بوادر حب وخطوة مستقبل

بوادر حب وخطوة مستقبل

27 0

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

أما بعد:

سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب

.

.

.

.

"حين يفتح الله أبواب الرحمة، يلتقي الحياء بالصدق، وتزهر القلوب بعد طول انتظار.

لكن بين فرحةٍ تولد ونورٍ يشرق، يظل الماضي يهمس بظلاله، كأنه يختبر صبر الأرواح العازمة على المضي نحو غد أنقى."

.

.

. ما أعجب لقاءين يُكتبان في اللوح قبل أن تلتقي العين بالعين!

لحظات قد تبدو عابرة، لكنها تحمل في طياتها قدرًا عظيمًا يغيّر مسار العمر.

وفي ذلك المجلس الهادئ، حيث تلتقي الأرواح على سنة الله ورسوله، كان الصمت أبلغ من الكلام، وكانت النظرات أصدق من ألف حوار.

هناك، جلس قلبان لم يعرفا بعضهما إلا من خلال سطور الإيمان، يخطّان أول فصول الرحلة... رحلة تبدأ بخطوة حياء، وتبنى على كلمة صدق، لعلها تمضي إلى سعادة لا تزول.

-----

"سبحان من سواك في أحسن صورة"

حينها رفعت ميساء بصرها إليه فجأة، وقد اتسعت عيناها بدهشة وارتباك، والخجل يلون وجنتيها بحمرة رقراقة لم تستطع إخفاءها...

رفعت رأسها له، وكل ما خرج منها كلمة نطقتها ببلاهة:

"شوالا" (ماذا).

ظل ينظر إليها يرمش بخفة، وما إن فهم ما قاله حتى سارع يتكلم بتوتر خفيف:

"أقصد... وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"

ثم عم صمت قصير بينهما لا أحد يعرف كيف يبدأ الكلام لكنه بدأ على كل حال

ابتسم بخفة وقال:

"هل تسمحين أن أسألك بعض الأسئلة؟"

هزّت رأسها بخجل:

"تفضل"

قال بصوت جادّ فيه هدوء:

"ما أهم ما ترجينه في حياتك الزوجية؟"

أجابت بعد لحظة صمت:

"أن يكون أساسها الدين... أريد زوجا يعينني على طاعة الله، ونبني بيتًا قائمًا على المودة والرحمة"

ابتسم برضا وقال:

"وهذا ما أتمناه أيضا. فما أكثر ما يطمئن قلبك: العلم، العمل، أم أن تجدي من يأخذ بيدك إلى طريق الخير؟"

أجابت بثقة ممزوجة بالحياء:

"ما يطمئن قلبي أن أكون قريبة من ربي، وأن أجد من يذكّرني إن نسيت، ويقويني إن ضعفت"

رفع نظره إليها بإعجاب خفي وقال:

"أحسنت... هذا ما كنت أرجوه أن أسمعه"

ثم عاد الصمت بينهما، صمت لم يكن هذه المرة ثقيلا، بل راحة غامرة تزيّنها الطمأنينة.

بعد بضع لحظات ثقيلة، تنفست ميساء بارتباك، ثم تمتمت بصوت يحمل شيئا من التردد:

"في الماضي... قبل سنتين تحديدا، مررت بتجربة لا تزال تطاردني حتى اليوم... وللأسف لا أستطيع أن أخبرك بتفاصيلها الآن، فما زلت غير مستعدة لذلك. لكن... إن كان بيننا قبول، فينبغي أن تعلم أن هذا الأمر موجود"

ارتسمت على شفتي روانس ابتسامة هادئة، وقد غلب على نبرته حنان صادق وهو يجيب:

"أنا ما جئت إلا لأكون لك أمانا... لا لأن أكون الطرف الذي يزيدك جرحا.

وما دام الحديث في هذا الأمر سيؤذيك الآن، فلن أطلبه منك. يكفيني أنك أمامي، وأنني حين أتيت، أتيت لأنني رأيت فيكِ الدين والخلق الجميل"

(و لأن هذا القلب نبض لك وحدك)، كادت العبارة تفلت من لسانه، لكنه كتمها في أعماقه، فهو يعلم أن الوقت لا يزال مبكرا على مثل هذا الاعتراف.

رفعت ميساء رأسها نحوه، وفي عينيها لمعة امتنان ممزوجة بالخجل، ثم أومأت بخفة وقالت بصوت متهدج:

"حسنا... وبما أنني ارتضيت دينك وخلقك، فلا أجد مانعا... أنا موافقة على هذا الزواج، بإذن الله"

اتسعت ابتسامة روانس حتى غمرت وجهه كله، وبدت في عينيه فرحة لم يستطع أن يخفيها.

قال بنبرة مفعمة بالسكينة:

"إذن اتفقنا... أقترح أن نعقد القران بعد أسبوع من الآن، كي نتعامل بأريحية، ونتعرف أكثر إلى بعضنا قبل الزفاف"

اتسعت عيناها دهشة، وهتفت بارتباك:

"لكن... أسبوع واحد؟! هذا قصير جدا"

ضحك بخفة وأجابها مطمئنا:

"ليس قصيرا أبدا... والله ليس قصيرا. سأهتم بكل شيء، وأتحدث مع العم محمد وإخوتك. فلا تقلقي"

زفرت ميساء زفرة توتر، ثم أومأت باستسلام رقيق، لترفع بصرها بعد ذلك نحو أسيد، الذي كان يتابع بصمت.

ابتسم لها ابتسامة مطمئنة، وأومأ برأسه علامة الموافقة، فقد سبق أن تحدّث هو وسيف مع روانس حول الأمر.

استقامت ميساء واقفة، ونبرتها يكسوها مزيج من الحياء والطمأنينة وهي تقول:

"إذن... أستودعك الله الآن"

أشرق وجه روانس بابتسامة دافئة، وارتسمت في عينيه لمعة لا تخطئها العين، وهو يردّ بهدوء:

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"

استدارت ميساء بخطوات مترددة تحمل في طياتها شيئا من الحياء، ثم غادرت المكان تاركة خلفها أثرا من عبق حضورها.

ظلّ روانس يتابعها بنظره حتى غابت عن عينيه، ولم يفق إلا حين التفت أسيد إليه مبتسما.

قال أسيد بنبرة فيها مزاح خفيف:

"أراك كنت مرتبكا أكثر منها... لم أتوقع أن يفقد روانس هدوءه بهذه السهولة"

ضحك روانس بخفة وهو يعدل جلسته:

" ماذا أستطيع أن أفعل وهي جالسة أمامي؟"

ابتسم أسيد ابتسامة جانبية وقال بنبرة جادة بعض الشيء:

"المهم أنك كنت صريحا معها... وهذا ما نريده، الوضوح من البداية. أما الباقي فسهل الله أمره... ثم هل تتغزل بأختي دون خجل أمامي"

أطرق روانس رأسه قليلا بضحكة خافتة ثم رفع بصره ممتنا:

"جزاك الله خيرا يا أسيد... وجودك إلى جانبي اليوم يعني لي الكثير"

ربت أسيد على كتفه بحزم ممزوج بالود:

"أنا أخوها أولا، وأمانها عندي قبل أن تكون عندك. فإن كنت لها كما تقول، فستجدني أول من يقف معك"

ابتسم روانس بإخلاص وقال:

"هذا عهدي بك... وأسأل الله أن أكون عند حسن ظنكم جميعا"

............................

خطت ميساء خطوات مترددة نحو مجلس النساء، ما زالت أنفاسها متلاحقة من شدة الموقف الذي مرّت به، ووجنتاها تشعّان بحمرة الحياء.

فتحت الباب بهدوء، لتجد والدتها جالسة إلى جانب والدة روانس، بينما نور ذات العشر سنوات قد غفت في حضن ليا و يبدو أنها قد وجدت راحتها معها.

رفعت والدتها بصرها إليها سريعا، كأنها تقرأ الإجابة في ملامحها قبل أن تنطق.

جلست ميساء بينهم، وضمت يديها في حجرها، ثم همست بصوت خافت:

"أنا... وافقت"

لم تتمالك والدتها نفسها، فابتسمت بارتياح عميق وهي تضع يدها على يد ابنتها قائلة:

"الحمد لله يا ابنتي... كنت أعلم أن الله سيكتب لك الخير"

أما والدة روانس فقد أشرقت أساريرها، ومالت نحو ميساء تحتضنها بحنان:

"أسعدت قلوبنا يا ابنتي... والله إنني أراك كابنتي منذ أول لقاء"

أبعدت ليا نور عنها بخفة ثم قفزت من مكانها بفرح طفولي، واحتضنت ميساء من الجانب وهي تهتف:

"ياااه، لا بد أن أخي كان سعيدا جدا! وأخيرا سيكون لي أخت جديدة!"

ضحكت النسوة جميعا من عفوية ليا، بينما غمرت ميساء موجة من الخجل والاطمئنان في آن واحد وقد بدأت تتناسى ما يؤرقها.

أطرقت رأسها بخفة وقالت:

"أسأل الله أن يكون زواجي سبب بركة وخير للجميع"

فأجابت والدتها بسرعة، وعيناها تبرقان بالدموع:

"بل سيكون كذلك يا ابنتي، ما دام أساسه الدين"

وانساب في المجلس جو دافئ يملؤه الرضا، كأن الأقدار تنسج خيوطها بخفة لتعلن بداية جديدة لميساء، وسط قلوب أحاطتها بالحب والدعاء.

.......

في الجانب الآخر عند الرجال

ما إن دخل هو و أسيد، حتى رفع مصطفى رأسه متفحصا ملامحه، وكأنه يريد أن يقرأ الخبر في عينيه.

جلس روانس بينهم، ونبرته لا تخفي فرحته وهو يقول:

"الحمد لله... لقد وافقت"

عم صمت قصير، قطعه العم محمد بضحكة خفيفة وهو يردد:

"بارك الله لكما، وجمع بينكما على خير"

ابتسم سيف ابتسامة واسعة، مد يده يصافحه بحرارة وقال:

"أهلا بك في العائلة يا روانس... وأسأل الله أن تكون نعم السند لها"

أما أسيد، فقد بدا وكأنه يريد إخفاء ابتسامته لكنه لم يفلح، فربت على كتف روانس وهو يمازحه:

"أرأيت؟ كنتُ أعلم أنك ستنجح، رغم كل ارتباكك"

ضحك الثلاثة بخفة، وانفرج الجو المشحون، ليتحول إلى جلسة عامرة بالودّ والدعاء.

أما روانس، فقد ظل قلبه يخفق بقوة، وهو يشعر أن الحياة بدأت تكتب له من جديد، وأن ما مضى لم يكن سوى طريق يقوده إلى هذه اللحظة.

...........

وبينما انشغل الجمع في تبادل الدعوات والتهاني، كان الليل قد أسدل ستاره بهدوء، وتلألأت نجومه كأنها تبارك بداية قصة جديدة.

خرج روانس من المنزل برفقة العائلة والابتسامة لا تفارق وجهه.

وبين كل خطوة وأخرى كان يتذكر ارتباكه أمامها، وكلمتها الحاسمة: "أنا موافقة"... فيشعر أن قلبه قد وجد أخيرا مسكنه.

وعند باب البيت، وقف محمد يودعهم وهو يقول بنبرة يغلبها الرضا:

"نبدأ من الغد في التحضيرات، فالأيام ستمضي بسرعة، ولنترك كل شيء على بركة الله"

رد مصطفى وهو يشيح بصره نحو السماء:

"على بركة الله... وما دام الأمر بدأ باسمه، فلن يكون إلا خيرا"

.........

في غرفتها، جلست ميساء أمام مرآتها، تتأمل انعكاس صورتها بذهول خفيف، وكأنها لا تصدق أن حياتها أوشكت أن تدخل منعطفا جديدا.

وضعت يدها على قلبها وهمست لنفسها:

"اللهم إن كان في هذا الزواج خير لي في ديني ودنياي، فاقدره لي وبارك لي فيه"

وفي تلك الليلة، نامت القلوب مطمئنة، كأنها وضعت حجر الأساس لبيت يتمنى الجميع أن يبنى على الطاعة والرحمة...

بيت سيجمع بين ميساء وروانس تحت ظل آية عظيمة:

﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.

وهكذا، انتهى ذلك اليوم الذي سيظل محفورا في الذاكرة، بداية فصل جديد... لكن ما ينتظرهم من أحداث قادمة، كان أعظم مما تخيلوا.

...........

في صباح اليوم التالي، كان روانس جالسا إلى طاولة الإفطار، وعن يمينه ليا، بينما جلست والدته إلى جوار والده.

لم تمضي سوى دقائق حتى ابتسمت والدته قائلة:

"ألن تشتري خاتما لتضعه لها يوم عقد القران؟"

أومأ برأسه وأجاب:

"بلى، هذا المساء سأمر على ليا وآخذها معي لنختار واحدا"

ليا، التي كانت منكبة على طعامها، فلا أجمل لديها من الأكل تلك الشرهة كما يناديها روانس يستفزها.

ما إن سمعت اسمها حتى التفتت نحوه قائلة بنبرة متفاجئة:

"وهل أنا زوجتك لأختار معك الخاتم؟"

ابتسم روانس بخفة، رافعا حاجبه، ثم مد يده يربت بخفة على ظهرها قائلا:

"طبعا لا، لكنني لا أجيد هذه الأمور كثيرا وأحتاج مساعدتك... ثم ألن تساعدي أخاك؟"

انعقدت ملامح ليا باستياء من كلمته الأخيرة التي قالها بنبرة مستفزة، فردت وهي تلوح بيدها بتضجر:

"حسنا حسنا أيها المستفز... سأرافقك لتختار خاتما فقط من أجل زوجة أخي الجميلة فلو تركنا لك الأمر لأحضرت أسوء خاتم في كل الأسواق"

هز روانس رأسه بلا مبالاة، ثم نهض من مكانه وهو يقول:

"جيد، انهضي لأوصلك في طريقي."

وما هي إلا لحظات حتى كانا في السيارة، متجهين إلى الشركة، ليكمل هو بعدها طريقه نحو الجامعة.

..............

في الشركة:

كانت ليا غارقة في تدقيق بعض الأوراق، حتى شعرت بألم يضغط على رقبتها من طول جلوسها بطريقة غير مريحة.

قطعت خلوتها بطرقات خفيفة على الباب، ثم انفتح ببطء ليطل منه أسيد.

تسارعت أنفاشها لوهلة و قلبها إرتعش داخلها.

كان مطأطئ الرأس، والحمرة تلون أطراف أذنيه، ما جعل دخوله مفاجئا أكثر، عادة عندما يحاتجها يرسل لها شخصا ما ليناديها أو يطلب منها عملا ما و لا يأتي بمفرده فما باله اليوم.

رفعت ليا بصرها باستغراب منه فهذه أول مرة ترى شكله هكذا ، وقالت بنبرة رسمية:

"سيد أسيد... هل هناك أمر ما؟"

دخل بخطوات مترددة، تاركا الباب مفتوحا خلفه، ثم تردد قليلا قبل أن يتمتم:

"في الحقيقة... أريد أن أحدثك في أمر شخصي، إن سمحت"

لم تجب، بل اكتفت بإيماءة خفيفة، وقد ارتسمت على ملامحها دهشة صامتة. ظلت تراقبه، منتظرة ما سيقوله.

صمت لحظة، وكأن الكلمات تعانده، ثم أفلتت من بين شفتيه جملة قصيرة، لكنها سقطت عليها كالصاعقة:

"أريد... أن أتزوجك"

تجمدت ليا في مكانها، اتسعت عيناها، وتوقفت يدها عن تقليب الأوراق.

شعرت وكأن الهواء انحبس في صدرها، فيما كان هو يزداد احمرارا، عاجزا حتى عن رفع بصره.

راحت تحاول الكلام، تفتح فمها ثم تغلقه، كأن الكلمات تتبخر قبل أن تتشكل.

لحظة طويلة مضت وهي عالقة بين الصدمة وعدم التصديق، فيما ظل أسيد واقفا في مكانه، ينتظرها أن تقول شيئا... أي شيء.

فتحت ليا فمها، متحدثة بنبرة يملؤها الاستغراب:

"هل ما سمعته صحيح... أم أنني أتخيل؟"

ارتبك أسيد قليلا، ورفع حاجبه في دهشة، بينما تمتم في نفسه: "هل تمزح معي؟ هل كان ينبغي أن أقولها بهذا الشكل أساسا؟"

لكنّه تمالك نفسه وقال بصوت متردد:

"أدرك أن طريقتي لم تكن الأنسب... لكني فضلت أن أعرف رأيك قبل أن أتحدث مع أخيك أو والدك"

رمشت ليا بخفة، وكأنها لم تستوعب بعد، ثم خرجت من بين شفتيها كلمة قصيرة بلا وعي:

"السبب..."

تفاجأ من سؤالها، وتوقف لحظة، لكنه لم يجد وقتا للتوضيح، إذ أكملت هي بسرعة، وصوتها يحمل شيئا من الارتباك:

"أقصد... السبب في طلبك الزواج مني تحديدا"

تسارعت دقات قلبها بقوة حتى شعرت أنها تكاد تخنقها، وعيونها معلقة به تنتظر جوابه بلهفة لم ترد أن تعترف بها حتى لنفسها.

أما هو، فقد شعر بجفاف في حلقه، وترددت الكلمات على طرف لسانه. هل يخبرها بالحقيقة كاملة؟ هل يملك الشجاعة ليكشف ما في قلبه؟

مرت لحظات ثقيلة، قبل أن يتمتم أخيرا بصوت خافت لكنه واضح:

"في الحقيقة... السبب هو..."

.........

"كالعادة، كانت حصة الفقه هي المفضلة... وستصبح أفضل الحصص بالنسبة لك"

قالت هالة وهي تخاطب صديقتها ميس التي تسير بجانبها:

"يبدو أنك لن تكفي عن مناكفتي بهذا الموضوع، أليس كذلك؟"

ضحكت هالة، ثم شبكت ذراعها بذراع صديقتها قائلة بمزاح:

"وهل تخطبين كل مرة حتى أتوقف يا ميس؟ همم؟"

هزت ميس رأسها متنهدة وهما تتوجهان نحو القاعة.

وبعد لحظات سألت هالة بفضول:

"يا ترى، ما الدرس الذي سنأخذه اليوم؟"

ثم أضافت بابتسامة جانبية تحمل الكثير من الدلالات:

"أظن أنه سيكون عن فقه الزواج"

رمقتها ميساء بنظرة حادة تنذرها بالصمت، قبل أن تدخلا القاعة وتجلسا في الصفوف الأولى كعادتهما.

وما هي إلا دقائق قليلة حتى أقبل روانس بخطواته الواثقة وهيئته المميزة.

كان يرتدي سروالا بنيا وقميصا أبيض أنيقا وكأنه قد إتفق مع تلك التي كانت ترتدي عبائة بنية ترفقها بحجاب أبيض.

يحمل حقيبة حاسوبه السوداء وبعض الأوراق في يده.

أما خصلات شعره المتدلية على جانبي جبينه فقد أضفت على ملامحه وسامةً خاصة.

وضع أغراضه على الطاولة، ثم رفع بصره ليمرره على الطلاب حتى توقفت عيناه عليها.

ارتجف بريق عينيه تلك الرجفة المعهودة منذ لقائه الأول بها، ولم تكن هي بعيدة عن ذات الإحساس.

أومأ برأسه بخفة، إشارة لم تلحظها إلا هي، ثم استدار ليكتب على اللوح عنوان الدرس:

"فقه الزواج"

ابتسمت هالة وهي تنكز مرفق صديقتها التي احمرّت وجنتاها خجلًا، وهمست لها بغمزة:

"أرأيت؟ ألم أخبرك!"

لم تمضِ سوى لحظات حتى ارتفع صوت روانس يملأ القاعة بهدوء وهيبة:

"الزواج ليس عقدًا يُخط على ورق، بل هو ميثاق غليظ، تشيده الرحمة وتزينه المودة، وغايته أن يجد كل قلب سكنه في الآخر"

توقف برهة، ثم تابع بصوت عميق:

"إنه عبادة قبل أن يكون عادة، فمن قصد به وجه الله بارك الله له، وجعل بيته جنة صغيرة على هذه الأرض"

مرّر نظراته الواثقة على الصفوف، قبل أن يضيف بنبرة راسخة:

"العدل هو عماد كل علاقة، فمن أقامه في بيته عاش مطمئنا، ونشأ أبناؤه على السكينة والوفاء"

ساد صمت قصير، وكأن القاعة تنتظر ما سيأتي، ثم استأنف قائلا:

"وأخيرا... كما يحتاج الجسد إلى طعام يقيمه، يحتاج القلب إلى حبّ طاهر وسكن حلال، ولا يجدهما إلا في ظل زواج شرعه الله رحمة بعباده"

عندها، شعرت ميس بأن الكلمات تمس قلبها مباشرة؛ ارتجفت أنفاسها في صدرها دون أن تدري، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة أخفتها سريعا خشية أن تفضحها نظرات هالة المترصدة.

أنهى روانس كلماته وفتح باب الأسئلة، فمضت الحصة ما بين درس عميق، وسؤال صادق، وقلوب نابضة تستشعر المعنى قبل أن تحفظه.

.......

كانت ليا تجلس في شرفة غرفتها، ترتسم على وجهها ابتسامة خفيفة، بينما تتلاطم مشاعرها في صدرها وهي تسترجع ما حدث صباحا.

صباح اليوم:

قال بصوت يختلط فيه التردد بالصدق:

"في الحقيقة... السبب هو..."

توقف قليلا ثم أضاف بنبرة هائمة و هو يضع بصره أرضا

" لقد فاض فؤادي بك، ولم يعد يبتغي سواك.

أطلبك زوجة لأنني أحببتك بقلب صادق ونية طاهرة."

تسارعت خفقات قلبها، وانحبست أنفاسها للحظة، حتى شعرت بوجهها يحمر بشدة كأنها كانت تركض لساعات.

همست لنفسها بكلمات متقطعة: "ماذا... كيف... يا إلهي..."

تعثرت الكلمات على شفتيها، تأبى أن تمنحه جوابا يطفئ قلقه ويهدئ اضطراب قلبه.

مرت لحظات، وهي ما تزال تتنفس باضطراب ظاهر، مما جعله يقطع الصمت قائلا:

"ليا... هل أنت بخير؟"

رفعت وجهها أخيرًا، تحاول السيطرة على أنفاسها، وأومأت برأسها مؤكدة، قبل أن تنطق بارتباك:

"هو... هو... أووف، حسنا... إذا كنت جادا، تحدث مع أخي،أو والدي، وإن كان هناك نصيب سيحدث"

انطلقت كلماتها بسرعة، وهي تراقب اتساع ابتسامته، وكيف كان يومئ برأسه متحمسا مرددا:

"حسنا... حسنا، سأتحدث معه... حسنا..."

استدار ليغادر، لكنها أوقفته بصوت خافت:

"لكن... تحدث معه بعد عقد قرانه، وليس الآن."

توقف للحظة، يقلب عبارتها في ذهنه، يحاول تذكر عقد القران... ثم ما لبث أن تذكر أنه يخص أخته.

ابتسم وهو يتمتم ساخرا بلهجة خفيفة:

"والله ما خليتيلي عقل... واش درتي فيا يا بنت الرواني!"

(والله ما تركتي لي عقلا.... ماذا فعلت بي يا بنت الرواني!)

ثم خرج وأغلق الباب وراءه، تاركا إياها تحدق ببلاهة، وقد عجزت عن فهم أي كلمة من عباراته الأخيرة.

انتفضت فجأة على صوت طرقات على باب غرفتها، ولا تزال ابتسامتها المرتبكة على وجهها، تسمع صوت والدتها تناديها. نهضت مسرعة لتلبي النداء.

......

في الجانب الآخر، كانت ميس تجلس في حديقة المنزل، تحمل بين يديها كوبا من الشاي الأخضر، وتتأمل النجوم في السماء الصافية.

سمعت خطوات تقترب منها، فأدارت رأسها لترى سيف يقترب. ابتسمت له، ثم أفسحت له مكانًا بجوارها، فجلس وربت على رأسها كأنها طفلة صغيرة.

رفع نظره بعدها إلى السماء، يشاركها التأمل، لكن عقله سرعان ما شرد بعيدا.

لاحظت ميساء شروده، فقالت بنبرةٍ اخترقت أعماقه، وهي تحكي:

"هالة سورية الأصل، وُلدت هنا في السعودية بعدما جاء والدها للعمل في شركة لإنتاج الأثات..."

سكتت قليلا تستحضر ذكريات صديقتها المحزنة، ثم تابعت:

"عندما بلغت الخامسة عشرة، تعرض والدها لحادث مروع في الشركة، حيث شب حريق هائل قضى على حياته ومن كان معه... والأسوأ أن هالة شهدت الحادث بعينيها حين ذهبت لإيصال طعام الغداء له هي ووالدتها "

ارتجفت أنفاس سيف وهو يتخيل معاناة تلك الفتاة وكيف واجهت صدمتها، لكنه استعاد وعيه على كلمات أخته:

"أخبرك بهذا لأنني أرى نظراتك إليها... وأشعر بما في قلبك نحوها.

إن كان لك نصيب معها، فأتمنى يا أخي أن تضعها تاجا فوق رأسك، وأن تكون لها السند، تعوضها عن فقد والدها"

كانت ميس تتحدث وعينيها تغرورقان بالحزن، لترى في عينيه هو الآخر بريق ألم خفي.

مرت لحظات صامتة وهو يحاول أن يتنفس ببطء، قبل أن يقول:

"لنترك الأمور للأيام يا صغيرتي. إن كان هناك نصيب، سنراه... وستكون هي تاجا فوق رأسي، ونبضا دائما في قلبي"

ثم عانقها من جانبه مبتسما بمزاح:

"أما أنت، فانشغلي بزواجك فقط، أيتها العروس الصغيرة، أعان الله روانس عليك هو لا يعلم من أخذ"

رفعت حاجبها بتحد قائلة:

"بركاك من تعليقات الذراري الصغار!"

(كفاك من تعليقات الاطفال الصغار)

فانفجر سيف ضاحكا بصوت عال، ولم تلبث هي أن شاركته الضحكة.

وما هي إلا لحظات حتى انضم إليهما أسيد ونور الصغيرة، ليتشاركوا جلسة دافئة يتبادلون فيها أطراف

الحديث.

............

رواق غارق في السواد، يبتلع خطاها المترددة. أنفاسها المتلاحقة تصطدم بجدرانه الضيقة، فتتردد كصدى خانق.

تمضي... والظلام يزداد عمقا، لا مخرج ولا نهاية.

تمر لحظات أثقل من الدهر، حتى شعرت بأصابع غريبة تتلمس جسدها؛ باردة، زاحفة، كأنها تنبش أعماقها.

لا ملامح ترى، ولا صوت يسمع، غير أنفاس مجهولة تقترب... ولمسات تشل أوصالها، فتغدو حبيسة رعشة بين خوف وضيق لا ينفك يطبق على صدرها.

وفجأة... ينشق الرواق عن فضاء واسع يضج بالبشر.

وجوه مبعثرة تحدق إليها، عيون ساكنة تنخر في أعصابها.

تتهادى في أذنها همسات متداخلة، كأنها طعنات بطيئة:

"فتاة مسكينة... فتاة مسلوبة... فتاة ضائعة..."

.

.

.

.

.

.

.

انتهى الفصل

أراءكم

بدأت الأمور تظهر أليس كذلك

تحليلاتكم

. هل سيخطو سيف خطوات للأمام

. كيف رأيتم ماضي هالة

. الدرس المطروح

. مالذي حدث في الأخير ومن هي الفتاة.

1

أسئلة كثيرة و أجوبتها غامضة 💀

........

لا تنسوا إخواننا في غزة من دعواتكم

"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين "

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب في رحاب العلم

المؤلف djeziri hadjira
2025/09/05 مكتملة
قائمة الفصول (27)
الفصل 0: مقدمة.
2025/09/05
الفصل 1: عيون تلتقي
2025/09/07
الفصل 2: رعشة البداية
2025/09/10
الفصل 3: غيرة في النفس
2025/09/15
الفصل 4: قرار
2025/09/18
الفصل 5: غربة و قرب
2025/09/21
الفصل 6: نظرة الحلال
2025/09/27
الفصل 7: بوادر حب وخطوة مستقبل
2025/10/01
الفصل 8: عقد قران
2025/10/05
الفصل 9: من خجل الاعتراف إلى جرأة الوعد
2025/10/10
الفصل 10: وما الإخلاص إلا أن يراك الله
2025/10/15
الفصل 11: وعد العدل
2025/10/19
الفصل 12: لحظة تشبه الدعاء
2025/10/23
الفصل 13: صوتك كان ملاذي
2025/10/28
الفصل 14: وتمَّ بالعهد اللقاء
2025/11/02
الفصل 15: ما بين النية والقدر
2025/11/07
الفصل 16: حين يبتلي الله القلوب ليطهرها
2025/11/11
الفصل 17: أزِفَ الوِصال
2025/11/14
الفصل 18: أطياف الماضي
2025/11/21
الفصل 19: أصداء القلب
2025/11/26
الفصل 20: حين يجد القلب مُتكأه
2025/12/01
الفصل 21: على عتبات المجهول
2025/12/06
الفصل 22: بين الفقد والأمل
2025/12/13
الفصل 23: بين حدِّ السيف.. ونبضِ الميس
2025/12/18
الفصل 24: وكان الختام حياة
2025/12/26
الفصل 25: فضفضة
2025/12/26
الفصل 26: فصل خاص: همسات بين الجدران
2026/01/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة