وكان الختام حياة

وكان الختام حياة

14 0

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

أما بعد:

.

.

.

.

.

.

.

.

«كان الختام أقل صخبًا مما توقّعوا، لكنه أكثر صدقًا مما حلموا.»

.

.

.

.

.

انطلق من بين شفتيه صرخة متقطعة، مليئة بالخوف والحيرة والرهبة، كأنه يطالب الله أن لا يكون بها خطب:

"ميساء..."

انصدم للحظات، كأن المشهد سحب من الواقع قسرا، حين رأى صديقتها تجثو أمامها، ترفع النقاب عن وجهها بيد مرتجفة، تحدق في ملامحها الشاحبة بحثا عن تفسير لا يأتي.

كانت ميس ساكنة على غير عادتها، وجسدها مستسلما كمن أثقله شيء لا يرى.

لم يحتمل المشهد أكثر من ذلك،

ركض... ركض وكأن الخوف قد سبق خطاه، وما إن وصل إليها حتى جثا على ركبتيه دون وعي، يضع أصابعه على موضع نبضها، لا يطلب تفسيرا ولا سببا، بل يطلب حياة فقط.

وحين شعر بالخفقان تحت يده، زفر أنفاسا لم يكن يعلم أنه حبسها، وأعاد نقابها سريعا، كأنه يخشى أن يراها العالم على هذا الضعف.

حملها بين ذراعيه، وقد لاحظ ثقلها غير المعتاد، وارتخاء جسدها الكامل، فزاد ذلك قلقه اشتعالا.

خرج بها راكضا من الجامعة، لا يسمع سوى دوي قلبه، ولا يرى سوى باب النجاة.

خلفه، بقيت هالة واقفة للحظة، تحدّق في الفراغ الذي خلّفه، وقد خطت الدموع وجنتيها في صمت موجع.

ثم انتبهت فجأة، جمعت أشياء ميس وأغراضها بيد مضطربة، وانطلقت تركض، وقد عقدت العزم أن تخبر سيف قبل أن يبلغه الخبر من غيرها.

لم تمضِ دقائق حتى كانت أمام قاعة محاضرته، فتحت الباب دون استئذان، وقد غلبها الهلع.

استدار سيف ليوبخ، لكن ما إن وقعت عيناه على وجه زوجته المبلل بالدموع حتى سقط التوبيخ من لسانه، وحلّ محله خوف صريح.

قال لطلابه بصوت متماسك بصعوبة من القلق:

"أعتذر منكم... سننهي الدرس هنا، نلتقي غدًا إن شاء الله"

خرج إليها مسرعا، أمسك يدها، وما إن ابتعدا خطوات حتى أدارها إليه، يمسح دموعها ويسأل بقلقٍ لم يستطع إخفاءه:

"ما الذي حدث؟ لماذا تبكين؟"

هزت رأسها، ثم قالت بصوت متكسر:

"ميس... أغمي عليها فجأة في قاعة المحاضرات، روانس أخذها إلى المستشفى"

ساد الصمت لثانية، ثم شد على يدها وانطلق بها، يتمتم بدعاء خافت، كأن الكلمات هي الحبل الوحيد الذي يتشبث به قلبه.

وفي الجهة الأخرى، كان روانس قد وصل إلى المستشفى، أوقف السيارة بعجلة، نزل منها مسرعا، وحملها من جديد.

كانت ملامحها هادئة على نحوٍ أربكه، ويدها باردة قليلا، فزاد ذلك خوفه.

دخل بها إلى الداخل بخطوات متسارعة، وقلبه يسبق قدميه خائف من أن يفقدها.

ما إن وطئت قدماه العتبة، حتى كانت الممرضة ومعها أخرى تتقدمان بالسرير نحوه، تتحركان بخفة حذرة، وقد وُضِعتْ هي عليه ساكنة.

سار بمحاذاتها، لا يفارقها ببصره، يقتفي خطوات السرير وقلبه يسبق قدميه، حتى بلغوا غرفة الفحص.

دخلت الطبيبة، وما إن هم أن يلج خلفها حتى أوقفته برفق حازم، وقالت بصوت حاولت أن تلبسه طمأنينة لا يملكها قلبه:

"لا يمكنك الدخول الآن... لا تقلق، سنفعل ما يلزم"

ثم أغلقت الباب خلفها، فانقطع عنه آخر خيط يربطه بها. ابتعد خطوتين، وأسند ظهره إلى الحائط البارد، كأنما يلتمس فيه سندا يعوض ارتجاف روحه.

في تلك اللحظة، تزامن صمت الممر مع وقع خطوات مسرعة، خطوات تعرف القلق وخوف الأخ على أخته.

كان سيف يركض، أنفاسه تتلاحق، وما إن وقع بصره على صديقه حتى أسرع إليه، وقد سبق صوته ملامحه المرتبكة:

"كيف حالها؟ ماذا حدث لأختي روانس؟"

رفع روانس بصره إليه، وعيناه مثقلتان بالخوف، وصدره يعلو ويهبط كمن كابد عاصفة.

نظر إلى صديقه الذي كان يلهث، وزوجته تقف خلفه بوجه شاحب ثم أعاد بصره للباب، وقال بصوت خافت مكسور:

"لا أعلم... إنها في الداخل الآن، والطبيبة تفحصها"

زفر سيف أنفاسه زفرة طويلة، كأنها تحمل عن صدره بعض ما تراكم فيه، ثم ابتعد هو الآخر ليسند ظهره إلى الحائط، محاذيا لروانس، صامتين يجمعهما القلق وتفرقهما الأفكار.

اقتربت هالة من زوجها، وقفت إلى جانبه، تضع يدها على ذراعه في صمت تواسيه وتواسي نفسها، علّ لمستها تخفف وطأة الانتظار.

ساد الممر صمت ثقيل، لا يقطعه إلا صوت ساعة بعيدة، ودقات قلوب متوترة، وأبصار معلقة بباب مغلق، خلفه تكتب أقدار لا يعلمها إلا الله.

وفي تلك اللحظات، كان الانتظار أقسى من أي خبر، وكان الدعاء وحده يتسلل خفية من بين الشفاه المرتجفة.

مرَّت اللحظات عليهم ثِقالا، كأن عقارب الساعة قد علقت في صدورهم لا في جدار الممر، وكل ثانية تمضي كانت تضاعف القلق وتنهش الطمأنينة نهشا.

ثلاثة قلوب واقفة عند باب واحد..زوج ينتظر خبر يرد روحه..أخ ينتظر نصف روحه..وصديقة تنتظر رفيقة الروح، تتشبث قلوبهم برجاء صامت، تنتظر أن يخرج منه الخبر... أي خبر، ما دام يبدد هذا الاضطراب.

وما هي إلا لحظات حتى انفرج الباب أخيرا، وخرجت منه الطبيبة، رافعة رأسها بثبات وهدوء، وعلى ثغرها ابتسامة خفيفة تشبه بشرى مطمئنة.

اقتربت منهم على مهل، تاركة بينهما مسافة قصيرة، تتأمل الوجوه المتلهفة، وتلاحظ غض الرجال لأبصارهم عنها، فزاد ذلك ابتسامتها لطفا.

قالت بصوت هادئ رخيم:

"هي بخير، والحمد لله، يبدو أن ضغطها كان منخفضا، مع انخفاض في سكر الدم أيضا...

الأغلب أنها لا تتناول طعامها كما ينبغي.

أخذنا عينة دم لتحليلها، ويمكنكم الدخول إليها الآن، لقد أفاقت، وسننهي الإجراءات بعد ذلك"

كأن الكلمات سقطت عليهم غيثا بعد جفاف طويل، أومأ الثلاثة في آن واحد، وارتسمت على ملامحهم راحة مكتومة، بينما انسحبت الطبيبة بهدوء، تاركة خلفها قلوبا بدأت تستعيد إيقاعها.

قال سيف، وهو يعدل وقفته:

"سأذهب لأشتري لها شيئا تأكله... ادخل أنت عندها يا أخي"

أومأ روانس بصمت، متجها نحو الغرفة، بينما غادر سيف وهالة إلى الأسفل، حيث كافيتيريا المشفى.

وقف روانس أمام الباب لحظة، كأنه يستجمع أنفاسه ويهيّئ قلبه للقاء، ثم مد يده وفتح الباب.

دخل، فرأى الممرضة تنهي تعليق المحلول في ذراعها، وما إن مرت بجانبه حتى انسحبت خارجة، تاركة المكان لسكون حميم.

اقترب بخطوات خفيفة، حتى تلك التي رفعت رأسها ببطء، وما إن وقعت عيناها على هيئته حتى تمتمت بصوت واهن متعب، لكنه دافئ:

"روانس... أهذا أنت يا مستقري؟"

همهم بصوت خافت، وتقدم حتى بلغها، فانحنى وقبل أعلى جبينها قبلة مفعمة بالقلق والاطمئنان في آن واحد، ثم مد يده يمسد شعرها الأسود المنسدل على كتفيها، بعدما أُزيل عنها الحجاب والنقاب خاصتها لتتنفس بشكل جيد.

قال بصوت انساب رقيقا:

"أقلقتني عليكِ يا وتيني... حمدا لله على سلامتك"

ابتسمت ابتسامة باهتة، لكنها صادقة، وهو يجلس إلى جوارها على حافة السرير، وقالت:

"أنا آسفة... لم أكن أريد أن أقلقك"

نفى برأسه، ونبرته تحمل حزم المحب وحنانه:

"لا تعتذري... فقط لا تعيدي ذلك، اهتمّي بطعامك، فقلبي لا يحتمل رؤيتك على هذه الحال"

أومأت بطاعة هادئة، وتزامن ذلك مع إغماض عينيها قليلا، حين شعرت به يقترب مرة أخرى، يزيح خصلة شعر شاردة عن وجهها، ويطبع قبلة أخرى على جبينها، كأنه يختم بها دعاءه.

اعتدل في جلسته وقال:

"سيف وصديقتك هنا،... لحقني ما إن أخبرته زوجته"

أومأت ميس برأسها، وقالت بصوت خفيض:

"لا بد أنهما قلقا... أين هما الآن؟"

وضع كفه فوق يدها الموصولة بالمحلول، وكأنه يمد الطمأنينة عبر اللمس، وقال:

"ذهبا ليحضرا لك شيئا تأكلينه"

وما إن أنهى عبارته حتى سُمع طرق خفيف على الباب، فقال:

"تفضل بالدخول.. "

انفتح الباب، وطلّ منه سيف، يتلفت إلى الداخل، فوقعت عيناه أولا على روانس، ثم على وجه أخته الشاحب قليلا.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة، حملت كثيرا من القلق وكثيرا من الحب، فردت عليه بابتسامة خافتة، لكنها مطمئنة... كأنها تقول له، أنا بخير الآن، فلا تخف.

اقترب منها وسكينة القلق لا تزال مخيمة على ملامحه، وهالة تقف خلفه تراقب المشهد بصمت مثقل.

نهض روانس من مكانه وقد استجمع هدوءه، وقال بصوت حانٍ وهو ينظر لزوجته:

"سأُجري مكالمة هاتفية وأعود"

أومأت له برأسها دون أن تنطق، فانسحب بهدوء. وفي اللحظة ذاتها تقدم سيف خطوة، كأن الأرض تقوده إليها.

انحنى عليها، وطبع قبلة دافئة على جبينها، ثم مرت يده برفق على وجنتها التي بدأت تستعيد لونها قليلا، وقال بصوت خافت امتزج فيه العتاب بالخوف:

"أقلقتِ قلبي عليكِ يا صغيرتي... أخبريني، أأنت بخير؟ أتشعرين بألم في جسدك، أو وهنٍ ينهش قواك؟"

هزت رأسها نفيا، ونظرت إليه بعينين حاولتا أن تكونا مطمئنتين، وقالت بنبرة لينة:

"أنا بخير الآن يا أخي، فلا تُحمّل قلبك ما لا طاقة له به، ولا تقلق"

ثم التفتت بوجهها نحو هالة، فارتسمت على شفتيها ابتسامة واهنة، لم تلبث أن اختفت حين اندفعت هالة نحوها تعانقها عناقا صادقا، وكأنها تضم روحها قبل جسدها، وقالت بصوت تخالطه رجفة:

"إياكِ أن تُكرري هذا مرة أخرى... وإذا سألتك إن كنتِ بخير أم لا، فقولي الحقيقة، لا تُجمّلي الألم ولا تخفِيه كاليوم"

انفلتت من شفتي ميس ضحكة خفيفة، وشاركها سيف ابتسامة ممتنة لوجود صديقة مثلها لأخته وممتنا أكثر لأنها زوجته، وهو يضع ما كان بيده على الطاولة الجانبية.

ثم قالت ميس محاولة أن تبدد مخاوفهما:

"صدقا، أنا بخير يا هالة، لا تخافي مجرد نزول في الضغط لا غير"

ربت سيف على ظهر زوجته بحنان، وأجلسها على الكرسي القريب، ثم عاد ليجلس إلى جوار أخته.

أمسك يدها بين كفيه، وضغط عليها ضغطا خفيفا، وقال بنبرة غلبت عليها الجدية والاهتمام:

"ولِمَ لا تأكلين طعامك كما اعتدت؟ أهناك ما يشغل بالك، أو أمرٌ أثقل صدرك؟"

نفت بحركة بطيئة، وقالت بصوتٍ خفيض كأنه يخرج من بين أنفاسٍ متعبة:

"لا... لا شيء يشغلني، ولكن نفسي لا تميل إلى الطعام هذه الأيام، ولا أدري لِمَ يحدث هذا"

تنفس سيف بعمق، وزفر زفرة طويلة كأنها تحمل قلقه كلّه، ثم قال وهو يحمل الكيس الذي يحوي على الطعام :

"حسنا... سنعرف الحقيقة من الطبيبة حين تنتهي التحاليل، ولكل أمر أجل، ولكل غموض بيان، والآن تناولي القليل من الأكل ليعود ضغطك كما كان"

مرت الدقائق بطيئة كأنها تُقاس بنبض القلوب لا بعقارب الساعات، حتى فرغت ميساء من طعامها على مهل، وكأن كل لقمة كانت امتحانا لصبر جسد أنهكه الوهن.

ما إن وضعت الملعقة جانبا حتى انتبهت هالة إلى طرق خفيف على الباب، فنهضت في هدوء تتجه نحو الأريكة البعيدة عن السرير، تجلس عليها محافظة على مسافة تليق بالمقام والحياء.

أشار سيف للطارق بالإذن، فانفتح الباب ليطل منه روانس، بملامح جمعت بين القلق المخبأ والرجاء الصامت.

دخل بخطوات مترددة، كأن الأرض تخونه تحت قدميه، وعيناه لا تفارقان تلك المسجّاة على السرير.

وقف سيف إلى جوار الأريكة حيث جلست زوجته، في صمت، بينما اتجه روانس مباشرة إلى ميساء، لا يملك إلا أن تسبقه روحه قبل جسده.

وما إن جلس على الكرسي القريب منها حتى مال قليلا نحوها، وصوته يخرج خافتا:

"هل أنت بخير؟... هل تجدين في نفسك تحسنا؟"

رفعت ميساء عينيها إليه، وفي نظرتها شيء من الطمأنينة.

أومأت برأسها برفق، ثم قالت بصوت ثابت:

"لا أشعر بالوهن الآن... أنا بخير، يبدو أن ضغطي قد عاد إلى موضعه"

زفر روانس أنفاسه زفرة طويلة، كأن صدره كان محبوسا منذ ساعات لا يسمح له بالهواء.

لاحظ محاولتها الجلوس، فسارع إليها، ومد يديه بحذر كأنها شيء ثمين يخشى أن ينكسر.

رفع ظهر السرير قليلا، وعدل الوسادة خلفها بعناية بالغة، بينما اعتدلت هي مستندة إليها، في مشهد صامت يتكلم فيه الفعل أكثر من الكلام.

وفي تلك اللحظة، انفتح الباب من جديد، ودخلت الطبيبة بخطوات واثقة، وعيناها مثبتتان على الورقة بين يديها، ورقة التحاليل التي تحمل بين سطورها ما سيبدل وجوه الحاضرين، أو يثقل قلوبهم، أو يسكب فيها فرحا ممزوجا بالدهشة.

رفعت الطبيبة رأسها أخيرا، فمر بصرها عليهم جميعا في نظرة جامعة، كأنها تجمع أنفاس الغرفة قبل أن تُطلِق الكلمة الأولى.

سكن المكان سكونا عجيبا، حتى بدا الهواء نفسه معلقا بين الجدران، ينتظر ما سيقال، ويتوجس مما سيقال.

تقدمت خطوة أخرى حتى غدت قريبة من السرير، ثم رفعت بصرها إلى ميساء، فابتسمت لها ابتسامة خفيفة، لا هي بالغامرة ولا بالباردة، ابتسامة من يعرف شيئا لم يفصح عنه بعد.

بادلتها ميساء ابتسامة واهنة، مشوبة بالحذر، ثم انزلقت عيناها تلقائيا نحو روانس، فوجدته ينظر إليها نظرة لا تخلو من قلق عميق، ولا تخلو من حبٍّ يكاد يُرى.

أعادت ميساء بصرها إلى الطبيبة، وقلبها يخفق على غير عادته، فبدأت الطبيبة حديثها بصوت هادئ، رصين، كمن يزن كلماته قبل أن يطلقها:

"سيدة ميساء... سبب الإغماء الذي أصابكِ كان هبوطا حادًّا في ضغط الدم ونسبة السّكر، وذلك بحسب ما ظهر لنا نتيجة إهمالكِ للطعام في هذه الفترة"

انقبض وجه سيف، وارتفع حاجبه لا شعوريا، بينما شد على يد زوجته التي كانت تستند إلى الأريكة، أما هالة، فقد عقدت حاجبيها بقلق ظاهر، وسكن قلبها ظنٌّ ثقيل بأن خلف الكلمات أمرا أعظم.

سكتت الطبيبة لحظة قصيرة، لحظة بدت أطول من عمر كامل، ثم تابعت، وقد تغير نبر صوتها قليلا، كأنها تمهد لما هو آت:

"لكن... هناك سبب آخر"

في تلك اللحظة، قبض روانس على يد زوجته قبضا خفيفا، لا هو بالقوي ولا بالضعيف، إنما قبضة انتظارٍ وخوف وترقب.

لم ينبس أحد بكلمة، وكأن الجميع اتفقوا صمتا على أن يتركوا للطبيبة وحدها حق الكلام.

رفعت الطبيبة عينيها من الورقة التي بين يديها، ونظرت مباشرة إلى ميساء، ثم إلى روانس، وقالت بنبرة أوضح، حاسمة، لا تحتمل التأويل:

"السبب الرئيسي... أن السيدة حامل، في شهرها الأول"

لم تسقط الكلمات دفعة واحدة، بل نزلت على القلوب

نزول المطر على أرض عطشى. اتسعت عينا ميساء، وتجمد الزمن عند رمشها، كأنها لم تستوعب اللفظ بعد.

روانس شهق شهقة مكتومة، وكأن صدره نسي كيف يتنفس، ثم شد على يدها أكثر، لا ليثبت نفسه، بل ليتأكد أنها هنا... حقيقة لا حلما.

سيف فتح فمه قليلا، وقد اختلطت في عينيه الدهشة بالفرح، بينما انفرج وجه هالة ببطء، وتبدل عبوسها إلى نظرة مبهوتة، تسبق ابتسامة مرتعشة لم تولد بعد.

أما ميساء، فبقيت صامتة، وقد تجمعت الدموع في عينيها دون أن تنساب، دموع فرحٍ ثقيل، فرحٍ يفوق الوصف، كأن قلبها لم يُهيّأ بعد لحمل هذا النبأ العظيم.

وقف روانس فجأة، وقفة أربكت المكان ومن فيه، حتى ميس نفسها.

كأن الأرض قد مالت تحته، فحدق في زوجته لا يجرؤ على رفع بصره، وصوته خرج مرتعشا، هشّا، كصوت طفل فُوجئ بما يفوق احتماله:

"قوليها... أعيديها مرةً أخرى، رجاءً... ولكن على مهل"

أعادتها الممرضة، بصوتٍ مهنيٍّ رتيب و إبتسامة، ثم انسحبت في صمت، كأنها أدركت أن الغرفة لم تعد تحتمل شاهدا آخر.

ثانية...ثانيتان...ثلاث...

ثم لم يجلس،بل انهار.

هوى على الكرسي كما ينهار الجندي بعد معركة طويلة،

كفّاه غطتا وجهه، وصدره أخذ يرتفع ويهبط بعنف، ثم... ضحك.

ضحك طويلا، ضحكا فلت من القيود، ضحك من خرج لتوّه من قاع الغرق، من كان قاب قوسين من اليأس ثم سُحب فجأة إلى ضوء النجاة.

قال بين شهقاته وضحكه، وصوته يختلط بالبكاء:

"يا رب... ما كنت أطلب سوى ألا يمسّها أذى... فقط هذا... الحمد لك، الحمد لك يا الله"

انفجر صوت ميس، مرتجفا، مذعورا من هذا الفرح المفاجئ:

"روانس؟... مستقري؟'

رفع رأسه، وكان يبكي.

بكاء صريحا، عاريا من أي خجل، دموعه تنحدر على وجنتيه وهو يبتسم، وكأن قلبه لم يعرف كيف يختار بين الفرح والبكاء، فاختارهما معا لحظة وهبط علىالأرض ساجدا يشكر ربه على هذه النعمة للحظات ظل هكذا ثم نهض.

مدّ يده إلى يد ميساء وقال بصوت مبحوح، مغمور بالحب:

" خفتُ عليكِ حدّ أن نسيت أن الله أرحم بي منكِ"

انهار بكاؤها فجأة، بكاء قويا مباغتا، خرج من أعماق جسد أرهقه القلق ولم يحتمل الفرح حين جاء أخيرا.

قالت وهي تضحك وتبكي معا، تتعثر الكلمات في فمها: "أنا؟... أمّ؟!روانس... أنت ستصبح أبًا!"

قال فورا، دون تفكير، دون تردد، بصوت يرتجف لكنه ثابت الإيمان:

"نعم... سنصبح والدين... أبا و أما لطفل صغير يجمعنا"

في تلك اللحظة، تقدم سيف من أخته.. لم يتكلم، لم يبتسم، كأن الكلمات خانته كما خانت الجميع.

انحنى فجأة، وضمها إلى صدره، قبل جبينها قبلة مبللة بالدموع، وقال بصوت مكسور من شدة الامتنان:

"الحمد لله... الحمد لله الذي عوضك يا صغيرتي... ستصبحين أمّا... وسأصبح خالا"

ثم ضحك، ضحكة رجل حاول أن يبقى صلبا طويلا، فلم يستطع أمام هذا الفيض.

وضعت زوجته يدها على كتفه، وهي تضحك وتبكي في آنٍ واحد، وقالت بنبرة تجمع السخرية والحنان:

"العائلة كلها انهارت... ولم يبقَ صامدا إلا الطفل الذي لم يولد بعد"

ثم استدارت نحو ميس، واحتضنتها بقوة، وقالت بابتسامة يغمرها الدمع:

"مبارك يا رفيقتي... ستصبحين أجمل أم"

وأضافت وهي تمسح دموعها تبتعد للعودة للأريكة جالسة:

"أشهد أن هذه... أجمل فوضى حضرتها في حياتي"

اقترب روانس، انحنى، قبّل جبين ميس قبلة وعدٍ لا قبلة تهنئة، وهمس وهو يرتجف:

"أعدك... لن يعرف هذا الطفل الخوف، لقد خفنا عنه بما يكفي... قبل أن يأتي"

ضحكت ميس وسط دموعها، وقالت بصوت مبحوح: "يبدو أنه دخل حياتنا وهو يربك الجميع"

رد سيف وهو يمسح وجهه ويضحك:

"تعودوا... هذا من دمنا"

لم يكن الفرح هادئا، لم يكن مهذبا ولا منظما.

كان جارفا، صادقا، فوضويا كالمطر الأول.

فرحا أسقطهم جميعا...ثم تركهم ينهضون،

وقد صاروا... أشد حياة.

................

كان المجلس هادئا على سجيّته، تغشاه أُلفةٌ لا تُصطنع، إذ جلس أسيد في صالة البيت قبالة السيّد مصطفى، والد زوجته، يتبادلان أطراف الحديث.

دار الكلام بينهما حول شؤون العمل، وما يثقل كواهل الرجال من هموم السعي ومسؤولية الكسب، تتخلله وقفات صامتة تغني عن الكلام، وكأن السكينة نفسها تشاركهما الجلوس.

لم يكن قد جاء وحده، بل رافق زوجته في زيارةٍ لم يُخططا لطولها، غير أن إلحاح والدة ليا وزوجها، ودفء الدعوة الصادقة، جعلا الاعتذار أمرا عسيرا، فاستسلما للبقاء على العشاء.

وهكذا، مضت اللحظات هادئة، حتى شُقّ سكون البيت بصوت طرقٍ خفيفٍ على الباب الخارجي.

ما إن انتبه الجميع للصوت حتى نهضت ليا مسرعة، وقالت بصوت مرتفعٍ قليلا ليصل إلى والدها:

"أنا سأفتح يا أبي، لا داعي لأن تنهض"

توجهت بخطوات متعجلة نحو الباب، وما إن فتحته حتى فوجئت بأخيها يقف أمامها وإلى جانبه زوجته.

انفرجت أساريرها، واتسعت ابتسامتها حتى كادت تفيض، فألقت بنفسها في حضنه تعانقه قائلة:

"لم أتوقع مجيئكما... أهلًا بكما"

ابتسم روانس وربت على ظهرها بحنانٍ أخوي مألوف، ثم ترك المجال لتعانق ميساء، التي بادرتها بابتسامة دافئة وقالت:

"كنا سنهمّ بالذهاب إلى بيتكم، لكن وجودكم هنا وفر علينا العناء"

استوقف كلامها ليا لحظة، فبدت عليها أمارات الاستغراب، غير أنها لم تُعلق، واكتفت بإيماءة، تدعوهما للدخول.

ما إن وطئت أقدامهما الصالة حتى لمح أسيد أخته، فنهض على الفور، وكأن، اقتربت منه وعانقته، وقالت بصوت يحمل من الود أكثر مما يحمل من الكلمات:

"أهلا بك يا أخي، كيف حالك؟"

ابتسم وهو يمسح على ظهرها بحنو مازحا:

"بخير يا مشعوذة"

كشّرت بغضب مصطنع، ثم ابتعدت عنه متجهة إلى والد زوجها. كان روانس قد سبقها بالسلام عليه عائدا ليسلم على صديقه، أقتربت ترى ليا عادت للمطبخ فقبلت رأسه أولا ثم عانقته، وقالت بنبرة يغلفها البر:

"كيف حالك يا أبي؟ عساك بصحة وعافية"

ابتسم السيد مصطفى، وربت على ظهرها، ثم أبعدها قليلا وقبل جبينها بحنان الأب وقال:

"بخير والحمد لله يا ابنتي، وأنتِ كيف أحوالك؟"

أجابته بهزة رأسٍ مطمئنة:

"بخير... أين أمي؟"

أشار بوجهه نحو المطبخ، عندها خلعت عباءتها وقفازيها بهدوء مع نقابها، ووضعتهما جانبا، ثم نظرت إلى زوجها نظرة سريعة تحمل ألف معنى، قبل أن تتجه نحو المطبخ.

وما إن دخلته حتى قالت بصوت يفيض حنانا:

"أمي، كيف حالك؟"

ابتسمت والدة زوجها بحب، واحتضنتها كما تحتضن الأم ابنتها، وقالت:

"بخير يا ابنتي، وبأفضل حال كيف حالك وحال ولدي"

أومأت ميساء، تزمانا مع دخول روانس يقترب ماعنقا إياها قائلا:

"بخير يا تاج رأسي.. عسى أن تبقي بخير دائما"

إبتسمت الأم تقبل وجنته بينما هو عاد بعدها للرجال.

نطقت ميساء بعد سكون وهي تطالع ليا الجالسة على الطاولة

"هل أساعدكم في شيء؟"

نظرت إليها الأم مبتسمة، وقالت بنبرةٍ يمازجها العتب الظريف:

"تساعدي مع ليا في ترتيب المائدة، تلك الفتاة لم تفعل شيئًا يُذكر"

رفعت ليا حاجبها محتجة:

"وما ذنبي أنا؟ لقد قلت لك إن زوجي منعني من دخول المطبخ"

هزّت أمّها رأسها مبتسمة، وقالت مستفزة:

"وبالطبع سيمنعك، بعد ما أحدثتِه من كوارث .. ألا أعرف إبنتي و إتقانها للطبخ"

عندها انفجرت ميساء ضاحكة، وامتزج صوت ضحكها برنين الصحون وهمسات الأحاديث، بينما انشغلن جميعا بإعداد المائدة، في مشهد بسيطٍ، لكنه دافئ، تكتمل فيه العائلة كما تكتمل القصائد في لحظة صدق.

مضت ساعة وقد فرغوا من العشاء، واستقرّ بهم المجلس في الصالة، يسود المكان هدوء دافئ لا يقطعه إلا همس الأحاديث الخفيفة وأنفاس الطمأنينة بعد يوم طويل.

كان روانس يجلس حِذاءَ ميس، كتفًا إلى كتف، وكأن القرب بينهما ضرورة لا اختيار، بينما اتخذ الوالدان مكانهما على الأريكة المقابلة، ملامحهما وادعة، يغمرهما رضا المساء.

وعلى الأريكة الجانبية جلس أسيد، متكئا بصمت متأمل، في حين كانت ليا إلى طرف الأريكة، تعبث بهاتفها بين حين وآخر، شاردة، لا تدري أن قلبها على موعد مع دهشةٍ تسرق الأنفاس.

وفجأة، قطع روانس سكون اللحظة، بصوتٍ هادئ لكنه مشحون بشيء خفيّ، شيء جعل العيون تلتفت نحوه دفعة واحدة:

"لقد جئتُ أنا وميس لنخبركم بأمرٍ... بعد أن مررنا على والديها"

تبادلت الوجوه نظرات الاستغراب، وارتفع حاجبا أسيد وليا في آن واحد، حركة واحدة كأنها مرآة، بينما شد روانس على يد ميس، فابتسمت تلك الابتسامة التي لا تخطئها القلوب، ابتسامة من يحمل سرّا كبيرا ويخشاه كما يفرح به.

مرت عيناها على الجميع، ثم قال روانس بصوت امتزج فيه الفرح بخشوع اللحظة:

"باركوا لنا... ستزداد عائلتنا فردًا جديدًا. ميساء... حامل"

لم تكد كلماته تستقر في الهواء حتى تغير كل شيء. نهض الوالدان معا، كأن الفرح دفعهما من مقعديهما دفعة واحدة.

احتضن الأب ابنه بذراعين غمرهما الامتنان، بينما أسرعت الأم إلى ميس، تضمها إلى صدرها وكأنها تضم الحلم ذاته.

تعالت كلمات التهاني، صادقة، دافئة:

"مبارك لكما يا عزيزينا، ستغدوان بإذن الله أجمل والدين"

ثم قالت الأم، وعيناها تلمعان بدمعة فرِحة، وصوتها يرتجف شوقا لمن في رحم كنتها:

"سأصبح جدّة... وأخيرًا... يا لِسعادتي بهذا الخبر"

ولم تكد تُتمّ عبارتها حتى انشق الهدوء بصيحة عالية من الجهة الأخرى.

صراخ فرِح، طفولي، صادق، التفت الجميع، فإذا بأسيد وليا قد التقيا في عناق عفويّ، يقفزان في مكانهما كأن الأرض ضاقت عن حمل فرحهما، وكل منهما يردد بصوت يسبق ضحكته:

"سأصبح خالا! سأصبح خالا!"

"وسأصبح عمّة! سأصبح عمّة!"

اندفع أسيد نحو أخته بخطوات واثقة، ورأسه مرفوع، وعيناه تشعّان بين الجدية المستعارة والمرح الخفي الذي لا يغيب عن محياه، وكأن قلبه ينبض بسرعة ليفصح عن سرٍّ دفين لا يطيق صمته.

وقفت ميساء أمامه، يراقبها لحظة طويلة، كما يراقب العصفور طيرانه الأول، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة ثم ضمها إلى صدره، وصوت مهيب يخرج منه وكأنه صدى قصيدة، وهو يقول:

"ميساء... أختي الغالية، أبارك لكِ هذا الحمل المبارك، وأسأل الله أن يتمّه عليكِ بخير وصلاح"

ثم إبتعد و مال نحوها قليلا، وخفض صوته في همس يمزج بين المبالغة والدعابة، مشيرا إلى بطنها المكلل بالحياة:

"ولكن اسمحي لي أن أنوّه رسميًا... هذا الجنين سيحظى بأفضل خالٍ في التاريخ، فلا بد أن يعتاد على عظمته منذ نعومة أظفاره"

ضحكت ميساء ضحكة عذبة، امتزج فيها الدهشة والسرور، فتوجه أسيد إلى روانس، وربت على كتفه برفق يظهر الاحترام المزخرف بالمرح، وقال بنبرة مزيّنة بالتهكم الطريف:

"وأنت يا روانس، مباركٌ لك الأب القادم، لقد أصبحت مسؤوليتك عظيمة، ولكن لا تقلق... سأعلمه أنا كل ما لا ينبغي أن يتعلمه منك"

ثم تقدمت ليا بخطواتها الرشيقة، وعقدت ذراعيها بعزم واثق، وعينها تتوهج بحنان، فقالت بصوت صاف، يشبه صوت النسيم العليل في صباح ربيعي:

"مبارك لكما، وأسأل الله أن يرزقكما ذرية صالحة، تكون لكم نورا وفخرا"

ومالت برأسها قليلا، وأضافت بنبرة خفيفة لا تخلو من التحدي اللطيف:

"وبالمناسبة يا نبضي، لا تُعلق آمالك كثيرا... فالعمّة هي صاحبة التدليل الحقيقي، وصاحبة القرار الأخير في كل صغيرة وكبيرة"

رفع أسيد حاجبيه في مشهد يمزج بين الدهشة والمرح، وقال فورا:

"القرار الأخير؟! عفوا يا فتنتي العنيدة، هذا المنصب محفوظ للخال منذ اللحظة الأولى، فلا تتدخلوا فيه"

التفتت ليا إلى أخيها روانس، وربتت على كتفه بحنان صادق، فيما ارتسمت على وجهها ابتسامة تحمل في طياتها كل كلمات الحب والدعاء، وقالت:

"روانس..أخي، مبارك لك من القلب، كنت أخا عظيما، وأنا على يقين بأنك ستكون أبا أعظم... ودرعا يحمي هذه الروح الصغيرة من كل سوء"

ثم اقتربت من ميساء، وعانقتها بعطف حار، وهمست في أذنها بصوت يشبه خرير الماء على صخرة صامتة:

"ومبارك لكِ يا ميساء، فالأمومة في قلبك ستربك هذا البيت... جمالا وضحكا وفرحا لا يُحصى"

صفق أسيد مرة واحدة، ثم ابتسم ابتسامة عريضة، وقال بصوت يمزج بين الجدية والمزاح:

"اتفقنا إذن...سيكون هذا الطفل مدللي"

تقدم روانس، وارتسم على وجهه هدوء يخفي وراءه روحا ماكرة، تنحنح نحنحة خفيفة، ثم أعلن بصوت يبدو للوهلة الأولى جادا، لكنه يمزج في طياته السخرية الخفيفة:

"بما أنكما قد حسمتما أمر التدليل وتقاسم الأدوار... فليعلم الجميع نقطة جوهرية"

التفت إليه الجميع، فواصل وهو يشبك يديه بهدوء متأنٍ:

"أنا، وبصفتي الأب القادم، أُعلن بكل صراحة أنني لن أسمح لابني أو ابنتي بمخالطة أسيد وليا أساسا"

سادت صمتٌ خاطف بسنما ضحك مصطفى وزوجته بخفة، ثم رفع أسيد حاجبيه بدهشة مفتعلة، فيما فتحت ليا فمها للرد، لكن روانس تابع بسرعة، وهو يشير إليهما بإصبعه، وكأن كلماته صواعق تحذير خفية:

"فالنتيجة واضحة... عنادٌ مضاعف، وجرعات زائدة من الجنون، وتخطيط مبكر للتمرد"

ثم ابتسم بروح خفيفة، وقال:

"إن كان لكما هذا الشغف العميق بالأطفال، فالحل بسيط جدا... أنجبا واحدا خاصا بكما، ودعوا طفلي ينشأ بسلام بعيدًا عن فوضاكم يا سادة"

انفجر الجميع ضحكا، بينما صرخ أسيد محتجا:

"هذا ظلمٌ صريح! تريد حرمان طفلك من أعظم خال؟!"

وردت ليا بعنادها المعتاد، وقد ضمت ذراعيها:

"وأعظم عمّة؟! هذا القرار غير قابل للتنفيذ، حتى في أحلامك!"

هزّ روانس رأسه مبتسما، وقال وهو يلتفت إلى ميساء:

"هل رأيتِ؟ هذا بالضبط سبب القرار... أتريدان جعل إبني كتلة عناد أم ماذا.. ثم هو لم يولد بعد و أنتم تخططون لكل هذا"

ضحكت ميساء حتى كادت دموع الفرح تنساب على خديها، وعاد البيت يزدان بمرح صادق، حتى أدرك الجميع أن هذا الطفل، وإن مُنع من مخالطة أسيد وليا، فلن ينجو طويلا من جنونهما الجميل وروحهما المرحة.

امتزجت الضحكات بالدموع، وتداخلت الأصوات في نغم واحد، وتحول المجلس إلى بحر من المشاعر؛ فرح عارم، وقلوب متسعة، وأحلام صغيرة بدأت تتشكل في الأذهان قبل أن تولد.

وفي تلك اللحظة، لم يكن في الصالة مقاعد أو أريكات فقط، بل كانت أرواح عائلة واحدة، متشابكة، تجتمع حول نبأ واحد... حياة جديدة تشق طريقها نحو النور، محملة بالحب، والمرح، والأمل الذي لا يذبل.

...................

ومضت الأيام تمضي على مهلٍ، كأن الزمان رقَّ قلبه لهم، حتى انقضى شهر كامل، كان أشبه بواحة سكون في صحراء التعب، شهر تهادت فيه الطمأنينة على الأرواح، واستقرت الراحة في القلوب، كأن الله ألقى عليهم سكينة من عنده، فغشيتهم، وأظلّتهم، وربّتت على خواطرهم المتعبة.

أما سيف وهالة، فقد خطوا في ذلك الشهر خطى واثقة نحو بعضهما، يتعرف كل منهما على تضاريس روح الآخر، ويتلمس ملامح شخصيته بصدق وروية.

ومع الأيام، أخذ الخوف الذي كان يسكن قلب هالة من الفقدان وغيرها من أمور يذوب شيئا فشيئا، لا قهرا ولا عنفا، بل بدفء حضوره، وبثبات دعمه، وبكلمات كان يقولها في مواضعها، فتصيب قلبها إصابة الدواء. حتى غدت تطمئن إليه كما يطمئن الغصن إلى جذعه، لا خوف من الريح ما دام الأصل ثابتا.

وأما روانس وميس، فقد باتت أيامهما تدور في فلك جديد، فلك اسمه الحمل، ذاك الضيف المبارك الذي بدأ يعلن عن نفسه بأعراضه المتقلبة، حتى صارت ميس تتوحم كثيرا، وبغرائب لا تخطر على قلب بشر.

كانت شهيتها تنقلب بين ساعة وأخرى، تطلب ما لا يطلب، وتشتهي ما لا يُشتهى، وكأن جسدها يخوض ثورة صامتة لا سلطان لها عليها.

وذات مرة، خرج روانس إلى السوق يقضي حاجتهما، فما خطر بباله أن يعود ليشهد مشهدا يكاد يعصف بعقله.

فقد كانت ميس، حين عاد، جالسة على كرسي المطبخ، بهدوء تام، كأن ما تفعله أمر مألوف لا غرابة فيه.

أمامها صحن من البطاطا النيئة المقشرة المقطعة شرائح رقيقة، وصحن آخر من الليمون، تعصره على تلك الشرائح الخضراء النيئة، ثم تأكلها بشهية عجيبة، بل بتلذذ كأنها تتناول أطايب الدنيا وأشهى ما خُلِق للأفواه.

وقف روانس لحظة لا يجد جوابا، وحدق بالمشهد وعقله يكاد يتشظّى من هوله، يتساءل في صمت: أحقّا ما تراه عيناي؟ لكنه، بعد أن زفر زفرة طويلة، ابتسم ابتسامة المستسلم، وقال في نفسه: "إنه الوَحَم... آخ منه آخ".

واقترب منها بحنان بالغ، لا إنكار ولا لوم، فقد أدرك أن في هذا الجنون المؤقت بركةً تُحمل بين ضلوعها.

وأما ليا وأسيد، فلم يتبدل شأنهما كثيرا؛ فما زال العناد سيد المشهد بينهما، عناد يقابله عناد، وكأن كلا منهما مرآة الآخر، ثم لا يلبث ذلك العناد أن ينقلب مرحا، وضحكا، ومواقف لا تخلو من عبث محبب.

ورغم كل ما بينهما من شد وجذب، لا يملك الناظر إليهما إلا أن يقر في قرارة نفسه بأنهما خلِقا ليلتقيا، وأن الأرواح إذا تعارفت تآلفت، وإن تشاكست الألسنة وتخاصمت الطباع.

وهكذا انقضى ذلك الشهر، لا ضجيج فيه ولا عواصف، شهر امتلأ بتغيراتٍ صغيرة في ظاهرها، عظيمة في أثرها، رسمت ملامح مستقبل يتشكل بهدوء...

وتكتب فصوله الأيام القادمة.

...............

كانت جالسة على أرضية الصالون، ساكنة سكون من انقطع عن العالم، تحدق في نقطة واهنة على السجاد كأنها تختصر الكون كلّه.

الليل قد أرخى سدوله، والساعة تقترب من الثامنة مساء، حين كانت قد ألحت على أسيد أن يخرج ليقضي بعض الحوائج.

فخرج مطمئنّا، لا يعلم أن قلب البيت كان يخفق اضطرابا.

مر أولا إلى صلاة العشاء، كعادته التي لا يحيد عنها، ثم قصد المتجر ليشتري ما طلبته، غير مدرك أن خلف الجدران روحا كانت تتشكل على مهل.

أما هي... فكان صمتها ثقيلا، صمتا لا يشبه الطمأنينة بل يشبه ما يسبق الانكسار.

لحظات معدودات، ثم انشق ذلك الصمت عن بكاء حاد، شهقاتٍ متلاحقة كأن صدرها يضيق بالعالم، ودموع غزيرة لم تعرف لها سببا واضحا سوى فيضان الشعور.

وفي ذروة ذلك الانهيار الصامت، فُتح الباب الخارجي، دخل أسيد، أغلق الباب خلفه بهدوء، نزع معطفه، ثم حذاءه، ووضعهما في موضعهما المعتاد.

وما إن هم بالتقدم حتى تسلل إلى سمعه صوت مبحوح، بكاء مألوف لكنه هذه المرة كان موجعا على غير العادة.

انعقد حاجباه دهشة، وتوقف قلبه لحظة،ألقى ما في يده جانبًا، وأسرع الخطى إلى الداخل يناديها بعينيه قبل صوته.

وما إن وقعت عيناه عليها حتى خُلع فؤاده من مكانه،

كانت تجلس وسط الصالون على الأرض، شعرها مبعثر قليلا، ومنامتها الزهرية تزيد المشهد هشاشة وبراءة.

يدها تغطي وجهها، ودموعها تنساب بين أصابعها بلا رحمة، جثا بجانبها مسرعا، وصوته يرتجف قلقا:

"ليا... ما بكِ يا روحي؟ لماذا تبكين؟ ماذا حدث؟ تكلمي، بالله عليكِ"

نزعت يديها عن عينيها، ونظرت إليه من بين الدموع نظرة زادت قلبه اضطرابا، مدّ يده يمسح دموعها بأنامل حانية وقال بصوت خفيض:

"قولي لي... مهما كان الأمر سنحله معا، لا تفزعيني هكذا.. إرحمي قلبي الخائف"

عقدت حاجبيها بعبوس طفولي، ثم أشارت بيد مرتجفة إلى شيء ملقى على الأرض وقالت:

"انظر... لقد... لقد..."

وخنقتها العبرة قبل أن تتم كلامها، فعادت للبكاء كأن الكلمات خانتها لتزف الخبر لصاحبه.

أدار وجهه إلى حيث أشارت، فرأى جهازا صغيرا على الأرض.

اقترب منه، التقطه بين يديه، قلبه يتخبط بالأسئلة، لم يفهم في بادئ الأمر ما هذا، حتى دقق النظر... فرأى الخطين الأحمرين الواضحين وسط الجهاز.

وفي لحظة واحدة، اتسعت الدنيا ثم ضاقت، وقفز واقفا كمن أصابته صاعقة فرح، أفلت الجهاز من يده وهو يصرخ بملء صوته:

"أنتِ حامل! حامل يا فتنتي العنيدة! أنا سأصبح أبا... أبا!"

قالت وهي تبكي وتضحك في آن واحد:

"نعم... نعم، ستصبح أبا، وأنا سأكون أما يا أسيد"

لم يحتمل قلبه تلك الكلمات. استدار إليها في لحظة، حملها بين ذراعيه وراح يدور بها في المكان، يضحك كطفل نال لعبته الأولى، يردد:

"يا إلهي... سأصبح أبًا! أبًا يا ليا! سيكون لنا طفل... طفل صغير!"

ضحكت ليا من بين دموعها على فرحته الجامحة، فوضعها برفق على الأرض، يثبت كتفيها خشية أن يغلبها الدوار.

رفع يديه إلى وجنتيها، يمسح بقايا الدموع وقال بنبرة مازحة مشوبة بالحب:

"ويحكِ يا فتنتي العنيدة، لماذا كل هذا البكاء؟ أليس هذا خبرا يفرح؟"

نظرت إليه بعبوس طريف وقالت:

"وما ذنبي أنا؟ حين رأيته أول مرة صدمت... ثم شعرت برغبةٍ عارمة في البكاء، بكاءٍ لا أستطيع دفعه هذا كله من تحت حبة العنب التي تنمو بداخلي"

ابتسم ابتسامة واسعة، وضمها إلى صدره قائلا:

"حبة عنب؟! إن كانت هذه هرمونات حمل و إن كان صاحبها هو... فيا لسعادتي بها"

ثم قبل جبينها وأضاف بخشوع وهو يضع يده على رحمها:

"الحمد لله الذي رزقنا هذا، وجعلنا نعيش هذه الفرحة... الحمد لله"

ابتسمت، وأسندت رأسها على صدره، وهمست:

"الحمد لله يا نبضي"

ساد صمت دافئ، صمت يشبه الدعاء، ثم فجأة أبعدها قليلا، شم الهواء بأنفه وقال متجهما:

"لحظة... هل هذه رائحة حريق يا ليا؟"

اتسعت عيناها إدراكا، وانتفضت:

"يا إلهي! نسيتُ القدر على الغاز!"

وانطلقت تركض نحو المطبخ، بينما لحق بها أسيد وهو يصرخ بنبرة تجمع الغضب بالحب:

"ويحكِ! ألم أقل لكِ لا تدخلي المطبخ إن لم تتعلمي الطبخ؟ ثم لا تركضي يا ليا... لا تركضي!"

وفي تلك الفوضى الصغيرة، كان الفرح أعظم من كل شيء، وكان البيت قد امتلأ بحياة جديدة قبل أن يولد ساكنها.

.......

في منزلِ سيف، حيث يأنسُ الجدار بالسكينة، وتطمئن الزوايا بذكر الله، كانت هالة جالسة على سجادتها، وقد أسدلت رداء صلاتها الأبيض كغيمة هادئة فوق جسدها.

أتمت صلاة العشاء بخشوع تام، ثم فتحت مصحفها، وبدأت وردها اليومي بصوت خفيض رخيم، ينساب في المكان كنسيم ليل بارد يحمل طمأنينة السماء إلى صدر الأرض.

كانت الآيات تخرج من شفتيها موقعة بنبرة صادقة، لا استعجال فيها ولا فتور، كأنها تناجي ربها سرا، وتبثه ما ضاق به قلبها وما اتسع له رجاؤها.

في تلك الأثناء، كان سيف قد عاد من المسجد بعد أن أدّى صلاة العشاء، ففتح الباب بهدوء، وما إن بلغ مسمعه صوت تلاوتها حتى توقف عند العتبة.

أسند كتفه إلى الباب، ووقف هناك صامتا، يراقبها بعين تفيض حبّا وفخرا.

رأى فيها أكثر من زوجة؛ رأى سكينة، ورأى وطنا، ورأى امرأة اختارها الله لتكون شريكة عمره، فحمده سرا وابتسم.

لم يقطع لحظة خشوعها، ولم يرد أن يفسد على الآيات انسجامها، فبقي حيث هو حتى ختمت، ثم أغلقت المصحف برفق، وهمت بالوقوف.

أدارت وجهها... فإذا به أمامها، شهقت شهقة حادة، وقفزت في مكانها واضعة يدها على صدرها عند القلب، وقالت بامتعاض ممزوج بالفزع:

"ويحك يا سيف! ويحك! أما كان لك أن تحدث صوتا وأنت والجٌ إلى البيت؟!"

اقترب منها بخطوات هادئة، وابتسامة دافئة لم تفارق محياه، وقال بصوت لطيف:

"مهلا يا منيتي مهلا... كنتِ تقرئين القرآن، فكيف لي أن أقطع عليكِ تلاوتك؟"

زفرت أنفاسها بعمق، ثم جلست ثانية على الأرض فوق السجادة، تضع كفها على صدرها وتهمس بنبرة لا تزال ترتجف:

"لا تعدها... كدت أن توقف قلبي يا متكئي"

جلس إلى جانبها، وضم رأسها إلى صدره، يحيطها بذراعيه كأنما يحيطها أمان الدنيا كلها وقال:

"أعتذر، ولن أفعلها ثانية، أقسم"

ابتسمت، وراحت تصغي إلى دقات قلبه، وقد استكانت بين يديه برداء صلاتها، وكأنها وجدت في صدره موضع راحة لا يضاهى.

لحظة صمت دافئة مرت، ثم سمعته يقول:

"غدا يوم تخرجكِ أنتِ وميساء... أترين نفسك متوترة؟"

هزت رأسها نفيا، ثم قالت بتردد صادق:

"ليس توترا بقدر ما هو رهبة... فكرة الوقوف على الخشبة، وإلقاء كلمة أمام الجميع... تشعرني بثقلٍ في صدري"

ابتسم، ومسح على رأسها بحنان، ثم قبله قبلة خفيفة، وقال بثقة مطمئنة:

"لا تخافي...توكلي على الله فهو حسبك ولن يضيعك، ثم سأكون هناك أمامكِ، أراكِ، وأدعمكِ، ولن تكوني وحدكِ يا منيتي"

ابتسمت بخفةٍ، وقالت وهي تنظر إليه بعين موقنة:

"أنا أثق بك، وبوجودك، يا متكئي"

ثم ضحكت ضحكة قصيرة، وأضافت:

"ثم إن التوتر الأكبر... نال من أختك اليوم في المكتبة، جلست تبكي قرابة نصف ساعة كاملة من شدة القلق، ولم تهدأ حتى جاء زوجها وقام بتهدأتها"

ضحك سيف ضحكة عارفة، وقال:

"ميس ليست ممن يبكون لمثل هذه الأمور... لكن هرمونات الحمل فعلت فعلها"

قالت وهي تضحك:

"أتفق معك تماما"

نهض سيف وهو يستقيم، ومد يده إليها قائلا بنبرة حانية:

"هيا يا هالة... الليل يمضي، وغدا يوم طويل، حافل بما يستحق أن نستقبله بقلوب مطمئنة"

نظرت إليه، وأخذت يده، وقد امتلأ قلبها امتنانا، وسارت معه، مطمئنة أنها، ما دامت بقربه، فلن تخشى رهبة ولا تعبا، وأن الغد مهما ثقل سيكون أخف حين يقاس على قلبين متساندين.

....................

كان صباح جديد قد ألقى سدوله على أرض المملكة العربية السعودية، صباح مشبع بهدوء خادع، لا يشبه ما يعتمل في الصدور.

وفي إحدى الغرف، وقف روانس أمام باب مغلق، كأنما يقف أمام قلب آثر الانطواء على نفسه.

طرق الباب طرقا خفيفا، لا يحمل قسوة الإلحاح، بل حنوّ الرجاء، وزوجته في الداخل تأبى الخروج، وقد استبد بها خوف لا يرى.

قال بصوت حاول أن يجعله مطمئنا، وإن خانته نبرة القلق:

"ميساء... يا وتيني، اخرجي، قلت لكِ إن كل شيء سيكون بخير، إنه يوم تخرج لا يوم محاكمة، وستعبرين الخشبة كما عبرت كل المراحل قبلها"

في الجهة الأخرى من الباب، كانت تنفي برأسها، ودموعها تنساب في صمت ثقيل، كأنها اعتراف بالعجز.

قالت بصوتٍ متهدّج:

"لا أريد... أنا متوترة كثيرا، خائفة، لا أستطيع الوقوف على الخشبة ولا الحديث أمام ذلك الجمع كله، أشعر أن قدمي ستخذلانني، وأن صوتي سيتلاشى"

أطلق زفرة طويلة، لا ضيقا بها، بل عجزا أمام هرمونات تعبث بثباتها، وأحس للحظة أنه يقف أمام بحرٍ هائج لا يملك له سوى الدعاء.

ثم قال، وقد لان صوته:

"أليس هو ذات الأمر الذي كنتِ تفعلينه عند إلقاء البحوث يا ميس؟ كنتِ تقفين، تتنفسين، ثم تنطلق الكلمات كأنها وُلدت معك، افتحي الباب، دعينا نتحدث"

ترددت لحظة، ثم اقتربت، ابتلعت ريقها وقد جفّ حلقها من كثرة البكاء، وفتحت الباب بيد مرتجفة، مطرقة رأسها إلى الأرض، كأنها تخشى أن يفضحها النظر.

وما إن رآها، ورأى دموعها وقد خطت طريقها على وجنتيها، حتى رقّ قلبه، ضمّها إلى صدره، وأحاطها بذراعيه، وربت على رأسها المغطّى بحجاب أبيض، وقال بنبرةٍ تحمل يقينا هادئا:

"ما كلُّ هذا الخوف؟ ألم نتفق البارحة أنكِ ستكونين شجاعة؟ ألم نقل إن ما كُتب لنا هو الخير، وإن هذا اليوم سيمر كما مر غيره، لا يزيد عليه إلا الذكرى؟"

تنفست بعمق، واستكانت بين ذراعيه، ثم قالت وهي تعانق خصره، وكأنها تستمد منه ثباتا افتقدته:

"أعلم... أعلم كل هذا. لكن التوتر ليس بيدي، والخوف يغلبني. ثم إن الصغير الذي في رحمي... هو من يثير هذا الاضطراب كله"

ضحك بخفة، ضحكة أزالت شيئا من ثقل اللحظة.

ابتعد عنها قليلا، ثم جثا على ركبتيه، مقابلا رحمها برأسه، ومسح عليه بكفه برفق، وهمس كأنه يخاطب روحا تسمع وتفهم:

"يا صغيري... أو صغيرتي، كُفَّ عن إحداث هذا الاضطراب لوالدتك لقد أرهقتها، وأنا أعجز عن تهدئتها دون مساعدتك"

ضحكت ميساء بخفة، ضحكة ممزوجة بالدمع، وقالت:

"حسنا يا مستقري... ها قد هدأت"

نهض روانس، ومسح ما تبقى من دموعها، وعدل حجابها بأنامل حريصة، ثم اتجه إلى الداخل، يحمل نقابها، وقف خلفها، وعدل موضعه برفق شديد.

قالت بصوت خجول:

"كيف أبدو؟ هل أبدو جيدةً لمثل هذا اليوم؟"

ابتسم، تناول هاتفه ومفتاحه من على السرير، ثم حمل حقيبتها ووضعها في يدها، وقال بنبرة صادقة لا تعرف المبالغة:

"تبدين فاتنة يا زوجتي... حتى وأنتِ بالحجاب والنقاب، عيناكِ التركواز وحدهما قادرتان على إغراقي"

ابتسمت من تحت نقابها، واحمر وجهها خجلا، حتى انكمشت عيناها، فتابع وهو يبتسم:

"لا تخجلي... حتى ابتسامة عينيكِ المنكمشة جميلة، ككل تفاصيلك"

قالت بخجلٍ صادق:

"روانس... توقف، سأتبخّر الآن"

أمسك يدها برفق، وجذبها خلفه بخفةٍ محببة، وقال ممازحًا:

"لن تتبخري يا وتيني... لن تتبخري... لستِ ماء، بل أنتِ نبضي، ومن النبض تُخلق الحياة....ثم تعلمين كم أن خجلك هذا محبب لي"

ثم مضى بها، لا إلى باب الغرفة فحسب، بل إلى يومٍ جديدٍ أراد الخوف أن يُعكر صفوه، فأبى الحب إلا أن يسبقه ويهزمه.

........................

في رحابِ الجامعة، وتحت سقف تلك القاعة الفسيحة ذات المدرجات الطويلة التي تشبه مدارج الحلم، انتصبت الخشبة الكبيرة في صدر المكان، كمنبر للاكتمال، وقد تزينت بطاولة الشهادات المصقولة، وخلفها اللوحة العريضة المتوسطة للجدار، كتبت عليها أسماء المتخرجات والمتخرجين، وأسماء الأساتذة الذين نثروا أعمارهم علما على مدار ثلاث سنين كاملة، ثلاث سنوات عُجنت بالتعب، وسُقيت بالصبر، حتى آن لها أن تُقطف فخرًا.

كانت القاعة لا تزال خالية، يلفها سكون مهيب، كأن الجدران تحبس أنفاسها انتظارا للحظة الامتلاء.

عند أحد الجوانب وقفت ميس إلى جوار روانس، يتبادلان حديثا خفيفا لا يخلو من توتر لطيف، توتر اللحظات التي تسبق الحصاد.

كانت عينا ميس تجولان في المكان، تلامسان المقاعد، واللوحة، والخشبة، وكأنها تستعيد في صمت كل ما مضى:

ليالي السهر، ثقل القلق، ورجفة الامتحانات.

أما روانس فكان يحاول أن يبدد ذلك الصمت بكلمات دافئة، تخفي في طياتها فخرا مكتوما.

لم يكن هالة وسيف قد وصلا بعد، إذ لا يزالان في الطريق، حين انشق السكون على وقع خطوات مألوفة.

دخلت ليا يتبعها أسيد، وما إن وقعت عيناها على ميس وروانس حتى اندفعت تركض نحوهما وتعانق أخاها وصديقتها بعاطفة صادقة، غير آبهة بشيء.

ومن خلفها تعالى صوت أسيد، يصرخ بنبرة يغلفها القلق قبل العتاب:

"قلت لكِ لا تركضي يا ليا... لا تركضي"

ابتسمت ليا، ابتسامة مشاكسة تعرف طريقها إلى قلبه، غير عابئة بعصبيته الخفيفة، بينما اقترب هو بدوره، فاحتضن صديقه روانس بحرارة الأخوة، ثم مال على أخته، يعانقها برفق بالغ، وكأنه يخشى أن يؤذيها، وقال بصوت حنون:

"كيف حالكِ، وكيف حال صغير خاله يا غاليتي؟"

أشرق وجه ميس، ومسحت بيدها على بطنها بحركةٍ لا واعية، ثم أجابت بنبرة مطمئنة:

"هو بخير، وأنا بخير والحمد لله"

ربت أسيد على ظهرها بحنان أبوي، ثم ابتعد خطوة، وفي تلك اللحظة تقدمت ليا خطوة إلى الأمام، وقد اتسعت ابتسامتها حتى غدت بشارة تمشي على قدمين، وقالت بلهفة:

"لدينا خبر لكما"

تبادل روانس وميس نظرة متسائلة، وفيما كان الفضول يسبق الكلمات، انفجر أسيد ضاحكا بخفة، ثم قال هو وزوجته معا، وكأنهما اتفقا أن يعلنا الفرح في آن واحد: "سيصبح لدينا طفلٌ صغير بعد ثمانية أشهر، إن شاء الله"

لم تحتج الكلمات إلى شرح، فقد سبقها الفرح،

اتسعت ابتسامة روانس، وجذب أخته إلى عناق قوي، وهو يقول بنبرة مازحة تخفي اعتزازا صادقا:

"مبارك يا عنيدة البيت... ستصبحين أما أخيرا، ولعلكِ تتخلين عن بعض عنادك"

ضحكت ليا، ضحكة ملأى بالحياة، فيما اتجهت ميس نحو أسيد، تعانقه بعينين لامعتين، وقالت بصوت مفعم بالصدق:

"مبارك لك يا أخي، حقا أنا سعيدة لك... سأصبح أخيرا عمّة"

ابتسم أسيد ابتسامة رجل ذاق معنى الامتداد، معنى أن يترك في الدنيا أثرا حيّا ينبض.

وفي تلك الأثناء، بدأ الطلاب يتدفقون إلى المدرج، تتبعهم عائلاتهم، تتعالى الهمسات، وتختلط الضحكات بالدموع، وتتحول القاعة شيئا فشيئا إلى بحر من الوجوه والقصص.

التفت أسيد إلى ميس، وقال بنبرةٍ هادئة:

"سنذهب للجلوس في أماكننا... حظا موفقا يا غاليتي"

رفعت ميس رأسها، وابتسمت ابتسامة تحمل شكر السنوات كلها، وأجابت:

"شكرا لك يا أخي"

وفي قلبها، كانت تدعو أن تكون هذه اللحظة بداية لا نهاية، وأن يكون هذا اليوم شاهدا على أن الصبر، مهما طال، لا بد أن يتوج فرحا.

وها هي القاعة قد امتلأت عن آخرها، بعد أن كانت قبل قليل فراغا يتخلله الصمت.

صار الهواء مثقلا بالأنفاس، وبالترقب، وبذلك الشعور الغامض الذي يسبق اللحظات الفاصلة من العمر.

وصل سيف أخيرا،. سلم عليهم واحدًا واحدًا، وقد ارتسمت على ملامحه طمأنينة هادئة بعد تلقي خبر حمل زوجة أخيه فرحا بالفرد الجديد الذي سيصبح له عما.

اتجه ليجلس إلى جوار زوجته، فيما كانت العائلة كلها قد اكتملت، كأن هذا اليوم أبى أن ينقصه وجه أو قلب.

كان الجلوس في الصف الأول، صف الشهود على الحلم حين يكتمل.

جلس سيف، وإلى جانبه زوجته، وعلى يسارها والدتها، ثم ليا وأسيد، وبجوار أسيد جلس والدا ليا، تتجاور في أعينهم مشاعر الفخر والدعاء.

أما من جهة سيف الأخرى، فقد جلست ميس إلى جانب روانس، تلامس كفه كأنها تستمد منه سكينة خفية، وبجوارهما جلس والدا ميساء، تتوسطهما الصغيرة نور، تنظر حولها بعينين بريئتين، تشعر بفرحٍ عارم يفيض في المكان.

كان الجميع حاضرا، حضور أجساد وقلوب، وكأن هذا الصف الأول اختصر فيه تاريخ العائلة كله.

وبرغم الامتلاء، كان التوتر سيد اللحظة، يظهر جليا على الوجوه، في العيون التي تترقب، وفي الأيدي التي تتشابك خفية.

وحدها ليا بدت مختلفة، فقد تخرجت قبل أسبوع من كلية إدارة الأعمال، ومع ذلك لم تفارقها تلك الرجفة الخفية التي تزور الإنسان كلما وقف على أعتاب إنجاز عظيم.

هي تعرف التوتر، نعم، لكنها تعرف أكثر كيف تخفيه، كيف تطوعه حتى لا يخذلها.

يوم تخرجها، وقفت شامخة، وألقت كلمتها بثبات يحسدها عليه الكثيرون، شكرت عائلتها، وخصت زوجها بكلمات خرجت من القلب فعادت إليه أضعافا.

غير أن أسيد، بطريقته المعتادة، أبقى في قلبها باب انتظار مفتوحا، إذ أخبرها يومها أن هديتها ستكون مع هدايا روانس وسيف لزوجاتهن، فظلت منذ ذلك الحين تترقب، يختلط فضولها بالفرح، وتنتظر بفارغ الصبر أن تعرف ما الذي خُبئ لها.

وعادت القاعة، في هذه اللحظة، إلى الصمت النسبي، حين صعد المدير إلى المنصة. بدأت مراسم التخرج بكلمته، كلمة مثقلة بالمعاني، تحدث فيها عن الجد والاجتهاد، وعن جيل يودع مقاعد الدراسة ليواجه الحياة بعلم وحلم.

تلاه بعض الأساتذة، أولئك الذين لم يكونوا مجرد معلمين، بل شهودا على تعب السنوات، وصناعا لجزء من هذا الإنجاز.

كانت ميس تستمع، وقلبها يخفق بخفوت، وعيناها تلمعان كلما ذُكرت كلمة "النجاح"، وكأنها تسمع اسمها من بين السطور.

التفتت حولها فرأت الوجوه التي ساندتها، التي حملت عنها الخوف حين أثقلها، فعرفت في سرها أنّ هذا اليوم لم يكن يومها وحدها، بل يوم كل من أحبها وآمن بها، وانتظر معها لحظة الاكتمال.

تنفست ميس ببطء عميق، كأنها تجمع شتات قلبها في صدرها، تزامنا مع صوت المدير وهو يصدح في أرجاء القاعة، صوته وقور رصين، يحمل هيبة المنابر:

"والآن، مع كلمة الأستاذ روانس آل الرواني.. الأستاذ الذي غرس فينا القيم قبل أن يلقننا الدروس، والذي على حداثة سنه كان أحكم من ألف شيخ، وأعمق أثرا من آلاف الكلمات.. فليتفضل أستاذ الشريعة إلى الخشبة، ليلقي كلمته، وربما درسه الأخير لهذا القسم الذي أفنى فيه علمه ووقته"

ساد القاعة همس خفيف، ثم تعالت ابتسامات الفخر من كل صوب.

التفتت الأنظار إلى روانس، الذي ارتسمت على محياه ابتسامة هادئة، ابتسامة من اعتاد الوقوف أمام العيون دون أن يتخلى عن تواضعه.

شدّت ميس على يده شدة خفيفة، كأنها تمنحه قلبها، ثم تركته ينهض.

انحنى قليلا نحوها، وهمس بصوت لا يكاد يسمع، لكنه بلغ أعماقها:

"لا تتوتري يا وتيني... سأكون واقفا هناك"

ابتسمت له، ومالت برأسها إيماءة حبّ، فيما كان هو يشق طريقه نحو الخشبة بخطى وئيدة، تحفها نظرات الإعجاب والتقدير.

صعد درجاتها، صافح المدير بتحية وقورة، ثم وقف عند مكبر الصوت، واستقام كمن يستعد لخطبة وداع لا تنسى.

قال بصوت رخيم ملأ المكان سكينة:

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والصلاة والسلام على سيّدنا محمدٍ، خيرِ من علّم وربّى، صلى الله عليه وسلم.

أمّا بعد... "

توقف لحظة، كأنه يمنح الكلمات حقها من الوقار، ثم أردف:

"فإنّي أشكركم، أيها الحضور الكريم، على تشريفكم لنا في هذا اليوم، حضوركم الذي هو قبل أن يكون دعما لأبنائكم وبناتكم، شهادة حب ووفاءٍ لهم.

وأشكر زملائي من الأساتذة، أولئك الذين اقتسموا معي عناء الطريق، كما أشكر طلابي، الذين صبروا واجتهدوا طوال هذه الثلاث سنوات، بل وما سبقها من أعوام قضوها في طلب العلم، يحملون أحلامهم على أكتافهم، ويقاومون التعب بالرجاء"

ساد صمت خاشع، وهو يتابع:

"اليوم، ها أنتم تقطفون ثمار سعيكم، وتأخذون بعضا مما تستحقون، شهادة ليست ورقا يسلم، بل قصة عمر كتبت بالكد، وسُطّرت بالصبر، وخُتمت بالأمل"

سكت قليلا، وأدار بصره في القاعة بتمهل، كأنه يودع الوجوه واحدا واحدا، حتى استقرت عيناه على ميس.

ابتسم لها ابتسامة دافئة، تحمل وعدا غير منطوق، فردّت له الابتسامة، وفي عينيها فخر يضاهي العالم.

ثم قال بنبرة امتزج فيها الحزم بالحنان:

"واليوم، وبما أنها آخر مرة تسمعون فيها درسي يا طلابي الأعزاء، فإني أردت له أن يكون درسا مختلفا... درسا لا يُحفظ في الكراسات، بل يحفر في القلوب؛ درسا يحمل من الفائدة ما يعينكم في دروب الحياة، كما أعانكم العلم في قاعاتها"

وفي تلك اللحظة، شعرت القاعة كلها أنها على موعد. مع كلمات ستظل عالقة، لا لأنها قيلت في يوم تخرّج، بل لأنها خرجت من قلب علم قبل أن يتكلم، وأحب قبل أن يدرس.

ساد القاعة سكون عميق، كأن الأصوات جميعها آثرت الصمت احتراما لتلك اللحظة.

توقف الزمن عند حافة الخشبة، حيث وقف روانس، معتدل القامة، هادئ الملامح، لا يحمل في هيئته صخب الخطباء، بل وقار من يعرف أن الكلمة أمانة.

أسند كفيه إلى المنصة برفق، وشعر بخشونة الخشب تحت أنامله، وكأنها تذكره بكل المرات التي وقف فيها هنا، يشرح، يناقش، يصغي، ويصبر.

اليوم مختلف. اليوم ليس مجرد درس... اليوم وداع.

مر ببصره على القاعة، المدرجات المكتظة بالعائلات و الطلاب، الوجوه المتقابلة، الأعين التي تحمل في عمقها حكايات متشابهة من تعب وسهر وخوف وأمل.

توقفت عيناه عند الصف الأول على عائلته الكبيرة التي أتت دعما، حيث جلست ميس..زوجته التي تحمل جزءً منه كانت تحدق إليه بثبات يخفي ارتجافة قلبها.

ابتسم لها ابتسامة خفيفة إبتسامة مدركة لما يتعمل في صدرها من توتر، لكنها كانت كافية لتسكن اضطرابها وتبعث داخلها طمأنينة صافية.

تنفس بعمق، ثم انساب صوته هادئا، ثابتا، كأنه يخرج من موضع أعمق من الحجرة:

"بسم الله الرحمن الرحيم..."

لم تكن مجرد فتتاحية. كانت مفتاحا.

ومعها انحنى الضجيج، واستقام الإصغاء.

"الحمد لله الذي جعل للحياة إيقاعا لا يختل، فجعل للبدايات فرحها، وللنهايات حكمتها، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد، الذي علّمنا أن أعظم الفهم... أن نفهم أنفسنا في منعطفات العمر الذي نسير فيه ونعيشه"

توقّف لحظة، وكأنه يزن كلماته بميزان القلب، ثم تابع:

"نقف اليوم يا إخوتي عند عتبة دقيقة كدقة عقارب الساعة... عتبة تفصل بين ما كان، وما سيكون في المستقبل، وكثيرا ما نرتبك أو نخاف عند هذه العتبات، لأننا نسميها نهايات، وننسى أنّها في حقيقتها بوابات لبدايات جديدة"

تحركت ميس في مقعدها قليلا، شعرت كأن الكلمات تلامس شيئا في داخلها لم تجد له اسما من قبل.

"النهاية... كلمة ثقيلة نربطها بالفقد، بالغياب، بانطفاء الضوء، لكن الإيمان لم يربّنا على هذا الفهم، الإيمان علّمنا أن النهايات لا تُطفئ النور، بل تغير موضعه فقط إما ليصبح مقابلا لك أو وراء ظهرك"

رفع رأسه قليلا، ونظر إلى السقف العالي للقاعة، ثم عاد ببصره إلى الوجوه:

"حتى الموت وهو أعظم ما نخشاه نحن كبشر لم يسمه الله نهاية، سمّاه ذوقا، انتقالًا، نهاية دار، وبداية دار كما قال عزَّ وجَل:

{كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوت} "

ساد صمت خاشع، بعض الرؤوس انحنت دون وعي، وبعض القلوب استيقظت.

"وهكذا هي سنن الله في حياتنا كلها.

لا شيء ينتهي ليُمحى، بل لينضج.

تنتهي الطفولة... فتبدأ المحاسبة.

تنتهي الحماية... فتبدأ المسؤولية.

وتنتهي سنوات الدراسة... لتبدأ الأمانة التي توضع بين أيديكم لتؤدوها أحسن تأدية"

شعر بعض الطلاب بثقل لطيف في صدورهم.

لم يكن خوفا، بل وعيا.

"أنتم اليوم لا تودعون مقاعد الدراسة فحسب، بل تودعون زمنا كان فيه الخطأ تجربة تعلمكم، والعذر متسعا للإرتقاء، وتستقبلون زمنا تقاس فيه النتائج بنيّاتها قبل أرقامها"

التفت قليلا نحو الصف الأول، حيث تجلس عائلته وقال بصوت ألين:

"وهنا، لا بد أن أقول كلمة حق لكم... هؤلاء الذين ترونهم خلفكم، لم يصلوا معكم إلى هذه اللحظة صدفة، وراء كل واحد منكم دعاء خفي لا ترونه، وسهر صامت على أحوالكم ، وخوف لا يقال لكم ...

فبعد كل شيئ هم أهل تعبوا لإيصالكم.. سهروا لراحتكم... ربوا حتى تصلوا لمبتغاكم وغايتكم"

ارتعشت عين ميس قليلا، وتذكرت ليالي أمها، ونظرة أبيها، و دعم أخويها لها وصبر روانس معها.

تذكرت هالة والدتها وصبرها وسهرها ودعمها الدائم وتذكر سيف الذي وقف معها.

بينما ليا ابتسمت لذكرى والدها ووالدتها اللذان دعماها وكانا ملجأها وأخيها الذي أعانها ووقف وراءها

أسيد الذي رغم كل شيئ كان واقفا معها.

إبتسم روانس مكملا:

"لكن دعوني أكون صريحا معكم لتفهموا ما هي الحياة من بعد الآن بشكل أصح...

ليست المشكلة في أن تبدأوا بعد اليوم، فالجميع يبدأ مهما كانت البداية أليس كذلك؟!

المشكلة: كيف تبدأون؟

وبأي قلب تبدأون؟

ولمن تبدأون؟"

خفض صوته، كمن يبوح بسر:

"كم من بداية كانت لامعة في أعين الناس غالبهم، لكنها و للأسف كانت خالية من الله،

فانتهت خواءً على خواء.

وكم من نهايةٍ حسبناها خسارة لأحلامنا ربما أو مبتغياتنا، فإذا بها رحمة تُخفي وجهها عنَّا...

وكما أخبركم دائما وراء كل إبتلاء رحمة لا نراها ولو خيرنا الله بين ما كتب لنا وما نريده لإخترنا ما كتبه... فلماذا القنوط"

ابتسم ابتسامة هادئة، وقال:

"ليس كل تأخير عقابا لنا علىأفعالنا كما يظنه البعض، ولا كل منعٍ حرمانا دائما،

أحيانًا يؤخّر الله الخطوة التي نريدها، لأنّ القلب لم يستعد بعد لمقابلتها وإنجازها كما ينبغي..."

تنفست ميس هالة ليا بعمق في لحظة واحدة.

شعروا أن الكلمات تُرتب فوضى داخلهم.

"وصدقوني.. أخطر ما قد يواجه الإنسان يا إخوتي أن يعبر النهايات دون أن يشعر بها، أن ينهي مرحلة، ثم التي تليها بسرعة ، دون أن يسأل نفسه: هل أنا أقرب إلى الله؟ أم أبعد؟ هل أنا حقا أسير للنهاية الصحيحة وهل آخرة هذا الطريق جنة أم نار؟! "

ساد سكونٌ ثقيل، لكنه كان صادقا.

"قد يحمل الإنسان شهادات لا تعد و لا تحصى، ويصعد مناصب كبيرة يتمناها الجميع، ويُصفَّق له على إنجازاته... ثم يكتشف متأخرا أنه لم يبدأ يوما البداية الأهم في حياته هذه: البداية مع الله"

هنا، لان صوته، كأنه يربت على القلوب:

"ولهذا جعل الله بابا لا يغلق حتى تموت... باب التوبة.

التوبة ليست عودة إلى الوراء أبدا، بل انطلاقة أنقى و أحسن و أجمل.....بداية جديدة لحياة مع الله ولله وحده.

هي نهاية الذنب، وبداية الصفاء وبداية الحسنات و الأجر وهي البداية لما ظنناه نهاية"

مرر نظره على الوجوه، ثم قال:

"فاجعلوا كل نهايةٍ وقفة مع أنفسكم، لا ندما على ما فاتكم.

وكل بدايةٍ نية صادقة، لا اندفاعا طائشا.

ولا تخافوا من السقوط جراء العتبات... خافوا من أن تقوموا دون أن تتعلموا جراء هذا السقوط و إن كان مؤلما"

بدأ صوته يهدأ شيئا فشيئا، كأنه يقترب من الوداع:

"أعظم نهاية يرجوها المؤمن... أن يلقى الله بقلب مطمئن سليم والله راضٍ عنه و عليه.

وأعظم بداية... أن يبدأ ما تبقى من عمره وهو أكثر صدقا، وأكثر تواضعا، وأكثر قربا من الله سبحانه وتعالى"

توقف. لم يتعجل الخاتمة..... ترك للكلمات تستقر.

ثم قال أخيرا، بصوت يحمل دعاء أكثر مما يحمل خطابا:

"أسأل الله أن يجعل نهايتكم اليوم بداية خير، لا فتنة. وأن يفتح لكم الأبواب التي تقربكم إليه، لا التي تبعدكم عنه.... وأن لا يزيغ قلوبكم بعد إذ بعد أن هداكم إليه... و أقول النهاية ليست دائما تقف ربما تكون بداية جديدة و لكل نهاية بداية و أحسنها أن تكون ما الله وحده لا شريك له"

ألقى السلام، وخفض رأسه احتراما، ثم تنحّى خطوة إلى الخلف.

لم ينفجر التصفيق فورا... كان هناك جزء من الثانية، صامت، عميق، كأن القاعة كلها كانت تلتقط أنفاسها.

ثم ارتفعت الأكف، لا تصفيق فرح فقط، بل امتنان.

أما ميس...

فكانت تبتسم بهدوء، وعيناها تلمعان.

لم تعد تخشى النهاية.

لقد أدركت، في تلك اللحظة، أن بعض النهايات لا تأتي لتُغلق الأبواب...

بل لتعلمنا كيف نفتحها بثبات.

تقدم المدير إلى مكبّر الصوت من جديد، بعد أن خفت هدير التصفيق وسكنت القاعة على هيبة اللحظة، وقال بصوت موقر:

"إنّا نشكر الأستاذ على هذا الدرس القيِّم، ونسأل الله أن يجزيه عنّا خير الجزاء، وأن يجعل ما قدم في ميزان حسناته"

ثم توقف لحظة، وكأنه يمنح الكلمات حقها، قبل أن يردف:

"والآن ننتقل إلى فقرة التخرج، وكلمة الطلبة، والبداية مع السيدة: ميساء آل سراج، زوجة الأستاذ روانس آل الرواني"

ارتسمت على شفتي روانس ابتسامة فخر هادئة وهو واقف على الخشبة، بينما اضطرب قلبها فجأة، وتعثرت أنفاسها في صدرها، كأن اللحظة باغتتها على حين غرة.

كان سيف أول من انتبه لارتجافها، فمد يده برفق، ووضعها فوق يدها وهمس بصوت دافئ، كأنه يربت على قلبها:

"هيا يا صغيرتي... لا تدعي التوتر يغلبك، روانس هناك، ونحن هنا والله معك، لن تكوني وحدك أبدا"

زفرت أنفاسها زفرة طويلة، كأنها تُفرغ ما في صدرها من قلق، وأومأت له شاكرة، ثم نهضت من مقعدها.

تقدمت بخطى ثابتة رغم ارتجافها الخفي، بحجابها الأبيض الذي زادها وقارا، وعباءتها السوداء التي احتضنت هيئتها بهدوء، ونقابها الأسود الذي لم يخفِ نور عينيها.

ما إن وصلت إلى الخشبة حتى سلم المدير شهادتها لزوجها، فبادر روانس بالتقدم نحوها.

وحين وقف أمامها، انحنى قليلا، وقبل جبينها في مشهد صامت أبلغ من الخطب، وهمس:

"أنا فخور بكِ... فخرا لا تسعه الكلمات، يا زوجتي "

ابتسمت له ابتسامة صادقة، تجلت في عينيها، وتسلمت شهادتها، ثم عانقها عناقا جانبيّا ليلتقطا صورة تذكارية والشهادة بين يديها، قبل أن يترك لها المجال لتتقدم نحو مكبر الصوت.

وقفت هناك، للحظة بدت لها دهورا، ثم رفعت بصرها فرأت عائلتها تبتسم لها بتشجيع صامت.

استجمعت قواها، وزفرت أنفاسا كانت حبيسة صدرها، وقالت بصوت امتزج فيه الخشوع بالامتنان:

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد، خاتم الأنبياء والمرسلين، أمّا بعد..."

سكتت قليلا، ثم تابعت وقد ازداد صوتها ثباتا:

" فإنّي أشكركم جميعا على حضوركم هذا اليوم، يوم ما كان ليكون لولا فضل الله أولًا وآخرا.

أحمده سبحانه حمد الشاكرين، وأثني عليه ثناء العارفين، أن بلّغني ما أنا عليه اليوم، فله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه"

ثم لان صوتها، واتجه بصرها نحو والديها، وقالت:

"وإنّ شكري الأسمى، ودعائي الذي لا ينقطع، أرفعه لوالديّ الكريمين... لمن حملاني على الوهن وهنا، وسهرا الليالي تعبا وصبرا، ليكون لي هذا اليوم.

يا أبي، يا أمّي... ما فعلتُه، وما سأفعلُه، لن يفيكما حقكما عليّ، لكنه جهد المُحبّ، وسعي الابنة التي تتمنى رضاكما قبل كل شيء... فجزاكما الله عنّي خير الجزاء، وأسأله أن أكون عند حسن ظنّكما، وأن ترضيا عنّي تمام الرضا"

ترقرقت الدموع في عيني والدتها وهي تبتسم بفخر مشوب بالعاطفة، فيما تحجرت الدموع في عيني والدها، دموع رجل يرى ثمرة عمره أمامه.

تنفست بعمق، ثم أكملت:

"وأشكر إخوتي... سيف وأسيد، اللذين كانا لي سندا حين مِلت، وظهرا حين تعبت، ولم يتركا يدي يوما، ولن يتركاها.

إخوتي، أنتما نصفي الآخر، وروحي التي أستند إليها، ما وقعتُ في محنةٍ إلّا وكنتما فيها معي، تبكيان لبكائي، وتفرحان لفرحي.

أسأل الله أن يديم عليكما السعادة، وأن يجزيكما عني خير الجزاء، عسى أن أنال رضاكما كما نلتُ رضا والديّ، وأن أظلّ موضع فخرٍ في أعينكما"

ابتسمت لهما، وبدت عيناها كزجاج رقيق يعكس مشاعرها.

بادلاها الابتسامة، وأومأ كل منهما برأسه، وكأنهما يقولان بصمت:

فخرنا بكِ لا يقاس، يا صغيرة البيت.

ثم التفتت إلى عائلة زوجها، وقالت بنبرة امتنان صادق:

"أما عائلة زوجي الكريمة... فإن الشكر، مهما طال، يبقى قليلا... لم يعاملاني يوما كزوجة ابن أو زوجة أخ، بل كابنة يفتخران بها، ويدعمانها، ولم أشعر بينهما بالغربة لحظة... أسعدكما الله في الدارين، وجعل الفخر بي وبأبنائكم لا ينتهي"

ابتسموا لها، فبادلتهم ابتسامة دافئة، ثم أعادت نظرها إلى هالة وقالت:

"وأما صديقة عمري، ورفيقة أيّامي... أختي التي لم تلدها أمي، ونصفي الذي يكتمل به قلبي وخليلة الروح... هالة.

لو كانت الصداقة إنسانا، لكانت هي، كانت دعما، وملجأ، وجزءا لا يتجزأ من أحلامي... أشكركِ من القلب إلى القلب، وأفتخر بكِ وبما أنتِ عليه... أسعدكِ الله في الدنيا والآخرة"

ابتسمت هالة من بين دموعها، فيما عانقها سيف من الجانب، سعيدا بتلك الرابطة التي جمعت زوجته بأخته.

رفعت ميساء بصرها إلى روانس، الذي كان يقف غير بعيد، فأشارت إليه بخفة..... اقترب منها، فأمسكت يده وقالت، وصوتها يختزن كل ما لم تقله الكلمات:

"وأخيرا... زوجي، ومستقري، وسندي.

لا وصف لما صنعه من أجلي، كان الحامي، والداعم، والمعلم، وصاحب الفضل... لم يبخل عليّ بعلمٍ، ولا بدعم، ولا بحبّ.

كما قال لي إنه فخور بي، أقولها اليوم أمام الجميع:

أنا فخورة بك، فخورة بأنّك زوجي ومعلمي، وفخورة بأنك رجل نال احترام جامعة بأكملها.

جعلك الله تاجا فوق رأسي، وأبا صالحا لأولادي، ومعينا لي ما حييت..... أدامك الله لي، دائما وأبدا"

ومع آخر كلماتها، رفعت يده نحو فمها وقبلتها، وإن حال النقاب بينهما، إلا أن المشاعر بلغت منتهاها.

عانقها روانس عناقا جانبيا، ثم أمسك مكبر الصوت وقال بصوت صادق عميق:

"إني لأفخر بزوجتي، فهي وتيني، إن انقطع انقطعت عني الحياة... أدامكِ الله قُرّة عينٍ لي ما حييت"

ابتسمت ميساء بين دموع لم تسقط إلا فرحا وامتنانا، ثم مدت يديها إلى روانس، فقبض على يديها بلطف، ووجهها نحو أسفل حيث وقفت عائلتها، فتقدمت لتغمرهم بعناق دافئ.

أول من استقبلها كان والدها، ووصلها كلامه إلى قلبها قبل أذنها، يحمل بين الكلمات فخر الأب وعاطفة القلب:

"لا كلمات تصف مقدار فخري بكِ يا ابنتي، عسى الله أن يوفّقك لما يحبه ويرضاه أنت وزوجك، إني راض عنك بكل ما في قلبي..."

ابتسمت، ومالت برأسها لتقبل يده احتراما وفخرا، قبل أن تدور لتغمر والدتها بحضنها الحاني، فتسمعها تقول بصوت مرتجف بالعاطفة:

"رضي الله عنك، فأنا راضية عنك تمام الرضا يا بنيتي"

أومأت برأسها، وقد امتلأ صدرها شعورا بالسكينة والطمأنينة، ثم أمالت بصرها لترى زوجها روانس جالسا في مكانه، عيناه تتبعان خطواتها، وابتسامته لا تفارق وجهه، كأنها شعاع نور يغمر قلبها.

اقتربت بعد ذلك من سيف وهالة، فاحتضنت أخاها أولا، وسمعت صوته العميق الممزوج بالفخر والحب:

"مبارك تخرّجك، يا صغيرة البيت... فخور بك وبما وصلتِ إليه"

ابتسمت، وعيناها تتلألأ بدموع خفية، قائلة:

"شكرا لك، أخي، على كل شيء... كنت لي السند الدائم، ممتنة لوجودك في حياتي"

هز رأسه بنفي متواضع، بابتسامة تفيض حنانا:

"لا شكر على واجب، يا صغيرتي"

ثم اقتربت هالة، وأخذت بيدها وعانقتها بحرارة، ودموعها تتلألأ على خديها:

"مبارك لكِ... لقد أبكيتني، حقا، يا ميس"

مسحت ميساء دموع صديقتها برقة، وقالت بابتسامة هادئة، صافية القلب:

"لا تبكي، ما قلت إلا الحق، كل كلمة خرجت من قلبي"

واصلت رحلتها نحو أسيد، وعانقته بلطف، فيما ربت على ظهرها وقال بصوت دافئ يحمل الامتنان والفخر:

"الحمد لله الذي أراني هذا اليوم... بوركت جهودك يا قطعة من الروح"

ابتسمت شاكرةً له، كما كرت سيفا، ثم عانقت ليا، وعائلة زوجها، وأم صديقتها هالة، الذين جميعا شاركوها فرحة الإنجاز، وملأت قلوبهم السعادة والفخر.

ثم عادت لتجلس بجانب روانس، الذي أمسك يدها المكسوة بالقفاز وقبلها،أومأ برأسه لها كعلامة على الفخر والاعتزاز، فيما كانت الأصوات في القاعة تتعالى، والمدير ينادي أسماء الخريجات والخريجين واحدا تلو الآخر، ليصعدوا للمنصة ويلقوا كلماتهم.

حتى جاء الدور على هالة، وعندما سمعت كلمة المدير تتردد في أرجاء القاعة، ارتجف قلبها حيث قال المدير:

"والآن مع الخريجة السيدة هالة آزور، زوجة الأستاذ سيف آل سراج... فلتتفضل مع زوجها للمنصة"

تقدمت هالة بخطوات متزنة، وجانبها سيف، وكانت عيون الجميع تتابعها بإعجاب وفخر، فيما ارتسمت على وجه ميساء ابتسامة غامرة بالحب والفرح، كأنها ترى الفصل الأخير من رحلة طويلة مليئة بالمحبة والدعم والوفاء.

كل حركة، كل ابتسامة، وكل دمعة كانت تحمل في طياتها حكاية عن الجهد، عن الصبر، وعن الروابط التي جمعتهم جميعا، ليصبح هذا اليوم يوما خالدا في ذاكرتهم، محفورا في القلب أكثر من أي شهادة أو كلمة.

صمتت القاعة لوهلة، ثم ارتفعت أصوات التصفيق حين أعلن المدير اسم هالة آزور.

تقدمت بخطوات راسخة، وعيونها تلمع بمزيج من الفرح والتوتر، فيما وقف سيف بجانبها مبتسما بفخر واعتزاز.

مد المدير يده وسلمه الشهادة، فتقدم سيف قليلا، وأمسكها بين يديه برفق، ثم نظر إلى هالة بعينين تفيض حبا وفخرا:

"هالة... هذه شهادتك، ثمرة جهدك، وعنوان صبرك وعزيمتك...أنا فخور بك دائما و ابدا"

ابتسمت وهي تتلقى الشهادة، وقبلت يده احتراما، ثم التفتت نحو المكبر لتتقدم بثقة إلى المنصة، ويدها تمسك الشهادة كما لو كانت كنزا ثمينا، كل خطوة فيها تحمل سنوات من الجهد والعمل والصبر.

وقفت أمام المكبّر، وزفرت أنفاسا عميقة، ثم رفعت صوتها لتبدأ كلماتها المفعمة بالحب والامتنان:

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

بسم الله والحمد لله الذي وفقني لما أنا عليه اليوم، وأسأله دوام التوفيق والسداد، والصلاة والسلام على خير من بُعث رحمةً للعالمين، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم"

أمالت بصرها نحو الاعلى لوهلة، وابتسمت بين الدموع، وقالت بصوت يختلط فيه الحزن بالامتنان:

"وأهدي هذا الإنجاز، هذا الفخر، لوالدي الحبيب، رحمه الله، الذي غاب جسده عني، لكن روحه كانت دائما معي، ترشدني، تدعمني، وتزرع في قلبي العزيمة والشجاعة. أبي... هذا اليوم لك، وفخري هو فخرك، وأسأل الله أن يتقبلك في عليين. "

ثم التفتت إلى والدتها، ودموع الامتنان تلمع في عينيها، وقالت:

"وأمي الحبيبة... شكري لك لا يحصى، لقد كنت لي سندا ونورا في كل خطوة، دعمتيني، صبرت معي، وحملتي عني الكثير.

أسأل الله أن يديم محبتنا، ويبارك حياتك كما باركتِ حياتي"

أمالت بصرها بعد ذلك نحو عائلة زوجها، وقالت بابتسامة امتنان:

"وأما عائلة زوجي الكريمة... فلكم جزيل الشكر، لأنكم لم تعتبروني يوما غريبة بينكم، بل ابنة يفخر بها قلبكم ويسعد بها بيتكم، جعل الله محبتكم لي دائما مصدر قوة وسعادة"

رفعت عينيها نحو صديقتها ميساء، فابتسمت الأخيرة لها بحرارة، وقالت هالة بصوت مفعم بالعاطفة:

"وأختي وصديقتي الغالية، ميس... لقد كنتِ لي دعما، وفخرا، ونورا يرافقني في كل خطوة، أسأل الله أن يبارك حياتك كما باركت صداقتك قلبي"

ثم التفتت إلى ليا، وقالت بابتسامة رقيقة:

"وليا... شكرا لك لأنك كنتِ جزءا من هذه الرحلة، داعمة، ومشجعة، ورفيقة في كل لحظة صعبة وفرحة، أسأل الله أن يديم صداقتنا ويبارك حياتك"

وأخيرا، التفتت إلى زوجها سيف، الذي وقف إلى جانبها ممسكا يدها، وابتسامة الفخر ترتسم على وجهه، وقالت وهي تمسك الشهادة أكثر إحكاما:

"وأنت يا زوجي الحبيب يا متكئي، يا سيف... كنت لي السند، والحامي، والمعلم، والرفيق في كل خطوة.

شكرا لك على صبرك، وعلى حبك، وعلى كل ما بذلته لأجلي... فخورة بك اليوم كما أنت فخور بي، وأسأل الله أن يديم وجودك نورا في حياتي"

رفعت الشهادة إلى الأعلى قليلا، وابتسمت للكاميرات بحياء، وللحضور، ثم تقدمت بثقة إلى المنصة، خطوة بخطوة، كل خطوة تعكس فخرها بنفسها وبالذين أحبوها ودعموها، وجعلوا من هذا اليوم يوما خالدا في حياتها.

وقف سيف خلفها، يمسك يدها مرة أخرى برقة، يهمس لها :

"لقد فعلتها... وفخري بك لا يوصف يا منيتي"

وهكذا، وقفت هالة على المنصة، ممسكة بشهادتها، وابتسامتها تنير وجهها، محاطة بالحب والدعم من كل من وقف إلى جانبها، وجعلها تشعر بأن هذا الإنجاز هو ثمرة جهودها وجهود من أحبها، وأن الأب الغائب حاضر بروحه بين كلماتها ودعائها.

................

بعد مضي خمسة عشر يوما، كانت ثلاث فتيات يمشين بهدوء في الممر الذي يربط بين الصفا والمروة، خطواتهن تتماشى مع هدوء المكان وروحانيته، بينما يركض أزواجهن في السعي، يملؤهم النشاط والسرور، كما أمرت السنة في الركض بين العلامتين للرجال.

كانت ليا وميساء وهالة يسِرن في خط واحد، عباءة كل واحدة منهن ترفرف برفق مع النسيم العليل، وحجابهن يغطي رؤوسهن بكل وقار واحتشام، والروح مملوءة بخشوع وسكينة، فيما تدور أفكارهن بين الذكر، والدعاء، والامتنان لهذه النعمة العظيمة.

نطقت ليا أولا، بصوت خافت لكنه ممتلئ بالعاطفة:

"إن شعور القدوم إلى مكة، وتأدية العمرة في بيت الله الحرام… لا يُضاهى حقًّا، كأن قلبي يرتجف من الفرح في كل مرة أسترجع فيها أني هنا، في هذا المكان المبارك الذي يفيض بالروحانية... الحمد لله كثيرا أن رزقنا زيارته"

ابتسمت ميساء وقالت وهي تنظر إلى السماء بنور الفرح في عينيها:

"حقا، معك حق يا ليا… شعور لا يوصف، وكأن كل هموم الدنيا ذهبت حين وطأت أقدامنا أرض البيت العتيق ما أرفعه من شعور"

أومأت هالة، وارتسمت على وجهها ابتسامة رضا وامتنان، ثم قالت:

"من كان يتصور أن أزواجنا قد اتفقوا على أن تكون هديتنا للتخرج عمرة في بيت الله الحرام… جزاهم الله خيرا، وبارك في جهودهم وحبهم الذي أكرمنا به"

أومأت الاثنتان برؤوسهن، وأخذت ميساء تتحدث بعيون تلمع بالفرح:

"حقًا، عندما أخبرني سيف عن ذلك، لم تسعني فرحتي… شعرت بسعادة غامرة، حتى تحول فرحي جلُّه إلى دموع غزيرة"

ابتسمت ليا، وقالت بخفة ممزوجة بالمزاح:

"كل هذا… من ذلك الصغير أو الصغيرة التي تنمو في رحمك. بكاء سريع، وعصبية سريعة، ومشاعر متقلبة… لا غرابة في ذلك يا ميس حتى أنا صرت أكثر عنادا ومزاجية من قبل أسيد المسكين يعاني كثيرا"

ضحكت ميساء بخفة، وصوتها خافت لكنه مليء بالمرح، تقول:

"حقا، لا أنكر ذلك أبدا… أنا في شهري الثالث الآن ، وهرمونات الحمل هذه المرة فعلت الكثير بمزاجي وحالتي... توحمت على الملح! هل تصدقون؟ لقد جلست على الأرض، وعلبة الملح أمامي، آكل بالملعقة مستلذة بذلك الطعم المالح…

وروانس كان على وشك الانفجار من الدهشة حين رأني لقد إمتعض حقا مني، صرخ بي وهو يحمله من أمامي قائلا:

'أتريدين أن تصيبيني بالجلطة يا ميساء حتى ترتاحي! تأكلين الملح هكذا؟ ماذا لو ارتفع ضغط دمك؟ رباه ما هذا الوحم الذي وقع عليك'"

قالت آخر كلماتها مقلدة إياه بخفة، فانفجرت كل من هالة وليا ضحكا، ضحكا عميقا ارتجف معه الهواء من فرحة اللحظة، حتى حل الصمت قليلا، يملؤه نسيم مكة وروحانيات المكان، إلى أن كسرته هالة بصوت هادئ لكنه محمل بالتوتر والسرية:

"أريد أن أخبركما بشيء… لكن لا تخبري سيف يا ميساء. سأعلمه اليوم مساءً"

أومأت ليا وميساء برؤوسهن، تنتظران بفارغ الصبر أن تبوح لهما هالة بسرها، وعيونهن تتلألأ بالفضول والمودة.

فيما كانت خطواتهن على أرضية الممر تبدو كأنها، ومع نسيم مكة العليل، ومع قلوبهن المملوءة بالحب والفرح.

حينئذ، شعرت كل واحدة منهن بأن هذا المكان، هذا السعي بين الصفا والمروة، ليس مجرد عبادة، بل هو لحظة من لحظات السعادة والوفاء، والمشاركة في فرحة الآخرين.

..........

كان يجلس على سجادة صلاته، ينخرط في خشوع نافلة دُفعت بها روحه إلى حضرة ربٍ كريم، وغرفته في الفندق تطل على مكة المكرمة، تُرى فيها المشاعر كما ترى في الأفق حين يلامس الضوء قمة الكعبة.

وما إن أتم ركوعه وسجوده، ورفع رأسه متضرعا، حتى لمح هالة واقفة عند رأسه، كأنها نسمة تأتي من وراء جدار الصمت، عيناها العشبية تتلألأ بنور خافت، ويدها مخفية وراء ظهرها، كأنها تحمل سرا دفينا.

استوقفه منظرها، فعقد حاجبيه، وقال بنبرة نصفها حيرة ونصفها دفق حنان:

"أهنالك أمرٌ يا منيتي؟"

أومأت له برأسها، وابتسامتها ترتعش بين الشوق والخوف، ثم جلست على ركبتيها، كأنها زهرة تنحني أمام نسيم الفجر، وعيناها تتلألأان بالدموع، تلك التي لم تكن دموع حزن، بل دموع فرح  خالص يفيض من القلب قبل العين.

أخرجت يدها من وراء ظهرها، وقد ارتعش قلبها من شدة الفرح والخوف معا، وضعت شيئا بين يديه، حمله بارتعاشٍ بسيط.

ركز عينه على ما بين يديه، كأنها لحظة توقفت فيها كل حركة الكون، كل ثانية تمددت إلى دهور، وكل نفسٍ أصبح إيقاعه حفيف قلبه المتعجل.

ثم استوعب ما أمامه، خطان صغيران يرويان قصة جديدة لحياته، قصة تكتبها الروح .

همس بصوت خافت كأن الدنيا كلها صمتت لتسمعه:

"هل... هل أنتِ حامل يا هالة؟"

أومأت هالة برأسها، ودموعها انهمرت كما يتساقط الندى على أوراق الربيع، وابتسامتها ارتعشت بين الصمت والكلام، فقالت بصوت حنون عذب يختلط فيه الفرح بالرهبة:

"أجل... لقد شككتُ بالأمر اليوم، فأخبرت ميس وهالة لتساعداني على إقتناء الجهاز. ثم قررت أن أفاجئك بهذا الخبر دون علمك، لأرى على وجهك لحظة الفرح، إن كان حملا قد رزقنا الله به"

سيف جلس للحظة، يحدق في جهاز الحمل كما لو كان يحاول أن يفهم حقيقة لا تصدق.

ثم ارتسم على وجهه مزيج من الصدمة والفرح، عيونه توسعت، وفمه فتح نصفه دون صوت، كأن الهواء قد تجمد في صدره.

ثم ارتجف قلبه فجأة، ورفع يده ليمس قلبه كما لو كان يخشى أن يكون هذا مجرد حلم جميل.

وفي لحظة خاطفة، قفز من مكانه، وركض في الغرفة ذخابا وإيابا من السعادة، يضحك بصوت عالٍ يملأ المكان:

"يا إلهي! يا رباه! نحن سنصبح... نحن سنصبح آباء!"

عاد ليقترب منها، وكأنه يخشى أن تختفي هذه الحقيقة إذا ابتعد خطوة واحدة، أمسك بيديها بكل حرارة، وضمها إلى صدره، وهو يهمس بكلمات متتالية تتدافع كالنهر:

"يا هالة... يا منيتي... لقد جعلت قلبي يرقص فرحا! كيف استطعت أن تخفي عني هذا السر الجميل؟!"

وفجأة، أخذ هالة بين يديه، ودار بها في الغرفة كما لو أن كل جدار وكل زاوية تشاركهما هذا الخبر العظيم، يردد بصوت يهتز به قلبه:

"الله أكبر! لقد رزقنا الله بأعظم نعمة!"

ضحكت هالة، والدموع تلمع في عينيها، وهي تشعر بالدفء والحب يتدفق من كل حركة منه.

ظل سيف يدور بها، يرفع يديه في الهواء أحيانا، ويهمس بين التكبيرات:

"سبحانك يا رب، لقد ملأت حياتنا نورا وفرحا! الله أكبر! الله أكبر!"

ثم جلسا على الأرض، وهو ما زال ممسكا بيدها، وعيونه تلمع بالدموع والفرح المختلط:

"لن أتركك لحظة واحدة، يا هالة... ولن نسمح إلا أن يكون هذا الكائن الصغير محاطا بالحب والخير منذ اللحظة الأولى!"

كانت الغرفة تمتلئ بالصدى المتكرر لتكبيراته، كأن السماء نفسها تهلل معهما، وكل شيء حولهما يشاركهما الفرح، وكل نفسٍ أصبح احتفالا بالحياة الجديدة التي ستأتي لتضيء حياتهما.

..............

ومرت الأيام مرَّ السهمِ إذا أُطلق، لا يستأذن قلبا ولا ينتظر شوقا، حتى إذا التفتوا وراءهم وجدوا أن قرابة سبعة أشهر قد انقضت كأنها طرفة عين.

سبعة أشهر لم تكن سكونا خالصا، ولا عاصفة كاملة، بل كانت مزيجا عجيبا من طمأنينة تتخللها اضطرابات، ومن فرح تُجاوره دموع لا تفهم أسبابها إلا لمن عرف تقلبات الهرمونات، وتقلب القلوب معها.

كانت أيامهم تُفتَتح بابتسامة، وتُختَتم أحيانا بدمعة، تتخلّلها مشاكساتٌ يومية، بكاء مفاجئ، صراخ لا مبرر له، ومزاج يتقلب كما يتقلب البحر عند اشتداد الريح.

ومع ذلك، وبين كل تلك الفوضى اللطيفة، كانت تسكنهم سعادة دافئة، هادئة، تشبه ضوء مصباح صغير في آخر الليل، لا يملأ المكان نورا، لكنه يكفي ليبعث الطمأنينة في النفس.

دخلت ميساء شهرها التاسع، وقد أثقلت خطاها، وخف نومها، وصارت تحادث بطنها همسا كأنها تسر لطفلتها القادمة بأسرار لا يسمعها سواهما.

أما ليا، فقد بلغت أواخر شهرها السابع، تجمع بين لهفة الانتظار وخوف التجربة الأولى، تضحك حينا، وتغضب حينًا، ثم تعود فتضحك من نفسها.

وهالة، في أواخر شهرها السادس، كانت أكثرهن هدوءا في ظاهرها… وأكثرهن اضطرابا في داخلها.

وفي تلك الفترة، كُشف السِّتر، وعرفت كل واحدة منهن جنس الجنين الذي يسكن رحمها، فكان لكل خبر حكاية، ولكل فرح طعم مختلف.

روانس وميساء، كان نصيبهما فتاة...

ولو رأيتم فرحة روانس يومها لظننتم أنه سيطير من شدتها.

تهلل وجهه، وارتجفت يداه، وكأن الله قد أجاب دعاء ظل يرفعه في جوف الليل أعواما طويلة.

لطالما حلم بأن يكون له ابنة، فتاة تناديه “أبي”، ويغمرها بحنانه، فقد كان يحب البنات حبا خاصا، يرى فيهن الرحمة والرقة ونور البيوت.

كان ذلك اليوم من أسعد أيامه، يحدث ميساء عن طفلته القادمة وكأنها وُلدت بالفعل، يختار لها أسماء، ويتخيل ضحكتها، ويعدها بحياة مغمورة بالأمان.

أما ميساء، فكانت سعيدة… سعيدة حقّا... فكرة أن تكون لها فتاة تشاركها أيامها، وتشبهها، وتكون امتدادا لقلبها، ملأت روحها دفئا.

غير أن غيرة خفية بدأت تنمو في صدرها، غيرة لم تُحب الاعتراف بها، حين رأت اهتمام زوجها بتلك الصغيرة قبل أن ترى النور، كأنها تشاركها زوجها منذ الآن.

وأما ليا وأسيد، فقد علما أنهما سيرزقان بولد...

يومها، حزنت ليا قليلا، فقد كانت تتمنى فتاة، رفيقة الروح تشبهها، تُلبسها الفساتين وتسرح لها شعرها.

لكن حزنها لم يدم طويلا، إذ سرعان ما امتزج بفرح خجول، وشعور بالامتنان لما كتبه الله لها.

أما أسيد، فكانت سعادته لا توصف، منذ اللحظة الأولى وهو يتحدث عن ابنه كأنه رجل مكتمل، يُخبرها أنه سيجعله فتىً يشبهه في كل شيء، وأنه سيُربيه ليكون رجلا يعتمد عليه.

وهنا، لم تفوت ليا فرصة العناد، فعاندته قائلة إن ابنها لن يكون نسخة عنه، وإنها لا تريد لعنيدين أن يجتمعا تحت سقف واحد، فهذا كفيل بأن يُخلف صداعا دائما.

تبادلا الجدال، وارتفعت الأصوات، ثم انتهى كل شيءٍ بضحكةٍ طويلة… لأن السعادة كانت أكبر من أي خلاف.

أما هالة وسيف، فقد كان نصيبهما فرحتين معا.

حين خرج الطبيب بنتيجة الفحص وأخبرهما أن في رحمها توأما، كاد قلبيهما يقفز من بين صدريهما.

وحين أُضيف بعد أشهر إلى الخبر أن التوأم ولد وبنت، اكتملت النعمة، وامتلأت القلوب شكرا.

لم ينتظرا طويلا، فمنذ الشهر الخامس بدآ بتجهيز الغرفة، يختاران الألوان، ويعدان الأسرة الصغيرة، وكل منهما يبتسم للآخر بطمأنينة صادقة.

وسيف، بطبعه الهادئ، لم يكن كثير الجدل في أمور التربية، وهالة كذلك… لكن يبدو أن العوض كان في هرموناتها.

فقد كانت تشده من شعره فجأة دون سبب واضح، وتخاصمه على أتفه الأمور، وتظهر غيرة لم يعرفها منها من قبل.

غارت عليه من كل ما يملكه، حتى من تفاصيل لا تستحق الغيرة.

وذات يوم، أرسلته في الصباح الباكر ليشتري لها الشوكولاتة التي توحمت عليها.

لم يكن مفتوحا سوى محل واحد، وكانت تعمل فيه فتاة،

عاد سيف بالشوكولاتة، ظانا أنه أدخل السرور على قلبها،لكن ما إن أخبرها بأنه لم يجد محلا غير محل إحدى البنات مفتوحا.. فإذا بها تنفجر عليه غضبا:

لماذا اشتريت منها؟ ماذا فعلت؟ ولماذا تأخرت؟

حاول أن يشرح، أن يبرر، أن يقسِم أن لا شيء كان سوى الشراء… لكنها لم ترضى.

خاصمته خمس ساعات كاملة، لم تُكلمه، ولم تنظر إليه،

حتى عاد إليها في المساء بعلبة مثلجات، وباقة من زهور التوليب البيضاء التي تعشقها.

عندها فقط لان قلبها، وذاب غضبها، وعاد السلام إلى بيتهما… كما يعود الهدوء بعد عاصفة عابرة.

وهكذا، مضت أيامهم، بين تعب وأمل، بين دمعة وابتسامة، وبين قلوب تنتظر قدوم حياة جديدة ستغير كل شيء… وتمنحهم معنى آخر للحب.

............

كان يوما هادئا في ظاهره، غير أنه في باطنه كان يعج بأحداث كالأمواج المتلاطمة في صدر البحر.

جلست ميساء في غرفتها، وقد أسندت ظهرها إلى الوسائد، أمامها حاسوبها المحمول، وفي حجرها علبة من البسكويت المالح، تأكل منه على مهل، تارة وتنساه تارة أخرى، بينما عيناها معلقتان ببرنامج ديني ينساب صوته في الغرفة سكينة وطمأنينة.

كانت ملامحها هادئة، غير أن جسدها، في أعماقه، كان يستعد لشيء عظيم.

في الأسفل، كان روانس يقف في المطبخ، يُعد كوبا من القهوة بيد متعبة.

عاد من عمله قبل ساعة لا أكثر، وقد باغته صداع مفاجئ كأنما ضرب رأسه بمطرقة خفية.

حاول أن يتجاهله، أن يقنع نفسه بأن القهوة كفيلة بإزاحته، غير مدرك أن ما يشعر به ليس سوى نذير لقلق أعظم.

كانت الساعة تقارب السابعة مساء، وقد غادرت والدته المنزل فور ولوجه، إذ اعتادت في هذه الأيام أن تبقى إلى جوار ميساء، لما دخلت شهرها الأخير، شهر الترقب والخشية معا.

ساد المكان صمت ثقيل، لا يُسمع فيه سوى صوت الماء وهو يغلي، ودقات ساعة الحائط الرتيبة.

وفجأة…

انشق ذلك الصمت صرخة حادة، خرجت من غرفتهما كالسهم، مزقت السكون، وزلزلت القلب.

كانت صرخة ميساء...

سقط الكأس من يد روانس، وارتطم بالأرض متحطما، متناثرا كأنما تحطم معه شيء في صدره.

لم يفكر، لم يتردد، بل اندفع يركض صعودا، قلبه يسبق قدميه، وأذناه تلتقطان صراخها وهي تناديه بصوت مبحوح متقطّع:

"روانس… روانس، تعال! أنا ألد… يا روانس تعال!"

اتسعت عيناه، وتجمد الخوف في عروقه، مزيج من الذهول والارتباك والرهبة... بلغ الغرفة في ثوان بدت له دهرا، فإذا بها جالسة على السرير، يدها قابضة على بطنها، وشفتيها بين أسنانها، تعضهما كأنها تحاول أن تمنع الألم من الإفلات منها.

أسرع إليها، وصوته يرتجف وهو يتحدث بسرعة لا تشبه هدوءه المعهود:

"ميس… ما بكِ؟ هل… هل تلدين؟ تكلّمي، لا تُخيفيني"

تنفست بشهقة عميقة، كأنها تنتزع الهواء انتزاعا من صدرها، ثم قالت بصوت تقطعه الآلام:

"نعم يا روانس… ماذا ترى؟ أسرِع… لقد نزل ماء الرأس، أسرع…"

وما إن لفظت كلماتها الأخيرة، حتى صرخت صرخة اخترق صداها قلبه، إذ داهمها انقباض عنيف.

انقبض قلبه معها، وهرع ليعينها على الوقوف، غير أنها ضربت يده بحدة، وصاحت فيه، وقد غلبها الوجع: "أحضِر لي عباءتي ونقابي يا روانس! لا تجعلني أنقض عليك الآن… ما هذا التوتّر؟ أأنت من تلد أم أنا؟"

ازداد ارتباكه، وراح يجيبها محاولا أن يسيطر على صوته: "حسنا… حسنا، لا تصرخي فقط، أرجوك"

أسرع يحضر عباءتها وخمارها، وألبسها إياهما بيدين مرتعشتين، ثم ناولها النقاب، فرفعته قليلا لتتنفس، وقد علا صدرها وهبط بثقل، لم يضيعا وقتا، أخذها مسرعا إلى السيارة، وكأن كل دقيقةٍ تنتزع من العمر انتزاعا.

جلست إلى جواره، تعض على إحدى يديها، بينما قبضت باليد الأخرى على يده، تخدشها بحدة لا تشعر بها، وهو يقود، يغمض عينيه بين الحين والآخر، يعتصرهما ألما كلما شعر بخدوشها، للأنها لم تكن ترتدي قفازها، فقد كانت تشكو الحر، وتقول بين صرخاتها إنها لا تحتمل شيئا يلامس يديها فقد كانت خدوشها مؤلمة حقا.

وأخيرا، توقفت السيارة أمام المستشفى الخاص الذي اختاراه من قبل، نزل مسرعا، وراح يصرخ بأن زوجته تلد... لم تمضِ لحظات حتى تقدمت ثلاث ممرضات  بسرير متحرك، وضعنها عليه بسرعة، واندفعن بها نحو غرفة الفحص.

ألبسنها ملابس الولادة، ثم إلى غرفة العمليات على عجل،

همّ بالدخول خلفها، غير أن الباب أُغلق في وجهه.

وقف لحظة، ثم تهاوى جالسا على الأرض، وقد خارت قواه، وأسند رأسه إلى الجدار، تذكر فجأة أمرا، فانتفض واقفا، وأخرج هاتفه، وراح يتصل بعائلته وعائلتها، صوته سريع وهو يخبرهم.

مرّت نصف ساعة ثقيلة، كان يسمع فيها صراخا يعقبه صمت قصير، ثم يعود الصراخ من جديد.

كانت كل صرخة تمر عليه كسكين، وكل صمت يُخيفه أكثر من الصراخ.

ثم، بعد لحظات، سمع وقع أقدام مسرعة، رفع رأسه، فإذا بوالديه يتقدمان، ومعهما والدا ميساء، وخلفهم أخواها أسيد وسيف.

أما هالة وليا، فقد بقيتا في البيت مع فرح، خشية أن يتوترا، ولئلا تُصاب إحداهن بولادة مبكرة جراء التوتر .

ما إن وصلوا، حتى أسرعت إليه والدته، وقد نهض بوهن ليستقبلها، فعانقته وربتت على ظهره بحنان أمومي عميق، وقالت بصوت ملؤه يقين:

"ستكون بخير يا بني، لا تقلق… ستخرج هي وابنتك في أحسن حال، بإذن الله"

فأغمض عينيه، وتمسك بتلك الكلمات كما يتمسك الغريق بخشبة نجاة، داعيا في سره أن تنقضي هذه اللحظات، وأن يفتح الباب قريبا… على حياة جديدة.

ومضت الدقائق بعدها مثقلة كأنها أعوام،

لا تقاس بزمنها، بل بما تتركه في القلب من رهبة وانتظار.

كان روانس واقفا تارة، جالسا تارة، لا يستقر له حال.

يضم يديه إلى صدره حينا، ويمرر أصابعه في شعره حينا آخر، وعيناه لا تفارقان ذلك الباب الأبيض المغلق، كأنما لو أطال النظر إليه لانشق منه بشرى.

كان يُسمع في داخله دعاء لا ينقطع، يردده قلبه دون لسانه:

يا رب… سلمها، يا رب خفف عنها، يا رب لا ترني فيها بأسا.

لم يكن يخشى شيئا في حياته كما خشي تلك اللحظات، ولم يشعر بضعفه يوما كما شعر به الآن، رجل أعياه الانتظار، وأقعده العجز، فلم يعد يملك سوى الدعاء.

والد ميساء كان جالسا غير بعيد، رأسه منخفض، يحرك مسبحته ببطء، يهمس بالأذكار، فيما كانت والدتها تمسح دموعها خفية، كلما خنقها القلق.

أسيد كان واقفا متصلبا، يحاول أن يبدو قويا، لكن قبضته المشدودة وشروده الطويل كانا يفضحان اضطرابه.

وسيف، بهدوئه المعتاد، جلس قريبا من روانس، دون كلام، حضوره وحده كان عزاء صامتا.

إلى أن حل صمت مطبق بعد توقف الصراخ تبعه صوت بكاء حاد لطفلة أنارو الدنيا على الساعة العاشرة ليلا.

ثم…انفتح الباب أخيرا.

خرجت ممرضة بخطوات سريعة، وعلى وجهها ملامح جدية لم تُفسر في اللحظة الأولى، فانتفض روانس واقفا، وتقدم خطوة، وقد انحبس صوته في صدره.

وقبل أن ينطق، وقبل أن يسأل، ارتسمت ابتسامة صغيرة على وجهها، وقالت بنبرة مطمئنة:

"مبارك… الزوجة بخير، والطفلة بخير.. "

لم يسمع بقية الكلمات... كأن الدنيا توقفت عند تلك الجملة.

انفرج صدره دفعة واحدة، وسقطت دمعة حارة من عينه دون أن يشعر.

وضع يده على وجهه، ثم أنزلها، وهو يبتسم ابتسامة مرتجفة، لا يدري أهي بكاء أم ضحك.

اقتربت منه والدته، فضمته هذه المرة بقوّة، وسمعته يهمس بصوت مبحوح:

"الحمد لله… الحمد لله"

ارتفعت الأصوات من حوله بالتكبير والحمد، وامتزجت الدموع بالابتسامات، وبدت الوجوه كلها وكأنها تنفست بعد اختناق طويل.

وبعد دقائق، سُمح له بالدخول.

خطا إلى الغرفة بخطوات مترددة، قلبه يخفق بعنف، حتى رآها.

ميساء كانت ممددة على السرير، شاحبة الوجه، متعبة الملامح، لكن في عينيها بريق حياة لا يُخطئه قلب أحبها.

وحين رأته، ابتسمت… ابتسامة ضعيفة، لكنها كانت أثمن من الدنيا.

اقترب منها، أمسك يدها بحنان بالغ قبل جبينها برقة، كأنما يخشى أن تؤلمها لمسته، وهمس:

"الحمد لله على سلامتك يا روحي… أرعبتِ قلبي"

تنفست بعمق، وقالت بصوتٍ واهن:

"ألم أقل لك لا تتوتر؟"

ابتسم رغم دموعه، ثم التفت، فرآها…

قطعة صغيرة من الحياة، ملفوفة بقماش أبيض، ملامحها هادئة، وعيناها مغمضتان كأنها تنام مطمئنة بعد صراع للخروج، غير عالمة أن العالم قد تغير بقدومها.

مد يده بتردد، حملها بين ذراعيه، فارتعشت أنفاسه...

في تلك اللحظة، لم يكن روانس الزوج، ولا الابن، ولا الرجل العامل…

كان أبًا.

أبًا لأول مرة.

وشعر أن قلبه لم يعد كما كان، وأن جزءا منه قد انتقل ليستقر في تلك الصغيرة، وأن حياته، منذ هذه اللحظة، قد بدأت من جديد.

قرّب فاهه رويدا من جوار أذنها الصغيرة، وقد أحاطها بذراعيه كأنما يخشى أن تمسّها قسوة العالم باكرا.

كانت ميساء تراقبه بعينين واهنتين من أثر التعب، غير أن فيهما بريقا صافيا من الفرح والامتنان، بريق أم رأت ثمرة وجعها بين يدي من تحب، حيّة، سالمة، نورا خالصا.

خفض صوته، فكان الأذان ينساب من شفتيه خاشعا، ثابتا، كأنه يسكبه في روحها قبل أذنها، يقول:

"اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ

اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ

أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله،

أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله

وأشهدُ أن محمدًا رسولُ الله،

أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله

حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة

حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح

اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ

لا إلهَ إلا الله"

كان صوته يرتجف ارتجافا خفيفا، لا من ضعف، بل من رهبة اللحظة، من ثقل الأمانة التي وضعت في صدره فجأة.

تنفس بعمق، وأغمض عينيه لحظة، ثم فتحهما مبتسما، ابتسامة رجلٍ ذاق معنى النعمة حقا.

مال إليها ثانية، وهمس وكأنه يُودِع الاسم في قلبها لتنشأ عليه:

"اسمكِ جُودين…

اسمكِ جُودين…

اسمكِ جُودين يا ابنتي"

ثم تابع بصوت خافت مفعم باليقين:

"سُمّيتِ جُودين لأنكِ كنتِ جودًا من الله علينا، وعطاء بلا حساب... أتيتِ بعد تعب، فكنتِ راحة،

وبعد خوف، فكنتِ طمأنينة،

وبعد دعاء طال، فكنتِ إجابة"

اقترب من ميساء، وقد سالت دمعة دافئة على خدها، لا ألم فيها، بل شكر.

فأردف وهو يرفع بصره إلى السماء كأنما يناجيها:

"يا قُرّة عين والديك،

بارككِ الله، وحفظكِ بعينه التي لا تنام،

وجعلكِ صالحة، نقية القلب، طيبة الأثر،

وأنبتكِ نباتا حسنا،

وأقرّ بكِ أعيننا في الدنيا والآخرة"

وفي تلك اللحظة، سكن كل شيء.

لم يبق في الغرفة سوى قلبين ممتلئين بالحب على الساعة الحادية عشر ليلا، وصغيرة بدأت لتوها رحلتها في هذا العالم…

وقد فتحت مسامعها أول ما فُتِحت على اسم الله.

...............

ومرت الأيام كما تمر الغمامةُ العابرة، لا تُمهل القلب ليلتقط أنفاسه، ولا تستأذن الذكريات قبل أن تبتعد.

أربع سنين كاملات انسلت من العمر انسيال الضوء عند الفجر، منذ ذاك اليوم الذي أشرقت فيه جودين على الدنيا، فأنارت البيت، وملأت قلب والديها دفئا لم يعرفا له مثيلا من قبل.

وكان ذاك المساءُ رمضانيّا، أول أيام الشهر المبارك، حيث تجتمع الأرواح قبل الأجساد، وتتلاءم القلوب على مائدة الرحمة.

اجتمعت العائلات في بيت عائلة ميس، والسكينة تلف المكان كما يلف الدعاء ليل الصائمين.

أذّن المغرب، فارتجف الهواء بنداء السماء، واجتمع الرجال في الحديقة حيث النسيم، والنساء في الداخل حول مائدة الإفطار، تتعانق الروائح، وتتمازج الدعوات.

ساد الحديقة هدوء وقور، ذاك الهدوء الذي لا يقطعه سوى خشخشة أوراق الشجر أو همس التسبيح…

حتى انشق الفضاء فجأة بصوت طفولي حاد، صرخة خرجت من بوابة البيت المطلة على الحديقة، كالسهم المفاجئ.

التفت روانس وأسيد وسيف دفعة واحدة، فإذا بـ جودين تتقدم القافلة، تركض بكل ما في الطفولة من اندفاع، فستانها الزهري يرفرف حولها كزهرة هاربة من البستان، وشعرها الأشقر يتمايل مع خطواتها، أما عيناها التركوازيتان التي ورثتهما صفاءً من والدتها فكانتا تخطفان الأنفاس ببراءتهما.

صرخت وهي تهرع نحو والدها:

"أبي! أبي! رفرف يريد أن يضربني!"

انفجر الضحك من الرجال، وفتح روانس ذراعيه على وسعهما، بينما كان رافد يركض خلفها، يحاول اللحاق بها بعنادٍ طفولي لا يخلو من الغيرة.

رافد… ابن أسيد، نسخة صاخبة من والديه، بشعره الأسود الكثيف، وعينيه العسليتين المليئتين بالمشاكسة.

لم يكن لاسمه من صفاته نصيب، فرافد الذي يدل على العطاء والمساندة، كان لا يعطي شيئا يخصه إلا بعد صراخ وبكاء طويل، وقد انتقلت هذه العدوة اللطيفة إلى جودين منه.

وخلفهما، كان التوأم الصغير يسيران على مهل، أيديهما الصغيرة متشابكة، كأنما اتفقا على أن يكونا معا دوما.

روان وريان… انعكاس صامت لبعضهما؛ ملامح تشبه والدتهما، وشعر أسود فاحم، وعيون داكنة كوريثهما.

كانا يمثلان الهدوء والرزانة وسط عالم من الضجيج، لا يصرخان إلا نادرا، ولا يبكيان إلا إذا استدعت الحاجة.

روان… اسمها يوحي بالصفاء،

وريان… اسمه يحمل معنى الارتواء والحياة.

ذهب كل طفل إلى أبيه، حمل روانس جودين، وهي لا تزال تتذمر من رافد، بينما جلس رافد في حجر والده أسيد، يصرخ محتجا أن لعبته قد سُلبت منه ظلما.

أما التوأمان، فجلسا في حضن والدهما سيف، صامتين، يراقبان المشهد بعينين لامعتين.

قالت جودين بامتعاض وهي تعقد حاجبيها:

"أنا الأكبر هنا يا بابا، يجب أن يحترمني رفرف"

ضحك روانس بخفة، ومسح على شعرها:

"نعم، أنتِ الأكبر يا جود، ولكن لا يجوز أخذ لعبته دون إذنه... ثم إن اسمه رافد وليس رفرف"

عبست بشفتيها، وترقرقت الدموع في عينيها، وفي الجهة الأخرى صاح رافد:

"أبي! هي من أخذت لعبتي! أنا لم أفعل شيئا! قل لها أن تعيدها!"

ابتسم أسيد باستسلام:

"آسف يا بني، لا أستطيع الانتصار على النساء… خصوصا الصغيرات منهن"

نزل رافد من حجره مسرعا، وقد اغرورقت عيناه بالدموع:

"خالي رون، أرجوك… أريد لعبتي"

تنهد روانس، ثم قال بنبرة حازمة مازحة، وهو يربت على رأس ابنته:

"جود، أعيدي لعبته، وإلا أخبرت ماما… وأنتِ تعلمين أنها ستغضب ولن تحادثك"

تجمدت الطفلة لحظة، بينما ضحك روان وريان بخفة، وقد ألفا هذه المسرحية المتكررة.

قالت أخيرا، وهي عابسة:

"حسنا… سأعيدها، لكن لا تخبر ماما"

أنزلها روانس، فتقدمت نحو رافد، ناولته لعبته وقالت: "تفضل يا رفرف… أنا آسفة"

نظر إليها بعبوس يشبهها، ثم قبل خدها سريعا، وفرّ إلى والده، وقد احمر وجهه خجلا.

تعالت الضحكات، حتى من الأجداد، ثم قالت روان بخفة: "أبي، نحن أفضل منهما، لا نتشاجر كثيرًا أنا وأخي، أليس كذلك؟ "

وقبل أن يجيب سيف، قال ريان بهدوءٍ يفوق عمره:  "لسنا أفضل، بل أهدأ فقط… وهما أصخب، وهذا طبيعي، فنحن أطفال، أليس كذلك يا أبي؟"

ربت سيف على رأسه مبتسما:

"نِعمَ الابن الحكيم"

نزل التوأمان، متشابكي الأيدي، وراحا يناديان أبناء العمومة متجهين إلى ركن الألعاب.

وفي تلك اللحظة، خرجت ميساء من باب البيت، تتقدم بخطى معتذرة:

"آسفة… كانوا يشاهدون التلفاز، وفجأة ركضوا، لم أستطع منعهم... أتمنى أنهم لم يقاطعوكم"

ابتسم روانس والجميع، وقال والد زوجها:

"بل زادوا المكان حياة يا ابنتي"

اقتربت ميس من زوجها، تحمل صينية عليها حلويات جزائرية:

"اختر واحدة، أعلم أنك تحب الحلو بعد الإفطار"

ابتسم روانس وقال بصوتٍ مسموع:

"شكرا يا وتيني… أحمد الله كل يوم على وجود امرأةٍ مثلك في حياتي"

قال سيف وأسيد معا:

"لا تبدأ يا روانس!"

ضحك الجميع، حتى ميس، التي ناولتهم البقلاوة وقلب اللوز:

"لا تغاروا… خذوا وكلوا"

وقبل أن يكتمل المشهد، ارتفع صراخ جديد من الخلف…

جودين ورافد يشدان شعر بعضهما،

وريان وروان يحاولان التفريق بينهما بهدوء معتاد،

لتبقى العائلة، بين ضحك وصخب، صورة حية

لرمضان… حيث الفوضى محبة، والضجيج حياة، والقلوب عامرة.

«النهاية»

.

.

.

.

تمت بحمد الله

إنتقلو لما بعد الفصل للفضفضة.

"أروي الرواية أوقظ فيك اليقين"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب في رحاب العلم

المؤلف djeziri hadjira
2025/09/05 مكتملة
قائمة الفصول (27)
الفصل 0: مقدمة.
2025/09/05
الفصل 1: عيون تلتقي
2025/09/07
الفصل 2: رعشة البداية
2025/09/10
الفصل 3: غيرة في النفس
2025/09/15
الفصل 4: قرار
2025/09/18
الفصل 5: غربة و قرب
2025/09/21
الفصل 6: نظرة الحلال
2025/09/27
الفصل 7: بوادر حب وخطوة مستقبل
2025/10/01
الفصل 8: عقد قران
2025/10/05
الفصل 9: من خجل الاعتراف إلى جرأة الوعد
2025/10/10
الفصل 10: وما الإخلاص إلا أن يراك الله
2025/10/15
الفصل 11: وعد العدل
2025/10/19
الفصل 12: لحظة تشبه الدعاء
2025/10/23
الفصل 13: صوتك كان ملاذي
2025/10/28
الفصل 14: وتمَّ بالعهد اللقاء
2025/11/02
الفصل 15: ما بين النية والقدر
2025/11/07
الفصل 16: حين يبتلي الله القلوب ليطهرها
2025/11/11
الفصل 17: أزِفَ الوِصال
2025/11/14
الفصل 18: أطياف الماضي
2025/11/21
الفصل 19: أصداء القلب
2025/11/26
الفصل 20: حين يجد القلب مُتكأه
2025/12/01
الفصل 21: على عتبات المجهول
2025/12/06
الفصل 22: بين الفقد والأمل
2025/12/13
الفصل 23: بين حدِّ السيف.. ونبضِ الميس
2025/12/18
الفصل 24: وكان الختام حياة
2025/12/26
الفصل 25: فضفضة
2025/12/26
الفصل 26: فصل خاص: همسات بين الجدران
2026/01/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة