#الجنة_الباكية
" السكون الذي يلي هدير العاصفة مرعب، إنه لحظة دفع الثمن "
الرياح الباردة تهب بقوة....
إنها الشيء الوحيد الذي يملئ وحشة الطريق الفارغ الذي تسير به القافلة التبشيرية، بدأت الأمطار تتساقط بقوة منذ مدة، و أصبح الطريق موحلاً ، بالكاد تصمد نيران المشاعل أمام وحش الرياح....
" أنا أستمع"....
قال جولين ذلك للاسي حيث جلس مقابلها بالعربة، يعقد ذراعيه بهدوء، لم يحمل صوته الغضب أو الحقد، بل كان دافئاً كما عيناه الخالية من الكراهية كما عادته، لترفع لاسي نظرها به، لتقول بتردد بسيط :
_.....كُنت عبدةً بأحد المدن التابعة للمنظمة....نقوم بالعمل، و التنجيم، و إنجاب المزيد من العبيد، التي لا تجيد ذلك تصبح طعاماً لحيوانات الزعيم....
" عندها قررنا الهروب، و فشلنا بذلك، قام الزعيم بقتل العديد لمعاقبتنا، لكنه قال لي أنني إذا ذهبت خارجاً و جابت له معلومات مفيدة سيطلق سراحي وباقي العبيد، أطلق كلابه نحوي فمزقت يداي، التقيت بعدها بطبيب يدعى رولو، أمضيت معه بعض الوقت، ثم أرسل الزعيم قاتلاً خلفي يدعى لايز ندعوه بليلي، قررت الانضمام للمنظمة لقتل رايزر و الانتقام....لكن لم أستطع، الجميع قال أن العبيد لا يستحقون العدالة، و أن حياتهم لا تذكر.....بكل الأحوال انتهى بي الأمر هنا، وجدت رايزر أمامي مجدداً، أظن أن ليلي توقع تواجده، لذا نصحني أن أهرب منه بحال حدوث ذلك.....
كان محقاً فلم أستطع حتى التكلم أمامه، فكيف لي أن أقتله.....".....
قالت لاسي ذلك لتعيد النظر لجولين الذي بقي ينظر لها بهدوء، دار بعيناه قليلاً بحيرة، ثم أجاب :
_ هل تملكين دليلاً؟......
تلفتت لاسي ليداها لترفع عن معصمها حيث النظب التي سببتها الكلاب لها ليراها جولين دون التعليق عليها.....
ليبقى صامتاً دون السؤال على التفاصيل، فلاسي الأن من المقربين من عائلة الأب و يبدو أنها كنز كبيرٌ للمعلومات، و تمثل الثغرة المثالية التي ستقلب موازين اللعبة مع سكار، ليسألها :
_ هل قتلتِ أحداً يا لاسي؟.....
لمعت عينا لاسي عندما سمعت ذلك، و تلفتت له ببطئ لتجيب :
_.....قتلت شخصين.....أحدهم...حاول قتلي.....و الآخر أُمرت بذلك....
أجابها جولين قائلاً :
_ القتل عقابه الإعدام ...سأساعدكِ لكن بالمقابل، لن تذكري شيئاً عن المدعو لايز بل قولي مجرد قاتل مأجور.....
تفاجئت لاسي عندما سمعت ذلك، و قالت له :
_ ليلي....؟....
أجابها جولين بهدوء :
_ التقينا بأحد المرات....ذكر لي عبدةً مسكينة، تمنى لو أنها بقيت بعيدةً عن المنظمة و أنها حظيت بفرصةٍ أفضل!.
تفاجئت لاسي عندما سمعت ذلك، و التزمت الصمت فقط، فليلي كان بارداً ولم يتفوه بالخير يوماً، لتقول :
_ ليلي.....هل هو خائن أم ماذا....لا أعلم...
أجابها جولين :
_ إنتهى له الأمر لهذا المستنقع أيضاً .....إن علمت السلطات فيسعون للقبض عليه، إنه صديقي ولا أريد الأذى له، سأتستر عليه طالما باستطاعتي ذلك.....سأساعدكِ بالمقابل، توافقين ؟
_ لا أهتم بالنجاة، لكن إن كنت تتستر على قاتل، فأنت لست منقذاً....لست عادلاً....لست طرف الخير....
لتكمل بينما تشبك يداها ببعضهما البعض :
_ بالفعل لا أعرف سوى ما تعلمته بعد هروبي، لدى المنظمة قوانينها و للكنيسة كذلك، أيكما الصائب أو المخطئ....قال الطبيب أن العدالة مشوهة، لقد كان محقاً.....إن كان كل قاتلٍ يقتل، فلماذا تستبعد من تهتم لأمره من هذا المصير....
صمت جولين لوهلةٍ عندها، يعلم أنه مخطئ بما يفعل، بل و بتواطئ أيضاً، ليقول :
_ الطبيب رولو.....لسانه المسموم يعرف كيف يحيك الكلام....العدالة أصعب من أن تُطبق دائماً، مطرقة القاضي تسحق ما تحتها ، لكن الفساد يبقيها معلقة....
ليكمل بينما ينظر للاسي :
_ هناك العديد من الفاسدين، الكثير من الخونة و المتواطئين مع المنظمة، الكثير ممن يقتلون و يسرقون و يحتمون بمراتبهم، تماماً كرايزر...
لايز يشبهكِ كثيراً، كلاكما سعى للقصاص بالطريقة الخاطئة .....
صمتت لاسي عندما سمعت ذلك، و بقيت تنظر لجولين الجالس أمامها...
يعقد يده فوق الأخرى، لك تستطع إجابته أو الإستمرار بالحوار، لديه بالفعل ما يبقيها صامتةً دون أن تتكلم.....
رغم صخب الهواء و الأمطار الا أن العربة كانت صامتة بجنون....
تخترق نظراتهم الهادئة بعضهم البعض، تخفي لاسي الكلام لكن المزيد يظهر على عيناها الدامعة....
" الاستمرار بالكلام....يعني الخيانة، هل أنتِ مستعدةً لتلقي بالمنظمة أرضاً و المضي بهذا الطريق...."؟....
قال جولين ذلك للاسي التي أبقت رأسها منخفضاً دون أن تجيب، ليكمل لها :
_ المضي قدماً، أو سنتوقف جانباً....نحفر حفرة بجانب الطريق، ستدفنين حية، كما جميع السيدات المتواطئات مع الكنيسة..
تبسمت لاسي عندما سمعت ذلك، و أجابت :
_ التهديد بالموت لن يجلب النتيجة لك....لا أريد أن أكون خائنة...
لوح جولين بيده باستهتار و قال :
_ هل تظنين أن اولئك الأشخاص جعلوكِ قريبة كفاية لتكشفي أسرارهم....موت الناس لا يحدث فرقاً معهم....ساعدينا، و سنساعدكِ....
ليكمل قائلاً :
_ سأوقف العربة الأن....إن أنهى الرجال الحفر دون سماع الموافقة، فستحظين بقبرٍ لا يعلم أحدٌ به....أظننا سنتمكن من سماع صوتكِ تصرخين أسفل التراب....
بالقرية النائية، حيث الحملة التبشيرية المتوقفة هناك.....
وقد نصبوا خياماً و مشاعل، و قدم أعوان الكنيسة و الرهبان المساعدة اللازمة للسكان الذين لا تقضيهم حاجتهم هذه الليلة الماطرة....
ينام الناس مبكرين بليالي الشتاء الماطرة، و يخيم الهدوء على المكان......
" سحقاً للمطر".....
قال جيل ذلك بغصب بينما يراقب الأمطار من الخيمة التي نصبت على طرف القرية، ليجيبه راسيل الذي جلس بجانب طاولةٍ ، يقوم بكتابة الرسائل مقابل مصباح الزيت :
_ إنه نعمةٌ أيها المرتد اللعين....إن فشلت الحملة فالسيد جيل الكافر هو السبب....
أجابه جيل بنوعٍ من الغضب الهادئ :
_ ستفشل الحملة بسبب العجوز....كان يجب إبقاء عينٍ عليه....
فكر راسيل بما سمعه و توقف عن الكتابة لينظر لجيل قائلاً:
_الحبر الأعظم منصاع الآن للمنظمة لسبب مجهول، أعرف الحبر جيداً، سيقاتل سراً للتخلص من متاعبه الشخصية....
ليكمل بينما يعقد يداه على الطاولة :
_ ليس جباناً، بل لديه أسرار يسعى ألا تكشف ، لذا يعترض على الكثير، ربما قضايا فساد لا أكثر...
تلفت جيل نحوه عندما سمع ذلك، و سار بخطوات غاضبة ليقول :
_ أتخشى أن تتطور المعارضة لتمرد ؟ إن حصلت على دليلٍ واحد يثبت تورط الحبر بمؤامرات نا فلن أتردد دقيقة بقتله !!...يمكن السيطرة على الفوضى دائماً....
أجابه راسيل :
_ أنا معك لكن، الفجوة بما لا نعلمه كبيرة، الحبر الأعظم لا شيء مقارنةً بالمنظمة...إن كانت لنا عينٌ بالداخل لكان الأمر أسهل.....
قال راسيل ذلك ليتعالى صوت صهيل أحصنةٍ تقترب، و قد كانت هذه قافلة جولين التي وصلت أخيراً ، و لم يمضي الكثير حتى تقدم الأخير من وسط الظلام، ليقول مبادراً بالمصافحة :
_ الكثير من الرؤوس الثمينة أسفل خيمة واحدة.
أجابه جيل الذي بادر بالمصافحة و الابتعاد :
_ للأسف، معمد الرضع لم يعد يحظى بالكثير من الاهتمام مؤخراً....
تلفت جولين نحو راسيل عندما سمع ذلك، و فضل عدم التعليق ليقول :
_ جولين، أعلم أن عيناك تخفي أخباراً مهمة، ما الجديد لديك....؟
تنهد الأخير عندما سمع ذلك، و نزع قبعته ليلقيها على الطاولة ثم قال مسنداً يداه للكرسي :
_ لا جديد على الحبر ، لكن بطريقي لهنا، صادفة فتاة....
تبادل راسيل و جيل النظر عندها و قال الأخير بضجر :
_ أكمل يا سيد، لا حاجة لجعلنا نحتار....!
بالفعل أكمل جولين بكلماتٍ حذرة :
_ أجبرت على العمل قاتلة مأجورة ، أفضل جعلكم تسمعون الأمر منها....
لم يعلق جيل أو راسيل على ذلك ، بل اكتفيا بالصمت ، و خلال ذلك، تقدمت لاسي من الظلام لداخل الخيمة بأعين مترددةٍ قلقة، تدور بنظرات منخفضة وجه راسيل و جيل ، تعقد يداها أمامها، ليقول جيل :
_ هذه المهرجة قاتلة مأجورة؟ تبدو لصة أو قاطعة طريق !...
تلفت جولين نحو لاسي التي بادلته النظر، و كأنها تعتقد و تؤمن به أنه سيساعدها حقاً لتجيب :
_ إنه عملٌ أجبرت عليه، مقابل حريتي....
عقد جيل يداه دون تعليق بينما تلفت راسيل نحو جولين ليتقدم نحوه مرتلاً بعض أدعية خافتة للمغفرة ليقول :
_أنا أحترم نفسي كقس، هل تهذي أنت و هذه الفتاة أم ماذا ؟....
بادر جولين بالجلوس على كرسي أمامه ليقول :
_ قابلتها بالطريق، حاول بعض الرجال قتلها، و طلبت النجدة لتنجو من المنظمة...
قال جولين ذلك ليوضح المزيد عن لاسي وما قالته له، ليشرح عن عبوديتها ثم عقدها مع سكار، مفسراً الأسباب الكافية التي ستقنع راسيل و جيل للإستماع لها، أنهى كلامه ليحل الصمت بالمكان بينما أمضته لاسي باستراق النظرات فقط، لتقول أخيراً :
_ أنا.....لم أجني شيئاً من العمل مع المنظمة، ولا أظن أن بدأ حياةٍ بعد التورط معها ممكن....لست أبحث عن النجاة هنا، أنتم مجرد طريق عابر....
لم يجبها جيل على ذلك، فليس مولعاً بخوض النقاشات مع الآنسات، ليكسر راسيل حاجزه الديني، ليقول لها :
_ جولين صديقي المقرب، إن كان هناك سببٌ لنستمع لكِ فسيكون هو....إن كنا طريقاً عابراً، فإما ستعبربن للقبر تالياً أو للنور....
قال راسيل ذلك بينما يفرد يداه أمامه، ثم أكمل :
_ الطريق العابر ، سيكون فرصتكِ الأخيرة للخروج من الظلام، إنها العدالة الإلهية التي تستحقها فتاةٌ عانت مثلكِ....يمنحكِ الرب فرصةً للمرة الأخيرة !....
التزمت لاسي الصمت عندها، و فكرت ملياً بكل ما مرت به حتى لحظة وقوفها، لتقول :
_ إن كان يمكنكم قتل شخص واحد، بدافع العدالة فسأخبركم بكل ما رأيت و أعلم....
أجابها راسيل بينما يضع يده على كتف جولين :
_ السيد مقصلة جاهز، رايزر مشهور بأنه طاغية، امتلاك العبيد و القتل كافٍ ليحصل على القصاص....مستعدةٌ للتضحية لأجله؟....
هزت لاسي رأسها موافقة على ذلك، ليشير راسيل لها بالجلوس بابتسامة هادئة، ليقول :
_ إذاً أيها الأخت لاسي، نحن هنا نتبع النهج الرباني، أنا راسيل بالتأكيد سمعتِ بي صحيح؟...
بادرت لاسي بالجلوس عندها، و قالت :
_ أسمع الكثير من الأسماء ولا أعرف أصحابها....
لم يعلق راسيل على ذلك، بل بادر بالجلوس بدوره ليكمل:
_ نحن نقيض المنظمة أيتها الأخت، لا تخلو الكنيسة من العيوب لكن، لسنا كالمستنقع الذي أتيتي منه.....مستنق عائلة الأب.....سكار و ليليث...كنتِ قريبةً منهم كفاية؟
صمتت لاسي لبعض الوقت عندها، لتجيب تالياً :
_ ليليث....أرادت مني أن أكون رفيقتها، تقول أنني أنتمي للعائلة، لكنها رفضت مساعدتي بشأن رايزر، و اكتفى سكار بشراء حريتي كما قال مقابل العمل بالمنظمة.....
لتكمل بينما تمرر نظرها بين جيل و جولين :
_يبقى سكار هادئاً دائماً، رغم ذلك يبدو مشتتاً، يواصل الذهاب لغرفة الأب، أما ليليث تواصل اللهو...هذا فقط بوقت فراغهم القليل جداً....
أجابها راسيل :
_ ما أكثر الأشياء غرابة بالقصر....؟....لما يواصل سكار الذهاب لغرفة الأب؟....
صمتت لاسي لوهلةٍ عندها كأنها تتذكر بعض الأمور، لتقول :
_ سكار يخفي إنزعاجه بحرص، يحافظ على هدوءه طول اليوم....لديه الكثير و الكثير من الجراح بيداه، لا يهتم بإخفاءها....كما أن الجناح الذي تتواجد به غرفة الاب مغلق منذ مدة طويلة.....
التزم راسيل الصمت عندما سمع ذلك، لتكمل لاسي :
_ لا أعلم الكثير عنهم....لم أمضي الكثير بالقصر.....
هز راسيل رأسه عندها،و أجاب :
_ما رأيهم عن الوباء...؟
لمعت عينا لاسي عندما سمعت ذلك، فقد تذكرت الطبيب رولو و القرية، لتسرد لهم أحداث القرية الغريبة بالإضافة لتواجد رولو بها لكن دون التفاصيل التي قد تضر به، فروت لهم عن الشيطان الراقص و شيخ القرية، ثم تجارب نقل العدوى، كل الحدواث الغريبة التي مروا بها، مما ترك راسيل و جولين و جيل بحيرةٍ من أمرهم، ليقول الأخير :
_ شيطان و وباء؟.....
أجابته لاسي :
_ كانت القرية مخيفة....حتى القرويون قالوا أن الشيطان زارهم.....
تلفت راسيل نحو جولين عندما سمع ذلك، و قال :
_ إن قدرنا المدة الزمنية، فهي تلي إختفاء القس آرثر...أرسل سكار رأسه كتهديد بينما أبقى على الجسد.....قلت حدة انتشار الوباء، ثم ظهر بمدينة الميناء دون سبب واضح.....و تبين أن قبر الأب يحوي جثة القس آرثر برأس ماعز و طقوس عليها....
قال راسيل ذلك ليقف من مكانه ثم سار قليلاً ليقول:
_ قالت الأخت أن الشيطان يتلبس، شيء معروف !!.....إذاً فهناك احتمال أنه وصل لسكار و تعاقد معه....هددني سابقاً بجعل الوباء يطوف بالمدن، ثم أغرق به الميناء لنتنازل عنه !.....إنه عقد!
تبادل جولين و جيل النظر بصمت، بينما تلفت راسيل نحو لاسي منتظراً المزيد من الكلام، لتقول :
_ لا أعلم حقاً....لكن أذكر أنني سمعت الخدم يقولون أن سكار يكره بالفعل الذهاب لغرفة الأب، كما أنهم اعتادوا على سرد القصص عن خدمٍ و أشخاص تعرضوا للموت هناك....
تلفت راسيل نحو جيل عندما سمع ذلك و قال :
_ سأفترض أن ما أقوله صحيح، فسكار يقدم القرابين لذلك الشيطان، مقابل سيطرته على الوباء، الأمر أكثر تعقيداً مما نظن، محاربته الآن أخطر مما نظن....
وقف جيل من مكانه عندما سمع ذلك و توجه لراسيل قائلاَ:
_ ستصدق كل هذا يا راسيل؟....أستطيع اختلاق كذبٍ أكثر قابليةٍ للتصديق، إلا إن قدمت الأخت دليلاً...
لم يجبه راسيل على ، و اكتفى بالنظر للاسي، التي أجابت :
_ لا أملك أي أدلة سوى ما أستطيع قوله...
قالت ذلك لترفع سترتها قليلاً عن خاصرتها ليشيح راسيل عيناه ببطئ بينما بقي جيل و جولين ينظران لها، لتقول :
_ قبل يومين، أصبت بطعنةٍ من شخصٍ مجنون يدعى مارسيل، مسؤول السيرك هنا، قتله الرجل الذي كان معي لمحاولته قتلنا لسبب غير واضح، بعدها قدم رايزر، يبدو أنهم يخططون لشيء ما لكن مقتل مارسيل أفسد الأمر....
تلفت جولين نحو راسيل عندها، وقال :
_ مارسيل المعتوه، قتل قبل يومين بحريق بقبو خيمته، الاخبار تتسرب بصعوبة لكنها تصل.....و رايزر هنا بالفعل....
تلفت راسيل نحو لاسي بعدما أخفضت سترتها، ليقول لها :
_ ما سبب قدومكِ لهنا؟.....ومن أرسلكِ؟
أجابته لاسي :
_ لإيصال طرد يحوي جمجمة للمدعو مارسيل من شخصٍ يدعى مون....كان الشخص الذي أدار الأحداث بمدينة الميناء خلال الوباء....لا أحد يعلم من يكون سوى سكار و ستين هارد....يتجول مرتدياً قناعاً و يحرص على سريته...
تفاجئ جيل عندما سمع ذلك و تلفت لجولين، ثم لراسيل ليقول :
_ مون....؟....الشخص الذي ذكره نافين سابقاً !....لما تعرفينه ؟!....
أجابته لاسي :
_ كما قلت، أرادت ليليث أن أكون من العائلة بأسرع وقت، فأرادت أن أنخرط بسرعة من خلال وضعي بأهم الأحداث....توجهت لهناك مع شخصٍ يدعى رونين....أكثر قاتلٍ مأجور بالمنظمة، يحرص على حفظ هويته كذلك.....
قالت لاسي ذلك ليحل الصمت بالمكان ، و تلفت راسيل و جيل و جولين ببعضهم البعض بنظرات صامتةٍ حائرة، ليقول جولين :
_ رونين....؟.....ألم يحكم هذا بالإعدام....؟....
أجابته لاسي :
_ ذكر سابقاً أنه علق بهذا المستنقع، فقط بذل الأب وسعه لتزييف موته، و يعمل مع المنظمة الآن كقاتل مأجور.....
تبسم راسيل باضطراب عندما سمع ذلك و جلس بجانب جولين ليقول :
_ يبدو أن الأخت لاسي مصابة، تأخر الوقت، هل تمانعين الراحة الان، سنكمل الحديث بالصباح.....
صمتت لاسي عندها، و لم يمضي الكثير حتى قدمت راهبةٌ لتذهب معها، حيث ستقضي ليلتها مع الراهبات اللواتي سيراقبنها بحرص حتى الصباح...
الراهبات لطيفات بالفعل، لا أحد يعلم من هي لاسي بعد، لكن طلب منهم أن يراقبوها جيداً....
لم يشتعل فضولها هذه المرة، لم تفكر بما حدث أو قالته....
لم تشعر بالذنب او أنها أقدمت على خيانة المنظمة أو حتى ليليث التي أحسنت معاملتها......
انه منتصف الليل الآن..
تتفرق زخات الأمطار تارة و تتساقط بغزارةٍ مرةً أخرى ، تمر الرياح كأن لا وجه لها، تعصف بقوة فيزيد هوائها، ثم تصمت ليحل سكون الليل اللحظي....
كانت لاسي جالسة بركن الخيمة ، تلف نفسها بغطاء و تنظر للراهبات، حيث اخذن العجائز منهن بالترتيل بينما تهامست الشابات بأحاديث الحب و الضحكات الخافتة، ليصمتن عندما سمعت صوت أقدامٍ تتقدم نحو الخيمة، و قد كان ذلك جولين الذي بحث عن لاسي ليشير لها بالقدوم، لتنهض متوجةً له ليسيرا بعيداً عن الخيمة قليلاً، لتقول له :
_ ظننت أن الحديث بيننا انتهى...
تأمل جولين ملامحها الباهتة، يشرةٌ ناصعة البياض، و شعرٌ أسود طويل كسماء الليل الداكنة، و أعين ذهبية تلمع بإرهاق، ليجيبها :
_ تحتفظين بعدة أسرار تخصني، سأوجهكِ جيداً لما عليكِ قوله....
أشتحت لاسي بنظرها جانباً ببرود لتقول ؛
_ ألن يشك رفاقكَ بوقوفك معي هنا نتحدث بانفراد؟....أم إن مقصلة منيح ضد هذا ؟
تلفت جولين خلفه حيث تتواجد خيمة جيل ذات الأنوار المشعلة على بعد عدة أمتار، ليجيب :
_لا نفكر بمثل هذه الأمور، على كل حال، سيقترح راسيل عليكٍ ملازمة الحملة حتى خروجنا من هذه المناطق، غير أن هذا الخيار الوحيد أمامكِ فإنه الأفضل و الأكثر أماناً كذلك...
ليكمل بينما يتلفت لها :
_ إن تبين صدق ما تقولينه، فسنساعدكِ بأشياء كثيرة....هذا فقط...
هزت لاسي رأسها ببطئ عندما سمعت ذلك، و قالت :
_ لا أكذب بما أقول، لا أريد أي عروض...
أجابها جولين :
_ ليست عروض، إنها كتعويضات فقط تمنح لأي شخص، لديك حرية رفضها بالطبع.....
ليكمل مودعاً يينما ينسحب ببطئ :
_ أراكِ لاحقاً...
" صوت الأجراس عالٍ و مزعج ".....!!
قالت لاسي ذلك بانزعاج كبير، حيث تردد لأذنها ضجيج الصباح و أصوات أجراس الرهبان التي بدأت تُقرع،و قد حاولت تجاهلها إلا أن صراخ أطفال القرية خلف خيمتها أقفزها من مكانها، الشمس ساطعة هذا الصباح، يمكنها رؤية ظلالهم الثلاث يلعبون بالتراب، لتقول بنفسها :
_ ماذا يحدث هنا !!....
قالت ذلك لتقف من مكانها ثم رفعت الخيمة من أسفلها لتخرج للأطفال لترى أنهم يحفرون الأرض بعصىٍ خشبية مهترئة لا يتجاوزون الخامسة من العمر، ليتلفتوا لها مكملين دون اهتمام، لتقول :
_ ماذا تفعلون....؟
أجابها أحدهم بينما يشير جانباً:
_ نحفر قبراُ للراهب المزعج !!
تلفتت لاسي حيث أشار الطفل، لتجد راسيل واقفاً على بعدٍ منهم، يقوم بالكلام مع أحد رجال القرية و بدى منسجماً و مستمتعاً، لتقول :
_ ألا تحبونه؟...
لم يجبها أحدهم على ذلك، لتتأمل لاسي الأطفال، وقد كانوا بملابس جديد لكن يبدو أنها متسخةٌ حديثاً، شعرهم مبعثر و يعانون من جراح بسيطة بأيديهم و وجوههم، نحيلون نوعاً ما، ليقول أحدهم :
_ لا نريد الذهاب للمدينة !! بل مع السيد سُكر !!....
أومضت لاسي بمللٍ عندها و جلست بجانبهم، لتقول :
_من هو السيد سُكر؟.. لنذهب جميعاً معاً !!
أجابها الطفل بسعادة :
_ السيد سكر يحبنا !! إنه يأخذ الأطفال للعب بعيداً!... إن ذهبنا للمدينة فلن نلتقي به مجدداً !!
تعجبت لاسي عندما سمعت ذلك، و قالت ؛
_ هل ستذهبون للدراسة بالمدينة؟
أجابها أحد الأطفال :
_ لا بل لبيت الأيتام ! نحن بلا عائلة، أهدانا الرهبان هذه الملابس و يعتنون بنا، لكن تريد السيد سكر !
صمتت لاسي عندما سمعت ذلك فلا تعلم إن كان عليها الأخذ بكلام الأطفال أم لا، لتقول :
_ من هو السيد سكر وأين يأخذكم ؟
أجابها أحد الأطفال :
_ يأخذ الأطفال للعب ، قال أن مكان اللعب مليء بالصغار، و الكثير من الألعاب و السكر ! إنه مكانٌ سريٌ عن الكبار ! قال أنه منزل جميع الأيتام!..
قال الطفل ذلك لتقاطعهم راهبةٌ قائلة مباشرة بعدما ركضت و أمسكت بأحدهم:
_ ها أنتم ذلك !! إنه وقت الإفطار !! بسرعة !!
قالت الراهبة ذلك ليهرب الأطفال منها لتبدأ بملاحقتهم، لتنهض لاسي مراقبةً المطاردة البسيطة، لتسمع عندها صوت راسيل الذي قال للراهبة :
_ أمسكي بذو الرأس الكبير فهو زعيمهم !...
تملص الطفل المقصود من الراهبة، ثم حمل حجراً ليتجه لراسيل بسرعةٍ و يلقيه عليه لكنه بالكاد أصابه ليصرخ به :
_ لا نريدك ابتعد !!
تبسم راسيل عندها و وضع يده بكم رداءه ليخرج قطعة حلوى ملونة ثم قال بينما يؤرجحها فوق رأس الطفل :
_أرسل سكر هذه !! سأعطيكم المزيد إن استمعتم لي !!
احتدت نظرة الطفل عندها و بقي واقفاً بهدوء، ليأتي الاثنان الآخران، ليمرر راسيل لهم الحلوى ليكمل بينما يغادرون مع الراهبة :
_ليبارك الرب هذه الأجساد الصغيرة، و يبعد عنها سُكر !!....
" من هو سُكر "...؟...
قالت لاسي ذلك بينما تقف خلفه ليتلفت لها قائلاً :
_ شخصٌ يختطف الأطفال، يُسمى نفسه "سكر" بينما يسميه السكان ب"الخاطف"....
لم تجبه لاسي على ذلك، و اكتفت بالصمت، ليكمل راسيل لها :
_ أيتها الأخت، بسرور أقول أنكِ سترتدين مثلنا ما دمتِ معنا، يمكنك الحصول على بعض الملابس من الاخوات هناك .....
أجابته لاسي :
_ كراهبة !؟...لكنني لا أريد ذلك، لست واحدة !....
تبسم راسيل عندها و عقد كفيه ببعضهما ليقول :
_ أيتها الأخت، لن تلفتِ الانتباه لكِ....لا تبقي لوحدكِ يمكنك التجول بحرية، القرية هنا ودودة بفضل جيل !!...
قال راسيل ذلك ليباعد عيناه عن بعضهما مستحضراً حادثة الحصان، ثم سار مبتعداً لتبقى لاسي واقفة مكانها لتقول :
_ هذا راسيل الذي يسبب الأرق لسكار؟.....
Yakuza