Yakuza novels:
#الجنة-الباكية
#ميناء-الموت
" لا تكاد تعلم انه الشيطان حتى تراقب خطواته".....
" اهلاً و سهلاً بك....سيد بيلين..."
قالها رجلٌ عسكري بدى بالخمسينيات من عمره، حيث شاب رأسه و لحيته، و تجعد القليل من وجهه وأسفل عيناه، و فضل التخلي عن الزي العسكري الرسمي ليتردي ملابس عادية....
ليمد يده ليصافح بيل ليكمل له :
- من الجيد ان هناك شخصاً مثلك لنتواصل معه، انت تسهل الامر....
أجابه بيل ليقول حيث انهى المصافحة:
- بالفعل ....
قال بيل ذلك ليسير مع الرجل خلال ممرٍ واسع مضاء، حيث انه بزيارةٍ للتنسيق بصفقة تسليم الميناء،سيلتقي بخلالها بعض الرهبان و العسكريين...
و يمكن اعتبار بيل، الوجه العلني و الخاص بالمنظمة ،و ممثلها السياسي الذي يتعامل بشكل واضح و رسمي مع السلطة العليا....
و بينما توجه الاثنان نحو احد القاعات الكبيرة حيث تواجدت طاولةٌ مستديرة و بعض المقاعد الخشبية المنحوتة ، جلس عليها سابقاً ثلاثة رهبانٍ بالاضافة للحبر الاعظم، و بقي العسكريون يقفون للحراسة. ...
" اذا سيد بيلين، يؤسفنا بالفعل حدوث المأساة الغير متوقعة بالميناء"
قال قسٌ ذلك ، حيث وجه نظرات الشك لبيل، ليكمل له:
- هل نعتبر هذا عقاباً من الرب علي جميع افعال المنظمة الفاجرة؟
رفع بيل يده بحيرة، ليقول بعدما نزع نظارته ليضعها على الطاولة:
- العجيب بالامر ان الوباء أصاب مدنكم ، و عندما كدتم تحصلون على الميناء أصابه، أتساءل من الذي يعقابه الرب بالفعل؟
أجابه القس المتحفظ بغضب، و صراخ:
ـ بل انتم تنشرون المرض لقتل الناس !! نحن لسنا جاهلين بالتاريخ!!...
لم يجبه بيل على ذلك و اكتفى بالنظر للقس بينما يجلس بغضب، ليقول الحبر الاعظم:
- بيلين، اظنك جلبت باقي اوراق الملكية الخاصة بالميناء....
اشار بيل بيده نحو ملفٍ احضره معه ليقول:
- هذه هي....
قال ذلك ليتناولها احد العسكريين ليتفحص هل هي مزيفة أم لا، ليكمل بيل :
- يا للإجراء المتواضع...من المهم ان نتفق جيداً بما ان الوباء حل بالمدينة.....
ليكمل بينما تلفت للحبر :
- المدينة لكم منذ الان بشكل تام...لذا لا دخل لنا بأي شيء يدور بها....
رفع الحبر حاجبيه بتعجب ليجيب :
- ماذا عن اتباعكم من السكان؟!...و الوباء الذي سيضر بمراكزكم الاقتصادية؟...
أجابه بيل قائلاً:
-, ما هذه؟!...انها لكم الان، الم تقضي الصفقة بالتنازل عن المدينة كاملة ؟ ان اردت تغيير البنود فهذا خرق لها....
أجابه الحبر قائلا:
- تظنون انكم تضغطون علينا بمنحنا مدينة موبوءة؟!.....لقد سلمتمونا اوراق الادارة فقط !...انها مليئة بالمجرمين و القتلة !! اتظن ان هذا لن يأتي بالضرر عليكم؟!....
ليكمل الحبر الاعظم له بينما يقرع اصبعه بالطاولة :
- افسدت منظمتكم نظام البلاد بالكامل، و نعيش بانقسام تام و مناطق مقسمة، وانت تعلم كم الجريمة التي نشرتموها ، القتل المأجور، و اللصوص، و التجارة بالبشر و الاعضاء ، السحر و الشعوذة !!....عن اي خرق تتحدث وانتم دمرتم الحياة هنا؟!....
دار بيل بعيناه بغير مبالاة، ليجيبه بهدوء :
- هل تتنازل اذاً عن الميناء؟...ارى ان إدارته خلال الجائحة صعب عليكم...لقد حصلت عليه بواسطة راسيل و بطريقة قذرة و تفاوضٍ غير عادل....لم تخسروا شيئاً بالمقابل ، لذا التخلي عنه لن يكون مكلفاً.....
ليكمل قائلاً له :
- الفساد سببه منظمتنا؟!....نحن ندير عشرين بالمئة من البلاد، لكن الفقر و التسول ينتشر بشدة بمدنكم، و تعج الكنائس بالمتسولين و الايتام....ارتفعت قضايا العنف و القتل بشدة بالاونة الأخيرة مقارنةً بمناطقنا التي تنحدر و تختفي....
أجابه الحبر ليقول :
- وبما ستبرر تجارتكم الغير شرعية؟!...
أجابه بيل ليقول :
- لم اتي هنا لمناقشة الامور التجارية، ظننتنا هنا لأجل الميناء....
عقد الحبر الاعظم يداه بغير رضى، و رمقه بنظرة غضب ليجيب :
- ماذا لديك إذاً.....
أجابه بيل قائلاً:
- بما انك أتيت بأمر السكان و مراكز الميناء الاقتصادية، فسنمنحكم ادارة المدينة و الجمارك ، هذا بعد التعافي ، و سيبقى المساس ببنية المدينة التحتية مرفوضاً و تعلم ما أعنيه بذلك.....
ليكمل قائلاً و قد لوح بنظارته قرب وجه الحبر :
-الاعتداء عليها و محاولة التنقيب و العبث الكثير سيضطرنا لإجراءات غير مرضية .... بالاضافة الى ان تسلل قتلة الكنيسة للداخل مرفوض...
أجابه الحبر الاعظم بنوعٍ من الصدمة:
- اذا انتم تعطوننا الادارة بالعلن فقط! و يبقى المركز لكم !...
أجابه بيل بلا، ليقول:
- هذا ان أردت مساعدتنا بإدارة المدينة خلال الوباء، سنقدم اطباءنا و عملائنا، و الموارد و الحاجيات حتى انتهاء المرض....ان رفضت عرضي فلكم المدينة خلال الوباء و بعده بكل ما بها....
تبسم الحبر بسخرية عندها وقال :
- تتفاوض بوقاحةٍ على شيء يخصك !!...؟...مرفوض تماماً....لديك شيء اخر !!!
أجابه بيل :
- أبقي ما قلته بعقلك فلربما تغير رأيك...
ليكمل قائلاً له :
- و بالنسبة لرجالنا الذين ستطلقون سراحهم..... اظنه وقت الحديث الان...
انه منتصف الليل بالفعل.....
الرياح باردةٌ هذه الليلة على عكس العادة، و صوت الهبوب الذي يتخلل أشجار الغابة السوداء كان صاخباً و يتردد بالفراغ المتواجد حول المقبرة الضخمة المسيجة.....
ملكية المنظمة الخاصة و التي لم يفكر اي مجنونٍ أو عاقل على الاقتراب او العبث بقربها....بل انه من المستحيل ان يحدث ذلك.....
مقبرة واسعة المساحة ، حوت قبوراً بشواهد بيضاء ناصعة تلمع وسط الظلام، و شواهد كانت عبارةً عن رموز دينية....
خلال برد الرياح الصاخبة، تسلق جولين سور المقبرة الهادئة ليلقي نظرةً خفيفةً من الخلف ،
يبدو انهم لا يضعون حراساً ليليين، رغم تواجد منزلٍ صغيرٍ بالقرب من المدخل....
يمتد سور الكنيسة لثلاثة أمتارٍ ،من حجارةٍ بيضاء ملساء، لكن يبدو ان جولين يتدبر أمره جيداً، و قد حمل بيده مجرفةً ليضعها على السور، ثم عبر فوق ليقفز أرضاً....
ليقول بنفسه:
- يترك سكار والده من دون رفاق ...يا للحزن...
كيف وصل الى هناك؟!....لا بد انه سلك طريقاً ما بعيداً عن الانظار، فهو يعلم ما يفعل و يجيده بالفعل...يمكن القول ان عمله فرديٌ بشكل اكثر من الجماعي ، حيث يتمحور عمله بشكل رئيسي مع السلطات بالقتل الصامت المنظم لبعض المطلوبين ، الامر ليس سراً، بل هو معروفٌ بشكلٍ كبير لدى المنظمة و المجرمين...
و قد سار بالمقبرة بهدوء ينظر لشواهد القبور و الاسماء التي كتبت عليها، بعضها يعود لخمسين عاماً ،و اكثر و بعض الوفيات ضمن العقد المنصرم...قبور السيدات بشواهد صغيرة بينما الرجال بشواهد اكبر حجماً، و قد لفت انتباهه شاهد قبرٍ كتب عليه اسمٌ لسيدة تدعى " ايزابيل" فقط، دون تاريخ الوفاة، ليقول بنفسه و قد عبر عنه :
- هذه والدة ليليث ....يا للحزينة....
قال جولين ذلك ليستمر بسيره حتى وصل لقبر الهدف....الاب الكبير الذي دفن هنا قبل اسبوع و نصف .....
لا بد ان حالة الجثة مزرية الان !..لكن نظرةٌ بسيطة تمكنه من التعرف عليه رغم التحلل الذي حصل لها....
و الحفر يتطلب على الأقل ساعة لفتح التابوت....ليقول جولين بنفسه و قد تذكر مشهد وضع التابوت بالقبر :
- لقد دفن على ارتفاع عميق....سيأخذ الامر وقتاً....
قال ذلك ليغرس المجرفة بالارض و يبدأ بإزالة التراب، حتى بدأ ينخفض بالارض شيئاً فشيئاً، كل ما يجول بخطاره هو أمر ترك المقبرة بلا حراسة ...
لو كان بها شيء مهمٌ لدججوا المكان بالرجال ....لذا هل شكوك راسيل كانت مجرد شكوكٍ فارغة ام أن أمر فتح القبر لم يخطر لبال سكار فقط.....
هذه كانت الافكار التي تراود جولين، و انتهت عندما سمع صوت المجرفة وقد اصطدمت بالتابوت....لقد وصل اخيراً....
لكن قبل فتحه، عليه التأكد أن لا أحد قريبٌ منه، حيث استرق النظر مجدداً من داخل القبر للخارج، و بالفعل لا يوجد أحد....
ثم عاد لينثر ما تبقى من التراب بيده و اخرج مصباحاً ليضيئه بخفوتٍ يمكنه من التعرف على الجثة على الأقل....
بالفعل الرائحة قاتلة و مميزة، رائحة اللحم المتعفنة و الجثة المتحللة تأخذ العقل للخيال....
أما جولين فقد فتح التابوت اخيراً ليتفاجئ بأكوام الذباب التي حلقت منه ليغطي وجهه بيده حتى ابتعدت.....و فضل ابقاء يده التي خففت انبعاث الرائحة التي هاجمت وجهه ...
بالفعل الامر لا يطاق، ليقول بنفسه :
- ليتني آخذ هذه الرائحة معي و اعلقها على أنف راسيل!.....
قال جولين ذلك ليمعن النظر بالجثة داخل غطاءها.....
الرأس غريب بالفعل و بارزٌ كثيراً ، و قد مد يده ليظهر القليل من الرأس، فهو يحتاج فقط لرؤية الوجه ولا حاجة لباقي الجسم....
و بينما يفعل ذلك، تسلل له شعورٌ غريب ينصحه على عدم إكمال الامر ، لكن الان؟!....لا فائدة من الامر.....الرأس المتواجد ليس رأس بشري حتماً.....
هذا ما قاله جولين بينما بدأ الغطاء بالانكشاف حتى لمعت عيناه ببريق دهشة واسعة....وعاد للخلف خطوةً و ظن أنه راى وهماً.....
هل هذا رأس أيل؟!....
قال جولين ذلك لينزع الغطاء عن الجثة كاملة، و دهش تماماً مما رآه حتى ان الامر ساعده على تخطي الرائحة...
انها جثة لقسٍ ما بالتأكيد، مقطع الاصابع و تم العبث بجسده تماماً و تمزيقه، مبتور العنق ولا رأس له، و وضعت لفائف سوداء داخل عنقه المبتور بالإضافة لرأس أيلٍ مشوه....
الجثة سوداء تماماً و تملأها الديدان التي التهمتها....يا لهذا المشهد المقرف الذي توقف جولين عن مشاهدته حيث اغلق التابوت بقوة ، ثم خرج من القبر كله ليجلس على حافته، ثم اعاد رأسه بإغماءٍ للخلف بينما يشد سترته عن عنقه ليقول :
- ما هذا الذي تخطط له هذه المنظمة؟....
" هذه هي مدينة الميناء....."....
قالت لاسي ذلك بنفسها و قد سارت مع ليلي و رونين بأحد الشوارع الفارغة المظلمة لمدينة الميناء...
انها تختلف بالفعل عن مدينة رايزر ذات الطراز المعماري المميز، و تميل لكونها اكثر حداثة و تنسيقاً بالهندسة، رغم ان حجارة المنازل ذات طرازٍ مدببٍ قديم،الا انها ذات طابع جذاب و سخي.....
الليل معتمٌ بالفعل رغم الإنارة الخافتة،و تلف المدينة رائحةٌ بدت غريبة لليلي و رونين، الا أن لاسي اعتادتها بعض الشيء خلال امضاءها الوقت بالقرية الموبوءة مع الطبيب... يمكن القول ان هؤلاء الثلاثة لم يدخلوا للمركز بعد ولا يزالون بالمحيط الخارجي لها، حيث الوباء لم يصل بعد فلا توجد أي جثث او نشاط لجهات معنية بهذا الامر، رغم ذلك فالوضع لا يزال حجراً، و بينما هم يسيرون بسكون، قال رونين :
- بما أننا هنا الان، فليذهب كل شخصٍ لعمله....
تم تلفت لليلي ليكمل :
- هل ستأخذ وقتاً طويلاً ؟...
أخرج ليلي من جيبه صورةً للفتاة كتب عليها اسمها من الخلف، ليجيب:
- يعتمد على حال المدينة بالمقام الاول...اختفى الهدف ليلة حدوث الوباء، فلا أعلم أن كان يجب البحث بالجثث أم بالاحياء....
هز رونين رأسه عندما سمع ذلك ليقول له :
- دعك من هذا، المدينة مغلقة وان كانت حية فلن تخرج منها، ابدأ بالبحث بمبنى العمدة.....
ثم تلفت للاسي التي نظرت له ليكمل:
- سننفصل للآن....إن انهيت عملك او يئست منه فتوجه للمقاطعة الخامسة حيث سأذهب، قد أساعدك إن كنت متفرغاً...
لم يجبه ليلي على ذلك و اكتفى بالصمت متابعاً مغادرة لاسي و رونين، ليقول بنفسه و قد أعاد النظر لصورة الفتاة :
- ميلي ويستيرد....أين سأجد هذه؟...
قال ليلي ذلك ليسير واضعاً الصورة بجيبه ليكمل قائلاً :
-انقطعت الاخبار بالذين يسعون خلفها ليلة انتشار الوباء، و شوهدت الفتاة للمرة الاخيرة بالقرب من الميناء، حيث بؤرة المرض، وصلت السلطات لهناك بالفعل و تم التخلص من الجثث بالتأكيد الان، ولن استطيع تفقد الاموات على كل حال....لذا سأضع الاولوية للبحث عن اوراق الملكية ثم هي...و التي بالتأكيد بقيت بمبنى العمدة بمكان سري.....
تفكير سليم؟....
ربما...!...
ميلي هو اسم فتاة الميناء الجميلة، إنها ابنة العمدة الذي تمت تصفيته قبل الوباء بالاضافة لعدة أشخاص مرتبطين بالعائلة، نجاة ميلي لا تزال دون تفسير....لكن نجاتها من القتلة المأجورين كان بمعجزةٍ فعلاً !!....
" هذه هي....."....
قالت ميلي ذلك و هي تجمع بيداها بعض الاوراق و تتفقدها بعيناها، حيث ارتسمت على شفتيها بسمةٌ خفيفة و ظريفة، و قد تواجدت الاوراق بخزنةٍ أرضيةٍ مخفية بأرضية مكتب العمدة.....
لتقول ميلي و هي تجلس على مقعد المكتب:
-أوراق ملكية الميناء للمنظمة، بالاضافة لصفقات تجارة أعضاء بشرية و بشر بختم الاب الكبير....
قالت ذلك لتجمع جميع الأوراق داخل ملفٍ بنيٍ واحد و أغلقته لتضعه على أقدامها تالياً لتقول :
- حتى لو سلمتها فلن يتم العفو عني، فقد تم قتل العائلة دون ذنب، عدم تواجدي كان مجرد صدفة تعيسة....
لتكمل قائلة بنفسها حيث أسندت نفسها على الكرسي:
-ان سلمتها للسلطات، فسيتم سجني لتطبق العدالة علي عوضاً عن والدي المتاجر بالبشر، فهم لا يسامحون أي تابعٍ للمنظمة....و المنظمة تبحث عني لأجلها ثم قتلي لاحقاً للتخلص من جريمة والدي برفضه إتمام صفقات البشر و التهديد بفضح الأمر....
قالت ميلي ذلك لتبدأ بالعبث بشعرها البني الحريري ، ويبدو انها بالفعل بوضع لا تحسد عليه، لتنهض من مكانها تالياً لتكمل بنفسها :
- سأستحم أولاً ليرتاح جسمي بعد تلك الليلة المرعبة....
المدينة تمر بوباءٍ قاتل، و تنتشر السلطات و الجثث بالخارج، و تتسلل رائحة الموت من النوافذ المغلقة، بالاضافة لقتلةٍ مأجورين يلاحقون هذه الفتاة ، الا أنها فضلت تجاهل كل ذلك لبعض الوقت و الاسترخاء بحوض مياهٍ ساخن ملأته للتو.....
و قد أغرقت ميلي جسدها المليء بالكدمات بمياه الحوض العطرة الدافئة و حرصت على إبقاء إصابة كتفها بعيداً عن المياه، حيث بدى انها حصلت على الرعاية الكافية من قبل الاطباء سابقاً، لتقول بنفسها و قد بللت وجهها و شعرها :
- ليبتلع الجحيم هذه المدينة،ان كان علي الموت فسأموت عطرة !!.....
قالت ميلي ذلك ليتبادر لذهنها مباشرةً مشهدٌ لعدة أشخاص تم قتلهم.....ثم تمزيقهم بعناية و إفراغ جوفهم بحثاً عن أعضاء سليمة بهدف التجارة او الاثار البشرية للتحنيط....
لقد وقفت سابقاً متمعنةً مشهد الجريمة هذه الذي كان ضحاياه هو والداها و أشقائها الاطفال، بينما بقيت هي دونهم.....
تذكرت ميلي ذلك لتبتسم باضطراب ثم نظرت لباب الحمام بقلق بينما تضع المياه على شعرها....هل هناك أحدٌ ما؟....
لا بالطبع !!....انه شعور الخوف و القلق الذي باغتها فجأة، و أشعرها بنظراتٍ تخترقها و تراقبها....
فقد تلقت ميلي عدة تهديدات من قبل بالتقطيع حية و الموت ببطئ، و تهديدات المنظمة لم تكن كذبةً يوماً ما أو كلاماً فارغاً ، لذا فالتفكير انها لربما على وشك ان يقبض عليها، هو الموت البطيء بذاته....و مرضٌ ينهش عقلها و ذعرٌ يسطير عليها.....
فهي بمدينة تتبع بكل ما بها للمنظمة....وهي مجرد هدف صغير
التعامل مع المنظمة ليس كالتعامل مع مشكلةٍ بالحي...بريئاً كنت أم لا ، لا يهم ذلك، طالما أنك خالفت القواعد فلا حاجة لك، الاستبدال سهل و التابع المتمرد هو تابع ميت فقط !!....
لا مجال للشرح
لا مجال للتفسير
ولن يهتم أحد لك و لكلامك !!...
ولن تسمع الجملة الهزلية القاىلة :
" قل ذلك للقاضي"....
فقرار الموت الذي يرفع هنا، لا يسقط ابداً....
أما ميلي فقد قالت بنفسها :
- المصيبة أنني أضعف من إرتكاب انتحار....ماذا سأفعل إن واجهتك شخصاً ما يبحث عني مجدداً ؟...
حسناً يا ميلي.....الذي يبحث عنكِ هو ليلي، من يتوقع كيف سيتعامل معكِ ؟....
انه الفجر البارد بالفعل ...
الجو باردً و لا تزال العتمة تلقي بغطاءها متمسكةً بلحظاتها الاخيرة التي تسبق الشروق...
و حيث قصر الاب المغطى بأشجار الصنوبر الشاهقة و المزين بتماثيل الاسود و الشياطين، تواجد سكار الذي جلس قرب نافورة مياه عذبة و قد اقترب منه أحد كلاب الحراسة السوداء ليحاول إبعاده عنه، حيث بدى أن الكلب يتوق لشخصٍ يداعبه، لكنه أتى للشخص الخاطئ حتماً....
و خلال ذلك تلفت سكار لصوت شخصٍ يسير خلفه ليجد أنه بيل الذي قال :
- أنت لا تنام؟...اراك بمنتصف الليل و بالصباح الباكر!
أجابه سكار قائلاً:
- فعلت مبكراً بالامس....إذاً ماذا عنك؟
تبسم بيل عندها بانتصار مما جعل سكار يشعر بالسرور، ليجيب :
ـ فعلت ما يسعدك حتماً.....
قال بيل ذلك ليبادر بالجلوس بجانب سكار ثم روى له الحوار السابق بينه و بين الحبر الاعظم، و العرض الذي قدمه بالمساعدة بشأن الوباء مقابل منحهم رمزية حكم المدينة و كل التفاصيل الاخرى، و قد سمع سكار كل ذلك بصمتٍ حتى انتهى بيل من كلامه، ليقول اخيراً:
- الامر عائدٌ لك....
أجابه سكار قائلاً:
- جيد.... ما فعلته جيد حتماً لن نحصل على صفقة ناجحة أكثر من هذه، لكنه يعتمد على حدة الوباء.....ان احتوت الكنيسة المرض فلن تنجح الخطة....
ليكمل قائلاً و قد نظر لبيل:
- و بسبب ذلك، فلن يدخروا جهداً لمحاولة حصره....
أجابه بيل قائلاً و قد عقد يداه :
- إذا الامر يعتمد على الحظ الان؟....
تبسم سكار بسخرية عندما سمع ذلك، و تلفت لبيل ليقول:
- أتؤمن بالحظ يا بيل؟....
" أليس الحظ سبب حدوث الوباء؟... أم أن السبب آخر؟"
أجاب بيل بذلك بشك، ليقول سكار :
- إذاً، ما ستفعله الكنيسة الان هو استنفاذ كل قوتها بمحاولة احتواء الوباء، لكنه سيصبح أقوى و سينتشر حتى بهم.....على عدد الخسائر ان يكون ضخماً ليطلبوا مساعدتنا.....لقد قدمت لهم العرض المناسب!.
هز بيل رأسه عندها ليقول :
- وهل ستوضب على الصلاة و الدعاء بالكنائس لأجل ان يصبح الوباء قاتلاً أم ماذا ؟؟.....
لم يجبه سكار على ذلك و اكتفى بالصمت و عدم الاجابة على اسئلة بيل التي تهدف لجعل سكار يكشف ما لديه ، ليقول له مشيراً ليداه:
-هل تطعم نفسك للكلاب مؤخراً ؟....يبدو أنك تتأثر بقصص رايزر كثيراً....
تلفت سكار نحو بيل بغضب عندما سمع ذلك، و الذي وجه نظره ليداه التي ظهرت عليهما اثار تسلية فوسالور العنيفة، بالطبع لا يمكنك إخفاء عدة جروح فقط لانك ترتدي قفازات قصيرة و سترة ما و ليس الأمر كأن سكار حريص جداً على عدم إظهارها او قلقٌ من أن تلاحظ، ليجيبه :
- تظنني أستمع لذلك المعتوه ؟...
ليكمل قاىلاً متجاهلاً سؤال بيل تماماً:
- ماذا فعلت بشأن جين و شادو؟.
أجابه بيل قائلاً:
- انتهى الأمر بالفعل....قد يأتيان لزيارتك فور خروجهما من السجن....
على الوباء أن يصبح أكثر حدة؟!....
إذا فسيجدد سكار طلبه لفوسالور !!....
الامر ابسط مما يبدو عليه.....
بعيداً عن ذلك، و حيث مدينة الميناء الموبوءة المنتظرة للجحيم.....
سارت لاسي مع رونين بأحد أزقة المدينة الحجرية، ذات السلالم الصخرية التي تؤدي لمنازل و متاجر سفلية.....
يبدو المكان هنا و كأنه قطعة تراثية قديمة لقدم حجارة البناء المستخدمة ، والتي كانت زلقة بسبب بقايا قطرات الأمطار التي جعلتها تلمع كما الزجاج......
و قد تأملت لاسي الزقاق القديم الجميل بينما تنزل السلالم ، لتتوقف أخيراً حيث فعل رونين لتقول له :
- وصلنا؟...
أجابها رونين و قد فتح الباب المغلق:
- يحدد ذلك تواجد الرجل الذي نريده أم لا.....
قال ذلك ليفتح الباب و يدخل له، و قد كانت حانةً صغيرة لا تتسع للكثير من الزبائن مع العديد من الارفف التي حوت مختلف أنواع المشروبات و النبيذ القديم، ليقول رونين عندما رأى ذلك :
- هل هذه حانة كلاب ؟
قال ذلك ليدخل للمكان لتتبعه لاسي، ثم توجها نحو طاولة التقديم حيث يتواجد جرس الزبائن، ليقوم رون بضربه بقوة مصدراً صوتاً مرتفعاً للفت أي انتباه ، لتقول لاسي له :
روايات ياكوزا محادثة.:
- ألا يفترض أن نكون هادئيين؟..
أجابها رونين و قد غطى وجهه بوشاحٍ أسود و ارتدى قبعة رأسه :
- لا، ذلك للتقليديين...
تلفتت لاسي عندها نحو النبيذ المتواجد على الارفف، و كؤوس التقديم الطويلة، ليكمل رونين لها :
- هل تريدين واحداً ؟...
تجهمت لاسي بتردد عندما سمعت ذلك لتجيب :
- لا أنا فقط اضيع الوقت بالنظر حولي....لم أجربه سابقاً ، ماذا عنك؟....
أجابها رونين ليقول:
- أكتفي بالدخان فقط....
أعادت لاسي النظر نحو النبيذ لتقول:
- أرى البعض يفقد عقله عندما يبالغ بالشرب....هل الامر ممتع؟...
هز رونين رأسه نافياً ليقول :
- ليس ممتعاً أن تبدو بذلك المظهر الذليل....
لم يكد رون ينهي ذلك، حتى سمع كلاهما صوت بابٍ فتح من آخر الحانة، و بعد لحظات تقدمت نحوهم سيدة ثلاثينية ممتلئة الجسم جميلة الوجه، لتقول :
- من يريد شرب النبيذ بهذه الساعات الملعونة !! الجميع يقوم بالدعاء و الصلاة للنجاة من الموت الان !!..
قالت السيدة ذلك بينما تقف أمام اولئك الإثنين لتكمل و هي تنظر لهم :
- توقفنا عن بيع النبيذ أيها المتشردان !...اخرجا من هنا!!. او ابحثا عن حانة تطعم الجرذان ...!
أجابها رونين قاىلاً:
- الشيء الوحيد الذي يبقيني هنا هو تواجد كابيرنت على الرف....
" كابيرنت هو اسم اغلى نبيذ و اكثرها جودة بالعالم"...
وقد قصد رونين بكلامه، أن حانات المنظمة بالعادة تحتوي هذا النوع من النبيذ داخل رفوفها....
لتقول السيدة عندها:
- ظننت أن المنظمة ستعلق مهامها خلال فترة الوباء....ماذا تريد؟...
أجابها رونين :
- ابحث عن شخصٍ يدعى" ستين هارد" ، رأيت اسمه مكتوباً على اللافتة بالخارج أخبريه بالقدوم...
" بخصوص السلاح؟.."
قالت السيدة ذلك بينما تضع يدها على خاصرتها ، ليجيب رونين :
- لا أظن أن هناك شيئاً آخر.....
تلفتت السيدة نحو لاسي بنصف عين، و اعادت نظراتها لرونين لتتوجه لداخل الردهة، لتقول لاسي بهمس :
- لماذا نظرت لي هكذا؟....
أجابها رونين و قد أخرج علبة تبغ من جيبه :
- ربما لم تعجبيها، رغم انها بحجمك مرتين لكنها رديىة المظهر...
لم تفهم لاسي فعلاً ما عناه رونين بذلك، لتوجه نظرها نحو شخصٍ بمنتصف أربعينياته تقدم نحوهم من الردهة، و قد صحبته رائحةً شبه رديئة، ليقول قبل أن يصل :
- هذان الضئيلان أتيا من المنظمة؟...هل وصلتما للمدينة من جحر جرذان بالحائط؟....
قال ذلك ليجلس بثقلٍ خلف الطاولة و قد كان أشعثاً نوعاً ما رغم أناقة ثيابه، حيث تخلل الشيب لحيته و تجعد وجهه شبه الضئيل، ليكمل قائلاً:
- ماذا تريدان؟...
ظهر على رونين علامات عدم الرضى عندما جلس المدعو ستين أمامه، ليقول :
- إن علمت ما حدث، فالسلطات بدأت بالدخول للمدينة بسبب الوباء، بما انك المسؤول عن سلسة الجماعات المسلحة بالمدينة نريد احصاء الكمية....
أجابه ستين مباشرة:
- أرني وجهك اللعين و رمزية عملك قبل ان اشنقك بوشاحك القذر!
حسناً....هكذا تتم الامور لا يمكن المعارضة، حيث اخرج رونين بطاقة من جيبه ليلقيها بوجه الرجل مباشرةً و الذي نظر لها بشكٍ عدة مرات بينما يقرأ الاسم، ثم اعاد النظر لرون و البطاقة، ليجيب:
- هل تستهزأ بي أيها الخنزير؟...هذا الرجل قتل !!...
أجابه رونين و قد كشف عن وجهه ليبدأ بالتدخين :
- هذا هو المعروف لدى الجميع....
ازدادت دهشة ستين عندما رأى رونين، ليقول :
- كيف هذا ؟!....
لم يجبه رونين على ذلك، لينظر نخو لاسي ليكمل:
-و هذه؟....
أجابه رون :
- تدعى لاسي، إنها معي، انها شابة مقابل العاهرة التي تملكها.....
سمعت لاسي ذلك لتصفع رونين على قدمه بينما قال الرجل لرون بغضب :
- تلك هي زوجتي !!!...
سمع رونين ذلك ليمنع نفسه من الضحك ليجيب :
- أرأيت؟...يتخذ الحديث مجرى سيئاً عندما لا يكون عن الموضوع الاساسي....
أجابه الرجل ليقول بغضب:
- المدينة كبيرة و تمر بوضعٍ سيء، و انقطعت الاخبار بالجميع منذ بدأ الوباء، لذا إعادة التواصل مع الجماعات المسلحة الان صعب....
ليكمل قائلاً و قد جلبت زوجته مخططاً للمدينة ، تركز على مستودعات التخزين السرية....
و قد بدى واضحاً عليه مكان تواجد الميناء و الاحياء المكتظة بالابنية و المساحات الفارغة و الغابات القليلة، بالاضافة لمناطق علمت باللون الاحمر ،ليقول:
- هذه هي المخازن الارضية للأسلحة و البارود، كما قلت انها سرية و يشرف عليها شخصٌ القبه ب"مون"، يمكنك البحث عنه إن لم تستطع الوصول لي يوماً....
" مون معناها قمر 🌚"
تأمل رون الخريطة الارضية و قال له :
- ....ماذا ستفعل بشأن تدفق السلطات للمدينة ..؟ طُلب مني التحدث معك بشأن هذا الامر ..
اتكئ ستين على كرسيه براحة ليقول و قد رفع قدمه أمام وجه لاسي :
- أعمل بتجارة الاسلحة منذ كنت بالعاشرة، ولأنني محنك جداً وصلت بمكانتي للتعامل مع عائلة الاب و تولي العمل كمسؤول الاسلحة هنا.....
أجابته لاسي بينما تعدل جلستها لتتجنب النظر لقدمه:
- هذا لا يجيب على السؤال ....
أجابها الرجل بغضب :
- الجواب أنني عملت مطولاً مع الاب، و سأنفذ التكتيكات الطارئة المعتمدة والتي ناقشتها معه منذ زمن، لا اعلم إن كانت ستلائم افكار الذي استلم مكانه ...
ليكمل قائلاً بنفور :
- قد تسألني لما اتصرف كأننا على وشك الدخول بحرب ؟...هذا سهل، ستتخذ الكنيسة من الوباء غطاءاً لتنفيذ نشاطات التصفية و القتل و التخلص من مطلوبي الميناء
" انهم ضحايا الوباء ".....التفسير بسيط ....
ولن يراقبهم أحدٌ بينما يقومون بنبش و إفساد المدينة، و ذلك لن يرضى حتى السكان هنا....لذا علينا حماية ممتلكاتنا ...
هز رونين رأسه عندما سمع ذلك و قال :
- ماذا عن كمية الاسلحة؟
أجابه ستين بثقة :
- ممتازة.....لا قلق من النفاذ...
ليكمل قاىلاً:
- العجيب بالامر هو أمرٌ واحد، لما سمحوا بإدخال السلطات للميناء؟...لما لم يمنعوهم ما داموا قلقين من سيطرتهم على المدينة؟!.....
هز رونين رأسه ب " لا أعلم" ليجيب:
- هذا ليس عملنا الان....
لم يجبه ستين على ذلك و أخفض قدمه ليخرج ورقة و قلماً بالإضافة لظرف، ليقول :
- سأكتب اذا رسالةً لقصر الاب، لأوضح الامور بنفسي ، و بينما أنت باقٍ هنا هل تمانع الذهاب بجولة للتواصل مع مسؤولي المجموعات للبقاء بحالة جهوزية؟!....
تلفتت لاسي نحو رون عندما سمعت ذلك لتقول :
- أتعلم طرق المدينة؟....كما أن الوباء منتشر .....
أجابها ستين بغضب:
- انتشر الوباء بميناء المدينة البحري و بعض المناطق المجاورة !! يستحسن أن تسرعوا قبل أن يمتد لمنتصف المدينة !....
" عدد الضحايا للان هو ثلاثة الالاف ".....
قال طبيبٌ مقنعٌ ذلك لنافين، جوهرة ليليث الثمينة المشغول بعمله للأسف عوضاً عنها ....
و قد تواجد بالفعل بمدينة الميناء مع القوات المتدفقة للمكان، انه محقق عسكري و يبدو انه ليس هنا لأمور انسانية و متعلقة بالمرض، بل بما ذكره ستين عن التصفيات و ملاحقة المجرمين، ليكمل الطبيب له:
- اغلب الضحايا مدنيين، بينما تم التعرف على العشرات من قتلة المنظمة و أصحاب الاسبقيات، لكن لا شخصيات مهمة بينهم....
أجابه نافين ليقول :
- لن نجد أحداً الان، فسيخفي الجميع هويته و يتحفظون على المظاهر.....
" هل ستتقدمون لداخل المدينة"....؟
سأل الطبيب ذلك بحيرة، ليجيب نافين :
- ليس الان....لا زال الوقت مبكراً....
ليكمل قاىلاً بنفسه بينما ينظر لأكوام الجثث التي تم إحصاءها:
- لكن التأخر يعطي العصابات فرصة للتشكيل و التخطيط....وبما أن المدينة اخذت بصفقة مخزية بالنسبة للمنظمة، فلن تمنح لنا بهذه البساطة بغض النظر عن الوباء.....
يتبع..........
Yakuza