#روايه_مسرح_ليل
#الكاتبة_هاجر_سعيد_محمد
>>>الفصل الثاني عشر <<<
قربت ليل الملعقة من فمه برفق وهي تقول:
- يلا كُل عشان تأخد دواك.
نظر إليها يزن بحرج وقال:
- طب وانتِ هتاكلِ إزاي؟
ابتسمت برقة وردّت:
- مش مهم أنا… المهم إنك تأكل وتتغذّى عشان الجُرح يلمّ.
تردد قليلًا، ثم انحنى للأمام ليأكل، بينما كانت ليل تهرب بنظراتها في كل مرة تلتقي فيها بعينيه الخجولتين.
كل من على المائدة توقف عن الأكل، وظلّ يراقبهما بإبتسامة غبية وصمت حالِم… إلا حامد وهدية وسحر، كانوا يبتسمون ابتسامة هادئة مليئة بالرضا.
همست مليكة وهي تسند خدها بكفّها وتبتسم ابتسامة غبيّة حالمة:
- إيييح…
التفت الجميع إلى مليكة بنفس تلك الابتسامة الحالمة.
تنحنح يزن بتوتر وهو يبعد الملعقة قليلًا، بينما احمرّ وجه ليل خجلاً.
انفجر الجميع بالضحك الدافئ، فذاب التوتر وامتلأ الجو بمودة صافية.
وبعد أن انتهى الجميع من الطعام، استأذن حامد والبقية في الرحيل. رافقهم يزن وليل إلى الباب لوداعهم.
قبل أن يتركهم، احتضن يزن والده بخفة واقترب من أذنه هامسًا:
- حاولوا متجوش الفترة دي… عشان جدي. لو عايزين تكلموني، كلّموني من الخط الخاص… بس مش كتير.
ابتسم والده وربّت على كتفه وهو يهمس بحنان:
- ماشي يا حبيبي.
بعد أن انتهى من معانقة والده، اتجه يزن نحو والدته، فربّتت على ذراعه بحنان قائلة:
- خلي بالك من نفسك… ومن مراتك. ليل طيبة أوي ووحيدة… خلي بالك منها.
نظر يزن إلى ليل التي كانت تقف غير بعيد، تضحك بخجل مع إخوته وأبناء عمّه وابن عمّته، ثم ابتسم ونظر إلى والدته قائلًا بنبرة مطمئنة:
- متخافيش يا ماما… دي في عينيّا.
اقتربت سَحَر وربّتت على كتفه بحنان وهي تقول:
- طول عمرك ابن أصول.
ثم اتجهوا جميعًا نحو ليل.
ضمّتها هدية في عناق أمومي طويل، ثم أمسكت وجهها بين يديها قائلة بمحبة:
- لو احتجتي اي حاجة، ما تدّريش… فاهمة؟
أومأت ليل بخجل.
مال حامد نحوها مازحًا وهو يربّت على كتفها:
- ولو الواد ده زعّلك… قوليلي، وأنا آخدلك حقك منه.
ضحكت ليل بخفة وأومأت مرة أخرى.
في تلك اللحظة، رفع يزن أحد حاجبيه لوالده بخفّة.
تقدّم أدهم قائلًا بهدوء:
- انتِ من النهارده بقيتي أختي الصغيرة… وزي ما خالي قال، لو زعّلك قوليلنا وإحنا ناخدلك حقّك منه.
ازدادت ابتسامة ليل اتساعًا وهي تسمع كلماتهم الدافئة، بينما رفع يزن أحد حاجبيه مرة أخرى نحو أدهم قائلاً بنبرة شبه غاضبة مازحة:
- في إيه؟ هو أنا هزعّلها يعني؟ وبعدين تعال هنا يا أدهم… أنا لو زعلتها، إنت هتعمل إيه؟ ده أنا أكبر منك يعني.
قال أدهم ممازحًا وهو ينظر ليزن:
- ما كانش الفرق اللي بينا سنة يعني.
رمقه يزن بنظرة استنكار خفيفة، بينما انفجر أدهم بالضحك.
تدخّل زين بحماس قائلًا:
- عندكم استعدت تقابلوا لهتقابلوا لما تروحوا.
ارتفع مالك أحد حاجبيه باستغراب:
- اية هوا؟
أجاب زين بنبرة جدّية قصيرة:
- جدّك
ما إن نطق بالكلمة، حتى شهقت مليكة فجأة بصوتٍ عالٍ:
- ياختـااااي!
وضعت يدها على فمها فورًا بعد فوات الأوان، وقد اتسعت عيناها خجلًا من شدّة الصرخة، ومع ثوانٍ من التحديق المصدوم انفجر الجميع ضحكين.
التفت بعض المارة في الشارع نحوهم بدهشة، فتمالك يزن نفسه بصعوبة، وقال بنبرة توبيخ خفيفة ممزوجة بضحك مكتوم:
- فضحتونا في الشارع… يلا يا جماعة، كل واحد يشوف طريقه.
ضحك زين بخبث وهو يرفع حاجبيه:
- آه يعني بتكرشنا؟ عشان تتفَرَّد بالبنية لوحدك؟
خجلت ليل من الجملة واحمرّ وجهها فورًا، فدارت برأسها بعيدًا عنهم.
قطّب يزن حاجبيه وحدّق في زين بنظرة حادة ممزوجة بالغضب المكتوم، قبل أن يقول بصوت منخفض محذِّرًا:
- بابا، خد الكائنات دي وروّحوا شوفوا رايحين فين… قبل ما أتصرف بطريقتي.
كاد مالك يعلّق بمزحة إضافية، لكن يزن أشار إليه بسرعة وهو يقول بتحذير قصير:
- ولا كلمة.
تجمّع الجميع بصمت وهم يبتلِعون ضحكاتهم، ثم تحركوا نحو سياراتهم بينما تبِعهم يزن بنظره حتى ابتعدوا. كان المارّة لا يزالون ينظرون نحوهم باستغراب، في حين ظل يزن يحاول تمالك أعصابه.
تقدّمت ليل نحو الباب بخطوات خجولة، وتبعها يزن بهدوء.
ما إن دخلا المنزل وأُغلق الباب خلفهما، حتى عمّ الصمت فجأة.
وقفت ليل متوترة في مكانها، تشابكت أصابعها أمامها بلا وعي، لا تعرف بماذا تبدأ أو ماذا تقول.
أمّا يزن فوقف على مقربةٍ منها، يحدّق فيها بصمت، وكأنه يحاول انتقاء الكلمات التي يمكنها كسر هذا الصمت الثقيل الذي هبط بينهما فجأة.
قطع الصمت فجأة عندما شهق يزن متألّمًا، واضعًا يده فوق جرحه في صدره.
تقدّمت ليل نحوه بخوف ظاهر في عينيها، وقالت بقلق مرتجف:
- مفعول الدوا راح؟
أمسكت بيده برفق وهي تضغط عليها قليلًا لتمنعه من إبعادها، وأضافت بسرعة:
- دوقتي هديتك مسكِّن… أدهم إدّاني الأدوية بتاعتك قبل ما يمشي، فإنت هتاخده ومش هتحس بي اي الوجع.
سار معها إلى الداخل بخطوات هادئة حتى وصلوا إلى الغرفة، وساعدته على الجلوس فوق الفراش، وهو يرمقها بنظرات سريعة، ثم أسرعت لتحضر له الماء والدواء. عادت وناولته إيّاه بصمت.
تردّدت في البقاء أو الانصراف، فاكتفت بالتحديق في الأرض وهي تمسك طرف يدها بيدها الأخرى. رفع يزن رأسه ينظر إليها نظرة فاحصة ثم وقف ببطء، واتجه ليفتح زرّ قميصه.
ارتفعت ليل رأسها فجأة عند أول زر، وهي تصرخ بخجل:
- انت بتعمل إيه؟!
وضعت كفّها سريعًا فوق عينيها وأعطته ظهرها بالكامل، يكاد صوتها يرتجف:
- ما تقوليش إنك…!
نظر إليها بدهشة قبل أن يقول بنبرة لا تخلو من استغراب:
- أكون بعمل إيه يعني؟ بغير عشان أنام.
بدأ يزن يفك أزرار قميصه ببطء، متألمًا من حركة كتفه وجرحه. رقّ قلب ليل لمنظره، فتقدّمت بخطوات خجولة نحو الخزانة، وأخرجت له بنطالًا قطنيًّا وتيشيرتًا مريحًا كانا من الملابس التي وضعتها هي ومليكة له سابقًا.
عادت إليه بخفّة، وتردّدت لحظة قبل أن تقف أمامه مباشرة. رفعت يدها ببطء لتساعده، لكنها توقفت عند صدره، مضطربة، ثم مدت يدها لتسند يده حتى لا يجهد نفسه. حين اقتربت منه أكثر، شعر بأنفاسها الدافئة تلامس بشرته، فمرّ بينهما تيّار خفيف أشبه بارتباك كهربائي غير مفهوم.
تجمدت ليل للحظة، فسحبت يدها سريعًا وهي تحاول التراجع، لكن يزن لم يقل شيئًا، فقط نظر إليها بابتسامة خفيفة أربكتها أكثر.
عادت مجددًا رغم ارتباكها، أمسكت أطراف القميص بتردد، ولاحظ يزن رعشة أصابعها. فتحت الأزرار ببطء وهي تحاول جاهدًة ألا تنظر إلى صدره العاري، فكانت تجفل بعينيها إلى أي مكان آخر كلما شعرت بأنها تنظر أكثر من اللازم.
ثم انتهت من تغير ملابسه، فأسندته ليتمدد على الفراش، وسحبت الغطاء لتغطيه بعناية. استدارت لتغادر، لكنه أمسك يدها برفق قبل أن تخطو خطوة واحدة.
- ممكن… تنامي هنا؟ عادي دي أوضتك.
تجمّدت في مكانها، نظرت إليه بتوتر وبعدين أومأت برأسها موافقة بخجل وهي تكاد لا تنظر إليه، وتقدمت نحو الجهة الأخرى من الفراش.
قبل أن تجلس، التفت إليها قائلاً وهو يرتفع أحد حاجبيه:
- انتِ هتنامي بالإسدال؟
نظرت إلى نفسها بسرعة، وكأنها لم تنتبه لهيئتها منذ البداية، فازدادت ارتباكًا وقالت على عجل:
- أنا… هدخل الحمّام.
غادرت مسرعة متجهة إلى المرحاض، وأغلقت الباب خلفها، ثم رفعت بصرها إلى المرآة. كانت وجنتاها متّقدتين بحمرة واضحة من شدّة الخجل. غسلت وجهها بالماء محاولةً تهدئة احمرارها، ثم خلعت الطرحة قليلًا لتتنفّس، فقد شعرت بالاختناق من التوتر أكثر مما من الحرّ.
أسندت يديها إلى حافة الحوض، مغمضةً عينيها لثواني، تحاول استيعاب ما يحدث...
لم تكن تتخيّل يومًا أن الاقتراب بهذا الشكل قد يربكها إلى هذه الدرجة.
لم تكن نظراته ولا ابتسامته هي ما أزعجها… بل ذلك الشعور بالأمان الغريب الذي يتسلّل إليها كلّما اقترب منها.
تنفّست بعمق، وخلعت الإسدال بارتباك خفيف، ثم حدّقت في انعكاسها للحظة وهمست لنفسها بصوت يكاد لا يُسمَع:
- "اهدي… ده جوزك."
لكن قلبها لم يهدأ، بل ازداد خفقانًا. مسحت بيديها على وجنتيها مرة أخيرة، ثم ربّتت بخفة على صدرها محاولةً جمع شجاعتها قبل أن تفتح الباب وتعود إليه.
بينما كان يزن مدركًا تمامًا ارتباكها وإحراجها، تظهر بالنوم كي لا يضعها في موقف أصعب، ويمنحها مساحة لالتقاط أنفاسها.
بعد دقائق، دخلت ليل الغرفة بخطوات مترددة. ما إن رأت يزن نائمًا حتى تنفّست بارتياح خافت، ثم اقتربت من الفراش واستلقت بجواره بهدوء. لم تمضِ لحظات حتى غلبها النعاس واستسلمت للنوم.
عندها فتح يزن عينيه بتؤدة، وأدار رأسه نحوها. ظل يراقب ملامحها النائمة، شعرها المنسدل بنعومة، وملامحها المطمئنة كطفلة… فارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة لا إرادية. بدت له في تلك اللحظة كأنها طمأنينة متجسّدة… كأنها قطعة من السكينة وضعت بجانبه لتطمئن روحه.
ظل يتأملها للحظة أطول مما ينبغي، ثم أغمض عينيه أخيرًا، مستسلماً للنوم على ذات الإحساس…
هدوءٌ لم يعهده منذ زمن، وراحة لم يعرفها إلا بقربها.
—-------------
في القصر
كان الجو داخل القصر مشحونًا بالتوتر، وكأن الجميع ينتظر انفجار العاصفة في أي لحظة.
جلس الجد في مقعده المخصّص، يضرب بعكّازه على الأرض بضيق، ثم رفع نظره نحو عماد بحدة:
- يعني إيه الموقع لسه مبيِّن إنهم في المستشفى؟! ولأنت سايبهم هناك يراقبوهم قالولك إنهم خرجوا؟!
ابتلع عماد ريقه قبل أن يجيب محاولًا تهدئته:
- إحنا استقلنا بيهم يا بابا…
رد الجد بصوت غاضب لكنه متماسك:
- فعلاً… اهو احنا قاعدين مستنيين نشوف آخرتها إيه.
ساد الصمت بين الحاضرين، وكل منهم يُدرك أن الجد لا يتحدث عن "خروجهم من المستشفى" فقط…
بل عن شيء أكبر بكثير… شيء يخشون جميعًا أن يظهر للعلن.
—-----------
في مكانٍ مجهولٍ لم يسبق لينا بالذهاب إليه، عمَّ صمتٌ متوتّرٌ الغرفة. نهض الرجلُ من على الكرسي بعنفٍ، كأن وعيه عاد إليه فجأة، فتقدّم نحو الموجودين وقال بصوتٍ محمّلٍ بالدهشة والحزم:
- يعني يزن فاق وخرج من المستشفى؟
ردّ أحدُ الحراس بصوتٍ خفيضٍ ومهني:
- أيوة يا باشا.
ثم تمتم الرجلُ وهو يغلي غيظًا وتهديدًا، كلامه باللهجة العامية ليصل كإنذارٍ واضح:
- المرادي جات فيه وطلع عايش… بس المرة الجاية هتيجي فيها وهتموتها وهيتحرق قلبه عليها، والجاي وراه يا عيال المهدي.
—---------
في القصر كانت الأجواء مشتعلة أكثر من قبل؛ التوتر يملأ الأروقة، والعيون تترقّب أي كلمة قد تشعل خلافًا أكبر.
نهض الجد من مكانه بنبرة حادة وسألهم بصرامة:
- أنتم كنتوا فين كل ده؟
تنحّى حامد خطوة إلى الأمام وشرح بصوتٍ مُسرعٍ بعض الشيء:
- وصلنا يزن المطار، وروحنا عند هدية، وقعدنا هناك شوية… وبعدين جينا.
تمتم الجد مُستاءً:
- أمّم… يعني يزن ما سمعش كلامي وعمل لفي دماغه؟
ردّ حامد بنبرة دفاعية هادئة:
- بابا، يزن مش عيل صغير… ابني راجل، وله حق يختار. والتحكم فيهم بالشكل ده مش نافع. تفتكر لو كان سمع كلامك هيستفاد بإيه؟
قاطعه الجد بإصرارٍ متوتر:
- هيستفاد إنه ياخد رضا جده عليه.
تدخّلت سَحَر بحدة امتزج فيها الغضب بالقلق:
- انت كده بتدمّره يا بابا!
رفع الجد رأسه بثبات، وردّ بهدوءٍ قاطع:
- لا تدمير ولا حاجة.
تنفّس حامد بعمق، ثم قال بنبرة تحمل رجاءً وتحذيرًا معًا:
- متخليش الزمن يعيد نفسه يا بابا…
سكت الجميع بعد ذلك… توترٌ ثقيل خيّم على القاعة، اختلط فيه الخوف على المستقبل بذكريات قديمة يحاول الجد دفنها منذ سنوات.
الجميع كان يدرك أن الأمر لم يعد مجرّد خلاف عابر… بل صراع بين الماضي وما قد يجرّه الحاضر.
رفع الجد رأسه بثبات وقال بصوت قاطع لا يقبل جدالًا:
- أنا قولت كلمتي… ومفيش بعد كده نقاش. خلّوا يزن ييجي.
ردّ أدهم بنظرة مباشرة تحمل تحديًا خافتًا:
- وتفتكر إنه هييجي ويسمع الكلام يا جدي؟
لم يتردد الجد لحظة قبل أن يجيب بصرامةٍ ثقيلة:
- يبقى هو اللي أعلن الحرب.
نهض من مكانه بوقارٍ تام، ممسكًا بعكازه وهو يغادر بخطوات بطيئة لكنها ممتلئة بالعزم، وكأنها تحمل قرارًا لا رجعة فيه.
بعد ابتعاد الجد، التفت عماد نحو حامد بقلقٍ مكتوم وقال بصوتٍ منخفض لكنه واضح:
- اعقل ابنك يا حامد… عشان بابا مخليهوش عدوّه.
تصلّبت ملامح حامد، وظلّ ينظر في اتجاه خروج والده قبل أن يرد بنبرة متوترة:
- وتفتكر يا عماد… إن بابا مخلهوش عدوه؟ خلاص؟
ثم تحرك من مكانه بانفعال واضح، ولحق به عماد دون أن يضيف كلمةً واحدة.
تقدمت شهناز بخطوات مترددة نحو هدية، وقالت بخوف ظاهر:
- ازاي يزن يسافر وهو متصاب؟ مين هيخلي باله منه؟
نظرت إليها هديّة باستغراب ممزوج بالبرود:
- متخافيش عليه… هو أكيد هيعرف يتصرف.
أومأت شهناز برأسها ثم استدارت متجهةً إلى الأعلى.
لعد صعودها، اقتربت بكنام بخبث وقالت بنبرة حادة مليئة بالتحذير:
- ابنك بيشعلل حرب… وهو مش قدّها، اعقلي ابنك.
ثم أكملت طريقها وصعدت خلف ابنتها.
تبادلت هدية نظرة سريعة مع سَحَر، التي تمتمت باستياء:
- فِكّك منها يا هدية… هي آخر واحدة تتكلم عن الحرب.
قالت ريم باستغراب:
- هو معقول إن شهناز خايفة على يزن؟
ردّ زين بدهشة:
- ده لستغرابت منه… معقول تكون فعلاً بتحبه وإحنا فهمنا غلط؟
قالت مليكة بتفكير:
- لو بتحبه فعلاً أكيد هتتغير من نفسها.
أضاف أدهم:
- لما كانوا في المستشفى قالت إنها ممكن تتغير عشانه… تفتكروا يزن إنه ممكن يستسلم ويتجوزها ويحبها.
قالت هدية بثقة:
- يزن مستحيل يستسلم، ولو هي تغيّرت عشانه، اي لاكد لينا انها ما ترجعش لعديتها القديمة… الفي عادة مستحيل يغيرها.
علّقت سَحَر:
- فعلاً، هدية عندها حق… وبعدين الحب مش بالعافية، يزن هو اختار طريقه. وده مش حب… ده تعلق. يزن كان قريب منها من وهي صغيرة، ولما كانت تطلب حاجة هو كان بينفذها… هي فهمت ده غلط وكبرت عليه، وأكيد أمها كانت بتكبرها في دماغها.
قال أدهم متذكّرًا:
- هي اعترفت مرة إنها بتحبه، وهو قال لها ده تعلق، وقالت له: 'انت كنت بتعمل لي كذا وكذا'… راح هو قال لها: 'أنا كنت بعملك زي أختي… مش أكتر ولا أقل. انتِ فهمتي ده غلط. ياريت تحولي تشيلي الموضوع ده من بالك عشان ما تخسريني كأخ.' ومن هنا الموضوع كبر أكتر لما جده قال لها إنها هتتجوزي… والموضوع زاد عن حده.
تنهدت هدية وقالت بقلق:
- ربنا يستر من الجاي…
ثم غادر الجميع ليتجهوا إلى غرفهم استعدادًا للمعارك القادمة، والقلق يملأ قلوبهم بانتظار ما سيحدث لاحقًا.
—-----------
استيقظ يزن من شدّة الألم، نهض ببطء ونظر إلى الساعة فوجدها تشير إلى العاشرة والنصف صباحًا. وحين همّ بالنهوض من الفراش، دخلت ليل الغرفة تحمل الطعام. وما إن رأته مستيقظًا حتى وضعت الطبق على الكومودينة، ثم اقتربت منه وأسنَدته ليجلس، بينما كان ينظر إليها بصمت طويل.
وضعت الطعام أمامه بخجل خفيف قائلة:
- كُل يالا… علشان تاخد المسكّن.
قال بابتسامة صغيرة:
- اقعدي كلي معايا.
أجابت وهي تحاول تلافي النظر إليه:
- أنا كلت… متشغلش بالك بيا.
نظر إليها بهدوء، ثم جلست تطعمه بخجل، بينما كان ينظر إليها بحب هادئ وبعد انتهائها، أخذت الطبق واتجهت إلى خارج الغرفة، ثم عادت تحمل ماء والدواء الخاص به.
قدّمته له، لكنه تعمّد الإمساك بيدها وهو يأخذه، مبتسمًا بخفة. ارتبكت وسحبت يدها سريعًا، فرفع نظره إلى عينيها وقال:
- انتِ شعرك حلو… وهو مفرود.
تجمدت ليل في مكانها للحظة، ووضعت يدها تلقائيًا على شعرها قبل أن تبحث بعينيها عن الإسدال.
فأضاف هو بنبرة دافئة:
- على فكرة… أنا جوزك لو نسياه.
ساد بينهما صمت قصير، ممتلئ بحرجها وخجلها المُستتر الذي بدأ يعشقه.
ثم قطع هو الصمت قائلًا:
- هتروحي المسرح؟
هزّت رأسها نفيًا:
- لا… هقعد معاك. مَينفعش أسيبك وانت متصاب. في حد غيري هيسد مكاني هناك.
كانت على وشك الخروج، لكن تأوّه يزن أوقفها.
التفتت بسرعة، فرأته يحاول النهوض واضعًا يده على صدره بتعب ظاهر.
اقتربت منه بقلق:
- رايح فين؟
همس متألمًا:
- عايز… أروح الحمام. ممكن تساعديني؟
لم تتردد، أمسكت بيده لتساعده على الوقوف، لكنه استغل قربها ولفّ ذراعه حول كتفها بخفّة. نظرت له باستغراب، فادّعى الألم سريعًا وهو يبتسم بخبث لا تخطئه العين.
ارتبكت ليل من قربه بهذا الشكل، لكن ساعدته حتى وصل، ثم تركته واتجهت إلى المطبخ.
بعد دقائق، خرج يزن ورأسه مبلّل بالماء. أمسك بالمنشفة وحاول رفع ذراعه، إلا أن الألم هذه المرة كان حقيقيًّا، فتأوّه مجددًا.
فزعت ليل واقتربت منه بسرعة وانتزعت المنشفة من يده قائلة بعتاب خفيف:
- ممكن لما تعوز حاجة… تقولي؟
ابتسم بلطف وهو ينظر إليها مطولًا:
- حاضر… عايز أكلم زين وباقي العيلة.
أومأت برأسها، ساعدته على الجلوس فوق الأريكة، ثم توجهت إلى الغرفة وأحضرت الهاتف. جلست قربه، واتصلت بزين منتظرين الرد.
—-----------------
في القصر، كان الجميع مجتمعين حول المائدة. الصمت يخيّم على المكان، لكنه لم يكن صمتًا عاديًا… كان ممتلئًا بنظرات حارقة، كلٌّ منهم يحاول قراءة الآخر، أو الهروب من ثقل الموقف عبر النور فقط.
قطع الجد هذا الصمت الجاثم بجملة قصيرة حاسمة:
- عماد… يلا نروح الشركة.
أجاب عماد فورًا:
- حاضر يا بابا.
ثم نهض الاثنان واتجها إلى الخارج.
ما إن غابا عن الأنظار، حتى قالت شهناز لوالدتها بنبرة خفيفة وكأن شيئًا لا يحدث:
- أنا رايحة المول يا مامي، وبعد كده هعدي على الصالون أصبغ شعري وأعمل ظوافري… لتقصفت.
رفعت بكنام رأسها وقالت بثقل متصنّع:
- وأنا كمان هاجي معاكي… بقالي كتير ما صبغتش شعري.
ثم نهضتا معًا وغادرتا دون التفات.
نظرت سَحَر إليهما بامتعاض واضح وقالت وهي تتمتم:
- استغفر الله العظيم… يقطعوا الخميرة من البيت.
وضعت مليكة الملعقة جانبًا ببطء، الحزن يثقل ملامحها، وكأن شهية الحياة نفسها غادرتها لا الطعام فقط.
تبادل الجميع النظرات باستغراب إلى أن قطعت ريم الصمت وسألتها بحذر:
- هو انتِ زعلتي من عمتي؟
هزّت مليكة رأسها نفيًا دون أن تتكلم، فتدخل مالك قائلًا:
- أمال مالك؟
تنفّست بمرارة حاولت إخفاءها ثم قالت بصوت مجروح:
- ماما عارفة إن في ضرب نار حصل امبارح… وكان ممكن نتصاب… مفكرتش حتى تتطّمن علينا.
ساد الصمت، وظهر الذهول على بعض الوجوه والحزن على أخرى.
هي كانت محقّة… بينما جلس مالك عاجزًا؛ لا يعلم ماذا يقول، ولا كيف يرد. كان جزء منه يتمنى دومًا أن والدته تهتم به مثلما يتمنى، وجزء آخر يعرف أنها لم ولن تفعل… فانخفض رأسه للأسفل بصمتٍ خائب.
تحركت سَحَر نحو مليكة واحتضنتها بحنان قائلة:
- ولا يهمّك يا حبيبتي… دي مش جديدة.
لاحظ زين نظرة مالك المنكسرة، فحاول سحب التوتر من الجو بطريقة غير مباشرة، فالتفت لأدهم وقال وكأنه يتذكر موضوعًا عابرًا:
- مش كان في واحد عايز عربية كده؟… صح يا أدهم؟
فتح أدهم فمه قليلًا في استيعابٍ صامت، ثم أدرك محاولة زين لسحب مالك من حزنه، فابتسم بخبث طفيف وقال:
- أه… في واحد كده، بس العربية مش هتيجي غير لما ينجح السنة دي.
رفع مالك رأسه فورًا، وكأن الكلمة أعادت إليه الروح، وقال بسعادة غير مصدّق:
- بجد؟!
تدخل حامد مبتسمًا، محاولًا مواصلة إخراجه من حالة الاحباط:
- أيوة… بس تنجح الأول.
انفرجت ملامح مالك بدرجة ملحوظة، وقال بحماس طفولي جميل:
- يا سلام! أخيرًا أبطل آخد العربية من حد… ولا أفضل مستني حد يوصلني! ياااه… ولا الحوقة لاحد!
ضحك البعض بخفّة، وارتخت الأجواء المشحونة قليلًا…
كأن الأمل رجع يطرق قلبه من جديد، ولو بأبسط شكل.
قال زين وهو ينظر لمالك بطرف عينه ساخرًا:
- ناقر الجميل يا حيوان… أنا غلطان إني بوصّلك كل يوم الكلية انت وأختك الكربانة دي!
شهقت مليكة، واتّسعت عيناها بحدة:
- أنا كربانة؟! يا معفّن؟! يا دكتور نصّ كوم!
ارتفع زين أحد حاجبيه وهو يضحك:
- نص كوم مين يا ماما؟ دا أنا دكتور على رمح وربع!
ردت مليكة بغيظ:
- بس يا دكتور البهايم انت!
اصطنع زين الصدمة:
- مين ده دكتور البهايم يا بتاعة انتِ؟! ده اللي هيقولولِك مهندسة يبقي غلطان … لما يطلبوا منك تبني عمارة، هتهديها فوق دماغهم!
رفعت مليكة ذقنها بتحدٍّ:
- أنا هبقى أكبر مهندسة… وبُكرا تشوف!
هتف زين ببرود:
- لما نشوف.
تدخّلت سَحَر يائسًا وهي تمرر يدها على وجهها:
- هو في مرض معدي في العيلة دي من إمتى؟! وزين ومليكة بيتشكّلوا كده… الله يخليك يا أدهم ابعد عنهم! أنا مش ناقصة يا ابني إن العدوى توصلك انت كمان… انت العقل في العيلة، انت ويزن… ربنا يخليكم ويهديهم!
ضحك مالك وهو يهز رأسه:
- الله على المفَرقة الاجتماعات… الله!
ساد الضحك للحظة، حتى رنّ هاتف زين فجأة.
ألقى نظرة على الشاشة، وبمجرّد أن رأى الرقم الخاص فهم فورًا أنه يزن.
مال قليلًا للأمام وقال بخفوت:
- يلا… عندنا اجتماع مغلق.
نظروا إليه باستغراب، ما عدا أدهم الذي ارتسمت على وجهه ابتسامة خبثٍ خفيفة… فهو وحده فهم المعنى؛ فهذه الجملة لا يقولها إلا يزن، وهي رمزه الخاص معهم.
قال حامد مستغربًا:
- قصدك إيه؟
نهض أدهم وهو يومئ برأسه:
- هتفهموا فوق… يلا.
صعد الجميع إلى غرفة زين في حيرة، بينما تبادلوا النظرات المتسائلة.
أغلق زين الباب جيدًا، ثم فتح المكالمة.
وبمجرد أن زين فتح المكالمة، ثم فتح المكبر الهاتف، دوّى في السماعة صوته المليء بالغيظ:
- ساعة عشان ترد يا حيوان؟!
ارتفع زين أحد حاجبيه بضيق ساخر:
- هو كله عليا النهارده ولا إيه؟
جاء صوت مليكة سريعًا:
- بيان.
سأل يزن بهدوء:
- كلكم مجتمعين؟
ردّ حامد بنبرة متحفزة:
- آه… ما كنت تقول كده يا حيوان يا زين، انه أخوك! مكان ألغاز لقولتها!
زمجر زين:
- في إيه يا جدعان؟ هو أنا على وِشي الشتيمة؟!
قهقه مالك:
- أه… ههههه.
- اخرس.
تدخّلت هدية بنبرة دلالٍ رقيقة، رغم القلق الذي ظاهر في صوتها:
- بس يا هبْل… منك له، عامل إيه يا حبيبي؟
ابتسم يزن بخفوت وردّ:
- الحمد لله يا ماما.
ضحكت هدية بخفة، وقالت:
- وليل؟ عاملة إيه يا بنتي؟
التفت يزن نحو ليل كأنه بيشجعها ترد.
قالت ليل بخجل واضح:
- الحمد لله، إحنا كويسين يا ماما.
ابتسمت هدية بحنان وهي تقول:
- طمنتوني يا ولادي، ربنا يحفظكم.
سأل يزن بنبرة هادئة:
- والأخبار اي عندكم؟
بدأ حامد يحكي كل الذي حدث مع والده، ومع كل كلمة كانت ملامح يزن تتغير، توتر بيزيد، وصوته بيختفي في الصمت…
ضغط على يده بعصبية، فنتظرت له ليل بقلق، لكنّه تمالك نفسه أخيرًا وقال بنبرة باردة حازمة:
- سيبوه براحتُه… يعمل اللي هو عايزه.
تبادلوا النظرات بدهشة من هدوءه الغريب، فتابع بنفس الجدية:
- ما توصلوش معايا كتير… أنا اللي هبقى أرنّ عليكم. أنا مش واثق لا في جدي ولا في عمي ولا في حد تابعهم.
ردّ زين بعد لحظة صمت:
- ماشي يا يزن، خُد بالك من نفسك، وإحنا موجودين لو احتجت حاجة ابقي اتصل بينا.
أنهى يزن المكالمة ببطء، ووضع الهاتف جانبًا، بينما ظلّت ليل تنظر إليه في صمتٍ طويل، عينيها مليئتان بأسئلةٍ لا تجرؤ على نطقها، وقلقٍ لم تعرف بعد مصدره… أهو عليه؟ أم مما ينتظرهم جميعًا؟
—------------
مرَّ شهرٌ كامل...
أصبحت علاقة يزن وليل أقوى من أي وقتٍ مضى، رغم أن ليل ما زالت تضع حدودًا واضحة بينهما، ويزن بصبرٍ نادر احترم تلك الحدود دون تذمّر.
تعافى يزن تمامًا، وأصبح أحيانًا يرافق ليل إلى المسرح، وأحيانًا يكتفي بانتظارها حتى تعود.
اقترب موعد ولادة ريم، بينما أنهت جودي امتحاناتها وتنتظر النتيجة بفارغ الصبر، مثلها مثل مالك ومليكة.
كان يزن يتواصل مع أهله بين الحين والآخر، فمرة يطمئن عليهم، ومرة يختفي تمامًا عن الاتصال.
في المقابل، لم يتوقف الجد عن البحث خلفه، يراقب حامد والعائلة بأكملها، علّه يعثر على خيطٍ يقوده إلى مكانه. ما زال متمسكًا بفكرته، لم يتراجع عنها ولو للحظة.
أما شهناز، فكانت تنتظر عودة يزن بلهفةٍ تكاد تقتلها.
في حين تابعت بكنام من بعيد ما يجري داخل العائلة، تستمتع بالفوضى، وتخطط بخبثٍ لإشعال نارٍ جديدة بينهم جميعًا… حتى تدمّرهم بالكامل.
سلمت ليل مهام العمل لـ جودي بعد انتهاء امتحاناتها، فكانت جودي أحيانًا تنزل مكانها في المسرح.
ومنذ آخر مرة، لم يزر أحد من أهل يزن منزل ليل مجددًا.
لكن خلف هذا الهدوء الظاهر…
كان المجهول ما زال يخطط في الخفاء، ينتظر اللحظة المناسبة ليدمّر يزن وعائلته تمامًا.
—--------------
خرجت ليل من المطبخ وهي تحمل كوبين من القهوة، واتجهت بهدوء نحو يزن الجالس على الأريكة، واضعًا الحاسوب المحمول على ركبتيه، منهمكًا في عمله.
ناولته الكوب وجلست بجواره وهي تقول بنعومة:
- بتعمل إيه؟
ردّ دون أن يرفع عينيه عن الشاشة:
- بخلّص شغل الشركة.
أومأت برأسها في صمت، ثم سألها:
- هتنزلي المسرح النهارده؟
- لا، جودي هي اللي ماسكة الشغل النهاردة… بس احتمال أخرج أشتري شوية حاجات للبيت.
قفل يزن الحاسوب المحمول والتفت ليها، وقال بنبرة هادية:
- اديني ورقة مكتوب فيها الطلبات اللي محتاجها… أنا هروح أجيبهم، وبفكر أتمشّى شوية في المنطقة شوية.
أومأت له ليل ونولته الورقة بعد أن انتهت من كتابة الطلبات، وبعد دقائق كان يزن خارج من المنزل.
أما هي، فاتجهت سريعًا إلى الحمّام لتأخذ حمّامًا دافئًا بعد أن استغلت خروجه، ثم خرجت تلف جسدها بالمنشفة، اذ نسيت أن تحضر ملابسها. اتحركت بخطوات سريعة نحو الخزانة وهي تفتّش عن شيء ترتديه.
في ذاك الوقت، كان يزن قد لاحظ بعد خروجه أنه نسي هاتفه.
تنهد بضيق وهو يعيد السيارة للخلف ثم قرر الرجوع.
فتح الباب بمفتاحه الخاص ودخل بخطوات هادئة.
لكن ما إن فتح باب الغرفة، حتى شهقت ليل وتجمّدت في مكانها، بينما هو وقف مذهولًا للحظة، يحاول استيعاب الموقف.
- أنا… أنا نسيت الموبايل.
قالها بتوتر وهو يشيح بوجهه جانبًا، واتجه بسرعة إلى الكومودينو ليحمل الهاتف.
كاد أن يغادر، وفي اللحظة دي تذكّرت ليل كلام جدتها ياسمين وهي بتعاتبها بنبرة حانية:
- إزاي حاطة حدود في علاقتكم؟ ده جوزِك يا بنتي!
الكلمات رنت في أذنها كأنها تُقال من جديد، فابتلعت ريقها بصعوبة ورفعت نظرها ليه، قبل ما يخرج صوتها الرقيق بخجل وتردد واضح:
- يزن…
توقف يزن في مكانه، أغمض عينيه بملامح متوترة، بلحظة ضيق من الموقف. حاول يتمالك نفسه، لكن نبرتها الرقيقة أربكته أكتر.
التفت نحوها ببطء، وعيناه تائهتان بين الرغبة والارتباك.
اقتربت ليل بخجل، وعيناها معلّقتان بالأرض، كأنها تخشى أن تلتقي بنظره.
تقدّم منها يزن بخطواتٍ بطيئة، نظر في عينيها للحظة، ثم أشاح ببصره كمن يحاول الهرب من شعورٍ غامر، لكنه سرعان ما عاد إليها من جديد، وكأن شيئًا ما يجذبه نحوها رغمًا عنه.
اقترب أكثر، حتى تداخلت أنفاسهما، وعمّ الصمت بينهما كأنه لغة لا يفهمها سوى قلبَيهما.
ابتعد حين احتاجت ليل أن تلتقط أنفاسها، بينما كان هو يلهث بصوتٍ خافت، ناظرًا إليها بعينين تملؤهما العشق.
اقترب منها مجددًا، واللحظة بينهما امتلأت دفئًا وسكونًا، كأن العالم كله تلاشى ولم يبقَ سواهما.
وفي تلك اللحظة، اختفت المسافات، وتبدّل الخجل إلى طمأنينةٍ غامرة.
كان قربه منها مزيجًا من المودة والرحمة، وحنينًا يعلن بصمتٍ أن ليل لم تعد غريبة عنه…
لقد أصبحت زوجته أمام الله.
—-------------
في الصباح، استيقظت ليل من حضن يزن ورفعت رأسها، تتأمل كل تفاصيل وجهه بعناية.
فجأة، قال يزن مبتسمًا وبخبث:
- أنا عارف إني حلو.
تراجعت ليل بدهشة وردّت بخفّة:
- لا، انت مش حلو!
ابتسم هو بخبث، ومال نحوها قليلاً، مما جعل ليل تخجل وتتراجع عنه بخفة.
قالت وهي تتحاشى نظره:
- طيب، هقوم أحضر الفطار.
غمز لها يزن قائلاً مازحًا:
- لازم…
ضحكت بخجل وضربته على كتفه بخفة قبل ما تقوم، فضحك هو بصوتٍ منخفض وهو يتابعها بنظرات دافئة.
حضّرت ليل الفطار، وجلسوا يأكلون في جو هادي ومريح.
وبعد ان انهوا من طعامهم، قال يزن وهو بيقوم من مكانه:
- أنا هقوم أكلم زين.
أومأت برأسها وقالت بابتسامة هادئة:
- ابقى سلّملي عليه… وعليهم كلهم.
أوم لها بابتسامة خفيفة، ودخلت هي الغرفة، بينما جلس هو في غرفة المعيشة، ما زال أثر ابتسامتها الصغيرة عالقًا في ذهنه.
—--------
في المسرح، كانت جودي تتحقق من الديكورات بتركيز شديد، حين قالت لها زميلتها بدهشة وحسرة:
- انتِ طلعتِ شديدة عن ليل… فينك يا ليل؟
ردّت جودي بحدة:
- الشغل هنا مفيهوش هزار!
اعترض شاب من الفريق مستغربًا:
- إحنا قولنا حاجة؟
تنفست جودي بحدة وقالت:
- أنتم شامين… لانا شامة!
صاح الشاب بصوت عالي:
- دي حريقة!
وفعلًا، انتشرت النيران من قاع المسرح وامتدت إلى الستائر. هرع الجميع نحو الخارج، بينما صرخت جودي بأمر صارم:
- كله يخرج برا بسرعة!
—-----------------
توقعوا في تعليقات هل سبب حريق المسرح بفعل فاعل ام لا ؟
موعيد الرواية تغيرت هتنزل يوم في الأسبوع يا للأربع بليل يا الخميس الصبح
Hager Saeid