كوميديا سَوداء

كوميديا سَوداء

20 0

_ تجلس وحيدة بذلك المنزل العملاق، تقول بصوت عذب، وهي تحمل ألبوم به صور لها ولزوجها الراحل، يبدوان سعيدان للغاية. قد ضاق الخِناقُ رحلتم بالبدور وما رحِمتم مَشُوقًا لا يبوح له اشتياق فقلبي فوق رؤوسكم مطار ودمعي تحت أرجلكم مراق أقال الله من قود لحاظًا دماء العاشقين بها تراق وأبقى أعيُنًا للغيد سودًا ولو نُسيتْ بها البيض الرّقاق متى يصحو الفؤاد؟ وقد أديرت عليه من الهوى كأس دِهاق وليس النّاس إلّا من تصابي لهوج الرّامسات بها اختراق كأن لم تُصبني فيها كعابٌ ولم يُضرب بساحتها رواق فعُجتُ على الطّلول بها مُكِبًّا أسيرٌ عَضَّ ساعده الوَثاق حديد بارد في اللّوم قلبي فليس له إذا طرق انطرق.   الشاعِر ( معروف الرصافي ) قاطعها صوت الخادمة وهي تقول: _ يا حورية هانم في واحده عايزه حضرتك برا. _ مين دي؟ _ بتقول اسمها سوزان السكَّري. انتبهت حوريه لذلك الإسم، وهبَّت واقفة تقول: _ دخليها فورًا. دخلت تلك سوزان ووقفت أمام حورية التي نظرت بعينيها بتركيز وعادت لها ذكرايات تمنت لو مُحِيَت من ذاكرتها للأبد، لكن النسيان صعب في هذا الموقف وهذه اللحظة. جلست سوزان بعنجهيه وضعت ساق فوق الأخرى وقالت: _ بقالي كتير مشوفتكيش يا حوريه مختفيه فين؟ ردت الأخرى بثبات: _ ملكيش دخل بحياتي يا سوزان جايه ليه؟ _ جايه علشان أعزيكي في جوزك يا حبيبتي. _ شكرًا واجبك وصل اتفضلى برا. قالت سوزان بإشمئزاز: _ معقوله لابسه عليه الإسود بكل بجاحه؟ يلا أهو الي سرقتيه مني ربنا خده، عقبالك. _ أنا مسرقتش حد من حد وأنتِ عارفه كده كويس، هو سابك علشان أنتِ ست مريضه ولا نسيتي الي كنتِ هتعمليه مع ابنك؟ _ دا مش ابني، دا ابن حرام، أو بمعنى أدق ده إبن جوزك الغير شرعي. نظرت لها حوريه بعدم تصديق من بجاحتها وقلة حيائها وقالت بهدوء: _ إطلعي برا. قالت سوزان وكان الحديث يخرج من فمها على هيئة سُم: _ أنا جيالك في مصلحه اسمعيني بعد كده همشي. _ اتفضلي خلصينا. _ إبن جوزك الغير شرعي مينفعش ياخد ولا جنيه من ثروة أبوه، كده كده احنا الاتنين كسبنا، أنتِ هتكسبي فلوس، وانا هكسب أن الولد ده يفضل طول عمره فقير ومحتاج. نظرت لها حوريه بصدمة وقالت: _ متوقعتكيش بالوقاحه دي اطلعي برا فورًا. إستعدت سوزان للخروج ولكنها توقفت في مكانها وعادت مرة أخرى مقتربة من حورية وقالت بفحيح: _ ابنك عايش مماتش، وانا رميته في الشارع. تركتها وذهبت بينما تصنمت الأخرى في مكانها لا تقوى على الحِراك، ولم تجلس مرة أخرى بل ذهبت لذلك المبنى الكبير الذي يعمل به صالح زوج سوزان، وزوج حورية السابق، دخلت مكتبه دون سابق إنذار وقالت بعصبية: _ إبني عايش؟ انتفض الآخر من مكانه وقال بغضب: _ مين قالك الكلام ده؟ ابنك مات وشبع موت. _ انت كداب. إقتربت منه ووضعت يديها حول عنقه، وقالت بغضب كبير: _ ابني فين؟ لو مقولتش هقتلك انت فاهم؟ إحمر وجه الآخر بسبب عدم.قدرته على التنفس بإنتظام وقال: _ في شركة S&y عنوانها (***) هو الي بيديرها. تركته وذهبت مسرعة نحو تلك الشركة بسرعة كبيرة، دخلت من ذلك الباب الكبير، وتوجهت نحو المصعد، وصلت أخيرًا أمام مكتب تلك المساعدة، وطلبت منها أن ترى المدير، فتركتها الفتاة وذهبت لإستإذان يوسف الذي وافق وهو يتملكه الفضول حول تلك المرأة. دخلت بهدوء للغرفة وأغلقت الباب من خلفها متعمدة. __________ دخل محمد مدير الحسابات بالشركة لغرفة سالي المساعدة، أخبرها أنه قد طلبه يوسف لوجود ثغرة في العمل. فقالت سالي بفضول: _ في واحده كده لسا داخله شكلها يدي حاجه وتلاتين سنه بس ايييه قمر، شكله كده ناوي يرتبط. جائها الرد مستفسرًا: _ شكلها ايه؟ _ كانت لابسه بنطلون إسود وبلوزه حمرا، وشعرها إسود وعنيها خضرا، بس ايييي قمر قمر. نظر لها محمد وقال: _ طب شكلهم هيطولو، لما تمشى أبقي ابعتي حد يبلغني، وتركها عائدًا لمكتبه. ________________ دخلت المكتب ونظرت له في حيرة وقالت: _ انت يوسف صالح صح؟ _ ايوه أنا اتفضلي. مجرد أن تفوه بتلك الجمله إرتمت بين أحضانه وهي تبكي بشدة، وهي تقول من بين شهقاتها: _ وحشتني، مكنتش أعرف أنك لسا موجود، ضحكو عليا وقالو ابنك مات، الحمدلله يارب الحمدلله. تعجب من ذلك الحديث، ومن تلك المرأة التي ارتمت بين أحضانه بلهفة، وبعد وقت قصير أخيرًا إستطاع إبعادها عن أحضانه وقال: _ إهدي، حضرتك غلطانه أنا مش يوسف الي تقصديه أكيد. قالت وقد غلب على صوتها البكاء فتحشرج: _ لا لا إنت ابني، يوسف. نظر لها ببلاهة وقال: _ أنا والدتي اسمها سوزان، ومش أنتِ والدتي صدقيني. قالت حورية بإرهاق: _ ممكن تصدقني؟ إسمعني وانا هحكيلك على كل حاجه بس اديني فرصة. أومأ لها بالموافقة وأمر المساعدة بأن تجلب لها كوبًا من الليمون كي تهدأ أولًا. بعد القليل من الوقت كان يوسف يجلس مدهوشًا مما يحدث حوله، لا بصدق، وقد هبطت دموعه على وجنتيه واحدةً تلو الأخرى بإنسيابية، وهو لا يحرك ساكنًا، حتى تحدثت حورية بقلق: _ انت مصدقني صح؟ فجائها رده الصادم: _ مش مصدق وعمري ما هصدق غير لما يكون في دليل قدامي. قالت بأمل: _ نعمل تحليل DNA؟ وافقها الرأي، ترك مكتبه وخرج معها نحو إحدى معامل التحاليل التي يثق بها، قدموا عينات، وذهبوا بإنتظار النتيجه التي ستظهر بعد يومين. _____________ في نهاية اليوم عاد لنوح بوجه عابس فسأله الأخير عمَّا حدث فبدأ يوسف بسرد ما حدث معه فقال نوح: _ متقلقش خير ان شاء الله سيب امرك لله وهو هيديك الي فيه الخير. _ الحمدلله على كل شيء، صحيح عملت ايه في موضوع الشغل؟ _ كلمتهم وهروح الإسبوع الجاي علشان يقيموني وأكمل بسخرية: ويرفضوني. _ إتفائل يا ابني مش كده يمكن تتقبل. _ بذمتك دا منظر مدرس لغه عربيه؟ دا انا واحد متسول والله بشكلي ده. _ ماله شكلك ياعم، دا هي حتة بدله وهتظبط شعرك وهتبقى زي الفل. _ بعيد عن شكلي أصلا الشغل ده في مدرسة بنات برضو وبمجرد م أتكلم هيخافو على الطالبات مني. _ طب والحل؟ _ علمني ازاي اتكلم زيك وأتعامل زيك. نظر له يوسف بعمق وقال: _ متأكد؟ أومأ له نوح فقال يوسف: _ تمام أنا موافق. __________________ بعد يومين ذهب يوسف لمعمل التحاليل وهو يرتجف من الخوف، وكان بجانبه نوح الذي صمم على إزالة الجبيرة، والذهاب معه، لم يتركه للحظة واحده وظل يطمئنه. إستلم يوسف النتيجة، وقدماه لا تستطيعان حمله فجلس على إحدى المقاعد القريبة منه، وفتح تلك الورقة المصيرية، فوجد أنها والدته بنسبة 99٪ حزن، غضب، خيبة أمل، وربما القليل من السعادة لكنه لم يميز سببها. كل هذا شعر به يوسف وهو مصدوم مما رآه، نهض من مكانه بغضب، إتجه نحو منزله، حتى يواجه والداه، وكان نوح خلفه خطوة بخطوة. وصل للمنزل، فوجد سوزان تجلس بالحديقة، تمسك بإحدى مجلات الأزياء، وما إن رأته حتى قالت بغضب: _ هو أنا مش قولت مشوفش وشك هنا تاني؟ قال يوسف بثبات: _ إنتِ مش امي صح؟ إرتعبت سوزان من هيئته فقد كان وجهه أحمر مثل الدماء، وأعصابه بارزة من عنقه بشكل مخيف، فقالت بهدوء ينافي تلك الضجة الموجوده بداخلها: _ ايوه مش ابني. طب وصالح بيه هو كمان مش ابويا بقى على كده؟ _ للأسف أبوك. نظر لها نظرة أخرستها، وجلس ينتظر صالح حتى يجعله يندم على تلك الكذبة، وحتى يستمع للقصة منه كما سمعها من حورية. جلس نوح بجانبه يحاول تهدئته، فقالت سوزان: _ انت عارف؟ أنا بكرهك، وبكره حوريه، انتو السبب في تعاستي في الحياة، من غير وجودك كنت هبقى سعيده جدًا،لكن انت كنت العقبه في حياتي كلها. تجاهل يوسف حديثها الذي أدخل الحزن على قلبه فكاد يموت من شدة الحزن، ونهض نوح من مكانه بغضب وقال وهو يُخرج ماديته ويقوم بفتحها أمام وجه سوزان: _ متهدي يا إمرأه مالك كده؟ يلا انجري على جوا عشان مرسمش خريطة مصر على خلقتك دي. ذهبت سوزان من أمامه بعد أن تسرب الخوف رويدًا لها. جلس نوح مرة أخرى وهو يضع ماديته بجيب بنطاله مرة اخرى. وصل صالح أخيرًا، ما إن رآه يوسف حتى نهض سريعًا تجاهه، وبادر في سؤاله عن سبب تلك الكذبة، فقال صالح بتأثر: _ خوفت عليك، خوفت على مستقبلك، حوريه مش ملاك حوريه شيطانه، وخوفت عليك تكبر على إن سوزان مرات أبوك، كنت هتتعقد. _ وهو أنا دلوقتي مش متعقد؟ دا انا كلي أمراض نفسيه، معنديش ثقه في حد ولا في نفسي، لسا لحد دلوقتي بخاف أعرف ناس جديده، بخاف انام بليل، بخاف من الناس، اي كل ده وشايف اني كويس؟ كل ده وشايف انك كده صح؟ سوزان دمرتني، وانت كمان دمرتني، لكن الي بتقول عليها شيطانه دي معملتش حاجه وحشه معايا علشان اصدقك. تركه وتوجه نحو باب الخروج لكن توقف بعد خطوتين وقال: _ صدقني كل ده مش هيعدي بالساهل، وهتندم انت ومراتك الي جوا دي. أكمل طريقه هو ونوح نحو الحارة، حتى يهدء أولًا قبل ذهابه لحوريه، وصلو للمنزل، فوجدا رجل غريب يقف أمام باب الغرفة يطرقها بدون ملل، فتقدم منه نوح قائلًا: _ في حاجه يخويا؟ _ إتفضل الجواب ده جايلك من المحكمه، امضي عشان تستلمه. مضى نوح، وأخذ منه تلك الورقة المجهوله، أمسك بها وتوجه يجلس على الأريكة الموجوده بمحازاة سور السطح، جلس بجانب يوسف يقرأ تلك الورقة، ما إن انتهى حتى قال: _ وِرث ايه، وأحمد مين الي مات من كام يوم، وهورثه ليه اصلًا؟ قال يوسف: _ كان مكتوب ورثك من والدك، انت والدك اسمه احمد؟ _ لأ اسمه وليد. ازاي يعني؟ وأكمل بكوميديا سوداء: _ شكلنا احنا الاتنين كنا عايشين في كذبه. نظر نوح بصدمة حوله، يستوعب ما يحدث حتى إنفجر ضاحكًا من حالهما الذي تبدَّلَ في ساعاتٍ قليلة، وشاركه يوسف الضحك، ضحكا لدرجة أنك لو رأيتهما لظننتهم مجانين. ________________ يُتبَع... بقلم/ ندىٰ مُحَمًَد

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

علمني كيف أكون

المؤلف Nada Mohamed
2024/06/09 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة