الفصل السابع عشر

الفصل السابع عشر

15 0

#روايه_مسرح_ليل

#الكاتبة_هاجر_سعيد_محمد

>>>الفصل السابع عشر <<<

آسفة بجد علي التأخير بس كنت مشغولة الفترة لفاتت

--------------

ساد الصمت للحظات بعد كلمات حامد التي وقعت كالصاعقة على الجميع:

- انتِ بنت رزان.

اتسعت عينا يزن بعدم استيعاب:

- رزان… طليقة عمي؟!

نظرت ليل إليه وإلى حامد باستغراب.

أجاب حامد مؤكدًا:

- آه… هي.

تبادل زين ومالك ومليكة النظرات بعدم تصديق، بينما كان يزن لا يزال تحت وقع الصدمة:

- أنا إزاي… إزاي ماخدتش بالي من الشبه اللي بينكم؟!

قالت ليل بذهول خافت:

- يعني… أنا ابقا بنت عمّك؟

تنهد حامد بعمق، وصوته يحمل مرارة سنوات:

- يا ليل… الصورة دي. فين بقيتها؟ أو تعرفي عنها إيه؟

أجابت ليل وهي تنظر للصورة التي بيد حامد:

- أعرف إنها آخر صورة… تيته قالتلي إن إنها هي وماما اتصوروهاا مع عيلة جوزها قبل ما تتطلّق هي وماما … وإنها قطعت باقي الصورة بعد اللي حصل لماما.

اقترب حامد منها وسأل بصوت خافت:

- وانتِ… تعرفي اللي حصل لمامتك؟

- اعرف ان الصورة دي اتصورت يوم عيد ميلاد ابن حضرتك… الرابع.

شهق حامد بدهشة:

- عيد ميلاد يزن…! طب انتِ مكتوبة باسم مين؟

أجابت ليل:

- تيته كتبتني على اسم أبو ماما.

فجأة نهضت مليكة من مكانها، وجلسَت بجوار ليل، وصوتها يرتجف:

- يعني… يعني انتِ تبقي أختي الكبيرة؟

نظرت ليل إليها بعيون لامعة، وابتسمت رغم عنها.

رمت مليكة نفسها في حضنها، وليل ضمّتها بحنان.

نهض مالك واقترب بخطوات بطيئة، وعيناه تلمعان.

ابتعدت مليكة قليلًا فنهضت ليل وفتحت ذراعيها له. ارتمى في حضنها بقوة.

قال بصوت مخنوق:

- كنت بتمنى تكوني أختنا من طيبتك وحنيتك… بس عمري ما توقعت تكوني أختنا في الحقيقة.

ابتعد قليلًا، ومسح دموعه ودموعها:

- دموعك ما تنزلش… طول ما احنا عايشين.

دخل عليهم صوت يزن فجأة، حادًّا ومليان غيرة:

- في إيه يا مالك؟! ابعد عنها كده!

رد مالك باستفزاز هادي:

- انت… انت غيران عليها؟ على فكرة هي أختي.

نظر له يزن بعيون مليانة غيرة وغيظ.

قال زين بصدمة وابتسامة:

- يعني… ليل تبقى بنت عمي!

قالت مليكة بحماس:

- وبتبقى أختنا.

ابتسم حامد والدموع تلمع بعينيه:

- هدية وسحر هيفرحوا لما يعرفوا… يلا يا ليل، قومي البسي عشان تيجي معانا.

تجمدت ليل في مكانها ثم قالت باعتراض جريح:

- أنا… عمري ما هدخل القصر. لاتّهانت أمي فيه.

اقترب يزن منها وقال بحنان:

- بس الحقيقة لازم تتعرف.

هزت ليل رأسها بإصرار:

- لأ.

ثم نهضت ودخلت غرفتها بسرعة.

كان يزن على وشك أن يلحق بها، لكن مليكة أمسكت ذراعه:

- خليك… أنا هروح ليها.

واتحرك خلفها بنظره فقط، بينما دخلت مليكة غرفة ليل.

تنهد مالك وقال بقلق:

- هي هترضى تعيش هناك؟

أجاب زين بثقة:

- مش هنغلب لو أقنعناها.

هز حامد رأسه بقلق:

- لا… ليل مش هتوافق. ربنا يستر.

----------------

داخل غرفة ليل، اقتربت مليكة منها وجلست أمامها قائلة بصوت خافت:

- يا ليل، لو انتِ مش هتيجي… يزن مش هييجي. وانتِ عارفة قدّ إيه مهم يحضر سبوع ابن اخته.

ردّت ليل وهي تعقد ذراعيها بعناد واضح:

- السبوع مش واقف عليا. هو لو عايز يروح، يروح.

تنهدت مليكة بضيق واقتربت أكثر:

- انتِ مش هتفضّلي مستخبية أكتر من كده. انتِ من العيلة… وليكي حق الناس تعرفك. زيّ ما ليكي حق تحضري سبوع ابن بنت عمّك… وابن عمتك.

قالت ليل بحدة:

- انتِ ليه مش فاهماني يا مليكة؟

أمسكت مليكة يدها بثبات:

- طب خلاص… تعالي اقعدي معانا في القصر كام يوم بس. عشان خاطر يزن… وريم… والكل. وبعد كده ارجعي تاني وقت ما تحبي. عشان خاطري يا ليل.

ساد الصمت للحظة، قبل أن تُطلق ليل تنهيدة طويلة وهي تنظر للأرض:

- طيب… تعالي ساعديني أجهّز الهدوم اللي هحتاجها أنا ويزن هناك.

قفزت مليكة بفرحة واضحة:

- حالاً!

بعد وقت قليل… خرجت ليل ومليكة من الغرفة.

حامد ويزن وزين ومالك كانوا يتحدثون في مواضيع مختلفة، لكنهم توقفوا فجأة عند رؤيتهما.

أعلنت مليكة بحماس وهي لا تزال ممسكة بيد ليل:

- ليل وافقت! وجهزنا الشنطة بكل اللي هتحتاجه هناك.

ابتسم الجميع دون استثناء.

وقال حامد بارتياح واضح:

- تمام… ادخل يا يزن غيّر هدومك عشان نتحرك.

وبعد دقائق كان الجميع جاهزًا، وخرجوا من البيت معًا.

—---------------

في القصر، كانت ريم تجلس بتوتر واضح، تلوّي أصابعها في قلق قبل أن تهمس لأدهم:

- بابا اتأخّر ليه؟ هو يزن مش جي؟

هتف أدهم وهو يحاول تهدئتها:

- إن شاء الله هيجي يا حبيبتي… متقلقيش.

وقطع الجد الصمت بصوته الصارم:

- سحر… فين أخوكي والعيال؟

ارتبكت سحر قليلًا، ثم قالت:

- مالك ومليكة بيسلموا ورق للكلية… وزين بيوصلهم، وبعد كده هيروح هو وحامد يجيبوا يزن من المطار.

تدخلت شهناز بلهفة واضحة:

- هو يزن جي؟

ردّت هدية بتوتر لم أستطعت تخبي:

- الله أعلم… يا يجي يا لا.

رفع الجد أحد حاجبيه بحدة، ونظر إليها نظرة مباشرة:

- يعني إيه… لييجي أو متيجيش؟

ارتبكت هدية للحظة، وفتحت فمها لتكمل… لكن، اتقطع كلامهم عند...

-----------------

في الخارج، كانت السيارات تلتف أمام بوابة القصر بصوت واضح هزّ الهدوء المحيط بالمكان.

فتح الباب، ونزل يزن أولًا.

توقّف لحظة، تنفّس فيها بعمق، ثم قال بنبرة امتزج فيها الشوق وتعب:

- القصر واحشني… أوي.

نظرت ليل إليه ثم إلى القصر الكبير أمامها.

وفي تلك اللحظة، شعرت إن كل حاجة هتبدأ تصعب بينهم… هي لم تقدر تتخيّل نفسها تعيش هنا، وهو… حياته باكملها هنا.

قطع شرودها دفء يد يزن وهو يمسك يدها بخفّة:

- متخافيش… أنا جنبِك. ومعاكي.

ابتسمت ليل ابتسامة مصطنعة رغم التوتر الذي كان مضايق صدرها.

اقترب مالك بابتسامة واسعة:

- أهلا بيكي في القصر يا ليل.

ابتسمت ليل بتوتر واضح.

ثم التفت زين، وكان ينظر للعمّال الذي بيعلّقوا زينة السبوع في الحديقة:

- السبوع… هيكون جميل جدا. هتتبسّطي وسطنا، صدّقيني.

أومأت ليل بخفوت:

- إن شاء الله.

كانت مليكة تتابعها بنظرة قلق… لأنها عارفة إن ليل لم تستريح هنا. وكذلك حامد.

قال يزن وهو بيحاول يخفف الجو:

- شكلهم كلهم جوا… يلا بينا.

مسك يد ليل بقوّة تطمنها، ودخلوا معا…

والعائلة بأكملها خلفهم، بخطوات متردّدة…

كل شخص في داخل قلبه خوف من اللحظة الذي سوف تأتي.

الحقيقة كاد تظهر…

وجلوس ليل مع العائلة لم تكون سهلة إطلاقًا.

وبمجرد ما دخل يزن وبحواره ليل للقاعة الكبيرة…

الجميع وقف.

وجوه اتجمّدت…

اشخاص اتصدمت…

أشخاص اتوترت…

وأشخاص اتبادلت نظرات خوف…

وكانت ليل واقفة بينهم…

وكأن وجودها لوحده كافي يخلّي القصر بأكمله يتنفس بقلق.

عندما دخل يزن إلى القصر، كانت الأعين باكملها تتجه نحوه… ثم تهبط فورًا إلى يده المتشابكة مع يد ليل.

تجمّد الجد في مقعده لثواني قبل أن ينهض، يحدّق فيهما بنظرة طويلة بين الدهشة والرفض.

اقترب خطوة وقال بصوت منخفض لكنه واضح:

- حمدلله على السلامة يا ابني… متعرفنا.

وكان قصده موجّهًا مباشرةً إلى ليل.

في لحظة حاسمة، شدّ يزن يد ليل إليه وضمّها لحضنه أمام الجميع، وكأنه يعلن موقفه بلا تراجع:

- ليل… مراتي.

شقهت شهناز ورمشت مرتين وثلاثة، ملامحها منصدمة ليس مصدّقة الذي سمعه، قبل ما صوت الجد يعلو بغضب مكبوت:

- انت بتقول إيه؟!

هتفت بكنام بغل:

- دي؟! دي اللي فضّلتها على بنتي؟ فيها إيه أحسن من بنتي؟!

ارتفع همس في القاعة… نظرات صدمة، استنكار، توتر… لكن يزن لم يصمت للحظة.

اتقدّم خطوة امام ليل، وكلامه خرج ثابت وحاد:

- أي كلمة تهين مراتي… أو حتى نظرة… تبقى إهانة ليا أنا. وكرامة مراتي من كرامتي.

عمّ هدوء مفاجئ…

حتى الجد رفع أحد حاجبيه من طريقة يزن التي لم يراها قبل كهذا من قبل .

ليل وقفت خلفه، بتحاول تمسك أعصابها… وكل العيون مازالت عليهم.

تقدّم عماد بخطوات متوترة ووقف إلى جوار زوجته، بينما كان ينظر إلى ليل نظرة حملت شكًّا واضحًا… نظرة يعرفها يزن جيدًا، النظرة ذاتها التي كانت تخبره بأن قلب عماد دقّ لأمرٍ لم يفهمه بعد.

قال عماد محاولًا تهدئة الموقف:

- إحنا منقصدش يا يزن… بس اتصدمنا من جوازك، بس كده.

رفعت ليل نظرها إليه، نظرة حادة… خطوة إلى الخلف، وأخرى تتقدّم بها نحو عماد. ثم التفتت نحو يزن كأنما تسأله بعينيها: "ده أبي؟"

أومأ لها يزن ببطء، مؤكّدًا.

في الخلف، كان حامد ينظر إلى ابنه بفخر مكتوم، بينما تقدّم ليقف بجوار زوجته وأخته، وجميعهم يتبادلون نظرات متوترة خائفة.

مالك ومليكة كانا يمسكان أيدي بعضهما بخوف، وزين اتجه نحو أدهم، ينظر إليه بتوجس. ريم كانت تقف خلفهم جميعًا، يكسوها الخوف.

خطت ليل خطوة ثابتة نحو عماد، ثم وقفت أمامه مباشرة. أخذت نفسًا قصيرًا، ثم رمقت بكنام من أعلى لأسفل، كانت الأخيرة ترتدي ملابس فاضحة لا تخفى على أحد.

قالت ليل بثقة باردة، وصوت لا يرتجف:

- هي دي…؟ دي اللي كنت بتخون مراتك معاها؟

اتّسعت عينا عماد بدهشة، كأن الكلمة ضُربت في صدره. بينما شهقت بكنام بغضب، وصاحت:

- انتِ بتقولي إيه يا مجنونة؟!

كان الجد يحدّق في يزن بنظرات غضبة صامتة، حاجباه معقودان بقوة بعد ما تفوّهت به ليل.

توترٌ ثقيل خيّم على المكان، وكلّ من في القاعة تبادلوا النظرات بخوف وقلق وكأنهم ينتظرون انفجار اللحظة القادمة.

رفعت ليل رأسها بغضب لم تستطع السيطرة عليه، وقالت بصوت ثابت رغم رجفة أعصابها:

- أنا مش مجنونة… دي الحقيقة!

التفت إليها عماد سريعًا، محاولًا نزع الفتيل قبل أن تتفاقم الأزمة:

- لا، أكيد اتلغبطي في حاجة… دي تبقى مراتي!

لكن ليل لم تتراجع، تقدّمت خطوة نحوه بعينين تشعّان غضبًا، وقالت:

- نسيّت؟… نسيّت بكل سهولة رزان؟ مراتك الأولانية؟

صمتٌ صادم ضرب المكان.

وجوه مصدومة.

عيون اتّسعت.

والصدمة الأكبر كانت على وجه الجد… الذي ازدادت ملامحه قسوة.

انفجر عماد غاضبًا، صوته يعلو رغم محاولته السيطرة على انفعاله:

- ما تكتبيش سيرتها! دي خيانة… وأنا طلّقتها!

لكن ليل لم تهتز، رفعت ذقنها وتقدّمت خطوة نحوه، صوتها صار أهدأ… لكن حدّته كانت أشد:

- وعندك إثبات إنها خانتك؟

سكت للحظة، فتابعت هي بقوة:

- دَوَّرتَ ورا الصور؟ ولا من أول ما شُفت الصور… اتهمتها بالخاينة؟ لدرجتي ما كنتش واثق فيها… رُوحتَ للمكان اللي كانت بتروّح له… وعرفت الحقيقة!

ثبّتت عينيها عليه، ثم تحولت بنظرتها الحادة نحو بكنام، وقالت:

- ولا حتى فكّرت إن ممكن حد يكون بيوقّع بينكم؟

تبادل الجميع النظرات القلقة.

قطّب الجد أحد حاجبيه أكثر وقال بنبرة ثقيلة:

- صور إيه اللي بتتكلمي عنها؟

تدخل عماد، وقد بدا عليه الارتباك والغضب معًا، وقال موجّهًا كلامه لـ ليل:

- انتِ تعرفي الحاجات دي إزاي؟ رزان خانيتني!

التفتت ليل نحوه بسرعة، عينيها تلمعان بالتحدّي:

- يعني انت… ما كنتش بتخونها مع واحدة رخيصة؟

ثم أشارت بنظرة مباشرة وقاسية نحو بكنام… نظرة جعلت وجه الأخير يحمر غضبًا.

صرخت بكنام فجأة، فقدت أعصابها تمامًا، ورفعت يدها محاولة أن تصفع ليل:

- اخرسييي!

تجمدت ليل في مكانها، شعرت بالعجز للحظة، بصدمة جعلت أنفاسها تضطرب بينما أغمضت عينيها… ومع ذلك، لم تُصفَع.

فحين اقتربت يد بكنام من وجهها، ظهر يزن في لحظة، قبض على يد بكنام بقوة، وصوته يجلجل بالقاعة:

- عَش… ولا كان اللي يرفع إيده على مراتي طول ما أنا عايش!

شهقت بكنام وهي تحاول تسحب يدها دون جدوى.

تدخل الجد بحزم وهو يرفع صوته:

- كلم مرات عمّك كويس يا ولد!

لكن يزن لم يتراجع، التف بجسده قليلًا ليحمي ليل خلفه، وقال بحدة لا تحمل نقاشًا:

- كله… إلا مراتي يا جدي.

ساد الصمت… وتوترت الوجوه، بين من صُدم ومن خاف من اتّساع الشرخ بين أفراد العائلة.

كانت ليل واقفة في وسط القاعة، والغضب يشعّ من عينيها، وصوتها بيرجّ المكان وهي تواجه عماد دون خوف:

- حتى أجمل لحظة الراجل بيتمنّاها… إن مراته تيجي وتقولّه إنها حامل… اللحظة اللي كل ست بتحلم بيها انها تقول لجوزها انها حامل ويفرح… أول ما رزان عملت المفاجأة بعد عيد ميلاد يزن، كانت فاكرة إنك هتفرح… كانت فاكرة بعد سنين من عدم الخلفة إن ربنا ارد… وإن حلمها هيبقى حقيقة… بس انت عملت إيه؟

رفعت ليل يدها وكأنها بتعدّد جراح رزان:

ـ اتّهمتها إنها حامل من واحد تاني!… جرّجتها من شعرها… ورميتها في الشارع… هنت كرامتها… وكأنها ولا حاجة! كل ده عشان إيه؟ عشان انت معدوم الثقة… لا فيّها ولا في أخلاقها!

اقتربت خطوة، وصوتها صار أعمق:

ـ عمرك سألت نفسك ليه مكنتش بتحمل؟

سكتت للحظة ثم قالت بقوة:

ـ لأن في حد كان بيحطلها برشام منع الحمل! ولما مرات أبوها بالصدفة لقت الخَدْمة بتحط حاجة في العصير بتاعها… من يومها بقيت تعملّها عصير غيره… وبعدها حملت…

ثم نظرت له نظرة كاسرة:

ـ وانت بدل ما تفهم منها… صدّقت انها خاينة… وتخليت عنها! وانت أكتر واحد خاين في الدنيا كلها!

سكتت… شهقاتٌ متفرّقة انطلقت من الجميع، وصدمةٌ أخذت تتصاعد على وجوه العائلة.

في تلك اللحظة، هدية نظرت إلى ليل بشكّ عالق بين التصديق والإنكار، ثم ببطء شديد حوّلت نظرتها نحو حامد…

وعيناها تمتلئان فرحًا… وأملًا… وشيئًا يشبه الرجوع للحياة. وكأنها تسأله بصمتٍ طويل.

حامد ردّ عليها بنظرة هادئة، ثابتة… وأومأ لها إيماءة صغيرة.

اتّسعت عينا هدية، شهقة مخنوقة خرجت منها، واهتزّت شفايفها من شدّة المفاجأة.

تقدّمت هدية بخطوات مترددة، صوتها مرتعش:

ـ انتِ… انتِ بنت رزان؟

اقتربت ليل من هدية ونطقت بصوت منخفض لكنه واضح:

ـ أيوه… أنا بنت رزان.

وفي اللحظة دي… شهق الجميع بصدمة، كأن الخبر وقع عليهم كمثل الرعد.

أدارت ليل جسدها ببطء، ونظرت لـ هدية نظرة ثابتة لا تهتز، ثم قالت بصوت قوي:

ـ أيوه… أنا بنت رزان. رزان اللي شافت أنواع الذل وإهانة… وعلى إيد مين؟

رفعت يدها وأشارت مباشرة نحو عماد:

ـ على إيد الأستاذ عماد.

تحجّر وجه الجد، وارتفع صوته بغضب يكتم الصدمة:

ـ إيه الهَبَل اللي بتقوليه ده؟!

لم تهتز ليل، ولم ترمش حتى بعينيها:

- ده مش هَبَل… دي الحقيقة. ولو مش مصدّقني… اسأل ماما هدية.

التفتت ليل لـ هدية، ونظرتها أصبحت أعمق… أهدى… كأنها بتقول: احكي.. الوقت جه.

شهقت هدية شهقا خفيف، وارتبكت، وعينيها تدور على الوجوه قبل ما تثبت على ليل.

وبصوت متوتر، لكنها مضطرة تعترف، قالت:

ـ هي… هي صح.

سكتت لحظة وكأن الكلام بيخنقها:

ـ بعد اللي حصل… روحت بيتها. اتكلمت مع رزان… وقالتلي كل اللي اتعمل فيها… كل حاجة!

بلعت ريقها بصعوبة:

ـ بس… بس هي اختفت… قبل ما تولّد ليل بشهر.

عمّ الصمت المكان…

عيون تتسع… قلوب تتسارع…

والجد لأول مرة لم يجد كلمة ينطقها.

رفعت ليل رأسها بقوة، وصوتها اتشح بمرارة السنين:

ـ ماما ما اختفتش كده… حد بعتلها رسالة على الواتس. قالولها تمشي من المنطقة… وإلا هيوذها ويوذوا اللي في بطنها ويوذوا اي حد قريب منها.

عمّ الصمت، والقلق اتجمع في عيون الجميع.

أكملت ليل، وصوتها يرتعش لكنه ثابت:

ـ ومرات أبوها وقتها خافت علينا… أخدت ماما ومشوا. خافت يحصل لها حاجة… ويحصل ليا وليكي حاجة.

استنشقت ليل نفسًا، ثم أخرجت صورة من يدها، ورفعتها امام الجميع:

ـ وليثبت كلامي أكتر… أكيد فاكرين الصورة دي… مش كده؟

تقدّم الجد بخطوات بطيئة، مد إيده، وأخذ الصورة.

نظر للصورة… ثم رفع عينه لليل… ثم رجّع نظره لعماد.

بينما عماد تجمّد مكانه.

لون وشه بهت… وصوته اختفي من الصدمة.

كان بيسأل نفسه داخل عقله:

هل هذه… بنتي؟ هل هذه بنت الحب الأول… التي عمري ما نسيتها؟

قطع الصمت صوت بكنام وهي تصرخ:

- دي أكيد بتكذب! دي بتمثل وبتضحك علينا!

لكن صوتها ارتدّ في القاعة بدون ما حد يصدّقها…

لأن ملامح عماد كانت بتحكي الحقيقة أكتر من أي كلمة.

قال يزن بثبات وهو ينظر مباشرة إلى الجد:

ـ لا… مش بتكدب. إحنا عملنا تحليل إثبات نسب قبل ما نيجي… والنتيجة طلعت متطابقة ٩٩٪.

ساد صمت ثقيل للحظة، قبل أن يرفع الجد رأسه ويقول بصرامة:

ـ اطلع رايح يا يزن… انت ومراتك فوق. ولينا كلام بعد سبوع ابن أختك.

أومأ يزن باحترام، التقط الحقيبة، ثم أشار لليل أن تتجه نحوه.

تحركت معه بصمت، وخرجا من القاعة.

التفت الجد نحو ابنه وقال بنبرة لا تحتمل اعتراضًا:

ـ عماد… تعال عايزيك.

ثم رفع عينه للآخرين:

ـ والباقي يطلع يجهز.

تحرك عماد خلف والده، بينما تبادل الآخرون نظرات قلق.

نظرت مليكة إلى شهناز بخوف وهمست لمالك:

ـ سكوت شهناز مش مريحني.

رد مالك وهو يمسك يدها:

ـ ولا ماما…. يلا نطلع.

خرج الجميع بهدوء متوتر.

—----------

صعدت ليل مع يزن إلى الغرفة المخصّصة لهما. وبمجرد أن فتحت الباب، اتسعت عيناها بانبهار…

كانت الغرفة واسعة، ذات طابع هادئ، يغلب عليها اللون الرمادي، وكل شيء موضوع بعناية وكأن أحدًا يعرف ذوقها.

قال يزن مبتسمًا:

ـ عجبِك الأوضة؟

هزت رأسها بخجل خفيف:

ـ اه… حلوة.

اقترب خطوة منها ونبرة صوته ازدادت دفئًا:

ـ مش عايز اللي حصل تحت… ولا اللي ممكن يحصل بعدين… يأثر علي علاقتنا.

نظرت إليه بتردد واضطرب خفيف ظهر في عينيها، ثم أومأت ببطء:

ـ ماشي…

ضحك يزن بخفة وكأنه يحاول يخفف الجو:

ـ بقولك إيه… في كلمة سر عايز أقولها لكِ.

رفعت أحد حاجبيها باستغراب، لكن ضحكة صغيرة خرجت منها غصب عنها.

ضحك يزن بهدوء، واقترب أكثر:

ـ العب…

وتجمدت ليل في مكانها، قلبها يدق بسرعة، لم تعرف هل تهرب… ولا تستسلم للحظة.

—------------

في غرفة حامد وهدية

جلست هدية على طرف الفراش، وجهها ممتلئ بالدهشة والحنان وهي تقول بهدوء:

ـ أنا كنت شاكّة إنها بنتها… بس عمري ما صدّقت إن مرات ابني تطلع بنت رزان. شوف الأيام!

تنهد حامد ووضع يده على رأسه:

ـ ولا أنا… أول ما عرفت إنها بنت رزان حسّيت إني بحلم.

نظرت له بقلق:

ـ تفتكر… باباك وأخوك وبكنام وشهناز هيسكتوا؟

هزّ رأسه بسرعة:

ـ أكيد لا… أنا خايف يِوقّعوا بينهم.

ابتسمت هدية محاولة تهدئته:

ـ متخافش… حبهم لبعض أكبر من أي حاجة. هي ليل مكتوبة باسم مين؟

تنهد حامد، ثم بدأ يحكي لها ما حدث بالتفصيل، وهو يمرر يده في شعره بقلق من القادم.

—-----------

في غرفة أدهم وريم

كانت ريم تُرضِع زياد وهي تهز رأسها بعدم تصديق:

ـ أنا مش مصدقة… انت مصدق؟

جلس أدهم على المقعد المقابل لها ويده على ذقنه:

ـ ولا أنا… أنا حاسس إني بحلم. ليل طلعت من العيلة! ياااه… صدفة غريبة.

قالت ريم بنبرة خوف:

ـ أنا خايفة… أكيد مفيش حد هيسكت. وهيحاولوا يدمروا علاقتهم. يزن هيتدمر لو ليل بعدت عنه.

اقترب منها أدهم، وقال بثقة:

ـ يزن مش هيسمح لأي حد يبعده عن ليل. وبعدين… اوعي تنسي، لو اتّحد الإنس والجن مع بعض مستحيل يبعدوهم عن بعض… لان ربنا موجود. ولا انتِ مش واثقة في ربنا؟

ابتسمت ريم بخجل وهمست:

ـ ونِعم بالله.

—-----------

في الغرف، كان كل من مالك ومليكة وزين وسحر يغمره قلقه الخاص.

جلست مليكة على المقعد، وارتكزت يدها على ذقنها، وعيناها تشعّان بتفكير عميق.

استلقى مالك على مقعده، وظهره مرجوع إلى الخلف، كأنه يحاول الهروب من أي مواجهة محتملة.

أما زين، فجلس على الفراش، واضعًا يده تحت قبضته بعصبية، وكل حركة منه تكشف عن توتره الداخلي.

وسحر كانت تحدق في السقف، كأنها تنتظر عاصفة قادمة قد تقلب كل شيء حولها.

بينما في غرفة شهناز…

كانت تنظر للمرآة، دموعها تهبط بخطين واضحين.

وفجأة صرخت، وقذفت كل ما على التسرِيحة، أحمر الشفاه، العطور، المشط… كل شيء تطاير على الأرض وتلوّح للجميع بعواقب عسيرة وجحيم لا يرحم..

وفي غرفة بكنام

كانت بتتحرك بعصبية في الغرفة، والهاتف في يدها، صوتها يرتفع بغضب:

ـ انت كنت تعرف إن يزن متجوز؟ ومتجوز مين؟!

يأتي صوت الرجل من الطرف الآخر مستغربًا:

ـ متجوز مين؟

صرخت بكنام:

ـ زي ما سمعت… متجوز بنت رزان!

سادت لحظة صمت، ثم قالت له ما حدث بالتفصيل.

وبعد أن انتهت، جاء صوت الرجل بحدة وهدوء قاتل:

ـ الحرب بدأت… استعدّي.

رفعت بكنام رأسها، وفي عينيها غضب… وغِلّ… ونيّة انتقام واضحة.

—--------------

في المكتب، كان الجد يتحدّث وهو يكاد ينفجر من الغضب، صوته يهدر في المكان:

- يعني يا عماد… كرشت مراتك من القصر وهي حامل؟

رفع عماد رأسه بتوتر، وصوته يتهزّ:

- يابابا… أنا إيه اللي يعرفني إنها كانت حامل مني؟

ضرب الجد المكتب بكفه:

- يعني انت مش عارف اخُلُق رزان؟!

هزّ عماد رأسه بإحباط:

- يابابا… هي فعلاً كانت خاينة… وكانت بتروح لواحد غريب شقته… أنا كنت أعرف منين إنها ما تكونش حامل منه؟

شهق الجد بغضب أكبر:

- لا… لأ… أنا مش هستنى لحد ما يجي يوم… ويزن يكرش ليل من القصر، ويقول إنها خاينة! لازم نلاقي حلّ… ولازم يطلّقها!

—--------------

وبعد مرور وقت، نزل يزن من على الدرج واتجه إلى حديقة القصر.

كان يقف هناك مالك، يعطي ظهره للقصر، غارقًا في التفكير.

ابتسم يزن واقترب منه، ووضع يده على كتفه:

- واقف بتعمل إيه يا مالك؟

التفت مالك نحوه:

- كنت بكلم زميل ليا في الكلية… كان بيسأل على حاجة.

أومأ يزن له، وجال ببصره في أرجاء الحديقة:

- طب أدهم فين؟

هتف مالك بهدوء:

- بيشوف تجهزات السبوع.

تسأل يزن:

- وزين؟

دار مالك بعينيه يبحث عنه:

- كان هنا من شوية… بس ده أصلًا بيظهر ويختفي فجأة. أكيد في المطبخ… بيصبح على الأكل.

وفجأة جاء صوت زين من خلفهم:

- مين بيجيب سيرتي؟

اقترب ووقف بجوار مالك، فرفع يزن أحد حاجبيه:

- كنت فين يا زين؟

رد زين:

- بصبح على الأكل… في المطبخ.

وفي تلك اللحظة وصل أدهم إليهم، وعيناه متسعتان بدهشة:

- طول عمرك مفجوع!

ضحك زين:

- الله أكبر… هتحسدوني ولا إيه؟

ضحك أدهم بخفوت، ثم التفت إلى يزن بجدية:

- سيبك منهم… قوللي بقى، هتعمل إيه مع جدك؟ ومع ليل؟ ومع اللي بيحصل ده كله؟

تنهد يزن بعمق، كأن صدره مثقل:

- والله مش عارف… أول مرة أحس إن دماغي وقفت… ومش قادر أفكر في حاجة.

ربت زين على كتفه:

- سيبها على ربنا… وهو مش هيكتب غير الخير.

وأضاف مالك بثقة:

- وسيّب كل حاجة لوقتها… يمكن الخير اللي ربنا كاتبه لسه ما ظهرش.

نظر يزن إليهم بعينين دافئتين، واقترب ليحتضنهم جميعًا:

- ربنا يديمكم ليا… بجد.

—------------

في منزل جودي، كانت تقف على عتبة المطبخ وهي تقول لرغدة بحماس:

- زي ما بقولك يا ماما… مليكة لسه مكلّماني، وقالتلي إن ليل تبقى أختها من الأب، وإن يزن يبقى ابن عمها!

رفعت رغدة أحد حاجبيها بدهشة:

- سبحان الله… ربنا عوّضها بعيلة أهل جوزها، وطلّعوا في الآخر عيلتها الحقيقة.

وفجأة طرق الباب بقوة، فقام مصطفى من على الأريكة متذمرًا:

- ما تروحي تفتحي يا ست هانم؟ ولا انتِ فالحِة تِي لوكّي وبس؟

رفعت رغدة أحد حاجبيها:

- بدل الكلمتين الملهمش لازمة دول… كنت زمانك فتحت الباب يا مصطفى.

ضحكت جودي:

- ما يبقاش مصطفى إلا ولازم يقول الكلمتين دول؟!

كان مصطفى يقف عند الباب متذمّرًا وهو يقول بيأس:

- على باب اتزنّب، وأنتم عاملين تحدّفوني لبعض!

فتح الباب أخيرًا، فاندفعت ياسمين إلى الداخل المنزل بسرعة.

نظر إليها مصطفى باستنكار قائلاً:

- هو أنا شفّاف ولا إيه؟!

اقتربت جودي منه وربّتت على كتفه وهي تقول بسخرية لاذعة:

- محدّش عامّلك حساب… روح اعمل حساب في البنك.

رمقها مصطفى بنظرة دايرة وهو غير مصدّق، ثم ذهب ليجلس على الأريكة وسط ضحكات الجميع.

تقدّمت رغدة نحو ياسمين وسألتها بقلق:

- في حاجة حصلت؟

تنفست ياسمين بعمق قبل أن تقول:

- أنتم عرفتوا إن ليل عرفت عيلتها مين؟

أجاب مصطفى سريعًا:

- الروتر قالّينا.

نظرت له جودي بحدة:

- خليك في حالك أحسن ليك.

ثم التفتت إلى ياسمين، فسألتها:

- عرفتي منين يا جودي؟

ردّت جودي:

- عرفت من مليكة… وانتِ عرفتي من مين؟

قالت ياسمين:

- رُوحت على بيت ليل… خبطت عليها ملقتّهاش. رنّيت عليها مردّتش، فرنّيت على مليكة… فقالتلي. وقالت كمان إنها دوقتي في القصر، وريم عازمانا على سبوع ابنها.

هزّت جودي رأسها وقالت:

- هدخل ألبس.

قال مصطفى بحماس:

- أنا جاي معاكم.

نظرت له جودي بتهكّم، ثم قالت رغدة:

- خلي بالكم على نفسك يا بنات!

صرخ مصطفى:

- إي يا ماما؟! هو أنا لدرجة دي شفّاف؟!  اومال انا رايح معاهم ليه؟

ضحك الجميع بخفوت بينما قالت جودي:

- زي مقولتلك اعمل حساب في البنك! ما نيجي معانا يا ماما!

نظر اليها بصطفي بغيظ بينما ردّت رغدة:

- مش فاضية… عندي حاجات هعملها وهروح مشوار. ابقوا ابعتوا سلامي ليهم.

أجابت ياسمين:

- يوصل يا ماما رغدة.

ثم سأل مصطفي:

- هتروحي فين يا ماما؟

هزّت رغدة كتفها وهي تتجه نحو المطبخ:

- مش لازم تعرف… يلا عشان ماتتأخروش.

—--------------------

خرجت ليل من غرفة يزن متجهة إلى غرفة ريم.

طرقت الباب بخفّة، فسمعت صوت ريم تقول:

- اتفضّل لعلي الباب.

دخلت ليل مبتسمة، فبادلتها ريم الابتسام وهي تحمل طفلها:

- بنت حلال… تعالي شيّلي زياد لحد ما أغيّر.

أجابت ليل وهي تتقدّم نحوها:

- مفيش مشكلة… تعالي يا زياد، بسم الله الرحمن الرحيم.

ضحكت ريم وقالت:

- عقبال ما نفرح بيكي انتِ ويزن.

لمعت ابتسامة خفيفة على شفتي ليل قبل أن يُقطع الهدوء بطرقات على الباب.

فتحت ريم فوجدت مليكة.

قالت وهي تتنفس بسرعة:

- رُوحت أوضة يزن ملقتكيش، فسألتُه وقالي إنك عند ريم. ياسمين كانت بترن عليكِ وانتِ مردّتيش… فرنّت عليّا.

تنهدت ليل:

- نسيت الموبايل في الأوضة. تعالي شيّلي زياد وإديّني الموبايل.

اقتربت مليكة وأخذت الطفل، بينما أمسكت ليل هاتفها وردت علي ياسمين.

سمعت صوت الأخيرة تقول بدهشة:

- انتِ تبقي أخت مليكة؟

ضحكت ليل:

- آه والله… أختها. مين كان يتوقّع؟

- فعلاً! ردّت ياسمين بصدمة مشوبة بالفرح.

تدخلت ريم وهي تعدّل زياد:

- وقولي لياسمين تيجي هي وطنط رغدة وجودي ومصطفى السبوع.

- حاضر… هقولها. أجابت ليل.

—------------

ومرّ وقت ليس بالقليل قبل أن يتوقف تاكسي أمام بوابة القصر.

نزل منه مصطفى وياسمين وجودي، وأعينهم تتسع بدهشة أمام ضخامة المكان.

همست ياسمين بانبهار:

- بسم الله ما شاء الله…

كذلك قال مصطفي وجودي.

تقدّم مصطفى بخطوات ثابتة نحو القصر، ودخل ومن خلفه الاثنتان.

استقبلهم أدهم والشباب صافحوهم بحرارة، فقال مصطفى بذهول:

- والنبي؟! مش متوقّع إنكم تبقوا قرايب ليل!

ضحك مالك:

- يعني إحنا لمّصدقين!

تقدّم زين نحو ياسمين وقال بلطف:

- عاملة إيه يا آنسة ياسمين؟

احمرّ وجهها بخجل:

- الحمد لله…

رفع مصطفى أحد حاجبيه نحوها بتمعّن، بينما كتمت جودي ضحكتها بصعوبة وهي تسأل:

- فين ليل والباقي؟

انتبه مالك إليها، ونظر لها نظرة أربكتها قبل أن يجيب:

- كلّهم جوّا في القصر.

اشتدّ خجل جودي وتهرّبت بعينيها، فنظر إليها مصطفى بحدّة:

- مالهم دول؟!

ضحك يزن وأدهم على الموقف، قبل أن يشير أدهم للدادة:

- طلّعي البنات عند ريم.

- حاضر يابني… اتفضلوا.

تحرّكت البنات خلف الدادة بخجل، فأطلق يزن تنهيدة ضاحكة، وقال بهمس:

ـ خفّوا النظرات دي… عيب اللي بتعملوه اخوهم واقف.

احمرت وجوه زين ومالك، وأخفوا وجوههم خجلاً وحرجًا.

—--------------

في القصر، كانت هدية وسحر تشرفان على تجهيز الطعام، تتنقلان بين الطاولات وتراجعان التفاصيل بدقة.

وفي الجهة الأخرى، اجتمع الجد وعماد وحامد داخل مكتب كبير تتعالى منه همسات النقاش حول أمور الشركة.

أما في الأعلى، فقد صعدت الفتيات وسلّمن على الجميع بمودة، وتبادل الأحاديث خفيفة قبل أن ينزل الجميع لاحقًا إلى الحديقة، حيث ازدحم المكان بالزائرين الذين جاءوا لتهنئة أدهم وريم بمولودهما.

وقفت سحر وهدية جانبًا، تنظران للجمع بحذر.

فقالت هدية بصوت منخفض:

- أنا مش مطمّنة لبِكنام ولا لِشهناز.

ردّت سحر وهي تشدّ على يدها:

- ولا أنا… ربنا يستر.

في مكان قريب، كان يزن يقف إلى جوار ليل، يراقب ازدحام الحديقة ثم يلتفت إليها قائلاً بهدوء:

- إيه القمر ده؟

احمرّ وجه ليل بخجل، فتابع:

- عقبالنا يا ليل…

فابتسمت، لكن نظرتها كانت تحمل قلقًا خفيًا.

في الطرف الآخر، كان مصطفى وياسمين وجودي يتحدثون بصوت منخفض.

قالت ياسمين:

- أنا قلبي مش مطمّن خالص.

أجابت جودي وهي ترمقها بقلق:

- أنا مش مرتاحة لنظرة مرات أبو ليل.

هزّ مصطفى رأسه وقال:

- ولا أنا… ربنا يستر. ومحدش يضايق ليل، فهي مش متستحمل.

اقتربت مليكة وقالت بحزم:

- فعلاً… ولا أنا مطمنة.

وفجأة ظهر مالك واندمج معهم بصوت خافت:

- واضح إن ولا واحد فينا مرتاح.

وتنهّد زين الذي جاء لتو بقلب مليء بالقلق.

في الجهة المقابلة، كانت بِكنام واقفة تنظر إلى ليل بغضّ مكتوم، وهمست في نفسها:

ـ يعني أنا بقالي سنين ببعد مامتك عن حامد بأي طريقة، وفي الآخر ترجعي وتكوني متجوزة يزن… وانا عملت كل حاجة عشان يتجوز بنتي، وفي الآخر؟ انتِ اللي تتجوزيه!

أما عماد، فكان يخطف النظرات نحو ليل، وقلبه يصرخ شوقًا لحضنها، لكن عقله كان يفرض عليه الصمت والجمود.

وفي تلك اللحظة، ظهرت شهناز بابتسامة ماكرة تخفي وراءها نوايا سوداء.

خطت نحو منصة الصغيرة، وأخذت الميكروفون من أحد العاملين.

رفع الجميع رؤوسهم، وشعروا بتوتر عجيب في الهواء.

قالت شهناز بصوت مصطنع الهدوء:

- قبل أي حاجة… أحب أبارك لأدهم وريم على البيبي الجديد.

سكتت… ونظرت مباشرة إلى ليل ويزن.

توترت الوجوه، وتبادلت العيون نظرات قلق واضحة.

ثم أكملت، وصوتها يقطر خبثًا:

- وثانيًا… أحب أبارك لـ ليل… اللي اكتشفنا إنها أختي! من الخاينة رزان.

تجمّد الجميع.

شهقات مكتومة خرجت من بعض الحاضرين.

تابعت شهناز بنبرة مليئة بالسم:

- والله أعلم هي بنت بابا ولا لأ… بس كنت حابة أبارك لها على إنها خطفت جوزي المستقبلي… شكلها زي أمّها بالظبط… خطفت الرجالة!

كادت ليل تتقدّم نحو شهناز، لكن يزن أمسك يد ليل بسرعة، ونظر نحو الصحافة المُتربصة في المكان الذي يتصورون وإلي رجال الأعمال، ثم حرّك رأسه لـ ليل بمعنى: لا…

نظرت ليل إليه بصدمة… قلبها يصرخ:

- عايزني أسيبها تهين أمي؟

ولقد فهم يزن ليل ما الذي تقوله من نظره عينها،

وبجوارهم، كانت بِكنام تبتسم بشماتة واضحة، بينما بقيت العائلة بأكملها في صدمة تنتظر ما ستفعله شهناز.

تقدمت شهناز خطوة نحو ليل ويزن، ورفعت الميكروفون لتُكمل كلامها....

----------------

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

مسرح ليل

المؤلف Hager Saeid
2025/07/17 مكتملة
قائمة الفصول (25)
الفصل بداية القاء: البارت الأول
2025/07/17
الفصل صورة كشفت الماضي: الفصل السادس عشر
2025/11/21
الفصل عائلة غريبة : البارت الثالث
2025/07/29
الفصل دقت قلب: البارت الثاني
2025/07/19
الفصل لمعه عشق تفتح باب الأسرار : البارت الرابع
2025/10/17
الفصل مفاتيح الماضي: البارت الخامس
2025/10/17
الفصل وجع الحاضر... وجرح الماضي: الفصل السادس
2025/11/03
الفصل ساعة الانتظار: الفصل السابع
2025/11/09
الفصل إجبار وجدال: الفصل الثامن
2025/11/09
الفصل ظل الماضي: الفصل التاسع
2025/11/09
الفصل خلف الأبواب المغلقة: الفصل العاشر
2025/11/09
الفصل حين تري ما لا يقال: الفصل الحادي عشر
2025/11/09
الفصل حين انقلب المشهد: الفصل الثاني عشر
2025/11/09
الفصل الصراع المكشوف: الفصل الثالث عشر
2025/11/09
الفصل حين يطرق الخطر الباب: الفصل الرابع عشر
2025/11/09
الفصل نغزة في القلب... والشك والغيرة: الفصل الخامس عشر
2025/11/13
الفصل المواجهة المنتظرة: الفصل السابع عشر
2025/12/01
الفصل الليلة التي اتغير فيها كل شئ: الفصل الثامن عشر
2025/12/08
الفصل بين البعد والقرب : الفصل التاسع عشر
2025/12/19
الفصل النبض الاول: الفصل العشرين
2026/01/10
الفصل العنيدة : الفصل الحادي عشرين
2026/01/16
الفصل لأجلكم جميعًا : الفصل الثاني عشرين
2026/01/18
الفصل بعد سنة من الغياب: الفصل الثالث والعشرون
2026/01/21
الفصل التهديد الأخير: الفصل الرابع والعشرون
2026/01/25
الفصل مسرح ليل 💥: الفصل الخامس والعشرون والاخير
2026/01/29

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة