نزره من قبل، جلست ياسمين أمام الطبيب المسؤول عن حالة جدتها، والحديث بينهما كان جادًا.

خلع الطبيب نظارته ببطء وقال بنبرة مطمئنة:

- أنا مش هكذب عليكي يا آنسة ياسمين… لسه العلاج الطبيعي هياخد وقت شوية مع جدتك، بس المستشفى هنا إمكانياتها عالية جدًا، يعني متخافيش عليها.

أومأت ياسمين بخفوت، ثم خرجت من عنده متجهة إلى غرفة جدتها.

دخلت فوجدتها جالسة على الفراش، اقتربت منها وقبّلت رأسها بحنان:

- عاملة إيه يا أحلى تيته في الدنيا؟

ابتسمت الجدة بهدوء:

- الحمد لله يا بكّاشة… الدكتور قالك إيه؟

- قال لسه شوية، عبال ما ترجعي تمشي طبيعي.

قالتها ياسمين وهي تنظر إلى جدتها بحزن، بينما كانت الجدة تحاول التظاهر بالقوة.

رنّ هاتف ياسمين فجأة، رقم زميلتها مروة في المسرح.

تجهم وجهها وهي ترد باستغراب:

- ألو؟ في إيه يا مروة؟ إيه الصوت العالي ده؟

جاءها الرد بصوت مذعور ومتهدج:

- المسرح اتحرَق يا ياسمين!

تجمدت ياسمين في مكانها، قلبها دق بسرعة:

- إيه؟! إزاي حصل كده؟! كلكم كويسين؟! وليل عاملة اي؟

ردت مروة وهي تبكي:

- المطافي طفّوا النار بس… وليل وقفة مع الظابط هي وجوزها عشان يفهموا إيه سبب الحريقة، محدش فاهم النار ولعت إزاي! وجودي منهارة، وشايلة الذنب لأنها كانت المسؤولة النهارده علي المسرح!

سقط الهاتف من يد ياسمين، جلست على الكرسي بصدمة، وعيونها تلمع بخوف ودموع، وكل ما في بالها كان سؤال واحد:

"يا ترى ليل بخير؟"

—------------------

خرجت ليل من الغرفة مسرعة بعد أن بدّلت ملابسها، والدموع تملأ عينيها.

انتفض يزن فجأة، أنهى مكالمته مع أخيه على عجل، واتجه نحوها بقلق:

- مالك؟ في إيه؟

قالت وهي تبكي بحرقة وصوتها يختنق:

- المسرح اتحرَق!

نظر إليها بصدمة:

- إيه؟! أنا هجاي معاكي حالا.

لم تنتظر ردّه، وركضت إلى الخارج، فلحق بها سريعًا، أغلق باب المنزل خلفه، واتجه إلى سيارته وهو يقول:

- اركبي بسرعة.

وصلوا إلى المسرح في وقتٍ قياسي، نزلت ليل وهي تحدّق في النيران التي ما زالت تلتهم المكان بعينين دامعتين.

كانت تشاهد الدمار أمامها… كل شيء انهار، حتى أملها في تحقيق حلم جدتها وتكبير المسرح… ذهب مع الحريقة.

رأت العاملين يجلسون على الأرض، بعضهم يلهث محاولًا التقاط أنفاسه، وآخرون يتألمون من الحروق والاختناق.

شعرت ليل بدوخة، فتراجعت إلى الخلف، فسندها يزن بسرعة وهو يقول بقلق:

- خدي بالك يا ليل.

اقتربت جودي منهما ووجهها شاحب، وقالت بصوت مبحوح يغلب عليه الندم:

- أنا آسفة يا ليل… مكنتش قد الأمانة، أنا فاشلة!

نظرت إليها ليل بعينين ممتلئتين بالحزن والعتاب، ثم اقتربت منها وضمّتها قائلة:

- قدر الله وما شاء فعل، ده حادث، مش ذنبك يا جودي.

في تلك اللحظة، كان يوجد الطفل يبكي، والجميع يحاول تهدئته.

اقترب منه، يزن وجلس على ركبتيه أمامه وهمس بلطف:

- مالك يا حبيبي؟ بتعيط ليه؟

قال الطفل وهو ينتحب:

- بابا جوا!

تجمّد يزن لثواني، ثم نظر نحو النار المشتعلة، ثم إلى ليل التي لاحظت ما يفكر فيه، فصرخت بخوف:

- يزن! انت رايح فين؟!

رد بعزم:

- هدخل أنقذ والد الطفل!

- لا، يزن، متعملش كده!

صرخ بعصبية، صوته يملأ المكان:

- مفيش وقت! الولد هيضيع من بعد أبوه! الراجل ده مسؤول عن عيلة وعياله اللي هيتشردوا من بعده… حد يجيبلي بطانية بسرعة! أنا مش هستنى فرق الإنقاذ!

وانطلق مسرعًا إلى داخل المسرح، بينما ليل تصرخ باسمه وتحاول اللحاق به، لكن الفتيات أمسكْنها بقوة، فانهارت على الأرض تبكي وهي تردد بصوتٍ مبحوح:

- يزن… لاااااا!

في الداخل…

دلف يزن الي الداخل مسرعا، وقد غطّى نفسه ببطانية مبللة، وصوته يختنق وسط الدخان الكثيف:

- في حد هنا؟! في حد سامعني؟!

بدأ يسعل بقوة، يحاول يتنفس بصعوبة وهو يزيح الدخان بيده.

جاءه صوت ضعيف من بين الركام:

- هنا… الحقني!

اتسعت عينا يزن، وحاول يحدد مصدر الصوت وسط الضباب الأسود.

اقترب بحذر، وهو ما زال يسعل، حتى وجد رجلًا ممددًا على الأرض يحاول الزحف.

انحنى نحوه وسنده، ثم لفّه بالبطانية وقال بصوت مبحوح:

- متخافش… هنخرج دوقتي.

اتجه به نحو المخرج، لكن قطعة من الخشبة سقطت أمامهم فاضطر يتراجع.

بدأ السقف ينهار والستائر تسقط، والمكان يتحول إلى جحيم من النار والدخان.

في الخارج…

كانت ليل قد فقدت آخر ذرة هدوء في عقلها، الوقت مرّ ببطء قاتل، ويزن ما زال في الداخل.

وصلت سيارات الإسعاف والمطافي، ومعها فرق الإنقاذ والشرطة.

انتشر خبر الحريق بسرعة في القرية، وبدأ الناس يتوافدون إلى المكان ليطمئنوا على أحبّائهم.

جاءت والدة جودي مسرعة نحو ابنتها واحتضنتها بخوف، بينما ليل صرخت باختناق:

- جوزي جوّاااا!

لكن قبل أن تكمل كلامها، ظهر يزن أخيرًا وهو يسند الرجل الذي أنقذه.

جلس على الأرض يلهث، وجهه مغطى بالسخام والدخان.

ركضت ليل نحوه، ارتمت في حضنه تبكي بحرقة وهي تقول:

- كنت هتقتلني بخوفي عليك يا يزن!

ابتعدت قليلًا، أمسكت وجهه بيديها وقالت بخوف:

- انت كويس؟

ابتسم بتعب ورد بخفوت:

- أنا كويس يا حبيبتي… متخافيش.

فضربته في صدره، وقالت بغضب وعتاب:

- ما تعملش فيا كدة تاني.

فأمسك يدها، وضحك بصخب، ثم سعل من التعب، فنظرت إليه بقلق، بينما ابتسم إليها بابتسامة هادئة مطمئنة.

فالتفت إليه الجميع باستغراب.

اقتربت والدة جودي بقلق:

- انت بخير يا ابني؟

أومأ يزن وهو ما زال يلتقط أنفاسه.

ركض الطفل إلى والده ومعه والدته التي جاءت لتوّها، ثم نظرت إلى يزن بعينين باكيتين وقالت وهي ممتنة:

– ربنا يجازيك خير يا ابني… لانك أنقذت جوزي من الحريق.

أومّ برأسه بتواضع، كأنه يكتفي بالرد الصامت على امتنانها.

اقترب الضابط من يزن، وليل، وجودي، ووالدة جودي، وسأل بصرامة:

- حد يقدر يقولي إيه سبب الحريقة؟

قالت جودي بارتباك:

- والله يا فندم إحنا كنا بنشتغل عادي، وفجأة شمينا ريحة حريقة… معرفناش جاية منين.

سأل الضابط بعض العاملين في المسرح، وكان ردّهم نفس الكلام.

سجل الضابط الملاحظات، ثم جاءه أحد رجال الإطفاء وقال:

- يا فندم، اتضح إن السبب ماس كهربائي من سلوك عريان ورا الكواليس عملت شرارة.

أومأ الضابط وهو ينظر إلى ليل:

- بعد كده يا آنسة ليل…

تدخل يزن بسرعة وقال بحدة:

- مدام.

رفع الضابط أحد حاجبيه بابتسامة خفيفة، وقال وهو ينظر لليل:

- آه تمام… الحمد لله إن الحادث عدّى من غير إصابات خطيرة. المرة الجاية خلي بالك من الأسلاك العريانة.

أومأت ليل بصمت، وبعد أن غادر الضابط، اقتربت من جودي وقالت بابتسامة حزينة:

– شفتي؟ طلع السبب الحريقة هو ماس كهربائي، مش منك… متشليش ذنب مش ذنبك.

أومأت جودي ودموعها محبوسة في عينيها، ثم تحركت مع والدتها بصمتٍ مثقل

وبعد ما بدأ الناس يتحركوا، دخلت ليل المسرح المحروق، تنظر بعينين دامعتين إلى بقايا الستائر والخشب المتفحم.

التفتت إلى يزن وقالت بصوت مبحوح:

- حلم سِتّي راح يا يزن… تعبها كله راح.

اقترب منها يزن واحتضنها برفق، وقال بنبرة هادئة:

- زي ما قولتي لجودي ذنب مش ذنبك… المسرح هيرجع أحسن من الأول، وستّك هتكون فخورة بيكي، صدقيني. يلا نروح.

نظرت له بعينين دامعتين وأومأت بخفوت، ثم خرجا سويًا من المكان، بينما الدخان ما زال يتصاعد خلفهم، كأن المسرح يودّع ماضيه ليستعد لبداية جديدة، ثم ركبا السيارة متجهين إلى المنزل، وكلٌ منهما غارق في صمته.

—--------

في القصر، كان زين على اتصالٍ مع يزن بخصوص بعض الأمور العملية، وكان أدهم يعمل معهما أيضًا.

لكن فجأة، سمعوا صوت يزن وهو يُنهي المكالمة بعَجَلة.

تجمّد زين للحظة، ثم نهض وظل هابا وايابا داخل الغرفة بقلق واضح على وجهه.

قال له أدهم وهو يراقبه باستغراب:

- هو انت قلقان ليه؟ ما هو قفل معاك عادي؟

ثم ربّت أدهم على كتفه وأكمل بهدوء:

- متخافش، كل حاجة هتبقى كويسة إن شاء الله.

هزّ زين رأسه ببطء، وقال بصوت منخفض:

- نفسي أرنّ وأطّمن عليه… بس المشكلة إنه قال محدش يتصل بيّا، هو اللي هيتصل بينا.

ورغم هدوء كلماته، كانت نبرة صوته كانت كفيلة بكشف ما بداخله؛ لم يكن مرتاحًا على الإطلاق، وقلقه كان واضحًا رغم محاولته إخفاءه.

نظر له أدهم بقلقٍ بدأ يتسرّب لقلبه هو الاخر، قال بنبرة حازمة يخفي خلفها خوفه:

- متخافش يا صاحبي… كل حاجة هتكون كويسة بإذن الله.

—--------------

في رُكنٍ مظلمٍ من مخزنٍ مهجور، جلَس الحارس الشخصيّ بجوار رجلٍ غامضٍ يستند إلى كرسيه بثبات.

ارتفع صوت الحارس فجأة وهو يسأل بفضولٍ ممزوجٍ بخبث:

- ليه حرّقت المسرح؟

ابتسم الرجل ابتسامةً صغيرة، ثم أجاب بنبرة هادئةٍ تحمل سُمّ الكلام:

- عرفت إن المسرح غالي على قلب مرات يزن، فا قولت لنفسي ليه لأ؟ اخلّي المسرح يتحرق، ومراته تتدمر، ويتحرق قلب يزن على حبيبته المدمرة.

أنا لحد دوقتي مش فاهم… هو اتجوز من ورا جده ليه؟ والجوازة دي حصلت بسرعة كده ليه؟

في حاجات كتير متلغبطة، وأنا مش عارف اعرف أي حاجة عن مراته من يوم ما اتولدت…

أكيد هو مخبّي كل معلومتها.

تعجّب الحارس وهو يرمق الرجل بنظرةٍ حذرة، ثم قال بنبرةٍ متسائلة:

- أومال انت عرفت ازاي إن المسرح غالي عليها؟

أشار الرجل بغموضٍ وابتسامةٍ جانبية ترتسم على وجهه:

- ده سر.

قال الحارس بدهاءٍ واضح:

- طيب… هو حضرتك يا باشا ناوي تقولها إنك عرفت مكان يزن وإنه متجوز؟

ضحك الرجل بقسوةٍ جعلت الحارس يشعر بقشعريرةٍ خفيفة، ثم قال بنبرةٍ ماكرة:

- لا، طبعًا مش هقولها. لو هي عرفت، هتربق كل حاجة فوق دماغنا. وبعدين أنا مبسوط وأنا شايف العيلة متفككة كده. ولو عرفت وقالت، سهلة… يزن هيخاف يخسر أهله وهيطلقها، وساعتها جده هيخليه يتجوز شهناز لان يزن هيستسلم خلاص بعدها، وممكن يحبها، والعلاقة بين الجد والحفيد ترجع زي الأول.

ثم أكمل بابتسامةٍ خبيثة:

- وهي هبلة، بتحبه بجنون. ولو أمها طلبت منها تعمل حاجة علشانها، هترفض. هي آه شبه أمها ومدلعة، بس كله إلا يزن عندها. وطول ما يزن متجوز دي، يزن هيعند مع جده علشانها. فكده يبقى في شرخ بين الجد والحفيد ههههههههه.

تردّد الحارس قليلًا، لكنه بدأ يستوعب الهدف من خلف كل هذا، ثم قال بنبرةٍ مترددة:

- طيب… لو شهناز عرفت إن يزن متجوز، كده هتربقها فوق دماغهم وهتخليه يطلّقها، وبعدها يزن مش هيتجوزها، وهيعند مع جده أكتر.

أومأ الرجل برضا، وقد ارتسمت على وجهه ملامح الخبث وهو يقول:

- صح... بس سيبهم دلوقتي يلفّوا حوالين نفسهم… يا ترى يوم ولادة أخته، أو في يوم اسبوع ابن اخته ، هيكون موجود وهياخدها؟ ولو ما أخدهاش… يبقى ضربنا عصفورين بحجر واحد والأهم اكون مبسوط.

تلاشى ضحكهما في ظلمة المكان، تاركًا خلفه صدى الشر يتردّد في أرجاء المخزن.

—----------------

في تلك الليلة، جلست ليل شاردة الذهن، يغمرها الصمت، بينما كانت عينا يزن تتأملانها بعمقٍ يقرأ ما بداخلها دون أن تنطق.

كانت ملامحها هادئة، لكن خلف هذا الهدوء كان يختبئ خوفٌ لم يزال يرفض الرحيل.

أما هو، فلم يغمض له جفن… ظلّ طوال الليل يفكر، لم يكن العمل يشغله، بل قد قلبه يخبره أن ما حدث في المسرح لم يكن صدفة.

- مستحيل يكون بسبب سلوك عملت شرارة… دي بفعل فاعل أكيد.

قالها في داخله وهو يمسك هاتفه ويتصل بزين، الذي أجابه سريعًا:

- زين، محتاجك تروح المديرية بكرة… شوف لو في أي جديد عن اللي عايز يئذيني أو اللي عايز ياذي ليل، أو أي خيط يوصلنا اللي عمل كده في المسرح، زي ما حكيتلك.

- حاضر يا يزن، هتصرف.

أنهى المكالمة وهو ما زال غارقًا في التفكير، قبل أن يلتفت إلى ليل التي غلبها النعاس، فنامت بهدوءٍ بهدوء.

تأمل وجهها الهادئ، ومدّ يده ليزيح خصلة شعرٍ عن جبينها، ثم ابتسم بحنان وهمس بصوتٍ خافت:

- ربنا يحميكي يا ليل ليا… ومحدش ياذيكي فيا.

غلبه النعاس هو الأخري، فأغلق عينيه وغرق في نومٍ عميقٍ بجوارها، كأنهما أخيرًا وجدا سكينةً مؤقتة وسط العاصفة.

—-----------

في صباح اليوم التالي، كان زين وأدهم قد غادرا إلى المديرية، بينما عمّ التوتر أرجاء القصر.

جلست هدية على أحد المقاعد، تتحرك بعصبية وقالت بصوتٍ قلق:

- أنا عايزة أشوف ابني واطمّن عليه.

ردت سَحر محاولة تهدئتها:

- مش زين قالك إنه كويس؟

هزّت هدية رأسها وقالت بإصرار:

- عايزة أشوفه بعيني… وأشوف ليل كمان، دي أكيد منهارة زمانها دوقتي.

نظرت مليكة إليها وقالت بوجهٍ متوتر:

- أنا غلطانة يا مرات عمي إني قلتلك حاجة من الأول.

تدخلت ريم قائلة:

- طب يلا نروح ليهم، يمكن نقدر نهدّي ليل شوية وننسيها اللي حصل.

قال حامد بتحفّظ وهو يضم ذراعيه:

- بس يزن قال ما نكلموهوش، ولا نروح له غير لما هو يقول او يتصل.

وقفت هدية فجأة وقالت بعناد:

- وأنا مش هسمع كلامه المرة دي.

تبادل الجميع نظرات قلق، ثم قال مالك بعد تردد:

- فعلاً… يلا نروح.

وقف حامد وهو يخرج هاتفه من جيبه وقال:

- طيب، هكلم زين وأقول له إننا هنروح عن اخوه.

—--------------

بعد خروج زين وأدهم من المديرية، رنّ هاتف زين فجأة، فتجمّد في مكانه وقد تسلّل القلق إلى ملامحه حين رأى أن الرقم «خاص».

تردّد لوهلة، ثم ضغط على زر الإجابة وقال بصوتٍ حذر:

- ألو؟

جاءه صوت والده من الطرف الآخر، فاتسعت عيناه بدهشةٍ ممزوجة بارتباك:

- بابا؟!

قال حامد بسرعةٍ وهو يخفض صوته:

- أيوه يا زين، أنا ما تستغربش… استخدمت رقم خاص عشان جدك بيراقب تلفونتنا.

مامتك مصمّمة تروح تشوف أخوك، ومش راضية تسمع كلام حد.

قال زين بقلق:

- طب خلوها تهدى شوية، أنا وادهم شوية وهنيجي.

لكن صوت هدية ارتفع فجأة، بعدما أخذت الهاتف من زوجها بعصبيةٍ واضحة:

- يا زين، أنا هروح له يعني هروح، ومحدش هيمنعني أشوف ابني!

زفر زين بهدوءٍ محاولًا تهدئتها:

- خلاص يا ماما، تمام… أنا وادهم جايين دوقتي، وهنشوف حل.

أغلق الهاتف وهو يزفر بعمق، ثم التفت إلى أدهم بنبرةٍ مشدودة:

- حصل اللي كنت خايف منه… يلا نروح بسرعة قبل ما ماما تعند أكتر.

—-----------

في منزل يزن وليل، كانت ليل تجلس على الأريكة، مسندة رأسها على كتفه بينما هو يحتضنها بهدوء، يشاهدان فيلمًا في سكونٍ مريح.

لكن فجأة، دوّى صوت طرقٍ على الباب، فانتفضا معًا.

قال يزن وهو يلتفت نحوها بسرعة:

- انتِ مستنية حد؟

هزّت رأسها نافية:

- لأ، خالص.

نهض يزن وهو يقول بجدية:

- قومي ادخلي جوه، والبسي إسدالك لحد ما أشوف مين.

أومأت ليل بخفة ودخلت الغرفة، بينما توجّه هو نحو الباب بخطواتٍ حذرة.

ثم فتح الباب، فتجمّد في مكانه من الصدمة حين رأى عائلته جميعًا أمامه.

قالوا جميعًا بصوتٍ واحد:

- مفاجأة!

نطق بذهول:

- إيه اللي جابكم؟

تقدّمت سَحر وهي تبتسم قائلة:

- هو ده استقبل تستقبالنا بي يا يزن؟ دخلنا جوه الاول.

دخل الجميع إلى الداخل، وكل واحد منهم كان يسلّم عليه ويحتضنه، بينما ما زالت علامات الدهشة مرتسمة على وجهه.

اقتربت هدية وسألت بقلقٍ أمومي:

- فين ليل؟

خرجت ليل بعد لحظات، وقد ارتدت إسدالها، وما إن رأتهم حتى ابتسمت بخجل.

احتضنتها هدية بحنانٍ قائلة:

- عاملة إيه يا بنتي؟

ردّت ليل بهدوء:

- الحمد لله، بخير.

جلس الجميع على الأريكة، بينما أخذ يزن زين وأدهم على جانبٍ بعيد وسألهم بنبرةٍ منخفضة:

- عملتوا إيه هناك؟

ردّ أدهم بجدية:

- اللواء بيقول إن في احتمال كبير الحريق يكون بفعل فاعل.

شاف قائمة العاملين اللي بتشتغل في المسرح  وبذات لشتغلت مؤخرًا، وفي شخص اشتغل قريب جدًا… احتمال هو اللي ولّع النار لانه قال انه اختفي بعد الحريقة.

ارتسم القلق علي وجهه يزن، وهو يهمس:

- كنت متأكد إن الموضوع مش صدفة.

ثم أومأ يزن بجديةٍ وهو يقول بنبرةٍ حاسمة:

- دورلي على الشخص ده... وودي عند المخزن لاحنا واخدينه من وراء جدك.

أجابه زين:

- اللواء قال إنهم بيدوروا عليه فعلًا، بس لسه ما وصلوش لأي حاجة توصلهم له.

تنهد يزن وهو يمرر يده في شعره:

- أنا ما بقتش بثق في حد خلاص.

ابتسم زين وهو يحاول تغيير الجو وقال بنغزة خفيفة:

- طب سيبنا من الموضوع ده شوية، واحكيلي… انت وليل عاملين إيه؟

رمقه يزن بنظرة غيظ وهو يقول:

- عادي يعني.

ضحك أدهم بصوتٍ عالٍ:

- إيه ده؟! هو أنت بتحرج يا سي يزن؟! والله عشت وشوفت يزن بيتكسف!

وكزّه يزن في كتفه بحدةٍ خفيفة:

- بطل هزار يا حيوان.

ضحك أدهم أكثر، بينما حاول يزن أن يغير الموضوع سريعًا قائلًا بنبرةٍ متوترة:

- أنتم جيتوا إزاي؟ وجدكم؟

ردّ زين بابتسامةٍ خفيفة وهو يحاول يكتم ضحكته:

– اتهرب اتهرب يا سيدي المهم… ماما لما عرفت إن المسرح اتحرق، وإنك دخلت جواه عشان تنقذ حد وهو مولّع، ما سكتتش خالص! وأصرّت تيجي تشوفك بنفسها، روحنا المول، وطلعنا من الباب الخلفي، وركبنا تاكسي وجينا على هنا.

كان يزن يسمع ما يقوله زين، لكنه لم يكن منتبهًا تمامًا، ينظر إليه مرة، ومرة أخرى خلفه حيث كانت ليل تجلس إلى جوار والدته، خلف زين الذي كان واقفًا يتحدث.

بعد أن أخذ يزن كلاً من زين وأدهم في جانب بعيد، جلست ليل إلى جوار هدية، وكان الحزن واضحًا على ملامحها.

حاول مالك ومليكة إخراجها من حالتها، فكانت تبتسم لهما أحيانًا، وتعود إلى شرودها أحيانًا أخرى.

بعد لحظات ليس كثيرآ، وقعت عيناها على يزن تتابع تغيّر ملامحه بصمت.

انتبه يزن لنظراتها، فالتفت نحوها، فحرّكت رأسها بخفة كأنها تقول له:

- في إيه؟

فاكتفى بابتسامةٍ صغيرة ردًا عليها.

نظر زين له وقال بتريقةٍ مازحة:

- في واحد قال كده يا أدهم؟ "عادي يعني"؟! عادي إيه! وأنا شايف تطوّر ونظرات يا عم ههههههه.

وكزّه يزن في كتفه وهو بيحاول يخفي ابتسامته:

- بطل يا حيوان!

انفجر أدهم ضاحكًا بشدّة، ورجعوا يجلسوا في أماكنهم، ومازالت الابتسامة مرسومة على وجههم.

جلس يزن بجوار ليل، وفرد ذراعه خلفها على الأريكة، فتحرّكت هي تلقائيًا في اتجه كأنه أمانها.

ابتسم الجميع من فعلتها، ونظرت هدية إلى زوجها بفرحةٍ دافئة، كأنها بترأي فيهم بداية حكاية جديدة.

—------------------

في الشركة، فتح حامد باب مكتب والده بسرعة ودخل بخطواتٍ سريعة، وقال بصوتٍ متوتر:

- خرجوا كلهم من القصر، والحراس ماشيين وراهم… ولسه مبلغيني إنهم دخلوا المول.

قال الجد بثقة وهو يرفع نظره نحو حامد:

- هما عارفين مكان يزن، أنا متأكد من كده… خليهم مكانهم يشوفهم رايحين فين.

رد حامد من مكانه، وهو يشرح بقلق:

- مهما قالوا إنهم دوّروا عليهم جوا، بس ما لقوهم… وللأسف خرجوا من الباب الخلفي للمول، لأنهم شافوا كاميرات المول.

ثم تنهد الجد، وقال بنبرة حائرة وغاضبة:

- يا ولاد…

—-----------------

جلس الجميع على مقاعد في ملحق المنزل، وقدمت ليل الشاي لهم.

كانوا يضحكون عندما يحكى حامد مواقف من أيام شبابه، وكان الضحك يعلو أحيانًا، لكنه لم يدم طويلًا.

فجأة، ارتفع صوت عالٍ في الشارع، زعيق وصراخ، فتوقف الجميع فجأة.

نظر مالك حوله وقال بقلق:

- إيه الصوت ده؟

ردت ليل بحذر:

- شكله حد بيتعرك.

قفزت مليكة من مكانها بحماس وقالت:

- تعالوا نشوف مين بيتعارك!

ثم نظرت حولها وركضت نحو مصدر الصوت.

ركضت خلفها ليل وقالت إليها وهي تتنهد:

- يا هبلة، انتِ متحمسة على إيه يا ولية؟

نظر الجميع الي بعضهم البعض بعد قول ليل، ثم ضحكوا، ثم ركض مالك هو الآخر وهو يقول مازحًا:

- الله… عارك ايهيه!

قال حامد وهو بيضحك:

- محدش عايز يروح بل مرة ما هي كملت.

ضحك الجميع واتحركوا الي مصدر الصوت.

قالت هدية وهي بتتحرك بجوار ابنها:

- أنا مبسوطة إن ليل أخدت علينا.

ابتسم يزن، ثم رد:

- وأنا كمان مبسوط.

ركضت فتاة نحو ليل وهي تبكي:

- ليل… مصطفى ماسك جودي وبيضرب فيها في الشارع!

نظرت إليها ليل بفزع، ثم ركضت فورًا نحو التجمع، خلفها الجميع.

شعر مالك بأن قلبه كاد يخرج من مكانه من شدة الخوف على ملكه قلبه، فركض هو الآخر وهو يشعر بأن قلبه يخرج من صدره.

وصل الجميع ودخلوا وسط المتجمعين، فتجمّدوا في أماكنهم، ما عدا ليل التي أسرعت نحو جودي، الذي كان يمسكها أخوها من شعرها.

انصدم مالك في مكانه عندما رأى وجه جودي؛ الدماء كانت متجلّدة بجوار فمها، ووجهها محمر من الضرب، وشعرها مبعثر، وملابسها البيتية متسخة.

كان أخوها يمسكها ويصرخ فيها، وهي تتوسّل له أن يتركها، وتقول له إنها ستفعل ما يريد.

صرخت والدتها محاولةً ابعادها عنه، لكنه كان يصرخ قائلاً:

- سبيها… أنا هربيها!

وقف الجميع مكتوفي الأيدي يراقبون المشهد، لكن مالك شعر بغليان الدم في عروقه، وكاد يندفع نحوهم. أمسكته أخته وهمست له:

- لا متروحش…

نظر إليها بغضب وقال:

- انتِ شايفة بيعمل فيها إيه؟

ردّت بخوف:

- أيوه، بس احنا ملناش… ده أخوها وهي أخته. انت هدخل بينهم بصفتك مين؟ خلينا في حالنا احسن.

نظر إليها بحدة، ثم استدار متابعًا المشهد بعينين حادتين.

اندفعت ليل نحو مصطفى، وأبعدته عن جودي بحزم، ووقفت بينهما لحمايتها، واضعة جودي خلفها، وصرخت في مصطفى بعصبية:

- ابعد عنها! هي عملت إيه لك عشان تعمل فيها كده؟

رد هو بغضب:

- مش بتسمع كلامي… وبترد عليا!

نظرت ليل لجودي، ودموعها تنهمر بحرقة، فحضنتها وقالت:

- ولو بس… مالكش حق تعمل فيها كده، وفي شارع كمان! عندكم بيت، اتفهموا في براحتكم وتحلوا مشاكلكم لوحدكم، يعني عجبك المنظر ده والناس كلها متجمعة؟

تنهد وقال:

- آه، مبسوط عشان يعرفوا إنها مش بتربية!

أضافت ليل بغضب:

- انتِ مجنون يا مصطفى!

ثم التفتت إلى جودي وسألتها:

- أخوك طلب منك إيه وانتِ قوهتي؟

أجابت جودي بصوت متقطع، ودموعها تملأ عينيها:

- كان عايز يجوزني لراجل كبير في السن… ولما رفضت، ضربني وجرّني من شعري في الشارع.

شهقت ليل، ولاحظت فجأة أن جودي لا ترتدي  الطرحة وكانت بملابس المنزل فقط.

قالت ليل بسرعة:

- محتاجة حاجة ألبسها لجودي عشان تغطي شعرها وهدوها البيتي!

تقدم مالك بسرعة ومعه جاكته وأعطاها لليل، فأخذته وشكرته، ولبسته لجودي، ورفعت ليل زونت الجاكيت على شعرها لتغطيه بالكامل.

رجع مالك خطوة إلى الخلف بعد أن أعطاها الجاكيت، وقال بنبرة غاضبة:

- كلكم نزّلوا عيونكم في الأرض… إيه ده؟ مش عندكم حرمة في البيت؟

شعر الجميع بالخجل، فنزلت أعينهم إلى الأرض.

نظر زين بعينين نصف مغمضتين وقال بتركيز:

- الواد ده غيور اوي.

ضحك حامد بخفوت وقال:

- واضح إنها وراثة عندنا.

ابتسموا جميعًا بخفوت، لكن فجأة سُمِع الجميع صوت قوي قريب خلف التجمع الناس، فالتفتت جميع العيون نحوه.

صرخ الصوت بعصبية:

- آه يا ناقص! إيه اللي عملته في أختك ده؟ ولسه ناوي تعمل إيه تاني يا مصطفى؟ وكمان عايز تجوزها راجل كبير في سن جدها ولا أبوها؟ كل ما اختفي وأجي ألاقيك عمل خناقة… واضح إن مامتك دعاية عليك… يا أما أنا… لسراي باتع!

-----------------

تفتكروا مين صاحب هذا الصوت؟!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مسرح ليل

المؤلف Hager Saeid
2025/07/17 مكتملة
قائمة الفصول (25)
الفصل بداية القاء: البارت الأول
2025/07/17
الفصل صورة كشفت الماضي: الفصل السادس عشر
2025/11/21
الفصل عائلة غريبة : البارت الثالث
2025/07/29
الفصل دقت قلب: البارت الثاني
2025/07/19
الفصل لمعه عشق تفتح باب الأسرار : البارت الرابع
2025/10/17
الفصل مفاتيح الماضي: البارت الخامس
2025/10/17
الفصل وجع الحاضر... وجرح الماضي: الفصل السادس
2025/11/03
الفصل ساعة الانتظار: الفصل السابع
2025/11/09
الفصل إجبار وجدال: الفصل الثامن
2025/11/09
الفصل ظل الماضي: الفصل التاسع
2025/11/09
الفصل خلف الأبواب المغلقة: الفصل العاشر
2025/11/09
الفصل حين تري ما لا يقال: الفصل الحادي عشر
2025/11/09
الفصل حين انقلب المشهد: الفصل الثاني عشر
2025/11/09
الفصل الصراع المكشوف: الفصل الثالث عشر
2025/11/09
الفصل حين يطرق الخطر الباب: الفصل الرابع عشر
2025/11/09
الفصل نغزة في القلب... والشك والغيرة: الفصل الخامس عشر
2025/11/13
الفصل المواجهة المنتظرة: الفصل السابع عشر
2025/12/01
الفصل الليلة التي اتغير فيها كل شئ: الفصل الثامن عشر
2025/12/08
الفصل بين البعد والقرب : الفصل التاسع عشر
2025/12/19
الفصل النبض الاول: الفصل العشرين
2026/01/10
الفصل العنيدة : الفصل الحادي عشرين
2026/01/16
الفصل لأجلكم جميعًا : الفصل الثاني عشرين
2026/01/18
الفصل بعد سنة من الغياب: الفصل الثالث والعشرون
2026/01/21
الفصل التهديد الأخير: الفصل الرابع والعشرون
2026/01/25
الفصل مسرح ليل 💥: الفصل الخامس والعشرون والاخير
2026/01/29

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة