قسوة أب

قسوة أب

15 1

يقولون أن البدايات دائمًا ما تكون رائعة، لكن بداية هذا اليوم مختلفه بشدة، فقد إستيقظت على صوت رنين هاتفها، بإسم والدها، ردت عليه وبداخلها رهبة لا تعلم سببها، قال بعض الكلمات التي جعلت قلبها يبكي، جعلتها تتذكر كل ما فعل بها طوال تلك السنين، لا احد يعلم عن تلك المعاناة شيء سِواها، هي فقط مَن عاشت، وشعرت بتلك اللحظات، نهضت من مكانها بهدوء، وإرتدت إحدى ملابسها من اللون الأسود، أدت صلاة الصباح، وإرتدت حجاب أسود، وهذا ليس من عادتها فهي لم ترتدِ الحجاب سِوى عند الصلاة لكن اليوم هو أول مرة تخرج به، فقد عزمت أن تتجمل بالحجاب، وتؤدي فريضتها، خرجت من الغرفة بثبات، قابلها يوسف نظرت له مطولًا كانت نظراتها له غريبة، وأكملت طريقها دون أن تتفوه بكلمة واحده، خرجت لوجهتها المعتاده، في مكان خالي عند نهر النيل، لا يمر أحد من هناك مطلقًا، جلست وبداخلها حزن فائض، هبطت دمعة واحده، كانت كالجمرة، وكأنها تحرق روحها، وبدأت عيناها تُمطر بشدة حتى أنهت مخزون دموعها، وقد حان وقت الحديث، تفوهت ببعض الكلمات قائلة: _ أنا عارفه إن بعد العسر يسر، بس انا حياتي كلها مفيهاش حاجه حلوه، طول عمري مع بابا، الي عايش علشان يأذيني وبس، أنا ذنبي ايه إن هي خانته وماتت قبل م ينتقم منها؟ أنا ذنبي ايه؟ انا بكرهها وبكرهه، قولت خلاص يوسف هيعوضني، بس لا هو هيبقى زي بابا، وهيعيشني في جحيم، مفيش حد كويس، كلهم زيه، يااارب خدني عندك يارب انا خلاص مش قادره استحمل اكتر من كده. قالتها وصمتت وكأنها تنتظر الرد الإلهي، ولم يأتِها رد، لكن سمعت أحدهم يجلس بجانبها كان رجلًا قد بلغ من الكِبر الكثير، وجهه مجعد، وعلى وجهه إبتسامة بشوشه نظر لها وقال: _ العياط مبيجبش نتيجه هو بس وسيله لزيادة الحزن، قومي يا بنتي واجهي متبقيش ضعيفه. غادرها بعد أن تفوه بتلك الكلمات. فنهضت من مجلسها، مسحت عبراتها، وجهتها معروفة، وجهتها للرجل الذي جعل حياتها جحيم. وصلت لمنزله، طرقت الباب، ففتح لها ونظر لها بسخرية فقالت: _ انت عايز مني ايه؟ _ مش عايز حاجه عايزك تموتي يمكن ناري تهدى. _ هو أنا اللي ولعت النار دي؟ فقال متجاهلًا حديثها: _ أمك، خانتني، الله اعلم انتِ بنتي ولا لا مش يمكن بنت حرام. نظرت له بحزن وقالت: _ انت عمرك م كنت أبويا، أنا اتخنقت منك، بكرهك. انفجر ضاحكًا وقال: _ يعني أنا اللي بحبك؟ وأكمل بحقد: _ بقولك ايه متفكريش نفسك حاجه، دا انتِ بنت زينب، فوقي لنفسك، عمرك م هتكوني حاجه، والواد الي مفكره أنه حاميكي ده مش هيستحمل كل الأمراض النفسيه الي عندك، أنتِ بقيتي مجنونه، وانا السبب يا نجاة، تعرفي؟ أنا مبسوط اوي للوحه البشعه الي قدامي دي، أنا الي شكلتها وانا الي لونتها بالإسود، أنا اللي خليتك مجنونه، خلاص فاضل اللمسه الأخيره علشان اللوحه الجميله دي تكمل. _ بس كفايه حرام عليك، إنساني، كفايه كل ده انت ايه مبصعبش عليك؟ _ اللمسه الأخيره هتفرحك اوي يا نجاة، ثواني وهجيلك. قالها بهستيريه فدب الرعب بأوصالها مما جعلها تتصل بيوسف ليأتِ لها، فهي أضعف من أن تواجه كل ذلك الحزن بداخلها، رد عليها فقالت: _ أنا عند بابا و.. لم تكمل حديثها لأن والدها خرج من حيث ذهب، ويده مخبأة خلف ظهره، نظر لها مطولًا ولم ينتبه لهاتفها قال: _ أخيرًا جت اللحظة الي هتخليني اكتر إنسان مبسوط في الدنيا كلها. نظرت له بعدم فهم فإقترب منها وأخرج يده من خلف ظهره، ظهرت سكين بين يديه، نظر لها بإبتسامة مريضة، فعادت للوراء بحذر، حاولت أن تجعه يبتعد لكنه لم يفعل، ونظرت له بعد أن يأست من أن تنجو من بين يديه وقالت: _ بكرهك. إقترب أكثر ولم تقاوم لأنها تعلم أن هذه هي أخر لحظاتها، لكنها تذكرت حياتها الجديدة، تذكرت حبيبة وچودي وحور، تذكرت يوسف وحبهم، فبدأت تقاومه من جديد، حاولت بقدر إستطاعتها، لكن في نهاية المطاف خارت قواها حين سمعت أصواتًا بالخارج، وضع السكين على عنقها، لكن باغته يوسف بلكمة على وجهه أسقطته أرضًا، أمسك بنجاة وأخرجها من المنزل، وبعد خروجهم جائت الشرطة للقبض على والدها. وبعد ساعة كان المكان خالي، هاديء، هدوء مريب، وكأنه لم يحوي أناس بداخله من قبل، ذهبت نجاة من منزل عذابها، ذهبت لحياة أخرى وأحلام جديدة، والسبب والدها ، رجل أناني لا يبالي سوى بنفسه، وقد ملئه الكره والحقد، تجاه إبنته، هو الذي من المفترض أن يكون حاميها، ظهرها وظلها في هذه الدنيا، لكنه أول من خان، فكيف نثق بأحدهم يومًا؟ __________________ مرت أيام على ذلك الحدث، عادت نجاة من جديد لحياتها الطبيعية وبدأت بنسيان ما مرت به من صدمات. أما تلك الفتاة، چودي كان يوم زواجها من ليل الليلة، كان الرعب أكثر ما تشعر به في تلك اللحظة، كان فرح تقليدي، حتى أنها لم تختار فستان زفافها بل اختاره ليل وكان إختيار غير موفق، لم يكن جميلًا عليها كما تمنت يومًا، حتى مساحيق التجميل لم تمس وجهها، طلّت بالأبيض، لكن ليس كما تمنت ومِن هنا تأتِ جملة " ليس كل ما يتمناه المرء يُدركه" إنتهى حفل الزفاف أخيرًا، صعدا لغرفتهما، جلست والخوف بين أوصالها، نظرت له فلم ينظر، فقط قال: _ قومي غيري الفستان ده شكله يقرف عليكي بجد. نهضت لتبديل ملابسها بينما هو أمسك بإحدى الوسادات ألقاها أرضًا، وإستلقى على فراشه بهناءٍ. _ انا هنام فين؟ هذا ما قالته حين وجدته يستحوذ على الفراش فقال: _ على الأرض. لم تتفوه بكلمة أخرى وإستلقت أرضًا بلا غطاءٍ يمنحها بعض الدفء، تركها تنَم على الأرض، بلا غطاءٍ يأويها، في ليلة من ليالي الشتاء الباردة من شهر يناير. عادت الشمس من جديد لتفتح عينيها بتكاسل، وجدته مازال نائمًا، فنهضت حين سمعت صوت أحدهم من الخارج، لتفتح له الباب، وقد كانت نسمة توقظهم لأجل طعام الفطور وقد أحضرته بنفسها قائله: " هو أنا عندي أغلى منك انتِ وليل يا حبيبتي" قالتها حين لامتها چودي على إحضارها للطعام. أوقظته بهدوءٍ، لكنه لم ينهض، فأصرت على إيقاظه، وبعد معاناة استيقظ أخيرًا من غيبوبته تلك قائلًا: _ ايه يا غبيه أنتِ ما قولنا مش عايز أطفح. قالها بغضب وقد شعرت چودي بالإهانة فقالت بغضب مماثل: _ لا بقولك ايه فوق لنفسك كده، هتغلط فيا هغلط فيك، اوعى تفكر اني غلبانه وهسكتلك لا ده كان أول ليله بس، إنما من هنا ورايح مفيش منه الكلام ده. _ انتِ بتتكلمي كده ليه نسيتي نفسك! _ لا يا حبيبي، وعشان اجبلك من الاخر، لو شيطانك وسوسلك وفكرت تدايقني بكلمه قول على نفسك يا رحمن يا رحيم تمام؟ نظر لها ولم يرد، فقد كان مصدومًا من تلك الفتاة، كيف لها أن تكون ملاك، وبعد بضع ساعات انقلبت شخصيتها لتصبح بهذا الشكل؟ ___________________ _ بوب يا بوووب. تلفتت حولها بحيرة فمن ذا الذي يتفوه بتلك الكلمات؟ وأين هو؟ _ مييييين؟ _ يا ست افتحي مش وقته استفسار. _ ايه ده هو انت؟ طب خليك شويه بقى. قالتها بعد أن نهضت من فراشها وفتحت باب الشرفة. _ هموت من السقعه منك لله. _ ايه اللي جابك؟ _ دخليني الاول. _ لا ماما قالت مينفعش نتكلم وانا مش هكسر كلامها. قالتها ثم أغلقت الباب من جديد فقال هو قبل أن يقفز لأسفل من جديد: _ منك لله إنتِ وأمك. وعاد لغرفته ليقضي ليلته يُفكر بحبيبتهُ. ___________________ في الصباح الباكر استيقظ الجميع وتجمعوا حول طاولة الطعام. _صباح الخير. قالها مجدي بإشراق فرد عليه الجميع قائلين: "صباح النور" بعد القليل من الوقت انتهى الجميع من تناول الطعام وجلسو سويًا في غرفة الجلوس، نهض ماجد من مكانه وقال: _ ممكن تسمعوني هقول حاجه بعد كده كملو كلام براحتكم. صمت الجميع فقال ماجد.. _ أنا أخيرًا اتطمنت على ليل وألاء، وهو ده اللي اتمنيته من الدنيا، خلاص أديت رسالتي في الدنيا وربنا أذن اني أروحله قريب أوي، أنا عرفت بالصدفه إن عندي كانسر وخلاص في مراحله الأخيرة يعني كلها مسألة وقت ومش هكون موجود وسطيكو تاني. صمت مُهيب سيطر على قلوب الجميع، لم يجرؤ أحدهم على قول كلمة واحده، فنظر لهم ماجد وأدمعت عيناه تأثرًا بموقفهم، فهو يعلم ما بقلوب عائلته، نهضت حورية دون التفوه بكلمة واحده إحتضنته، وظلت تبكي بين ضلوعه، وكذلك فعلت نسمة، وقد ألمها قلبها بشدة من فكرة فقدان شقيقها، ماجد ذو الروح المرحة والقلب النابض بالحياة سوف يختفي من حياة الجميع للأبد! هذا شيء لا يُصدَّق. نهض الجميع يترامون بين أحضانه يُطمئنهم هو بأنه معهم الأن، لكنه يعلم أن هذه اللحظة لن تتكرر ثانيةً. _____________________________ في تمام الساعة الثانية عشر ظهرًا في منطقة ( وسط البلد) في إحدى المقاهي.. _ وبعدين؟ _ منقدرش نعمل حاجه. _ لا نقدر. _ ايه؟ قالها ليل ويوسف في نفس اللحظة فقال نوح: _ مدام كده كده النصيب مكتوب ومنقدرش نغير القدر، ليه منحاولش نبسطه في الأيام دي؟ يمكن نفسيته لما تتحسن حالته تبقى أحسن. _ عندك حق. قالها يوسف فقال ليل بأمل: _ أنا عارف بابا نفسه في ايه. نظر له الإثنان بفضول فقال بإبتسامة حزينه: _ اول حاجه هو نفسه فيها إنه يعيش يوم في الأراضي الزراعية ( الغيط ) يوم بكل تفاصيله. _ سهله، من بكرا هنكون هناك وهيكون أحلى يوم. __________________ كان يقف في المطبخ بجانب حورية ينتظر إنتهائها من تحضير الكيك الذي يعشقه، والذي طلبه منها فنهضت سريعًا لتلبية طلبه، وقد راق له هذا الوضع حقًا، لكنها اشترطت عليه بأن تصطحبه للدكتور حتى يبدأ في مراحل العلاج فدائمًا هناك أمل، فوافق على مضض، وفي أثناء حديثهم معًا شعر بِـدِوارٍ عنيف يفتك برأسه، حتى أنه شعر بأنها اخر لحظاته، سقط أرضًا وغاب عن الوَعي، آخر ما سمعه هو صرخات حورية بإسمه بفزع. ___________ يُتبَع... لـِ / ندىٰ مُحَمًَد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

علمني كيف أكون

المؤلف Nada Mohamed
2024/06/09 مستمرة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة