بين حدِّ السيف.. ونبضِ الميس

بين حدِّ السيف.. ونبضِ الميس

17 0

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

أما بعد:

سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب

.

.

.

ملاحظة:

علّقوا بين الفقرات رجاءً، واضغطوا على النجمة قبل قراءة الفصل، فلن تأخذ منكم هذه الضغطة أكثر من عشر ثوانٍ فقط.

الكاتب - مهما أنكر - يحتاج إلى دعمكم ليستمرّ، فنحن بشر في النهاية... أوليس كذلك؟

.

.

.

.

​"حين يتعانق الرضا بالقدر مع الإصرار على الحقيقة، تولدُ أيامٌ لا تُنسى في سجلات الروح."

.

.

.

.

.

مرَّ نصف شهر على إصابة سيف، وقد أخذت جراحه تنكمش رويدا، حتى عاد العود إلى بعض صلابته.

غير أنّ عناده المعهود دفعه، في ذلك الصباح الهادئ، إلى أن يمضي إلى عمله من غير أن يمهل جسده لحظة راحة، كأنما يكابر الألم ليثبت أنه ما عاد يملك عليه سلطانا.

وفي أثناء ذلك، كانت الأخبار تتوالى: فقد قُبض قبل خمسة أيام على ذلك الجار الهارب، الذي أثقلت كاهله التهم، وتكاثفت عليه الشهادات حتى بدا كأن الحقيقة تمسك به من عنقه.

وحين صدر قرار المحكمة بأن تكون محاكمته بعد غد، بدأ القلق يتسلل إلى قلب هالة، تلك الفتاة الهادئة التي تخفي بين ضلوعها قلبا يضجّ خوفا على من تحب.

كانت تراقب خطوات سيف من بعيد، وكلّ حركة منه توقد في صدرها نارا لا تحدّها الكلمات؛ فهي تخشى أن يُمس بسوء آخر مرة أخرى، أو أن يعاد فتح جراح بالكاد التأمت.

ومع ذلك كتمت خوفها عنه، خشية أن تثقل عليه وهو لم يبرأ تماما بعد و في يده مرافعة عليه ان يجعل متهمها يأخذ عقابه على أكمل وجه.

فحدثت ميسا بأمرها، وباحت لها بما يعتمل في صدرها من هواجس.

أخذت ميس بيد القلق عنها، وربتت على روحها بكلماتها المطمئنة، تقول لها إنها لن تكون وحدها يوم المحاكمة، وإنها وروانس وأسيد سيقفون إلى جانب سيف و هي

إلى جانبها ...

ذاك الذي سيكون المحامي والضحية في آنٍ واحد، يقف أمام العدالة بشجاعة من ذاق الظلم ولم يستسلم ومن سيعيد الحق لأصحابه فيقول كما يقول دائما وكما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم:

﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾

سورة الإسراء، الآية 81.

كانت هالة في المطبخ تُهيئ العشاء لهما، وصدرها يضطرب كأن في أعماقها ريحا تكاد تقتلع سكونها.

شرودها كان يغلبها، وكلما حاولت القبض على خيط من التفكير انفلت منها آخر، وما حدث قبل مدة كان ما يزال يطرق قلبها طرقا خفيا لا يهدأ.

وفي تلك اللحظة، كان سيف في غرفتهم يستحم بعد عودته المتأخرة من عمله في المحاماة، وقد أتعبه اليوم وأثقل كتفيه بسبب تراكم الأعمال و الأوراق وما إلى ذلك لمدة خمسة عشر يوما كاملا.

ولما دوى صوت الفرن في المطبخ معلنا اكتمال نضج ما فيه، تقدمت نحوه تطفئه وتفتح بابه، ونويت أن تُخرج الصينية بيديها العاريتين.

وما إن مدت يديها حتى وقفت يد قوية حائلة بينها وبين ما نوت فعله، وتبع اليدَ صوتُ سيف يجلجل من خلفها:

"أَجننت يا هالة؟ أين ذهب عقلك؟ أتُخرجين صينية تلتهب من الفرن بيديكِ العاريتين؟ أتحرقين نفسكِ أم ماذا؟"

ارتجفت على نبرة صوته الحاد، والتفتت ببطء نحوه، فرأت قسمات وجهه معقودة، حاجباه الأسودان قد انخفضا في قلق ظاهر، ويده تشد على يدها وكأنه يعيدها إلى نفسها.

هزت رأسها نفيا، وقالت بصوتٍ خافت كمن خرج من غيبوبة:

"حاشا أن أنوي ذلك... غير أنّ شرودي غلبني، فما انتبهت"

تمتم سيف بكلمات لا تكاد تفهم من بين ضيقه وقلقه عليها، ثم جذبها برفق لتقف جانبا، وأخذ كفوف الحماية، وأخرج صينية المنسف الصغيرة التي أعدتها.

رفع الصينية بحذر، ثم وضعها على الرخام، واستدار إليها، وفي عينيه بقايا خوفٍ عليها لم يستطع إخفاءه.

أمسكَ يدها مرة أخرى، وأجلسها على كرسي المائدة، وجذب كرسيا آخر وقعد قبالتها.

كان شعره المبتل يتقاطر قطرات صغيرة على عنقه وثيابه، كأن الماء لم يزل يصر على التشبث به، وقد رقَّ جسده قليلا بعدما كان متوترا منذ لحظة.

أسند مرفقيه على الطاولة، وأطبق بكفيه على يديها، كأنما يضم قلبها بين يديه.

أرخى ظهره إلى الأمام، ونظر إلى وجهها طويلا، نظرة تنبض بحنان صادق، ثم قال بصوت خفيض يلامس قلبها:

"مُنيّتي... يا زوجتي ونعمة قلبي، أعلم أن يوم المحكمة يثقل صدرك، وأن ما حدث قبل مدة ما يزال يترك في روحك رعشة خوف.

لكن أخبريني... هل أنت راضية عن هذا الخوف؟ هل يسعدك أن يظل قلبك يرتجف هكذا؟"

حدقت فيه بعينين ذابلتين كزهرتين أنهكهما السهر، ثم هزت رأسها نفيا، وقالت بنبرة تفيض وجعا وصدقا:

" تالله لست سعيدة... لكنّ الرهبة لا تفارقني، أخشى أن أفقدك كما فقدت أبي، قلبي تعلق بك يا سيف، وتشبث بك حتى صرت عندي بمنزلة الروح للبدن"

كان صوتها يرتعش، كأن كلماتها تساق من أعمق مواضع الخوف في صدرها، فمد يده يمسح على أصابعها برفق، وكأنه يتعهدها بالأمان.

ثم ابتسم ابتسامة خافتة، كأنها خيط نور يتسلل من بين غيوم يوم رمادي، ثم أدار بصره نحو يديهما المتشابكتين، يقرأ في تداخل أصابعهما وعدا صامتا.

تنفس بعمق يزن الكلمات قبل خروجها، وكأن في أنفاسه حكمة أجيال سابقة، حكمة ولدت من صبر طويل وتجربة مريرة كانت صاحبتها أخته.

قال بصوت رقيق ينساب مثل نسمات ربيع تهب في فجر رطب:

" يا نور قلبي، يا من خُلقتِ لتسكني وجعي وفرحي، اعلمي أن القلب لا يطمئن إلا إذا سلم زمامه لله، وأن الرضا بقضاء الرحمن هو سكينة البحار حين تهدأ أمواجها بعد عاصفة.

فمن تعلق بغير خالقه، أو ركن إلى أُمنية على غير يقين، فقد أعيا نفسه بحرب لا ترجى لها غلبة.

الدنيا يا هالة ليست دار ثبات؛ لا صيف يدوم، ولا حر يخلد، ولا فرح يخلو من شائبة تذكرنا بحقيقة الفناء."

اقترب منها خطوة، كأن الأرض ضاقت بما تحمله روحه من شوق، ومد كفه إلى صدره، كمن يسحب من أعماقه جبلا من الأمان ليضعه بين يديها:

"وإني، والله، لكِ كظل شجرة وارفة إذا قست الشمس بحرارتها، وكنجوم حانية إذا ضلّ المسافر في الليلة الداجية، إنّ هذا الطريق الذي نسلكه وإن صَعُب هو كتاب كتب بأمر من لا يقول إلا حكمة، وجرت به أقدار لا تنازع، إن بعد العسر يسر، ووعد الله لا يخلف، فلا تثقلي قلبك بخوف لا يجلب إلا وهنا، ولا تزرعي في صدرك هما لم يقدره الرحمن لك بعد"

ساد بينهما صمت مهيب، كأنه سكون مسكن قديم لا يدخله إنس، ثم أردف بصوت خفيض يشبه همس شاعر يبوح بسره الأخير:

"يا هالة، إن الرضا بالقضاء ليس خضوعا، بل هو ثبات كالجبال، وعقيدة تغوص جذورها في عمق الروح، فتتمايل أمام العاصفة دون أن تنكسر.

وإن مال قلبك يوما، فاذكري كم أُحبك... وكم أبتغي لكِ الخير... وكيف صرت النور الذي يكسر ظلمتي، والطمأنينة التي ألوذ بها كلما ضاقت الدنيا"

رفعت عينيها نحوه، وقد تجمعت في أطرافهما دمعة رقيقة، دمعة خوفٍ تذوب تحت دفء يقينه، ثم قالت بصوت مرتجف:

"يا سيف، كلماتك تسكب في روحي سكينة لا يقدر عليها سوى دعاء صادق.

أشعر أن قلبي عاد الآن يخفق على نبض الرضا، وأن ما كتبه الله لنا خير، مهما بدا في ظاهره مرا.

أحاول أن أخلع من نفسي رهبة لا تغني، وأن أتشبث بأملك كما يتشبّث غريق بخشبة نجاة، وأثق بأنك كما قلت ظلي إن طال الطريق وتقلبت الأزمنة"

فاض على وجهه نور ابتسامة هادئة، ثم ضمّ يديها إلى صدره كمن يحتضن أمانه الأخير:

"هكذا هي الحياة، يا منيتي امتحان تُصفى فيه النفوس، ورحلة لا تستقيم إلا باليقين. ونحن معا، ومع الله، أقوى من كل محنة، فدعيني أكون لك سكنا، ودعي يقينك بالله جذرا لا تقتلعه رياح"

ابتسمت وهي تشدعلى يديه برفق يشبه وعدا صامتا، ثم نهضت من مجلسها وقالت بصوت تمازجه مودة دافئة:

"هلمَّ إلى العشاء، فقد حان وقته، وبعده ستراجع لي المحفوظ كما اتفقنا يا متكئي"

فأجابها وهو يبتسم ويومئ برأسه إيماءة رضا:

"لا ريب يا منيتي... فالعهد عند الحرِّ دين"

ثم تقدمت نحو الصينية بخفة وطمأنينة، تأخذ الأطباق وتسكب الحصص بعناية تشبه عناية الأم بفلذة كبدها، وكأنها تخشى أن يختل ميزان الود بينهما لو زادت لقمة أو نقصت.

وضعت الأطباق على المائدة بترتيبٍ يدل على ذوقها الرقيق، بينما كان هو يعاونها في إعداد ما تبقى، يمد لها يده كلما احتاجت شيئا، ويبادلها نظرات هادئة تغني عن ألف عبارة.

جلسا إلى العشاء متقابلين، يأكلان في سكينة تتخللها أحاديث رتيبة محببة، عن يومهما الطويل، وعن التفاصيل الصغيرة التي لا يبوح بها الإنسان إلا لمن يسكن قلبه.

وكانت ضحكات خفيفة تتعالى بين حين وآخر، كأن البيت نفسه يستمع إليهما وينشرح.

وبين لقمةٍ وأخرى، كانت تشعر بأن قربه يملأ المكان دفئا، بينما كان هو يطيل النظر إليها كلما غفلت، كأنما يريد أن يختزن هذا المشهد في ذاكرته ليعود إليه متى ضاق العالم.

............

في منزل أُسيد وليا، كان الوقت يقارب الساعة السادسة و النصف مساءً.

جلس أسيد في الغرفة التي أعدها خصيصا لها للحفظ، غرفة يغمرها نور خافت ينبض بالطمأنينة، وعلى الطاولة الصغيرة مصحف مفتوح ينتظر صوتها.

كان ينتظرها بصبر يعرفه عنها منذ أيام، صبر تعلم فيه أن ليا قبل أن تبدأ مراجعة المحفوظ تغدو أكثر هدوءا من نسيم الفجر، يكتنفها تركيز يشبه الخشوع.

تغيب الدعابة من محياها، ويصبح قلبها معلقا بالكلمات التي تحفظها، فلا تنطق إلا بقدر ما يلزم، ولا تبتسم إلا خفوتا حتىت.

وفيما هو غارق في تفكيره، سمع خطواتها الهادئة تصعد السلم، خطوات يعرف وقعها كما يعرف نبض نفسه.

كانت تحمل الماء الذي اعتادت إحضاره قبل جلسة الحفظ، لأنها لا تريد التوقف بسبب جفاف حلقها فقط.

دخلت عليه، فاستقبلها بابتسامة هادئة، فردت بأخرى أكثر سكينة، ثم جلست أمامه بهدوء يليق بروح نقية.

جلست قبالته، وبينهما الطاولة الصغيرة التي اعتلتها هيبة المصحف، يتلألأ على صفحاته نور المصباح.

وكان أُسيد أوّل من قطع الصمت قائلا، بصوت تخلله حنانٌ دافئ وحب ينمو أكثر مع مرور الأيام:

"أأنت جاهزة الآن يا فتنتي العنيدة؟"

أومأت برأسها، كعادتها حين تقبل على المراجعة بقلب ثابت لا يعرف التردد، عدّلت جلستها بعفوية، بينما كان هو يراقب كل حركة منها وكأنها جزء من لوحة يعرف تفاصيلها.

ثم قال بنبرة ثابتة هادئة:

"اليوم سيكون العرض من السورة الجديدة التي ولجت أبوابها وقد مر خمس عشرة يوما منذ أخر مراجعة..."

رفعت رأسها، وقالت بنعومة امتزجت بدفء:

"نعم... إنها سورة الحشر يا نبضي"

حينها ارتسمت على شفتيه ابتسامة أعمق، كابتسامة من وجد طمأنينة طال انتظارها.

مد يده إلى المصحف، يحمله بخشوع، ثم فتحه على السورة المقصودة، وكأنهما على موعد مع نور جديدٍ يضاف إلى صدريهما.

كانت اللحظة تغمرهما بصفاء لا يشبه ليالي رمضان الأولى...

لحظة تداخل فيها الحب مع الحفظ، والسكينة مع الهيبة، فصار المشهد أشبه بمحراب يجلسان فيه، يتقاسمان نور القرآن كما يتقاسمان نبض الحياة.

استوت ليا في جلستها استواءَ من أعد قلبه قبل لسانه، فاستعاذت بالله استعاذة الموقن بقدرته، ثم بسملت بوقار يليق بمقام التلاوة:

"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

بسم الله الرحمن الرحيم"

ثم تنفّست قليلا، وأرسلت صوتها صافيا، تتلو أول سورة الحشر:

﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ۚ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا ۖ وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ ۖ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2)﴾

وما إن انتهت الأية، حتى قطع أسيد سيل صوتها بلطف:

"رقّقي التاء في فأتاهم، ولا تُقصّري المدَّ في وظنّوا، فمده لازم ست حركات، لا يخفض إلى إثنين"

أومأت برأسها طائعة، ثم أعادت الآية كما ينبغي، وأكملت القراءة بخشوع يلوح في نبرة صوتها:

﴿وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (3)

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۖ وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (4)

مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ ۖ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ (5)﴾

ثم توقفت قليلا، كأنّ ذاكرتها تبحث بين طيات الحفظ، دون أن تهتدي لبداية الآية التالية.

فأدرك أسيد ما بها، فنطق بداية الآية بصوت خفيض:

"وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ..."

وما إن فاه بها حتى استعادت ليا ما كان يشكل عليها، فأتمت القراءة قائلة:

﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)

مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ ۚ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7)﴾

وتابعت التلاوة آية إثر آية، حتى ختمت السورة كاملة حفظا، ثم أتبعتها بدعاء الانتهاء من القراءة:

"سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك"

وما أن فرغت ليا من تلاوتها حتى ارتسمت على محيا أسيد ابتسامة دافئة، لم تختلج فيها أي شائبة، وقال لها بصوت يمزج بين الإعجاب والفخر:

"أحسنتِ، لم يكن هناك الكثير من الأخطاء هذه المرة، يا فتنتي العنيدة"

أومأت برأسها بفخر، وارتفع حاجبها في تحد طفولي وقالت بصوت خفيف وحاد قليلا:

"بالطبع، لقد قضيتُ ساعات لا تحصى في الحفظ، ما الذي كنت تنتظره غير هذا، يا نبضي؟"

هز رأسه ببطء، ورسمت على وجهه تجاعيد التفكير، ثم تنهد قائلا :

"ما انتظرتُ سوى هذا منك"

رفع هاتفه ببطء ليطل على الساعة، فإذا هي الثامنة تماما.

نهض من مكانه، وارتسم على وجهه حماس خفي وقال:

"لقد اتفقت مع روانس على اللقاء اليوم في الملعب، لنفرغ بعض طاقتنا على الكرة، سأرتدي ثيابي وأذهب"

وما أن نهض حتى لاحظ اندفاعها المفاجئ، تنتفض كالقطة المقتحمة، فتقف أمامه بعناد وعيون تتلألأ كالعسل في ضوء الصباح، وقالت بلهجة مليئة بالإصرار:

"سأذهب معك"

رمش بخفة، ثم قال بجدية تخالطها الدهشة:

"وواش تديري ثماك تلعبي البالو ولا واش"

ما لبث ان انتيه لأنه تكلم بلهجته لتلك التي رمشت فأعاد قول ما قاله بما تفهمه:

"وماذا ستفعلين هناك؟ تلعبين الكرة أم ماذا؟"

عبست بوجه طفولي، وارتعشت شفتاها قليلا، ثم قالت بنبرة طفولية متوهجة:

"اليوم بطوله وأنا محصورة في هذا البيت بين جدرانه، مللت، أرغب في الخروج، استنشاق نسيم الهواء... وأيضا أريد رؤية أخي، فقد مرّت أربعة أيام كاملة دون أن أراه"

زم شفتيه وهو في صمت التفكير، متأملا تلك النظرة العذبة، لكنه سرعان ما ذاب أمام عينيها البريئتين، فابتسم وقال بقلة حيلة أمامها:

"حسنًا، أنا موافق، لكن لا تتأخري في ارتداء ملابسك، وإلا ذهبت وتركتك خلفي"

أومأت برأسها بعزم، وارتجفت خصلات شعرها حين خرجت من الغرفة بسرعة، مردفة:

"خمس دقائق وأكون جاهزة، لا تقلق"

هزَّ رأسه بامتزاج من اليأس والضحك، وهو يتابعها بخفوت من باب الغرفة:

"يا لها من فتاة..حقا، يا لها من فتاة!"

ثم ابتسم ابتسامة دافئة، ومالت كتفاه قليلا كما لو أنه يحملها في قلبه، وقال مردفا:

"لكن، رغم عنادها، أحبها... أحب هذه الفتنة الصغيرة التي تعاندني و أعاندها دائما"

...............

كانت ميساء تجلس إلى الطاولة، على يمين روانس الذي يترأس المجلس بعادة اكتسبها دون تكلف، والأطباق مصفوفةٌ أمامهما تفوح منها رائحة العشاء الدافئ.

كان يأكل بهدوء، يقطع لقماته وكأن الليل ما زال طويلا أمامه، بينما هي لم تمس صحنها إلا بخطوات خجولة من الملعقة ثم تركتها، كأنها ضاعت في منعطف ضيق من قلبها.

لمّا لمح ذلك، أبطأ حركته، ثم مد يده يضعها على يدها برفق حانٍ، فرفعت رأسها إليه وقد انعقد حاجباها دهشة وارتباك، فقال بصوت منخفض يشبه النسيم حين يلامس ستائر نافذة مفتوحة:

"لِمَ لا تأكلين يا وتيني؟ أهناك ما يشغلك ويأخذك عن لقمتك؟"

أرخت حاجبيها، وأجابت وهي تهز رأسها نفيا، ونبرة صوتها تحمل شيئا من التعب الذي لاحظه:

"لا... فقط لا شهية لي هذه الأيام."

رمقها بنظرة فيها قلق، ثم قال بنبرة آمرٍ رقيق:

"يجب أن تأكلي ولو قليلا، فالجسد لا يصبر إن جفّ عنه عون الطعام"

لكنها هزت رأسها ببطء وأردفت:

"فيما بعد... سأُسخّنه وآكل."

تنهد وهو يضع الملعقة جانبا، كمن سلم أمره للحيرة، ثم قال:

"طيب... سأنتظر معك إذا، وسآكل حين تأكلين"

رفعت بصرها إليه، وفي عينيها شيءٌ بين الامتنان والرفض، ثم قالت بسرعة:

"لا، لا يجب عليك فعل هذا من أجلي"

رفع حاجبيه مستغربا من رقتها المتصلبة تلك، وقال مبتسما نصف ابتسامة:

"وإن لم أفعل من سيفعل؟ ثم إنني اتفقت مع أسيد على اللقاء ولعب الكرة قليلا... سأعود جائعا لا محالة، وسنأكل سويا"

حدقت فيه طويلا، نظرة تفك عقدة في صدرها، ثم قالت فجأة، دون تمهيد كعادتها حين يغلبها شعورها:

"خذني معك يا روانس"

أجابها بعفوية صريحة لا تحمل حسابًا للكلمات:

"لا داعي، وتيني... الليل حلّ والبرد سيشتد"

قطبت حاجبيها بطفولية لا تظهر عليها في العادة على مثل هذه الأمور، وقالت بامتعاض شفاف:

"آه... قل فقط إنك لا تريدني أن أخرج معك، لا تُتعب نفسك بالحجج"

(شكلك انعديتي وصرتي تنكدي حتى انت يا ميساء.. الا ابني 😂... اسفة اسفة خروج اضطراري للكاتبة.. لنعد للمفيد)

اتسعت عيناه دهشة منها، وكأن سهما من كلماتها اخترق هدوءه، فقال بسرعة:

"كيف لا أحب رفقتك يا وتيني؟! إنما خوفي عليك... أخشى أن يمرض جسدك من برد الليل"

هزت رأسها بعناد طفولي أصيل، وقالت بلهجة تُخفي دلالا بين طياتها:

"لا تتحجج... ثم إني اشتقت إلى أخي وأريد رؤيته. ستأخذني معك وكفى."

نظر إليها لحظة طويلة، فيه قليل من الاستسلام وكثير من العجب، ثم وضع كفيه على خاصرته وقال مبتسما بأسى لطيف:

"حسنا... لكِ هذا يا وتيني، فقط لا تعبسي هكذا، تقلبين قلبي رأسا على عقب"

انفرجت شفتاها عن ابتسامة واسعة كالبدر حين يخرج من خلف السحاب، ثم قالت وهي تنهض من مجلسها:

"سأنظف الطاولة وأرتدي ثيابي ونذهب يا مستقري"

وقف هو أيضا، يحمل طبقه وسلة الخبز، ونبرة صوته امتزج فيها العجلة بالحنو:

"هيا إذا... قاربت الساعة الثامنة، ويجب أن نسرع قبل أن يبتلع الليل الشوارع"

وتحركا داخل المطبخ كأنهما نجمان يدور كل منهما في فلك الآخر، ضحكاتها الصغيرة تتناثر كالندى، ونظراته تتبعها كمن يخشى أن تضيع منه لو ابتعدت أكثر من خطوة.

.................

كان الليل قد بدأ يهبط على المدينة هبوط ستارٍ مخملي أسدلته يد الغسق برفق، تتخلله أنفاس نجوم قليلة تتلألأ كخرز فضي مبعثر فوق صفحة السماء.

نسائم الليل تمر على الطرقات وكأنها رسائل قديمة تتلو على المارين أسرارا لم تكتب قط.

في الطريق نحو الملعب، كانت خطوات أسيد ثابتة لكن ملامحه تحمل ذلك العناد الذي يظهر دائما قبل أي مباراة مع أخيه وصديقهم، عناد يلين فقط أمام امرأة واحدة... التي كانت تسير بجانبه الآن.

ليا، كما هي دائما، تجر الهواء معها أينما مرت، تشعل اللحظة بطرافتها وخفة ظلها المشابهة له، وتضيف عليها لمسة من العناد الذي يزاحم عناده نفسه، فيجعلهما يبدوان كقطعتين متقابلتين من صوّان، تلمعان حين تتلامسان.

كانت ملتفة بذراعها حول ذراعه لكن بطريقة لا تخلو من التحدي حيث أنها قد أخبرته أنها ستلعب ضده مع أخيها ويهزمانه، نظرت إليه بطرف عينها وقالت بخبثٍ صغير:

"أراهن أنّك جئتَ مبكرًا فقط لأنني أصريتُ على المجيء فأخي لم يأتي بعد"

ابتسم أسيد تلك الابتسامة التي تنم عن مشاكسة: ابتسامة ساخرة، دافئة، متعجرفة قليلا:

"لا يا فتنتي العنيدة، جئتُ مبكرًا لأرى كيف ستتعثرين على العشب عندما تخسرين أمامي أنت و أخيك"

شهقت ليا، تبعد كتفها عنه بتمثيل طفولي لا يخدع حتى طفلا:

"بل لنرى أنت كيف ستفوز أمامنا عندما يأتي روانس"

ضحك أسيد بصوتٍ خافت، رجوليّ، يحمل مزيجًا من المحبة والمشاكسة:

"روانس لا يخيفني يا فتنتي لعلمك... لكن أخوكِ لا يعرف أن شقيقته جاءت معي، لنرَ كيف سيصدم"

دخل الاثنان إلى الملعب، والباب الحديدي يصدر صريرا خفيفا جعل ليا تتمتم:

"آه... كأننا ندخل مقبرة، وليس ملعبا"

رد عليها أسيد بنبرة تخللها بعض الدعابة:

"هذا فقط لأنك جبانة"

التفتت إليه بسرعة، حاجبها مرفوع بنرفزة:

"أنا؟! جبانة؟! تريد أن تبدأ حربا الآن؟"

مد يده إلى وجهها،يدخل خصلة هاربة من تحت الحجاب يعيدها لمكانها الأصلي بلطف مناقض تماما لكلامه:

"حرب؟ أنتِ حربٌ كاملة، يا ليا"

العشب تحت أقدامهما كان باردا، يلمع بندى الليل و أضواء الملعب تنعكس على وجهيهما.

وقف أسيد عند خط المنتصف، يضع يديه على خصره بطريقة استعراضية، وكأنه يستعد لامتحان ما

اقتربت ليا بخفة، ووقفت أمامه مباشرة، قائلة بصوت خافت وكأنه سر:

"تظن أنك مستعد للفوز علينا الآن؟"

رد بثقة مزاحمة للسماء:

"أنا مستعد للفوز على العالم كله...وذلك لأنكي أمامي ولو كنت المنافس"

رمشت ليا، ثم ضحكت ضحكة قصيرة من النوع الذي يطرق باب القلب:

"توقف... لا تقل كلمات جميلة أفوز عليك"

رفع حاجبه متحديا:

"بل أزيدك منها حتى ينهار عنادك قبله"

ضربته على كتفه ضربة خفيفة، لكنها حملت كل الحب بينهما، ثم جلست على العشب وهي تقول:

"حسنًا... سننتظر روانس هنا.وعندما يأتي نرى من الفائز"

جلس بجانبها، يده تلامس يدها مردفا :

"وهل هناك معركة أعظم من عنادك؟"

نظرت له نظرة متفاخرة:

"ومع ذلك... تحبّني يا نبضي"

ضحك، تلك الضحكة التي تهزم كل عناد فيها:

"بل هائم أنا... يا سكِّتي وضوضائي في آنٍ واحد يا فتنتي العنيدة"

مدت ساقيها أمامها، وعينيها تتفحصان الملعب الخالي و باب الملعب البعيد قليلا:

"هيا... لننتظر روانس. لنرى من سيخسر في هذه الحرب"

وما أن أنهت ليا كلامها حتى ارتجّ الهواء بصوت صرير الباب الحديدي، كأنه ينطق بدخوله، فنهض كل من ليا وأسيد على عجل، لكن المفاجأة كانت أن من دخل لم يكن روانس، بل ميساء نفسها، فتقدّم قلب أسيد بحركة خفيفة من الدهشة، بينما ارتسمت على محياه ابتسامة لا تخلو من الدفء، ورأيا روانس يطل من خلفها بهدوء، متسللا كظل بين الأبواب المفتوحة، فتقدما نحوهما.

كان أسيد أول من وصل، فاحتضن أخته بحنان، يربت على ظهرها برفق، ويهمس في أذنها بصوت حنون:

"اشتقت إليكِ، صغيرتي..."

ابتسمت ميساء، عيناها تتلألأان بلمعة مرحة، وقالت:

"وأنا أيضا، أيها السيد المغرور..."

ضحك أسيد ضحكة خفيفة، تكاد تكون نابعة من القلب، ثم ابتعد قليلا، بينما يرى روانس يتقدم نحو أخته، يحتضنها بحنان مماثل، ويقول لها مبتسما:

"أهلا بك، أيتها العنيدة الصغيرة..."

زفرت ليا بأنفاس خفيفة من إمتعاضٍ يمزج الدهشة بالمرح، ثم قالت بصوت فيه لمسة من اللوم والحنين:

"أنت وصديقك، لا تتغيران أبدا..."

ضحك الثلاثة بخفة، صدى ضحكاتهم يملأ المكان الفسيح بالدفء، ثم قال أسيد وهو ينظر إلى روانس، عيناه تتلألأ بالفضول والحيرة معا:

"وكيف أقنعت ميساء بالمجيء معك؟"

رفع روانس حاجبيه بخفة، وابتسم ابتسامة هادئة، قائلا:

"هي من أصرت على الحضور، لم أحتج لإقناعها أساسا..."

توسعت عينا أسيد بدهشة، تنبثق منها كلمات قليلة، لكنها مليئة بالمفاجأة:

"أوه..."

رمش روانس وليا باستغراب، لكن أسيد لم يطل الصمت، فأكمل وهو ينظر إلى أخته بعينين يملؤهما الدهشة؛:

"ميس، ألم تكونين تكرهين الملاعب؟ ألم يكن حضورك لها مستبعدا؟"

هزت ميساء كتفيها ببراءة، وابتسامة خجولة تتراقص على شفتيها، وقالت:

"صرت أحبها فجأة...."

هز أسيد رأسه بإدراك، يعلو وجهه ابتسامة تتخللها خفة الروح، وقال:

"حقا، الزواج يغير النفوس...."

ضحك الجميع، وكانت الضحكات تتناوب بينهم كألحان موسيقية هادئة، ثم قالت ليا بجدية مرحة، وهي تلتقط يدي أخيها:

"بما أن ميساء أتت، فأنا مع أخي، وهي معك، يا أسيد، كما اتفقنا..."

أومأ أسيد، ممسكا بيد أخته ، يجرها وهو يهمس لها:

"يله نروحو امالا ونضربوهم بمشحال من بيت فالشبكة"

(فلنذهب إذن، ولنملأ شبكتهم بأهدافنا...)

نزعت ميساء قفازها ونقابها بما أن الملعب كان خاليا ومغلقا، ووضعتهما على الأرض بعناية، فوق حقيبة سوداء تخص أسيد.

وقف الفريقان في جانبي الملعب، كأنهما على أبواب معركة صاخبة، لكن معركة من نوع آخر.

روانس وليا على جهة، وأسيد وميساء على الجهة الأخرى، والكرة موضوعة في منتصف الميدان، وكأنها جوهرة تنتظر من يلمسها أولا.

تتخلل الهواء أصوات الضحك الصافي، ويعلو صياح خافت مع كل هفوة أو حركة طريفة، كأن الملعب نفسه يبتسم.

في الدقيقة الأولى أشار روانس بداية، فحركت ليا الكرة بتردد، كمن تحاول اقتناص نقطة خفية، فيما وقف أسيد أمامها، واثقا بنفسه، متباهيا بخفة حركته:

"هيا يا فتنتي، لن يكون الطريق مفروشا بالورود"

حاولت ليا مراوغته، تقلب الكرة يمينا وشمالا، لكنها فقدت السيطرة، فسقطت الكرة عند قدميه مباشرة.

أسرع أسيد، وأرسل الكرة لميساء، فحاولت الإمساك بها، لكنها أفلتت زمام الأمور، فتتهاوت الكرة من بين أقدامها، وتعالت الضحكات من الجميع، كما لو أن الملعب بأسره يشاركهم هذه الطرفة.

في الدقيقة الثالثة اقتنص روانس الكرة من ميساء برشاقة، وركض نحو المرمى، فيما حاولت ليا اللحاق به، فتعثرت عند كل خطوة، كأن الأرض تعاندها.

اندفع أسيد خلف روانس، فاصطدم به بخفة، مانعا إياه من التسديد بسهولة، بينما ميساء تهتف من بعيد:

"أين تلك الكرة السهلة التي وعدتني بها يا أسيد أكاد لا أستطيع إمساكها"

ضحك روانس، ومرر الكرة لليا، فحاولت مجددا تمريرها، لكنها انزلقت من قدميها نحو أسيد، الذي ابتسم لها قائلا:

"لا بأس، التدريب هو مفتاح الإتقان يا فتنتي العنيدة"

في الدقيقة الخامسة استغلت ميساء انشغال ليا، وانطلقت بالكرة نحو روانس، تحاول مراوغته، لكنه بخفة ورشاقة، تمكن من سحب الكرة بعيدا، قبل أن يسددها نحو ليا، فارتدت عن قدمها وانطلقت بعيدا، وعلت ضحكات الجميع، فصاحت ليا وهي تحاول الإمساك بها من جديد:

"حسنا، هذه الكرة تكرهني على ما يبدو"

في الدقيقة الثامنة، روانس وأسيد بتنسيق محكم، حاولا الوصول للمرمى، لكن أسيد باغت روانس في لحظة فاصلة، فاقتنص الكرة وأرسلها لميساء، التي اصطدمت بقدميها وفقدت الكرة مرة أخرى.

في الدقيقة العاشرة ليا مستسلمة جزئيا، صرخت وهي تلهث:

"أظن أن هذه الكرة قد أقسمت على إخراجي عن طوري"

ابتسم روانس وقال لها برفق:

"لا تحزني، نحن هنا لنستمتع باللعب!"

واستمرت المباراة على هذا الإيقاع، أسيد وروانس يسيطران على الكرة ببراعة ودهاء، يروغان ويمرران، بينما ليا وميساء تحاولان المشاركة، كل حركة مصحوبة بصراخ وضحك، أحيانا يتعثران، وأحيانا تفلت الكرة من بين أقدامهما، ومع ذلك تبقى الروح المرحة حاضرة في كل لحظة.

في الدقائق الأخيرة استغل روانس وأسيد كل منهما ضعف الآخر، فسجل كل منهما بعض الأهداف بسهولة، فيما كانت ليا وميساء تضحكان من أخطائهما، وكل هفوة تتحول إلى طرافة، وصوت الضحك يملأ الفضاء بسنما هتفت ليا:

"حسنا، ربما سنتقنها في المرة القادمة!"

مع نهاية المباراة، وقف الأربعة على الملعب، يلهثون من التعب، وعيونهم تتلألأ ببهجة عميقة فقالت ليا مبتسمة:

"لقد كانت لحظات غاية في الروعة!"

أضافت ميساء من بين أنفاسها المتسارعة وهي تتكأ على يد روانس:

"والأهم أننا استمتعنا، ولو لم نحصل على الكرة كثيرا"

ضحك أسيد وروانس معا، وأخذوا الكرة بين أيديهم، مستمتعين بروح التحدي والمرح، وانوار الملعب تنسكب عليهم وكأنها تشهد على هذه اللحظات وهذه العائلة.

...............

و ها هو صباح جديد قد بزغ، حاملا معه نورا جديدا، معلنا عن يوم المحكمة المنتظر، ذلك اليوم الذي يختلط فيه الترقب بالقلق، حيث تتصادم المشاعر في قلب كل من ينتظر العدالة أو الحقيقة.

كان سيف جالسا على فراشه، يبدل ضماد خصره بعناية، رغم أن جرحه قد التئم تقريبا، إلا أن الحذر كان سيد الموقف.

عيناه تشعّان بحذر خافت، وجسده مشدود، غير مستريح، وكأن كل خيط من الضماد يعيده إلى تلك اللحظات التي مر بها، ويذكره بثقل الألم والصبر.

وفي تلك الأثناء، كانت هالة تتأهب، ترتدي عباءة باللون البنفسجي الغامق، وخمار ينسدل على كتفيها بوقار وهدوء، تتحرك بخطوات خفيفة، كأنها تحاول أن توازن بين قلقها الداخلي ورغبتها في الظهور قوية أمام سيف.

كل حركة منها تحكي اهتماما خفيا، وكل نظرة ترسل رسائل صامتة.

عندما أنهى سيف ترتيباته، ارتدى قميصه الأسود، كسرواله، وحذائه، وقف للحظة يتفحص نفسه في المرآة، كمن يستجمع قواه قبل مواجهة الريح العاتية.

وفي اللحظة التي خرجت فيها هالة من المرحاض، اقتربت منه بخطوات وئيدة، ونبرة صوتها مخلوطة بالحرص والقلق:

"هل غيرت ضمادتك وحدك؟"

أومأ برأسه بخفة، مع ابتسامة خافتة تحمل شيئا من الراحة والامتنان معا:

"نعم... ليست بالأمر الكبير، ولم أرغب في إزعاجك يا منيتي"

حلت لحظة صمت، ثقيلة بالمعاني والمشاعر ، حتى كسرها سيف بنبرة خافتة لكنها حازمة، وهو يراقبها بعينين تحملان خليطا من الامتنان والحرص:

"هل أنت متأكدة من ذهابك؟ لماذا لا تذهبين إلى الجامعة أنت وميس؟"

هزت هالة رأسها نفيا، وعيناها تتلألأان بعزم رقيق:

"لن أشعر بالراحة إذا لم أذهب معك."

زفر سيف نفسا عميقا، يخرج من صدره مثل السحب الداكنة المتكاثفة قبل عاصفة قصيرة، ثم ابتسم ابتسامة خافتة تختلط فيها المشاعر المتناقضة، القلق، الحنان، والشعور بالمسؤولية تجاهها.

نهض بهدوء، ممسكا بمفتاح سيارته، وقال وهو يقترب منها:

"حسنا... لنذهب، فقد اقترب موعد المحكمة"

ابتسمت هالة له، ابتسامة دافئة تحمل كل كلمات الدعم والمساندة التي لم ينطق بها أحد، ونظرت إليه بعينين تقولان ما لا ينطق به

خرج الاثنان معا من الغرفة، يخطو كل منهما بخطوة محسوبة، وقلوبهما تخفق بخفة وترقب، والهواء الصباحي يملأ الرئتين، يحمل رائحة البداية الجديدة، ويهمس لهما بأنهما معا، حتى في مواجهة الأيام العاصفة.

..............

الساعة تشير إلى العاشرة صباحا، والدهليز العريض للمحكمة يضج كخليط مضطرب من الأنفاس والهمسات، كأنه صدر واسع يعلوه وجيبُ قلوب لا تهدأ.

رجال القانون بعباءاتهم السوداء يذرعون المكان جيئة وذهابا، ووجوه المذنبين والبريئين تتقاطع في مشهد واحد؛ فمنهم من جاء يلتمس غفرانا أو يدرأ عن نفسه شبح الإدانة، ومنهم من جاء يطلب حقّا سلب أو عدلا أبطأ في الوصول، فتهافتت عليه الخطى باحثة عن الإنصاف.

في داخل القاعة التي ستشهد محاكمة اليوم، كانت الأجواء أكثر وطأة، كأن الهواء نفسه مثقل برهبة الحقيقة التي ستكشف بعد قليل.

الضوء المتسلل من النوافذ العالية ارتسم على الأرض كخيوط من ذهب شاحب، يلمع فوق المقاعد الخشبية القديمة وكأن الزمن نفسه يجلس عليها متحيزا للعدل.

وقف سيف في مكانه، متكئا على قوة لا يعرف مصدرها إلا هو، كان محاميا في المقام الأول، لكنه اليوم الضحية الثانية لنفس اليد الآثمة التي أزهقت روح تلك السيدة البريئة.

ورغم الألم الذي ما زال يسكن ضلوعه كجمر تحت رماد، إلا أنه بدا ثابتا، متماسكا، كأنه جبل واجه العواصف ولم ينحني.

إلى جانبه وقف زوج الضحية، رجل انحنى ظهره لا بمرور السنين بل بثقل الفقد الذي مرت الأيام عليه كأنها دهور، فبدت عيناه كبحيرتين فقدتا ماءهما، ولم يبقَ فيهما إلا الرغبة في القصاص وإعادة الاعتبار لمن رحلت.

في الجهة المقابلة، كان محامي المتهم واقفا وحده، تبدو عليه علامات الترقب وهو يرمق الباب بين الفينة والأخرى منتظرا حضور الشرطة بالمتهم.

كان وجهه جامدا، لكنه لم يستطع إخفاء ذلك التوتر الخفي الذي يسري بين العباءة والياقة، وكأنه يدرك أن أمامه جدارا من الحقائق يصعب زحزحته.

أما في الصفوف الأمامية للمقاعد، فقد جلس روانس، ظهره مستقيم وعيناه ثابتتان على سيف، كأنه سنده الذي لا يميل،صديقه و أخوه في الروح قبل أن يكون زوج أخته.

إلى جانبه جلست ميساء، وفي عينيها مزيج من القلق والدعاء الصامت، تعقد يديها في حجرها كمن يضم قلبه لئلا يفر من الخوف على أخيها.

تلتها هالة، ملامحها غائرة من كثرة التفكير والخوف على زوجها، تحدق في الأرجاء كأنها تخشى أن ينهار العالم من حولها لو غفلت لحظة.

وأما والدة سيف فكانت تمسح بطرف خمارها دمعة تفر دون إذن، تحاول أن تبدو قوية كأمهات الرجال الذين يواجهون العاصفة، لكنها كانت في داخلها كشمعة ترتجف في مهب الريح.

وجلس السيد مصطفى بجانبها، يتحسس مسبحته بين أصابعه، يردد أدعية في سره وكل نبضة في قلبه تتمنى أن يرفع الظلم وتشفى الجراح.

كان الغائب الوحيد من هذا المشهد هو أسيد وليا، فقد ألزمتهما أعمالهما بالبقاء في أماكنهما، رغم أن قلبيهما حاضران في القاعة يحومان فوق رؤوس من يحبونهم.

كما غابت والدة هالة التي لم تخبرها ابنتها بموعد الجلسة كي لا تجدد عليها موجة الخوف التي غمرتها يوم علمت بإصابة سيف، وهو الذي تعتبره ابنا لا يقل منزلة عن فلذة كبدها.

لم تكد تمر لحظات يسيرة غير أنها، لفرط ثقلها، بدت كأنها دهور حتى غدت رؤوس الحاضرين مثقلة بالظنون والأسئلة المتشابكة، كأن الأفكار سكاكين تتحرك داخل عقولهم.

وساد القاعة صمت محمل بالرهبة، لا يقطعه سوى الخفق الخافت للأوراق ووقع الأنفاس المترددة.

ثم جاء الطرق على الباب طرقا حاسما لبداية المحاكمة، فتحه الشرطي ودفعه شيئا فشيئا، فدخل وهو يجر خلفه المتهم مكبل اليدين، مكبل الروح، إلى مكانه المقرر بجانب محام واهن، محام لا يملك من أمر الدفاع سوى اسمه، ولن يفيده بشيء يذكر.

وقف المتهم وقفة المرتجف، مطرقا رأسه لثوان، كأنه يحاول الاحتماء من أعين الناس ومن الحقيقة ذاتها رغم أنه لم يشعر بالذنب حقا وإنما الخوف من ما هو آت، ثم رفع رأسه... وما إن رفعه حتى تجمد في موضعه كمن أصابه البرد في روحه لا جسده، ذلك أنه رأى سيف، سيف الذي ظنه تحت التراب يحدق به حد السهم النافذ.

اتسعت عيناه كمن يشهد طيفا عاد من عالم آخر، واختنقت أنفاسه فجأة.

يا لجهله... لقد ظن أن سوء فعله طُمس، وأن جريمته صيغت بإحكام، وأن الرجل الوحيد الذي كان يتعقب خطواته كظل لكشفه قد مات.

لكن هيهات... هيهات له أن يظن أن القدر يسلم المجرمين من غير حساب هيهات من ظن أنه توجد جريمة كاملة....هيهات أن يبقى الذنب الذي إرتكبه دون حساب هيهات لمن سولت له نفسه قتل البريئ أن ينفذ بفعلته.

لم يمت سيف، ولم تنطفئ النار التي كان يقتفي بها أثر الحقيقة.

وها هو الآن قائم بين يديه، ثابت كالجبل، لا يهتز ولا تضعف نظراته زغم أن إصابته كان عميقة ومرور ما يقارب العشرين يوما عليها ليس بالكافي للشفاء التام..لكنه كان يتجاهل تلك الوخزات من حين لآخر وكان يبدو كالجبل شامخ الكتفين لا تهزه ريح.

ومضت التساؤلات في رأس المتهم كسياط تتلاحق،

لماذا... لماذا لم تخبره الشرطة أن سيف ما يزال حيّا؟

كيف جاؤوا به مكبلا وأخبروه فحسب بأن الأدلة تشير إليه في مقتل الضحية، لا أكثر؟

أحقّا لم يبلغه أحد أن هذا الرجل خصمه الذي كان سيكشف جريمته قد نجا؟

أم أنه هو ذاته، في لحظة ألمه ووقعه أرضا، لم يتعرف عليه حين رآه يبتعد، ولم ينبههم إليه؟

توالت عليه تلك الأفكار كجمرات لا تهدأ، حتى ارتسمت على طرف شفتيه ابتسامة ماكرة، ابتسامة من يعلم أن اللعبة لم تنته بعد، ولو في وهمه الضائع.

ولما رآه سيف يبتسم، أدرك ما كان يدور في ذهنه، فأطلق ضحكة قصيرة، ساخرة، خرجت منه من حيث لا يدري، كطيف أفلت رغم صرامته.

سرعان ما رفع يده إلى فاهه يحاول حبسها، كأنه يخشى أن تبدو شماتة أو استهزاء، ولكن الأوان كان قد فات.

كانت تلك اللحظة الصمت، النظرات، الابتسامة، والضحكة كفيلة بأن تُبسط الحقيقة أمام الجميع،

المجرم يبتسم ظنا أنه ما يزال قادرا على التنفس خارج قيود العدالة...

وسيف يضحك لأنه يعلم أن تلك الابتسامة ليست إلا آخر ارتعاشة غرور قبل السقوط.

وما إن انفرج الباب الخشبي الثقيل حتى انسابت هيبته في أرجاء القاعة كنسمة تحمل معها السكون المرهوب، فخفتت الأصوات، وتراجعت الأنفاس، وانتصبت الرقاب في ترقب لا يجرؤ على الحركة.

تقدم القاضي بخطوات موزونة كأنها تنصت لصدى الوقار المنبعث منه، يرافقه الكتبة والحرس، حتى بلغ منصته العالية التي تمثل ميزان العدل، فجلس عليها جلوس من اعتاد أن يحمل ثقل الحق على كتفيه.

استوى مظهره، وسوى عباءته بلمسة هادئة، ثم مرر بصره على الوجوه المتراصة أمامه وجوه يختلط فيها الخوف بالأمل، والقلق بالرجاء من قبل أن ينزل نظره على محضر الشرطة الماثل بين يديه.

فتحه برفق، كأنما يفتح بابا إلى الحقيقة، وتتبع السطور بعين خبيرة، يقرأ التهم وما أرفق معها من أدلة، حتى بدا للحاضرين وكأنه يغوص في لب الحكاية نفسها، يستخرج منها ما انطمس ويظهر ما خفي.

ثم رفع رأسه، واعتدل في جلسته، وخرج صوته جهوريا، رصينا، ينفذ في القلوب بوقعٍ لا يخطئه السمع:

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله وحده، والصلاةُ والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد...

فإنّا نفتتح الآن، بعون الله وتوفيقه، جلسة المحكمة الشرعية في المحكمة العامة بالمملكة العربية السعودية، في هذا اليوم المهيب الموافق للعاشر من الشهر.

وذلك للنظر في القضية رقم خمسة لهذا اليوم، قضية تداعت فصولها وكثر قائلها، حتى بات الحق فيها كالجمر تحت الرماد، لا ينكشف إلا بعد نفخة صادقة."

ساد القاعة صمت أعمق من ذي قبل، كأن الكلمات استقرت في جدرانها، وكأن الأرواح جميعها أرهفت السمع لما سيأتي، لا تريد أن تفلت همسة ولا طرفة عين حتى الهواء بدا واقفا، ينتظر اللحظة التي سيسدل فيها الستار على الحقيقة، ويعلن القاضي الفصل بين ظلم يدعي البراءة، وبراءة تصرخ بأنها ظلمت.

ارتفع صوت سيف، وهو يسير في أروقة المحكمة بخطوات ثابتة، راسخا في قامته كما لو أنه جبل شامخ لا تهزه الرياح العاتية.

لا ألم يثنيه، ولا خوف يضعف عزيمته، شامخا كالصخر أمام موجة الباطل المتلاطمة.

"يا فضيلة القاضي... هذه الجريمة لم ترتكب في بيت الضحية أو أمام المحل كما ظن البعض وكتب في المحظر، بل في ذلك البيت المهجور الذي يقبع فيه الظلام والجريمة في تلك الأزقة التي لا يكان يسكنها إنس قد شوهدت الضحية تتجه إلى هناك ، حيث ارتكب القاتل فعله الشنيع، ولم يكتفِ بذلك، بل نقل الجثة إلى حي آخر، طامسا آثار الشر، غافلا عن أن الحق لا يدفن، وأن الأدلة لا تفنى"

تعالت الدهشة على وجوه الحاضرين، بعضهم انقطع عن التنفس، عاجزا عن استيعاب شناعة الجريمة والمجرم، والآخرون لم يفلحوا في إخفاء رهبتهم.

أما المتهم المكبل اليدين، فقد انحنى أمام وقع الكلمات، فارتعشت أطرافه وارتسم الذعر على محياه، غير أنّ كبرياءه المريض حال دون اعترافه بالحق.

واصل سيف صوته العميق، ونبراته تتلوى بين الحزم واليقين، وعيناه تشعان نور العزم والإصرار:

"ذهبت إلى البيت المهجور، وما أن وطأت قدماي أرضه حتى أحسست بوجوم المكان، كأن كل زاوية من زواياه تهمس بفجيعة ما ارتكب. لكني لم أكد أحطو لجمع الأدلة حتىشعرت بطعنة الخنجر التي اخترقت خصري دون رحمة ثم صوت ركض المتهم الذي ظن لوهلة أن تخلص مني ولكني رأيت ظهره وتعرفت علىرائحة سجائرة التي كانت تنبعث منه يومها ويوم استجوبته"

ارتعش المتهم مرة أخرى عندما علم أن تفكيره كان خاطئ بأن سيف لم يعرفه، وابتل جبينه بالعرق، وملأت الرهبة عينيه، لكنه ظل صامدا في إنكاره، كأنه يقاتل في معركة ضده هو ذاته، ضائعا بين جبروت كبريائه وقسوة الحقيقة.

نظر القاضي إليه بنظرة حازمة، وصوته جهوري ممتد في أرجاء القاعة:

"أيها المتهم، لك الحق أن تقول ما في قلبك، فإن الله أمر بالعدل ونهى عن الباطل، وكل من أزهق روحا بريئة بغير حق فقد استحق القصاص، لا تأجيل للعدالة، ولا تفاوض مع الحق"

ظل سيف واقفا، شامخا، لا تهزه ريح، وكأن العدالة نفسها تجسدت في قامته، لقد جاء ليقف أمام الشر صامدًا، لا ليطلب الرحمة للقاتل، بل ليثبت الحق، ولينصر المظلوم.

زوج الضحية كانت عيناه غائرتان من سماع الحقائق ولم يكن يدرك أن هذا ما حدث.. ولكن قلبه إشتعل طلبا للحق والإنصاف و لن يغفر لقاتل زوجته.

جلست هالة، وقد ارتجفت مشاعرها بين الخوف والفخر، وهي ترى زوجها يواجه الباطل بشموخ، عينيها تلمعان بالحب والاعتزاز.

أما ميس و روانس، فقد جلسا يراقبان شجاعة سيف وكأنها شعلة تحرق الظلام، بينما ميس تمسك بيد زوجها بإحكام، كأن قبضتها تضيف القوة لكل كلمة ينطق بها سيف.

ووالديه جلستا أمامه، وقلوبهما تفيض فخرا، يراقبان ابنهم يتألق كالبرق في ليلة مظلمة، حاملا شعلة العدالة التي أمر بها الله.

ارتعش المتهم مرة أخرى، وبدأت ملامحه ترتسم عليها علامات الهزيمة النفسية، لكن كبرياءه بقي يحجب الاعتراف، ضائعا بين ندم محتمل وجحيم الذنب المؤجل. فرفع القاضي صوته بحزم لا يُراجع:

"لقد ثبت أمام المحكمة بما لا يدع مجالا للشك أن القاتل ارتكب القتل العمد، وأخفى الأدلة، وحاول طمس الحقيقة، وبناء على أحكام الشريعة الإسلامية، فالقصاص واجب، ولا يجوز التهاون أو التسامح و التهمة واضحة و الحكم سيكون إعداما ما لم يغفر أهل الضحية"

عمّ صمت رهيب القاعة، وصار كل من فيها يشعر بثقل العدالة، وكأن الهواء نفسه أصبح مشحونا بالحقيقة، وكأن جدران المحكمة تتنفس العدالة نفسها.

وقف سيف صوته عميق، وقامته تملأ المكان هيبة:

"العدالة قد اكتملت، لا خوف، ولا رحمة مع من أزهق دما بريئا، ولا تهاون مع من حاول الطمس، كل شيء واضح، وكل دليل في موضعه، لا مهرب للجريمة من جزائها أضيف للتالي هذه الفلاشة بيدي للأدلة والتي تحتوي على تسجيل للجار وهو يهدد الضحية بالقتل في منزلها لأسباب لم نعرفها"

ارتجف المتهم مرة أخيرة، وارتسم على وجهه الفزع، لكنه بقي صامدا في إنكاره ويبدو أن سبب الجريمة سيموت معه، فاقدا كل فرصة للتوبة أمام البشر، فهُتف بالحكم النهائي:

"الحكم: القصاص واجب على القاتل، لينفذ حكم القتل الشرعي وفق الشريعة الإسلامية، ليرفع الدم المظلوم من بين الظلمة، ولتُقام العدالة على أكمل وجه"

ابتسم سيف ابتسامة هادئة، لم تكن فرحا بانتصاره على إنسان، بل رضا عن ظهور الحق، وعن إقامة العدالة، وعن أن دما بريئا لم يذهب سدى.

أما المتهم، فقد وقف عاجزا أمام الحقيقة، مدركا أن العدالة لا تهزم، وأن القصاص صار قدره الحتمي، وأن الظلم مهما طال، لا ينجو من ميزان الحق.

وانتهت المحكمة وانتهى معها اليوم بعودة القلوب لبيوتها مرتاحة تنعم بالراحة.

................

صباح جديد قد أطل على المملكة العربية السعودية، ينسج خيوطه الذهبية بين نوافذ القاعات وعلى وجوه طلابها، حاملا في طياته وعدا بيوم جديد من العلم واللقاء، وها هي ميساء وهالة تمشيان بخطوات هادئة في الممر الطويل الذي يفصل بين الصفوف، يسيران كعادتهما نحو قاعة المحاضرات، حيث الجلوس بين الزملاء والاستماع إلى علم ينتفع به.

لكن هالة، بفطنتها وحساسيتها المعهودة، لاحظت شيئا من عدم الاتزان في صديقتها ميساء، وكأن خطواتها تتراقص على حافة الضعف، أو أن ثقلا غير مرئيا يثقل كاهلها.

فاقتربت منها برفق، ووضعت يدها الحانية على ذراعها، وقالت بصوت يكسوه القلق والحنو:

"ما بالك يا ميسو؟ لا تبدين بخير اليوم"

رفعت ميساء عينيها نحو صديقتها، تحاول أن تلبس وجهها هدوءا لا تشوبه شائبة، لكنها لم تستطع إخفاء وهج التعب الذي يكسو محياها.

هزت رأسها نفيا، ثم قالت بصوت رقيق يكسوه الهمس وكأنها تخشى أن يرهق كلماتها نفسها:

"بخير، يا هالة... لم أنهض باكرا اليوم، فخرجت دون أن أتناول فطوري أنا وروانس، لهذا... أشعر ببعض الدوار، لكنه سيزول بعد الحصة، وسأذهب إلى الكافيتيريا لأستعيد طاقتي"

أومأت هالة برأسها، غير مقتنعة تماما، لكنها لم تجادل، فالأصدقاء أحيانا لا يحتاجون إلى كلمات لتبادل القلق أو الدعم.

دخلتا القاعة، وكان السكون يكتنف المكان كما لو أن جدارها نفسه يحتضن الصمت، جلستا في مقاعدهما المعتادة، محاطتين بأصوات الطلاب التي كانت تتناقص شيئا فشيئا حتى استحال الصخب إلى هدوء مطلق، يملأ القلب شعورا بالسكينة والرهبة معا.

دخل روانس، يمشي بثقة ووقار، نحو مكتبه في مقدمة القاعة، ثم رفع رأسه مبتسما، ينثر السلام على الحاضرين كما ينثر النسيم على أوراق الشجر:

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"

رد الجميع، إلا ميساء، فظلت صامتة، كأن ثقلا يربط جسدها بالأرض، ويمنع لسانها من النطق.

لاحظ روانس ذلك على الفور، لكن لم يحرك ساكنا، فقد علم بما أخبرته إياه مسبقا عن سبب شعورها بالدوار، وأنها ستذهب بعد الحصة لتناول الطعام، غير أن قلقة لم يبرح قلبه، وظل يراقبها بعينيه، يبحث عن أي علامة على عدم راحة قد تهتز لها روحه.

استدار إلى اللوح، يمسك بالطبشور، ويبدأ بخط حديث اليوم، كأن الكلمات نفسها تنساب من قلبه إلى قلوب الطلاب، وتنسج بينهم صلة روحانية وعلمية:

"عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك.»"

رواه البخاري ومسلم.

ومع كل كلمة يتلوها، كان صدى الصمت يملأ القاعة، ويكسو الوجوه هدوءا داخليا، كأن النفوس قد توقفت للحظة لتستمع، لتتذوق المعنى قبل الصوت، وكأن الحروف نفسها تحيط بالطلاب كأنوار تهديهم إلى معرفة أعمق، وإحساس أرق بالروحانية التي تتخلل الصيام، وتعلمهم قيمة الصبر، وعظمة النفس الإنسانية حين تتقرب إلى الله.

إستدار بجسده لهم يمرر أنظاره بخفة على طلابه كعادته ثم أردف:

"يا طلابي تخيلوا أنفسكم في صباح هادئ من أيام رمضان، حيث تتناثر خيوط الشمس الذهبية على الأرض وكأنها تهمس بالسكينة،أنت صائم، صائم ليس فقط عن الطعام والشراب، بل عن كل ما يلهيك عن الله، عن الرحمة، وعن صفاء قلبك، في هذا الصباح، يحمل يومك عبقا خاصا، عبق يتجاوز كل الروائح والأطعمة التي حرمها الصائم نفسه، لكنه يكافأ بأجمل هدية: رضوان الله تعالى"

صمت قليل يسمع انفاسهم التي تدل على تركيزهم مرر نظره لميس يراها تنظر له بإبتسامة مرهقة قليلا فأومأ برأسه كأنه يبث في روحها طاقة من نوع خاص ثم أكمل:

"يبدأ الحديث الذي كتبته بالإشارة إلى حقيقة عظيمة، "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به" تخيل أن كل أعمالك، من صدقة، أو صلاة، أو إحسان، هي هدايا تقدم للآخرين، بينما الصيام هو هدية مباشرة تقدم إلى الله عز وجل، ملك الملوك، خالق الكون.

لا وسيط بينك وبين جزاء الله، ولا حاجة لشهادة بشرية، الصيام إذن، هو علاقة سرية بينك وبين الله، علاقة خاصة لا يعرفها إلا ربك، لكنها تحمل أعمق المعاني وأعظم الأثر."

ابتسم قليلا من عظمة الخالق ثم تابع:

"ثم يأتي الحديث ليصف الصيام بجمال فائق،

"والصيام جنة"، الجنة هنا ليست مجرد مكان في الآخرة، بل هي حماية لك من الشهوات، حصن يرفعك فوق وساوس النفس، حاجز يمنعك من الانغماس في الغضب، أو السباب، أو الشجار.

يتجلى هذا المعنى في قوله صلى الله عليه وسلم،

"فإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث يومئذ ولا يصخب"

أي، يوم الصيام هو يوم تصفو فيه الروح، وتستريح فيه النفس من كل ضغينة أو حقد، يوم تزرع فيه التسامح في قلبك وتسمو فوق نزعات الغضب"

تنفس قليلا ثم أكمل بصوت مهيب كاللحظة:

"الحديث لا يكتفي بالتوجيه النفسي، بل يعطيك أسلوبا عمليا لمواجهة الاستفزازات، "فإن سابه أحد أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم"،

هنا يتحول الصيام إلى تدريب عملي على ضبط النفس، على التحكم في الانفعالات، على رفع النفس عن الصغائر. الصائم، في لحظة غضب محتملة، يذكر نفسه برسالته الكبرى، وبأنه ضيف الله في صومه، فلا يسمح لمخلوق أن يزعج هدوء روحه"

مرر انظاره على الحديث في اللوح ثم اعادهم امامه يردف:

"ثم يأتي الحديث ليذكرنا بجمال لا يراه الإنسان بالعين المجردة،'ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله، يوم القيامة، من ريح المسك'

هذا تصوير رائع يعكس كيف أن الأعمال الصعبة التي تتحملها في الدنيا، ولو بدت للبعض مجرد تضحية جسدية، تصبح عند الله أجمل وأغلى من كل الروائح الزكية في هذا الكون. ريح فم الصائم، رغم ما قد يراه الناس قبحا، تصبح عند الله أطيب شيء، كأن التضحية نفسها تولد جمالا روحيا لا يوازيه شيء"

تنهد كأنه يخرج أنفاس محبوسة وهو يرى ميس تنظر بعينين نصف ناعستين له بادي عليها التعب ثم أكمل يحاول إكمال درسه:

"وإذا تأملنا هذا الحديث من زاوية أعمق، ندرك أن الصيام ليس مجرد امتناع عن الأكل والشرب، بل هو مسار تربوي وروحي كامل.

هو تدريب على الصبر، وصناعة للقوة الداخلية، وتعزيز للتسامح، ووسيلة لتزكية النفس، الصائم يتعلم أن يتحكم في شهواته، وأن يرتقي بأخلاقه، وأن يربط قلبه بربه في علاقة صادقة لا يشوبها وسوسة أو رياء"

ثم أردف نهاية لكلامه قائلا:

"في النهاية، يعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الصيام هو لغة الروح مع الله، حيث تتحول كل لحظة جوع أو عطش أو صبر على الغضب إلى عبادة خالصة، وكل شعور بالتعب أو الحرمان هو جسر يقربك من الله أكثر.

الصائم يعيش تجربة روحية فريدة، يلامس فيها سمو النفس وعظمة الجزاء، ويكتشف أن كل ما يبدو ضيقا في الحياة، يتحول عند الله رحمة وجمالا يفوق الوصف"

ما أن أنهى كلماته، حتى خيم صمت قصير وثقل على أركان القاعة، صمت يبعث على التأمل، ثم ارتفع رنين جرس نهاية الحصة، كأنه صوت ناقوس يحرر الأرواح المحبوسة بين جدران الغرفة.

نهض الطلاب واحدا تلو الآخر،، متجهين نحو الأبواب، حاملي كتبهم وأحلامهم الصغيرة، بينما بقي هو واقفا، مختلفا عن عادته، لم يكد يجمع أدواته المعتادة، بل رفع أنظاره نحو زوجته، عاين وجهها المتعب، خطوط الإرهاق مرسومة على جبينها كخيوط الفجر الأولى، وعيناها تحاولان أن تتشبثا ببقايا القوة لتنهض وتجمع حاجياتها في حقيبة يدها.

سارت بخطوات رقيقة بجانب هالة نحو الباب، وكل خطوة منها كانت كهمس خافت في قلبه، يزرع القلق، حتى ما أن اقتربت من الباب، وفي لحظة لم يكن يتوقعها، شاهد جسدها ينهار فجأة، يسقط كغصن متعب تحت وطأة الريح، مرتطما بأرض القاعة، ثم تجمدت هالة وبقي هو واقفا عاجزا، عيناه تتوسلان الزمن أن يوقف هذا المشهد البائس.

انطلق من بين شفتيه صرخة متقطعة، مليئة بالخوف والحيرة والرهبة، كأنه يطالب الله أن لا يكون بها خطب:

"ميساء..."

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

إنتهى الفصل

القفلة الصامدة كالعادة 🙂🙂🙂

لا بأس تعودتم أليس كذلك

اذا ارائكم في الفصل الاطول على الاطلاق

7200 كلمة يا ناس انجاز هذا

الفصل ما قبل الاخير .

فصل مختلف عن غيره بكثير.

اذا اراءكم

أقول لكم إلى الملتقى

الفصل القادم ربما يتأخر على غير العادة

لانه اطولهم و اخر فصل في الرواية ولا ادري

مشاعري مضطربة لإنتهاء الرواية

لا اعلم ماذا اقول ولا كيف سأكتب الفصل القادم و الأخير حقا.

احبكم رونسايون.

~~اللهم إنا نستغيث بك لأهل غزة يا قوي يا متين،

اللهم انصر أهل غزة وأعنهم على ما هم فيه من كرب وشدّة،

اللهم اكشف عنهم البلاء، ووسع عليهم، وارزقهم الأمن والسلام،

اللهم احفظ أطفالهم ونساءهم وشيوخهم من كل شرّ،

اللهم أشبع جياعهم، وكفّ عنهم الظلم والعدوان،

اللهم ثبت قلوبهم، وامنحهم الصبر والقوّة والعزيمة،

اللهم اجعل لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا، وارزقهم حياةً مطمئنةً سليمة،

اللهم انصر الضعفاء وارفَع عنهم البلاء والفتن،

اللهم ارحم شهداءهم، واشفِ جرحاهم، وافرغ عليهم صبرًا وسكينةً،

اللهم ردّ الأمن والسلام إلى غزة وأهلها يا رب العالمين، آمين يا ربّ العالمين.

~~~اللهم احفظ أهل السودان وأرحمهم،

واجعل لهم من كل همّ فرجًا،

ومن كل ضيق مخرجًا وأمانًا.

اللهم أزل عنهم البلاء والمحن،

وارزقهم الأمن والسلام والاستقرار،

واحفظ أطفالهم ونساءهم وشيوخهم.

اللهم ارفع عنهم الجوع والفقر والمرض،

وأعد لأراضيهم الأمان والخير والعافية.

اللهم اجعل هذه المحنة سببًا في رفعة درجاتهم وتغيير أحوالهم إلى أحسن حال.

اللهم استجب دعاءنا ودعاء كل داعٍ صادق لهم آمين.

"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب في رحاب العلم

المؤلف djeziri hadjira
2025/09/05 مكتملة
قائمة الفصول (27)
الفصل 0: مقدمة.
2025/09/05
الفصل 1: عيون تلتقي
2025/09/07
الفصل 2: رعشة البداية
2025/09/10
الفصل 3: غيرة في النفس
2025/09/15
الفصل 4: قرار
2025/09/18
الفصل 5: غربة و قرب
2025/09/21
الفصل 6: نظرة الحلال
2025/09/27
الفصل 7: بوادر حب وخطوة مستقبل
2025/10/01
الفصل 8: عقد قران
2025/10/05
الفصل 9: من خجل الاعتراف إلى جرأة الوعد
2025/10/10
الفصل 10: وما الإخلاص إلا أن يراك الله
2025/10/15
الفصل 11: وعد العدل
2025/10/19
الفصل 12: لحظة تشبه الدعاء
2025/10/23
الفصل 13: صوتك كان ملاذي
2025/10/28
الفصل 14: وتمَّ بالعهد اللقاء
2025/11/02
الفصل 15: ما بين النية والقدر
2025/11/07
الفصل 16: حين يبتلي الله القلوب ليطهرها
2025/11/11
الفصل 17: أزِفَ الوِصال
2025/11/14
الفصل 18: أطياف الماضي
2025/11/21
الفصل 19: أصداء القلب
2025/11/26
الفصل 20: حين يجد القلب مُتكأه
2025/12/01
الفصل 21: على عتبات المجهول
2025/12/06
الفصل 22: بين الفقد والأمل
2025/12/13
الفصل 23: بين حدِّ السيف.. ونبضِ الميس
2025/12/18
الفصل 24: وكان الختام حياة
2025/12/26
الفصل 25: فضفضة
2025/12/26
الفصل 26: فصل خاص: همسات بين الجدران
2026/01/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة