#الرواية_مسرح_ليل
#الكاتبة_هاجر_سعيد_محمد
>>>الفصل السابع<<<
رنّ هاتف أدهم، وكان مالك هو المتصل.
أول ما الخط اتفتح، ليل جمعت شجاعتها، مدّت إيدها بسرعة وخطفت الهاتف من مالك، وقالت بصوت متوتر:
- يزن… أخباره إيه؟
اتصدم أدهم أول ما سمع صوتها من التليفون وقال بذهول:
- ليل؟
لحظة صمت قصيرة خيّمت على المكان… الجميع انتبه فجأة، وزين رفع عينيه ليزن باستغراب، وهزّ راسه كأنه بيقول: "في إيه؟"
أدهم ضغط على زر المكبّر، فارتفع صوت ليل المرتجف في الغرفة:
- ألو… يا أدهم؟ يزن… أخباره إيه؟ هو كويس؟
هدية لاحظت رعشة الخوف في نبرة صوتها، وابتسمت بخفة، فرحِت إنها خايفة على ابنها من قلبها.
قال حامد بهدوء:
- هو كويس دوقتي… واتنقل أوضة عادية.
تنفست ليل بارتياح، وريم سألت بسرعة:
- يعني هو فعلاً كويس؟
قال أدهم لكي يطمأنها:
- أيوة يا ريم، هو كويس الحمد لله.
سألت ريم بقلق:
- جدي جه؟
أجاب زين بهدوء:
- أيوة، جه… هو والباقي ومشوا.
تدخل مالك بسرعة:
- طيب إحنا هنيجي.
لكن سحر اعترضت:
- لا، خليكم مكانكم أحسن.
قالت مليكة بإصرار، وصوتها بيرتعش من القلق:
- لا، إحنا هنيجي.
ردّت هدية باعتراض:
- ملهوش لزوم، هو هيفوق بكرة.
أدهم أنهى النقاش بحزم:
- لو ظهر أي جديد، هنبقى نبلغكم فورًا.
ثم أنهى المكالمة معاهم.
---------------
في منزل ليل، بعد ما أدهم قفل الخط، ساد صمت للحظات كأن كل واحد مستني رد فعل التاني.
قالت مليكة بحدة وهي تنظر اليهم واحد واحد:
- هتسمعوا كلامهم وتفضلوا قاعدين؟
ابتسم مالك ابتسامة فيها خبث وقال بثقة:
- لا طبعًا.
ليل رفعت عينيها اليهم بقلق، كأنها بتحاول تفهم نيتهم، وقالت بصوت مهزوز:
- طب… هتعملوا إيه؟
قالت ريم بتأكيد:
- هيروحوا هناك.
ليل فتحت عينيها بقلق وقالت بسرعة:
- بس… هيزعقوا ليكم.
ضحكت مليكة بخفة وقالت وهي تهز راسها:
- انتِ على نياتك أوي يا ليل.
ابتسم مالك وقال بحزم وهو بيقف:
- يلا… نروح.
قالت ريم بتوتر وهي تنظى لنفسها:
- هنروح إزاي وأنا لابسة إسدال؟
ردت مليكة بسرعة:
- عادي، هنعدّي على محل ونجيب هدوم لينا.
ضحك مالك وقال بخفة:
- وأنا كمان أجيب قميص وبنطلون.
ليل قالت بقلق وهي تنظر إليهم:
- خلاص، يلا نروح… أنا هدخل أغيّر، ومليكة كمان تيجي تغيّر، أطلعلك فستان من عندي.
مليكة هزّت راسها باعتراض:
- لأ، بلاش تتعبي نفسك عشانا… روحي انتِ غيري بس.
أومأت ليل موافقة، ودخلت غرفتها. وبعد نص ساعة كانوا الجميع جاهزين ومتحركين على المستشفى.
-------------------
بعد بضع ساعات، كانت هدية وسحر جالستين داخل الغرفة التي يرقد فيها يزن، والقلق ظاهر على وجههم.
حامد كان جالس قريب منهم، متصلّب مكانه، وعينه لم تفرق ابنه، بينما جلس أدهم على بُعد خطوات قليلة، بعد ما أقنع مدير المستشفى أن يتركهم ينامون هنا.
في هذه الأثناء، كان زين قد نزل ليجيب العصير والطعام لهم.
وفجأة، الباب اتفتح بقوة، واقتحم مالك ومليكة الغرفة بوجهه متحفّزة.
اتفزع الجميع، وقال حامد بغيظ:
- يا مجانين! مش إحنا قولنا متجوش؟
ردّ الاتنين معًا في وقت واحد:
- وحضرتك يا عمي، عمرك سمعت عنّا إننا بنسمع الكلام؟
فانفجر الجميع ضاحكين:
- لا.
حتى زين، الذي كان رجع لتوّه ووقف عند الباب قريب من مكان جلوس أدهم، لم يقدر يمنع ضحكته.
لكن أدهم ظلّ صامت، عيناه مملوئة قلق، وهو يفتّش بين الوجوه عن ريم… وعندما لم يلقها، انعكس الخوف بوضوح في نظرته.
تقدّم زين وهو يدخل بابتسامة خفيفة وقال:
- أنا كنت عارف إنكم مش هتسمعوا الكلام.
وخلفه ظهرت ريم تُسندها ليل.
وبمجرد أن رآها، اندفع أدهم نحوها بسرعة، وقال بقلق واضح:
- قلقت عليكي لما ما لقيتكيش معاهم.
ابتسمت ريم بخفة وهي ترد:
- ليل كانت بتساندني… وهما، زي ما انت عارف، مركبين عجلات في رجليهم.
رفع مالك يده بخفة وهو يغمز وقال مازحًا:
- خمس خمس في عينيكي، هتِحسدينا.
لم يتحمّل أدهم المزاح، فاتجه إلى مالك وأمسكه من ملابسه من الخلف. وكلّما تكلّم، كان يخفض رأس مالك ثم يرفعها بعصبية مصطنعة وهو يقول بغضب ساخر:
- بتخمس في وشّ مراتي يا حيوان؟! هي هتحسدك على إيه يا حسرة؟! اتكسف على نفسك… ده انت عامل زي عود القصب النشف!
انفجر الجميع في الضحك، بينما كان مالك يحاول تعديل ملابسه وهو يتنفس بسرعة، وأدهم لا يزال ممسكًا به.
قال مالك وهو يلهث بنبرة متذمّرة:
- ياعم برستيجي بقى في الأرض؟! طب ماشي، الناس كلها عارفة إني مهزّق… بس افترض لو دخلت ممرضة دلوقتي وشافت المنظر، هتقول إيه عني؟!
كانت ليل قد أخذت ريم من يدها وأجلستها على أقرب كرسي، ثم وقفت بجوارها وهي تضحك قائلة:
- هتقول عليك مهزّق… بس بصراحة، أنا ما كنتش أعرف إنك مهزّق كده!
اتّسعت عينا مالك بدهشة مصطنعة، فزاد ضحك الجميع أكثر.
ضحك زين وهو يمسح دموع عينيه وقال:
- يا لهوي… على كسفتك يا حازم!
ربّتت مليكة على كتف أخيها وهي تضحك:
- تعيش وتاخد غيرها يا روحي.
ارتفعت الضحكات أكثر، حتى قالت ريم وهي تمسك بطنها من شدّة الضحك:
- آه يا بطني… مش قادرة!
في لحظة، التفتوا جميعًا نحوها بقلق، لكن مالك لم يترك الفرصة تمرّ، فالتفت إلى أدهم وقال بنبرة مصطنعة وهو يشير إليها:
- ما تروح تشوف مراتك مالها… بدل ما أنت ماسكني كده وبترجّني زي قاسِسْت الحَجزَقعة!
انفجرت ريم بالضحك مرة أخرى، وشاركها الجميع، حتى عمّت الضحكة الغرفة.
قالت وهي تلتقط أنفاسها بصعوبة:
- أنا كويسة… بس بطني وجعاني من الضحك.
ترك أدهم مالك وهو يزفر براحة، ثم تقدّم نحوها بقلق ظاهر في عينيه:
- قلقتيني عليكي.
ابتسمت ريم بخفة وهي تطمّنه:
- متخافش… أنا كويسة.
قال مالك وهو يضع يده على رأسه متظاهرًا بالألم:
- هي كويسة، بس أنا لحالي جالي ارتجاج في المخ…
رد عليه زين وهو يضحك:
- يا عم اتوكس.
أضافت مليكة وهي ترمي كلمة سريعة عليه:
- يلا يا مهزّق.
رفع مالك حاجبيه قائلًا بنبرة متقرفة:
- سبنالك الاحترام يا أختي.
اقتربت هدية من ليل، أمسكت يدها وسألتها بهدوءٍ وحنان:
- عاملة إيه يا بنتي؟
ابتسمت ليل بخجل وهي ترد:
- الحمد لله… كويسة.
قال زين وهو يصفّق بيديه بحماس:
- يلا ناكل.
بدأ يوزّع الطعام على الجميع وأضاف بابتسامة خفيفة:
- كنت متأكد إنكم هتيجوا، عشان كده جبت أكل بزيادة.
ضحكوا جميعًا، وأكلوا معا في جو مريح بعد ساعات طويلة من التوتر.
وبعد الأكل، استأذن أدهم من مدير المستشفى لكي الجميع يجلس في الغرفة. وبعد رجوعه، هدأ المكان تمامًا، وناموا جميعًا نومًا عميقًا، كأن التعب أخيرًا انتصر على القلق.
—------------------
في القصر، كان عماد جالس مع والده في المكتب، وقال بنبرة يملؤها الشك:
- بابا… أنا ليه حاسس إنهم مخبّيين عنّا حاجة؟
نظر له والده بتفكير ورد بهدوء وثبات:
- عندك حق… وأنا هعرف هما مخبّيين إيه.
في الوقت نفسه، كانت شهناز مالت على والدتها وهمست بتوتر واضح في صوتها:
- مامي… أنا عايزة أتجوز يزن. انتِ قولتي نصبر… طب هصبر لحد إمتى؟
ردت والدتها عليها بهدوء، لكن في صوتها كان في حزم:
- كل حاجة هتيجي في وقتها يا حبيبة مامي، متستعجليش. يلا قومي نطلع ننام دوقتي.
-------------
في الصباح…
رمش يزن بعينيه عدة مرات حتى بدأت الصورة تتضح أمامه. شعر بثقلٍ في رأسه، وبحركة بطيئة التفت إلى جواره، فوقع نظره على ليل الجالسة على الكرسي بجواره، رأسها مستند إلى طرف السرير، نائمة بعمق وملامحها منهكة. استغرب وجودها هنا، لكن في الوقت نفسه، شعر بشيء من الراحة لرؤيتها.
تجوّلت عيناه في أرجاء الغرفة ببطء، فرأى ريم نائمة على الأريكة، جسدها ممدد، وبجوارها مليكة التي كانت قد ضمّت نفسها كطفلة تبحث عن الدفء. على الكرسي القريب منه، وجد والده نائمًا في وضع متصلّب، أما أدهم فكان غارقًا في نومٍ عميق على الكرسي المجاور لريم.
حوّل نظره إلى الجهة الأخرى، فرأى عمّته وأمّه نائمتين على الأريكة المقابلة، وبدت على وجهيهما ملامح الإرهاق والسهر الطويل.
ثم انزلقت نظراته إلى الأرض، فرأى مالك وزين نائمين متجاورين، وأحدهما يحتضن الآخر كأنهما يحتميان ببعض من البرد. عندها ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، وحاول كتم ضحكة صغيرة كي لا يوقظ أحدًا.
لكن سرعان ما شعر بعطشٍ شديد، فمدّ يده نحو الكوب الموضوع على الطاولة بجواره، غير أن حركته كانت ضعيفة، والسرير اهتزّ قليلًا معه، فأصدر صوتًا خافتًا أيقظ ليل من نومها.
رفعت رأسها بسرعة، رمشت بعينيها لتستوعب ما يحدث، وما إن التقت نظراتها بعينيه المفتوحتين حتى اتسعت ابتسامتها، وارتسمت على وجهها ملامح دهشة ممزوجة بالراحة.
قال لها بابتسامة مرهقة:
- عطشان.
أومأت ليل بهدوء، قامت وأخذت القزازة والكوب، صبّت له مياه وقدّمتهاله.
سألته بنبرة عتاب رقيقة:
- ليه ما صحّيتنيش؟
ابتسم يزن وقال بصوت واطي:
- ما كنتش عايز أتعبك.
ابتسمت ليل برفق وقالت:
- ولا تعب ولا حاجة… المهم راحتك.
في تلك اللحظة، استيقظ حامد وبعض الذي في الغرفة، لكن ليس جميعهم.
أول ما رات هدية ابنها مستيقظ، ركضت إليه وحضنته وهي بتبكي:
- كده يا ابني تخوّفني عليك!
ابتسم يزن بهدوء وقال:
- أنا أهو يا ماما… كويس.
اقترب الجميع من يزن، ووجوههم مليئة بالفرحة والاطمئنان، واحدًا تلو الآخر يسلّمون عليه بمحبة.
مليكة التفتت نحو مالك، الذي كان مازا نايم على الأرض، ثم اقتربت منه وقالت وهي تهزه بخفة:
- اصحى يا مالك.
ردّ مالك بصوت نعسان وهو مغمّض عينيه:
- سبيني يا حبيبتي… نايم.
كتم الجميع ضحكهم بصعوبة، فقررت مليكة تزيدها بخبث وبنبرة رقيقة:
- كفاية يا روحي النوم ده كله.
مالك، وهو مازل في عالم الأحلام، حرّك إيده بالغلط فشد زين لحضنه أكتر، وقرب وجهه منه وهو مغمّض، ضع إيده على خد زين وقال بصوت ناعس:
- انتِ طلعلك دقن إمتى يا قلبي؟… مش مشكلة، أدي بوسة.
وضم فمه!
الجميع حاول يمنع ضحكته بالعافية، لكن الموقف كان أقوى من السيطرة.
زين فتح عينه فجأة، وعندما رأه مالك قرّيب منه، اتفزع وصرخ:
- أعوذ بالله!!
مالك استقيظ على صرخته، فتح عينه بفزع وقال:
- إيه اللي جابك هنا يا عم؟!
الاثنان قاما بسرعة، واقفين امام بعض لم يكنوا مستوعبين.
ما الذي يحدث؟ وعيونهم مليانة توتر وضحك مكبوت في نفس اللحظة.
انفجر الجميع ضحكًا من المنظر، ومليكة قالت وهي بتقلد مالك بنبرة ساخرة:
- "سبيني يا حبيبتي نايم… انتِ طلعلك دقن إمتى يا قلبي… مش مشكلة أدي بوسة!"
نظر مالك إليها بغيظ وقال:
- هو انتِ اللي كنتي بتصحيني؟!
وركض خلفها داخل الغرفة، وهي بتصرخ من الضحك.
هزّ راسه حامد بيقله حيله، ثم قال بنبرة فيها غيظ:
- وبعدين بقى؟ أوعوا تنسوا إن في مريض في الأوضة!
ضحك يزن، ثم قال:
- سيبهم يا بابا، هو انت شايف مالك ومليكة هيسمعوا كلامك؟
ابتسم مالك بخبث، وقرب من يزن وقال بصوت عالي:
- يزن حبيبي!
وضمّه بقوة، فصرخ يزن من الألم:
- آه يا زفت!
أدهم شدّ مالك بعيد عنه بسرعة وقال بغضب:
- يا غبي! هو متصاب.
مالك ضرب كفّه على جبينه وقال بخجل:
- أوبس… نسيت.
زين قرّب من أخوه، فابتعدت ليل لكي تترك له مكان. حضنه زين بقوة وقال بصوت مبحوح:
- كنت خايف عليك… ليجرالك حاجة.
ابتسم له يزن بتعب وردّ بهدوء:
- أنا أهو… كويس.
قالت مليكة بمرح وهي بتضحك بخبث:
- إيه الجو عشق الممنوع ده؟
سحر رمقتها بحدة وقالت:
- اخرسي يا بت!
رفعت مليكة أحد حاجبيها وردّت بغيظ خفيف:
- خرست أهو.
ابتسمت ليل بخفة وهي شايفة قد إيه في حب بينهم، لكن فجأة سمعوا صوت يزن وهو بيسأل بجدية:
- جدي… جه؟
أومأت هدية وقالت بهدوء:
- جه امبارح ومشي هو والباقي.
سكت يزن لحظة، ثم رفع عينه وسأل بحدة:
- ليل، ريم، مالك، مليكة… موجودين من إمتى؟
الجميع اتبادل النظرات، وصمت تقيل خيّم على الغرفة. كانوا عارفين إن وجود ليل لم يمر بسهولة.
جاوبت ريم بتردد:
- بعد ما جده والباقي مشوا… إحنا جينا.
رفع يزن صوته بغضب وهو ينظر إليهم:
- يفرض لو جدي شاف ليل؟! كنتوا هتعملوا إيه وقتها؟!
الجميع اتلبش، وعيونهم صارت مليانة خوف وتوتر.
وفجأة، قطعت ليل الصمت وقالت بجدية وثبات:
- …
---------------
تفتكروا رد فعل ليل اي؟
Hager Saeid