#الجنة_الباكية
"يسير الضرير بالليل جاهلاً للظلام، لا يدرك الطريق ولا يعلم النور، يتحسس الحفر بعصاه المهترئة "
" لاسي...قُتلت؟....."
قالت ليليث ذلك بينما تشارك سكار الجلوس بمكتب الأب.....
و قد وقف أمامها خادمٌ يقوم بقرءاة رسالةٍ أرسلها رايزر بآخر الآخبار....
تتلبد الغيوم بالسماء، و يهدر صوت الرعد بالقصر المظلم الهادئ، مردداً صداه الشبيه بالصراخ بأرمانه المعتمة، و قد طرقت الأمطار النوافذ بقوة مانحة بعض الحياة للصمت المعتق...
كان خبر وفاة لاسي هو ما لفت اتتباه لليليث لتكرره على لسانها، حيث ذكر هروبها و تقاطع طريقها مع غساكر الكنيسة مكتشفين أنها قاتلة مأجورة و انتهى الأمر بالقتل ، و واصل الخادم قراءة الرسالة ليذكر بها أن لا شأن لليلي بما حدث و أن لا خيانة تُحاك، بالإضافة لعودة قريباً من المناطق المحظورة، و البدأ بانتشار الأخبار أن المنظمة باعت المناطق المحظورة و بدأ نساك الكنيسة بها، لينهي كلامه مغادراً للخارج، لتقول ليليث بينما تتلفت لسكار :
_ هل تصدق أن لاسي ماتت هكذا، أم أن رايزر يكذب؟....
بادلها سكار النظر بغير اكتراث، متفاجئاً من سؤالها لتكمل :
_ أحببت الفتاة، ذلك مؤسف....
أزاح سمار نظره جانباً دون اهتمام، و بادر فقط بشرب القليل من الماء، لتكمل ليليث :
_ هناك شيء ما يخطط له اولئك الأشخاص....
أحابها سكار قائلاً :
_ الحبر الأعظم، راسيل، جيل و جولين....إزاحة إثنان منهم ستكون كافية ، لكن قتل أشخاصٍ بهذا الوزن يولد مشاكل ضخمة...
قال سكار ذلك، ليفتح أحدهم الباب و يبادر بالدخول، و قد كان الطبيب رولو الذي بادر بالتحية، ليرحب له سكار وليليث بابتسامةٍ باردة، لتقول الأخيرة :
_ أيها الطبيب....كم من المزعج أن تتغيب لمدةٍ طويلة !....
نزع رولو قبعته عندها و وضعها أمامه مبادراً بالجلوس و قال :
_ العمل مع الطبيبة ريفين أتى بمجهوده، تبتعد خطواتٍ قليلة عن إيجاد العلاج للوباء...
أجابه سكار قائلاً :
_ أعلم أنك لا تأتي دون أن تملك شيئاً لقوله....
أومئ رولو له بسرور بسيط و قال ؛
_ بالطبع، أحاول جهدي كي لا يرهقك الحيوان الأليف، يبدو أن فوسالور متعلقٌ بك......
أشاح سكار برأسه درجة بسيط متلفتاً لانعكاسه على الزجاج المجاور، حيث لا يزال فوسالور يسبب له الجراح التي اعتاد عليها ليجيب :
_ هل علمت بشأن ما يحدث بالمناطق المحظورة؟...
أجابه الطبيب قائلاً :
_ بالكاد أرفع رأسي من العمل، بفترض بك أن تخبر طبيب العائلة بما يفوته !
" بدأوا بالنشاط بها مؤخراً.....رسالةُ قالت فبل قليلٍ أنهم قتلوا أحد عاملينا هناك....."....
قال سكار ذلك بينما ينظر لرولو، لتكمل ليليث :
_ أوكلنا رايزر بتولي بالعمل مؤقتاً بسبب مقتل مارسيل....
لتكمل بهدوء بينما تسدل منديلها الشفاف الأسود على شعرها :
_ حادثة مؤسفة.....بالإضافة للاسي....قال رايزر أنها قتلت.....
ترددت الكلمات ببطئ لذهن الطبيب عندما سمع المقطع الأخير، و دار بعيناه ببطئ نحو ليليث التي قالت ذلك اختباراً لردة فعله، و قد علم سكار بمقصدها، فهم على دراية بالحادثة التي حصلت بينه و لاسي و رايزر ، و رغم أنه لا تروقه هذه الأمور، إلا أن اختبار المشاعر و ردود الفعل من هوايات ليليث السادية ، لتكمل بابتسامةٍ ماكرة :
_ سيكون من المحزن عدم التأكد من موتها بأنفسنا، ألا تظن؟.....
أدرك الطبيب المقصد من كلام ليليث، ليجيبها :
_ آنسة ليليث، عليكِ التعلم دائماً أن تفصلي بين العمل و المشاعر الشخصية.....سنفكر بالتحقيق بحادثة وفاة صديقتكِ و مارسيل لاحقاً...
أغمضت ليليث عيناها بسرورٍ مصطنع عندما سمعت ذلك، ليدخل عندها بيل بعدما طرق الباب، ليقول مباشرةً :
_ سمعت الصمت من الخارج، أليس للطبيب ما يقوله :
تلفت الجالسون نحو بيل الذي تقدم نحو سكار ليضع أمامه رزمة أوراق، ليكمل للرولو :
_ وجدنا شخصاً ليقرأ كل هذا !.....
مد الطبيب يده ليأخذ بعضاً من الأوراق على المكتب ، ليكمل بيل :
_ حصلنا على هذه من منزل العم الراحل...أملاكه الشخصية، و وثائق البيع، و جميع ما يملك من مناطق، رسائل تواصله، بالإضافة لدفتر يوميات غبي ...
قال بيل ذلك ليبادر بالجلوس، ليقول بينما بنزع نظارته السوداء:
_ جزءٌ كبيرٌ منها مفقود، لا نعلم أين ذهب به...
لكن أظنها مع راسيل....
" راسيل "....
كرر سكار ذلك بينما يرفع نظره ببيل الذي قال بأسف :
_ طلب الحبر الأعظم لقائي....قال أن جيل و راسيل بالمناطق المحظورة يخططون لأمرٍ ما....عرض موتهم، مقابل تنظيف ملفه لدينا، بالطبع رفضت لكن المعلومة المجانية مفيدة !!.....
سمع سكار ذلك ليبتسم ببطئ، ليقول :
_ هناك شرخٌ إذن....يبدو أن الحبر لا يدعم الحملة التبشيرية الحالية.....و يخطط راسيل دون أخذه بعين الوجود.....
قال ذلك ليتلفت لبيل الذي ابتسم قائلاً :
_ " قُتل الحبر الأعظم....يبدو أن القس راسيل هو الفاعل و فر بفعلته"....الوضع مثالي !
هز سكار رأسه بينما يوسع ابتسامته، ليقلب الأوراق قائلاً :
_ وجدنا عملاً يعجب شادو.....!
بالقرية، حيث امتاد هطول الأمطار الذي روى ظمأ الأرض، و قد تجمع أهل القرية أمام القافلة التي انقسمت لقسمين، جزءٌ سيمضي قُدماً، و الاخر سيعود للمدينة....
بالاضافة لاستقرار جزءٍ من العساكر و الأطباء و الرهبان بالقرية....
و خلال التجمع البسيط، امتطى جيل حصانه ليبدأ بالتربيت على رأسه بينما يوجه نظره لراسيل الذي يكلم الحشد، ليقول بينما يشد طفلاً بعنر الثلاث سنوات له :
_ سأحتفظ بهذا الطفل !...سيكون تحت رعايتي حتى يكبر !!.....
تجهم جيل عندما سمع ذلك و تلفت لجولين ليقول له :
_ هل سيصطحب الطفل معه !
" و سأصطحبه معي دوماً "....!!
قال راسيل ذلك بصوتٍ عالٍ مشهراً نيته بالاعتماء بالطفل، حيث كان أحد أيتام القرية، بشعرٍ أسود داكن و عينان خضراء واسعة، ليتلفت الطفل له بأعين بريئةٍ لامعة ليكمل راسيل بينما يشد خديه بقوة :
_ تشدني عيون الأطفال الواسعة! كم أحب ألايتام المشردين !!!
هز الطفل رأسه موافقاً ثم مد يده ليمسك بيد راسيل الذي سار نحو القافلة ليقول لأهالي القرية:
_ ليبارك الرب هذه القرية، سنمر خلال عودتنا بكم، سأتوقع الأفضل منكم !
ودع أهالي القرية القافلة التي سارت نحو المجهول ، سالكةً مساراً رسم على خريطة ورقية، و قد تواجدت معهم لاسي التي سارت بالقرب من جولين، تسترق النظر للطفل مع راسيل، الذي قال :
_ هل سنذهب إلى سكر ؟.....
أجابه راسيل بسرور :
_ وووو، سكر هذا وحشٌ كبير ! إنه سيء و يلتهم الأطفال، سنذهب للبحث عن سكر و جعلك تدوس عليه !
ليشير لجيل ليقول :
_ لدينا هذا العم الكبير، التهم سُكر عقله فاستبدله بصخرة، لذلك يميل رأسه جانباً كثيراً...!
كان جيل يمتطي حصانه و يستمع للحديث مسترخياً مميلاً رأسه بالفعل، ليسند نفسه مدركاً استهزاء راسيل ، ليجيبه :
_ راسيل أعد الطفل للقرية !! لن أسمح لك بجلبه معنا !!
أكمل راسيل للطفل بسخرية:
_ الصخرة أثقل من المعتاد سنتجنبه..!!
لم يجبه الطفل على ذلك، بل اكتفى بالصمت لتقول لاسينا وقد سارت بجانب جولين :
_ من هو سكر؟...
أجابها جولين :
_ شخصٌ يختطف الأطفال....يخدهم و يتسلل للبيوت....تزايدت الشكاوي حتى وصلت للكنيسة، لكن تم غض البصر عنها بسبب الخلافات القائمة....
لم تتفاجئ لاسي من ذلك كثيراً لتقول :
_ تبدو كأعمال المنظمة بالفعل ....فهم مهووسون بتجارة البشر....
أراد جولين قول شيءٍ عندها، لكن جيل سبقه ليقول:
_هنا يكمن الأمر الغريب، توفر المدن و حلقة التجارة البشرية بالمدن الطلبات اللازمة... لما لجئوا فجأة للقرى النائية.....
قال ذلك لينزعج مما سمعه من نفسه، فقول ذلك دون القدرة من حده كوصمه عار لكل رجل قانون، ليتلفت لراسيل ليكمل:
_ سنواصل قول " الاتجار بالبشر " دون فعل شيء ! إلى متى يا راسيل!
تنهد راسيل عندما سمع ذلك و قال :
_ نفوذ المنظمة أقوى مما يبدو....غير الحبر الأعظم، من يدري من يبتزون أيضاً...
ليكمل بينما يتلفت لجيل :
_ على كل حال ، أزلت العجوز من خططي، بعد عودتنا من هنا سأذهب للقاء الحاكم، لذا علينا الخروج بنتيجة ذات وزن....
تبسم جيل بسخرية عندها و قال :
_ " الحاكم....".....
أجابه راسيل :
_ من المؤسف إن كان خاضعاً بدوره لعائلة الأب....على كل حال صراعنا مع سكار نفسه، لن أهتم بالعلاقات الجانبية....
بعد يومين
حيث سار أحدهم بممرٍ معتم ضعيف الإنارة، الهدوء يتخلله صوت طرقات بين الفينة و الأخرى...
إنه سجنٌ قذرٌ صامت، أرضيته باردة و جدرانه صامتة، تقود سلالمه لعدة طوابق أسفل الأرض..
و قد سار ذلك الشخص، مرتدياً معطفاً أسوداً طويلاً، و قفازين و وقبعةً باللون ذاته، إنه جولين الذي فضل طمس ملامح وجهه أسفل ظل القبعة......
يقترب من وجهه ببطئ. حتى توقف أخيراً أمام باب زنزانةٍ ليخرج المفتاح، أما بالداخل، فقط تواجد
شخصٌ يحمل بيده كتاباً صغيراً يقلب صفحته الأخيرة متجهزاً لإنهاءه، ليفتح الباب مقاطعاً قراءته....
أنفاس المكان ضيقة....
الصمت صاخب....
شخصان بالغرفة يتبادلان النظرات، وملاك الموت ينظر لهما بانعكاس الفأس.....
"ما الجديد ليزورني شخص مهم الليلة...!"...
أجاب جولين يينما يغلق الباب :
_ ألا تشعر بأنك أطلت التواجد هنا؟.
كان ذلك الشخص أحد أتباع سكار المهمين الذي طالب الأخير بإطلاق سراحه مع شادو ....
ليتبسم ذلك الشخص الخمسيني ،ليقول:
_ جميعنا أطلنا التواجد بأماكن ليست لنا....لا انتمي لهنا، لكن عدالة أحدهم تقيد الابرياء بين الجدران !
لم يهتم جولين لما سمعه كثيراً بل أخرج من جيب معطفه حبلاً سميكاً و بدأ بربطه بسقف الغرفة، بينما رفع الشخص نظره بالمشنقة بأعين غشاها الذعر، وقد التزم الصمت ليقول جولين :
_ الكلام الكثير، و ادعاء البراءة و الفلسفة الفارغة، شيء أكره الاستماع له...
ضحك الشخص عندما سمع ذلك، و أجاب :
_ انه نهجما بالحياة أيها الجلاد، أنتم لا تستمعون، تحاسبون المناهض بالموت تسطرون الدين فوق العقول ! خُلقنا لنغير لا لنتبع !!..
قال ذلك ليقف من مكانه متوجهاً نحو جولين بينما يداه ترتجف، ليكمل :
_ نهاية الناس واحدة !! جميعنا سنموت لذا رفضت القاع رفضت البقاء بالأسفل ! سأموت ! لذا قررت أن أسيطر !!...كما يفعل كل السياسيون و المتدينون !!...
" القتل ! الفساد، السرقة، الاتجار بالبشر !! أنا حصينٌ ضد عقوباتها لأنني ألقيت نفسي تحت جناح الأب الكبير !!..لا أحد يستطيع ايذائي لأنني أملك القوة!! لو أنني أصبحت قليل الأهمية، لما أتيت بنفسك لقتلي !!....."
تنهد جولين بيأسٍ عندما سمع ذلك، و أجابه :
_ أنت سهل الاستبدال....
تبسم الشخص باضطرابٍ عندها، و أخفض رأسه بينما يفرك يداه ببعضهما البعض، و لم يمضي الكثير بعدها حتى دخل التف حبل المشنقة حول عنقه، ثم قيد يداه خلف ظهره و دفع الكرسي من أسفل قدميه ، ولم يمضي الكثير حتى تخلص من كفاحه الفارغ لأجل النجاة، و بقي جولين ينظر للجثة المعلقة بوسط الغرفة ذات الوجه العابس البشع.......
انتشر خبر الوفاة كالنار بالهشيم....
رجل الأب الكبير السجين لدى الكنيسة، طلع الفجر عليه مشنوقاً بغرفته، ضللت الجرائد الخبر بأنه حادثة انتحار، لكن لسان الناس تداول أنه اغتيال مخطط.....
كان أحد أهم جواسيس الأب الكبير، و سياسي سابق، قاتل ذو دم بارد....
فاوض سكار على خروجه من السجن بالإضافة لشادو....
لكن قتله، يعني أن الاتفاق القائم بالظل قد أجهض....
" هذا جزاء رفض الاتفاق مع الحبر الاعظم إذاً ...".....
قال سكار ذلك بينما يجلس على المكتب ينظر للجريدة التي حملت الخبر، مكلماً بيل الذي شاطره الجلوس على مقعدٍ أمامه، ليقول بينما أشعل سيجارةً ليبدأ بالتدخين:
_ يحاول الحبر اللعب على أوتار القوة، لا يحمل المفاجئات كعادته....
التزم سكار الصمت عندما سمع ذلك، ليكمل بيل :
_ لكن.....هو لا يملك ما يحاربنا به، إن سربنا فضائحه فسينتهي أمره !! بما يقاتل !!
واصل سكار صمته عندما سمع ذلك، و عقد يداه بحيرة، ليقول :
_ لربما يتصرف لوحده، أو أن راسيل شاركه ما يعلم....
أجابه بيل قائلاً :
_ حان وقت التخلص منه...الموت بحادث مؤسف أمر سيء و يحدث كثيراً للعجائز....
ليكمل بينما ينفض رماد سيجارته بمطفئة السجائر :
_ القاضي بالمحكمة العليا صديقُ قديم....يمكنه غض البص من أجلنا، لكن علينا إرسال رجلٍ جيد....
صمت سكار لبرهةٍ طويلة، و أشاح بنظره جانباً ليقول :
_ سأرسل لايز....أو ليلي كما يدعونه....حتى بأسوء الأحوال فهو عسكريٌ سابق، سيكون الأمر كخلاف قديم إن كُشف...
أجابه بيل :
_ تتخلى عنه؟.....
أومئ سكار نافياً لذلك و قال :
_ لا....لكن ان فشل فذلك يعني أنه خائن، كما أنني لن أرسل شادو أو رونين لهذا العمل ....
ليكمل قائلاً:
_ سنتخلص من الحبر أخيراً....و يبقى علينا إنهاء راسيل و جيل و جولين....هؤلاء الأربعة ذو النفوذ الكبير و عدائهم لنا....الباقي بهم تحله السياسة الصامتة !....
تبسم بيل عندما سمع ذلك و نهض من مكانه ليتبعه سكار بنظره، ليقول :
_ إذاُ سنلتقي لاحقاُ... علي الذهاب للقاء الطبيب....
لم يجبه سكار على ذلك ، ليتوجه بيل خارجاً ليسير بممر القصر المظلم....
هذا المكان الضخم يسكنه فقط أبناء الأب و القليل من الخدم فقط.....
إعتاد أن يكون أكثر صخباً قبل وفاة الأب الكبير الذي منحه الحياة....
أما بيل فقد أخذته قدماه لغرفة الأب، ليقف أمام الباب قليلاً ثم فتحه دون تردد.....
إنها كما كانت دوماً، يبدو أن الخدم أحسنوا التنظيف و الاعتناء بها....
يحيط بها جوٌ غريب مخيف بمجرد الدخول، يلتهم الظلام تفاصيلها و أركانها، و يطرق المطر نوافذها بقوة كبيرة و يتلاشها بسببها صمت المكان....
أما بيل فقد دخل للغرفة ليتوجه لركنها الأيسر...
حيث يتواجد المسخ القبيح....
كان جسماً مظلماً متهالكاً، تقلص بعدما وصل لحد الإنفجار، تفوح منه رائحة العفونة القاتلة، تبدلت ملامحه بوجهٍ قبيح مشوه، يتحرك رأسه ببطئ بشكلٍ دائري، و تواجد عند أقدامه جثةً صغيرة تعود لرضيع....فقد كان القربان الأخير المقدم لفوسالور.....
وقد وقف بيل ينظر لعذا المشهد أمامه....ليلف ظهره متجاهلاً جثة الرضيع كأنها لاشيء، مهتماً فقط للنفوذ الذي يمكن أن يقدمه فوسالور الشيطان المرعب لهم، ليقول بنفسه :
_ لو كان سيلفا حياً، لما رفض أن يحدث هذا له....إنه حدث غير مؤسفٍ لهذه العائلة....
المجرمون هم من يعتلون مناصب العالم....
القتل ليس جريمةً ، بل أحد أركان اليوم العادية....
أن قاتل، إذاً فأنت أحدنا !....
البريء و الصالح مجرد قربان ندوس عليه...
فلن تكون خطراً طالما لم تزهق روحاً، بل ستكون التالي....
الحقيقة التي يطويها الزمن، و تندثر لتصبح مجرد قصة رعبٍ للأطفال، تُمارس بالمجتمعات و الكيانات السرية.....
كل مشاركٍ هو آفة عليه دفع الثمن و القصاص.....
بعد مرور الوقت....
كان بيل يسير بأحد شوارع المدينة، حيث يهطل المطر و يقل الناس، الغيوم الرمادية تحجب الشمس فيهبط الظلام سريعاً...
وقد أكمل الاخير سيره سالكاً أحد الطرق الفرعية، ليسمع صوتاً قال له :
_ إنه المفترق الأخير يا بيلين....
سمع بيل ذلك ليتوقف بنوعٍ من الدهشة، و تلفت خلفه ليجد جولين واقفاً يحجب الطريق، و دون أن يلاحظ ارتسمت على شفاهه ابتسامة لا إرادية ليقول :
_ هكذا إذاً..... !
أومئ جولين له بالموافقة، و أخرج مسدساً من جيب معطفه، ليقول :
_ هل ناقشتم موت السجين جيداً ؟....مهما كان الحديث، فيبدو أنه كان فاشلاً، صحيح!....
تبسم بيل مجدداً عندما سمع ذلك، و نزع نظارته ليطويها، ثم قال بينما ينظر لجولين :
_ راسيل أم الحبر الأعظم؟....أم كلاهما ؟!....
أجابه جولين بهدوء :
_ بل العدالة !....حان الوقت ليتخلص هذا العالم منك يا بيل!...أنت تالياً، ثم الطبيب، ثم ليليث....سيتقلص العدد بالتدريج!...
لم يجبه بيل على ذلك، و اكتفى بالصمت، ليكمل جولين :
_ الوباء، لك يدٌ به صحيح؟ !....
هز بيل رأسه موافقاً ليقول بينما يفتح كفيه :
_ يدٌ نقتل فيها الناس، و اليد الإخرى نقدم بها الشفاء !....يدٌ نتاجر بها بالبشر، و يدٌ أخرى نهب بها الحياة !....
قال بيل ذلك ليخفض يداه، ثم أكمل:
_ الثمن أغلى مما تظنون....!....
أجابه جولين :
_!! هذا الكلام الفلسفي هو مجرد شجاعةٍ جبانة ! لطالما سمعته من أمثالك!
تبسم بيل عندما سمع ذلك و تقدم نحوه عدة خطوات ليقول بسخرية :
_ سمه كما تريد يا جولين، فلطالما اختفت آراءنا...
لم يجبه جولين على ذلك، بل رفع سلاحه ، ليتبادلا النظر للمرة الأخيرة، أحدهما واقفٌ يواجه الموت، و الآخر هو المبعوث الذي يجلبه، ليقول جولين أخيراً :
_ بيل.....ألا تشعر بالندم؟...الأسى على ما فعلته و قدمته!....ألم تتذكر ضحايا المؤامرات التي حكتها مع الأب؟....
تبسم بيل عندما سمع ذلك و قال بسخرية :
_ ضحايا....؟...ندم؟!...آه !! تقصد الوسائل المستخدمه! أطلق النار يا عزيزي، لا شيء لأندم عليه !....
أحكم جولين إمساك سلاحه بنوعٍ من الغيظ، ثم أطلق على رأسه بيل، ليملئ البارود رائحة المكان ليسقط ميتاً مباشرةً....
وقد عم الهدوء لبعض الوقت، و سكنت الرياح .
ثم تقدم جولين نحو بيل ليعيد إطلاق النار على عيناه، و سرعان ما اختلطت الدماء بمياه الأمطار، و تصاعدت أصوات الناس الذين لفت انتباههم صوت إطلاق النار.....
يتبع !
Yakuza