ما بين النية والقدر

ما بين النية والقدر

18 0

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

أما بعد:

سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب

.

.

.

ملاحظة:

علّقوا بين الفقرات رجاءً، واضغطوا على النجمة قبل قراءة الفصل، فلن تأخذ منكم هذه الضغطة أكثر من عشر ثوانٍ فقط.

الكاتب - مهما أنكر - يحتاج إلى دعمكم ليستمرّ، فنحن بشر في النهاية... أوليس كذلك؟

قبل البدء في القراءة، أحضري كوب شاي أو قهوة، أو حتى عصيرك المفضل، مع بعض المقرمشات إن توفرت. وابتعدي قليلًا عن العائلة، لأن ما سيحدث لبطنك الصغير قد يجعلك تصرخين، تضحكين، أو حتى تخجلين في بعض مواقف الأبطال. وان كنت حساسة جدا ربما تبكين.

… 🫠

.

.

.

"

ظنت أن يومها انقضى كما بدأ، هادئًا... غير مدركة أن القدر كان يخبّئ لها فيه ما لم تتخيل أن يعود."

.

.

.

"وكيف لا أبكي؟... وكيف لا أبكي وقد رزقني الله دعائي الذي دعوته لعامين متواصلين في دجى الليل؟

كيف لا أبكي وأنا الذي انتظرت هذا اليوم سنتين يا منيتي...."

تجمدت هالة في مكانها مما سمعت…

عامان؟! أكان ينتظر هذه اللحظة لعامين كاملين؟!

أيمازحها؟

ذلك ما كانت تفكر فيه، غافلة عن ذاك الذي دفن وجهه في عنقها، يستنشق عبيرها، والدموع تنحدر من عينيه خيوطا دافئة.

كانت مشاعره مزيجا من حب عميق وامتنان غامر… امتنانٌ يملأ القلب حين يستجاب دعاء ظل صاحبه يرفعه إلى السماء لسنين، على سجادة صلاة تبللت بمناجاة صادقة.

وما أجمل استجابةَ الله حين تأتيك على هيئة الشخص الذي ظللت ترجوه في كل ركعة وسجود.

همست  هالة و أخيرا بخفوتٍ متردد:

"عامين يا سيف؟!"

رفع رأسه ببطء، عينيه تلمعان بصدق لا يخفى و دموع لم تهدأ بعد..كانت عيونه السوداء  حمراء قليلا بينما شعره.تدلى بخفة على جبينه ،

وقال بنبرة مبحوحة يملؤها الحنين:

"نعم، عامان يا هالة… منذ كنت صديقة ميس تزورينها في البيت ، وكنت تمرين من أمامي بخفة لا يعلمها إلا الله، كنت شيئا يسكن الدعاء أكثر مما يسكن العين.

وحين التقينا في الجامعة مجددا بعد عدة أشهر… كنت كما تركتك في قلبي، فقط أنضج الله بك الشعور."

أخفض نظره قليلا ثم تابع، صوته يتهدج بالعاطفة و بحة البكاء:

"كنت أراك أمامي، وأقول في نفسي:

اللهم إن كانت لي، فاجعل لي فيها نصيبا حلالا، وإن لم تكن، فارزقني نسيانها برضا.

واليوم… لم يجعل الله لي نسيانا، بل جمعني بك في الحلال، بعد عامين من الصبر والدعاء يا مُنَيتِي"

هزت رأسها بخجل، وابتسمت ابتسامة مرتجفة وهي تهمس:

"إذن، كنت تحفظ الدعاء أكثر مما حفظت اسمي."

ضحك بخفة من بين دموعه ، اقترب منها ووضع يده على كتفها برفق وقال بعفوية دافئة:

"ربما… أو لعلَّك...."

صمت قليلا يحاول صياغة كلماته، ثم أضاف بإعتراف جميل

"أنت القانون الوحيد الذي يستحيل عليَّ تطبيقه بحذافيره"

اتسعت ابتسامتها، والدهشة تراقصت في عينيها بين الخجل والإعجاب. قالت برقة:

"وهل انتهكت القانون؟"

أجابها بابتسامة خافتة وهو يلامس جبينها:

"بل استثنيتُه… لأن الله أباح لي الاستثناء حين كتبك حلالي"

رفعت نظرها إليه، والدمع يلمع في عينيها:

"وسأبقى أدعو لله أن يديم علينا هذا الحلال، كما أدام عليك صبرك"

ابتسم سيف ابتسامة راضية وقال:

"حين يجيب الله دعاءك بعد عامين من الصبر، تدرك أن الوقت لم يكن تأخيرا… بل إعدادا"

حل صمت جميل بينهما، تبادلا فيه النظرات كأنها حديث خفي لا يسمع إلا بقلبيهما، إلى أن أبعد يديه قليلا، وأدخلها في جيب قميصه العلوي ليخرج خاتما من ذهب خالص، تم صنعه بإتقان بديع، تتوسطه جوهرة خضراء كعشب ندي في صباح ربيعي.

مدّ يده نحوها برفق، فيما كان قلبها يخفق خفقا متسارعا يطرب له سيف، إذ أحس بنبضها المتلاحق من معصمها وحده.

وضع الخاتم في إصبعها بحنوٍّ، ثم رفع يدها إلى شفتيه ليطبع عليها قبلة خفيفة مفعمة بالود.

ظلت هي تحدق به مبهورة، تهمس بصوت متلعثم من شدة التأثر:

"ما أروعه يا سيف... لقد أبهرني جماله!"

ابتسم سيف ابتسامة رقيقة، وقال بصوت تملؤه العذوبة:

"ولا يليق بالجمال إلا جميل مثلك... ومع ذلك، فليس في الدنيا ما يُقارن ببشر وجهك وزينته."

...........

في المقابل، كانت ليا تتأمل خاتمها بإعجاب، تقلب يدها في الضوء وكأنها تكتشف بريقه لأول مرة.

بينما كان أسيد يراقبها بصمت، ملامحه هادئة وعيناه لا تفارقان وجهها.

رفعت نظرها نحوه وقالت بنغمة خفيفة:

"إذن..."

أجاب بنفس الهدوء:

"إذن..."

قطّبت حاجبيها بخفة، تمط كلماتها باستغراب:

"ماذا...؟"

وبذات البلاهة أجاب هو الآخر:

"ماذا...؟"

شهقت بخفة ثم صاحت به بنبرة تجمع بين الغضب والضحك:

"أتمازحني يا أسيد؟!"

حدّق بها بوجه بريء، ربما أغبى وجه رآه أحد يوما، وقال بجدية مفرطة:

"لا... لماذا؟ ماذا فعلت؟"

تنهدت وهي تهز رأسها بخفة، شفتيها ترسمان ابتسامة نصف ساخرة:

"يبدو أننا لا نصلح للرومانسية أبداً... آه، مالذي كنت أنتظره منك أصلا؟"

ابتسم بمكر، أسند ذقنه على يده وقال:

"كنت تنتظرين جملة مثل: عيناك كالقمر يا ليا؟ آسف، القمر اختفى الليلة!"

قهقهت رغما عنها، ثم ضربته بخفة على كتفه:

"أنت ميؤوس منك فعلا!"

ضحك قائلا:

"لكنكِ تزوجت هذا اليائس بإرادتك، لذا لا تشتكي!"

ضحكت مجددا وهي تقول:

"يا رب، امنحني الصبر على هذا الكائن الغريب!"

فرد سريعا وهو يضحك:

"آمين، وامنحني القوة لتحمل غرور زوجتي الجميلة وفتني العنيدة!"

رفعت عينيها إليه، فيها مزيج من الخجل والعناد الذي لم يفارقها يوما، وقالت بابتسامة صغيرة:

"لكن لا تظن أن الزواج سيجعلني أقل عنادا"

ضحك بخفة، وعيناه تلمعان بحنانٍ صادق:

"أعرف… بل أخشى أن يزداد"

ثم مال نحوها قليلا، صوته انخفض حتى صار أقرب إلى الهمس:

"لكني قلتها لك من قبل...

عنادك حصن… وأنا لا أدخل الحصون إلا بالحلال"

ارتجف قلبها من وقع كلماته، خفضت نظرها وهي تهمس بخجل رقيق:

"وكأنك كنت تنتظر هذه اللحظة منذ زمن"

رد وهو يبتسم بثقة مؤمنة:

"دعوت الله بها، وصبرت… لأن ما يأتي بالحلال، يستحق الانتظار"

ساد بينهما صمت لطيف، تخلله صوت أنفاس متشابكة وسكون مطمئن.

ثم قالت بصوت خافت يحمل دعاء أكثر من كونه كلاما:

"اللهم كما جمعتنا بعقد يرضيك، فاجعل بيننا رحمة تدوم"

نظر إليها طويلا، ثم أجاب بصدق وطمأنينة:

"آمين يا ليا… ومن قال آمين بعد دعائك، لن يشقى"

ابتسمت بخجل دافئ، فابتسم هو بدوره، وكأن الدعاء صار وعدا بينهما…

وما كان بينهما إلا حبّ طاهر، بدأ بكلمة "زوجتك"،

واستقر في قلبين جمعهما الله على الحلال.

.........

صباح جديد أطل على بلاد السعودية الجميلة، يحمل في نسماته طهرا يلامس الأرواح.

كانت ميساء كعادتها تجلس على سجادتها، تتلو آيات من القرآن بخشوع وهدوء يملآن الغرفة نورا وسكينة.

وما هي إلا لحظات حتى سمعت طرقا خفيفا على الباب، فأغلقت مصحفها برفق، وهمست بخشوع:

"سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك"

ثم رفعت صوتها قليلا قائلة:

"تفضل"

لم تمض سوى لحظات حتى انفتح الباب، فدخل سيف يتبعه أسيد.

ابتسمت لهما ميساء تلقائيا، غير أنهما لم يبادلاها الابتسامة، مما أثار استغرابها، إذ لم تعهد منهما هذا الفتور.

اقتربا منها، وجلس سيف على طرف السرير بينما أخذ أسيد مكانه على كرسي المكتب، يتبادلان نظراتٍ غامضة أربكتها.

وقفت ميساء بقلق خفيف وقالت:

"ما بالكما متجهمان في هذا الصباح الباكر؟"

ظلا صامتين لوهلة، إلى أن قطع سيف السكون بصوت جاد:

"مكانش واش باغي تخبرينا بيه"

(ألا يوجد ما تريدين إخبارنا به؟)

نظرت إليهما ميساء بدهشة، ثم هزت رأسها نافية وقالت بصدق واضح في ملامحها:

"خيرا... هل هناك ما يجب أن أقوله؟"

زفر أسيد زفرة حانقة، كأنما قتل له شخص عزيز، بينما سيف هز رأسه بخيبة أمل عميقة، مما زاد من ارتباكها وقلقها، فقالت بصوت متردد:

"ما الأمر؟ هل فعلت شيئا سيئا؟ أنا... لم أرتكب أمرا مشينا أو ما يشبهه دون قصد، أليس كذلك؟"

نظر إليها سيف بعينين يملؤهما الغضب والألم، وقال بنبرة حادة:

"حقا لا تعلمين ما فعلتي... هل كان يجب ان أعرف أن أختي تعرضت لمحاولة اعتداء، و بعد كم!؟

بعد ثلاثة ايام.... ثم لو أن المدير استطاع الوصول لروانس ليخبره بأن ذلك الفاسق قد طرد...

ما كان اتصل بي ليعلمني بهذا"

اتسعت عينا ميساء، وارتجفت شفتيها وهي تهمس بتمتمة متلعثمة:

"أنا... أنا فقط..."

تقدم سيف بخطوات غاضبة قليلا، بينما ظل أسيد ينظر إليها بعتاب يثقل القلب، وقال بنبرة مخنوقة:

"أنت ماذا يا ميساء؟! أهانت عليك عائلتك حتى نسمع من الغرباء أن أختنا كادت تُؤذى؟!

لولا لطف الله ثم مجيء روانس في الوقت المناسب... ماذا كان سيحدث؟

لماذا لم تخبرينا يا أختي؟ لمَ خبأت عنا كل هذا؟"

تلعثمت كلماتها، اختنقت في صدرها، ثم خرجت متقطعة بصوت مرتجف:

"فقط... لم أرد أن أفسد فرحتكم... الرؤية الشرعية، ثم عقد القران... لم أرد أن أُلقي بظلالي السوداء عليها"

ابتسم أسيد بمرارة وهو يزفر تنهيدة ساخرة، فتابع سيف بنبرة يغلفها الألم:

"حقا يا ميساء؟ وأنا الذي ظننت أن كابوسك ذاك من ماضيك فقط... لكن كنت مخطئا، أختي عاشت ماضيها مجددا، الفرق الوحيد أنه كان أخف، ومع ذلك لم ترض أن تخبرنا!

آه يا أختي... أم أن زواجك جعلك تستغنين عنا؟"

رفعت ميس وجهها، وصوتها يرتجف بين الدفاع والدموع:

"ما قلت إنكم لا تكفوني، لكني... خفت، سيف! خفت أن تتهور، أن تغضب، أن تفسد كل شيء! أردت أن ينتهي الأمر بصمت!"

تقدم منها أسيد، وصوته مزيج من غضب وحنان مكبوت:

"بصمت؟! يا ميس، الصمت أحيانا جريمة.

هل تظنين أن وجعنا بسماع الحقيقة أشد من وجعنا لو حدث لك مكروه؟! نحن إخوتك، خلقنا لنحميك، لا لنسمع عنك من الغرباء ونحن نفرح وأنت تتألمين... رغم إرتياحك على غير العادة.. لكن هذا لا ينفي أننا أخوتك ونحتاج أن نراك بخير."

أجهشت بالبكاء، تردد صوتها بين شهقات متقطعة:

"لم أرد أن أثقل عليكم، كلكم كنتم منشغلين، وكل ما أردته أن تمر الأيام بهدوء..."

مد سيف يده يمسح دموعها بعنف لطيف، وقال بنبرة خافتة:

"أثقل علينا سكوتك أكثر من أي شيء يا ميس.

نحن لم نخلق لتخفي عنا وجعك، نحن وجدنا لتتكئي علينا"

اقترب أسيد منها أكثر، رفع وجهها بيده وقال بحنان ممزوج بعتاب:

"أنت أختنا الصغيرة يا ميس... وجود روانس لا يلغي دورنا، ولا ينقص من خوفنا عليك ذرة بل يزيده"

تكسرت أنفاسها بين بكاء وارتياح خفيف، ثم تمتمت بصوت متهدج وعيون إحمرت حتى صار لونهما التركوازي عميقا:

"سامحاني... لم أقصد أن أُوجعكما، كنت فقط أهرب من خوفي"

لم ينتظرا أكثر، تقدما نحوها في الوقت نفسه، وضماها بين ذراعيهما، عناقا يختلط فيه العتب بالحب، والدمع بالسكينة.

همس أسيد قرب أذنها وهو يربت على شعرها:

"الحمد لله أنك بخير يا ميساء، والله لو تأخر روانس لحظة واحدة..."

قاطعه سيف بصوت خافت لكنه مطمئن:

"ما تأخر لطف الله أبدا، هو من ستر وحمى."

ردت ميس بصوت متعب لكنه مطمئن:

"اللهم لك الحمد... لطفك كان أقرب إلي من خوفي "

وبينما ظلت تحتضنهما، سكنت أنفاسها أخيرًا، وشعرت للمرة الأولى منذ تلك الحادثة أن الألم إذا تقاسمه الإخوة، خفّ وزنه وذابت قسوته.

بعد أن هدأت أخيرا، ابتعدا عنها يبتسمان بخفة، بينما مد أسيد يده يمسح دموعها التي لم تزل تنساب بصمت خافت،وقال بنبرة حاول أن يخفي بها رقته:

"إيا حبسي البكا تباني ماشي شابة يا واحد المشعوذة"

(هيا، توقفي عن البكاء... تبدين بشعة هكذا أيتها المشعوذة)

رفعت ميس نظرها نحوه وضحكت بخفة من بين دموعها، تلك الضحكة التي أعادت الدفء إلى وجهيهما بعد توتر طال.

تدخل سيف قائلا بابتسامة صغيرة:

"هيا توقفي عن البكاء ميسو ، قومي وجهزي نفسك... عندك جامعة، وأنا عندي تدريس، لا نريد أن نبدأ يومنا بالدموع"

أومأت برأسها، تمسح ما تبقى من دموعها بكفها، ثم استدارت متجهة نحو الحمام، خطواتها هذه المرة أكثر هدوءا وارتياحا.

تبادل سيف وأسيد نظرة صامتة، فيها مزيج من ارتياح وعتب أخوي دفين، قبل أن يسيرا معا نحو الباب.

وحين نزلوا إلى الأسفل، قال سيف بنبرة يختلط فيها الجد بالمرح:

"أحتاج لتلقين روانس درسا صغيرا... حتى لا يخفي عنا أمرا كهذا مجددا"

ضحك أسيد بخفة وأومأ موافقا:

"أوافقك تماما... لكن لا تتسرع، لا تنس أن أخته وزوجتي لا تزال في بيته وهي عنيدة، ولا أريد أن أنتهي بصداع في رأسي بسببك"

ارتفعت ضحكتهما في الممر، خفيفة صافية، تبدد ما تبقى من غيوم القلق، وفي الأعلى، كانت ميس تنظر إلى انعكاسها في المرآة، تمسح أثر الدموع وتهمس لنفسها بابتسامةواهنة:

"الحمد لله... هذه المرة انتهى الأمر بخير."

..............

ويحدث أحيانا أن تهدأ عاصفة في داخلك بعد طول اضطراب، أن يسكن في صدرك ما ظل لسنوات يغلي، فتشعر وكأن روحك التي كانت تائهة في متاهات الحزن قد وجدت أخيرا مأواها، وكأن كل وجع ذاقه قلبك لم يكن إلا طريقا يقودك نحو هذا السكون العذب.

‏تستيقظ ذات صباح فتدرك أن شيئا فيك تغير، أن ضوءا جديدا انبثق في أعماقك، لا تعلم كيف ولا متى، لكنك تشعر به يتسلل بين أضلاعك كنسيم لطيف بعد ليل طويل.

تغمرك راحة غير مألوفة، وسعادة طاغية كأن قلبك يسافر بك في أحلام يقظة تلامس السماء، فقط لأن قلبك انعقد بقلب آخر على الحلال، لأن ما كنت تراه بعيدا قد اقترب، وما كنت تدعو به في خفاء الليالي قد صار واقعا يلامس كفيك.

حينها تفهم أن الانتظار لم يكن عبثا، وأن الدموع التي سكبتها كانت تسقي بذورا خفية في طريقك، وأن الله حين يؤخر لا ينسى، وحين يمنع إنما يهيئ.

فما إن تتحقق الأمنية، حتى يذوب وجع الأيام في لحظة، وتغسل الروح بندى الاستجابة، فتنسى تعب الانتظار ولهفة الدعاء وحرقة الرجاء، ويغدو كل ما مضى مجرّد مقدمة لسعادة كتبها الله لك.

‏وحين يستجيب الله، تستجيب الروح لإستجابته… تخشع، تبكي، وتبتسم في آنٍ واحد، وكأنّك تسمع نداء السماء يقول: قد سمع الله دعاءك، فاطمئن، فما كان لك لن يخطئك أبدا.

.....

تجلس ميساء في المكتبة، وبالمقابل منها هالة، تتناثر الأوراق على الطاولة كأنها شتات فكرٍ يحاول أن ينتظم.

على طرف الطاولة حاسوب مفتوح، وأمامهما كتاب تلتهمان سطوره بعينين مثقلتين بالتركيز.

اجتمعتا منذ الصباح الباكر في ركنهما المعتاد من المكتبة، استعدادًا لامتحانات الأسبوع القادم. تتبادلان النقاش حول المواد، وأصواتهما الخافتة تتناغم مع صمت المكان وهيبة الكتب.

كانت الساعة تقترب من الثانية عشرة ظهرا، ولهما محاضرة على الواحدة والنصف مع روانس.

في خضم انغماسهما، شعرتا بظل يخيم فوق رأسيهما، فرفعتا نظرهما معا، لتقعا على ملامح مألوفة رسمت على وجه ميساء ابتسامة عفوية.

كان سيف يقف أمامهما يحمل بيده بعض الأطعمة التي أحضرها من الكافيتيريا، وضعها برفق على الطاولة وأزاح بعض الأوراق جانبا بحذر لئلا يفسد النظام الذي تعبتا في ترتيبه.

ثم انحنى بخفة وطبع قبلة حانية على جبين هالة، قبلة قصيرة لكنها كفيلة بإشعال حمرة لطيفة على وجنتيها.

ارتبكت، أطرقت رأسها، بينما ابتسم هو ابتسامة تحمل بين طياتها حبا خالصا وطمأنينة لا توصف.

وحين همّ بالاستقامة بجسده، باغتته ميساء بمرح شقي وعينين تلمعان خفة:

"أنظروا من تزوج ونسي أخته... حتى قبلة الجبين حرمني منها!"

ضحك سيف بخفة، واقترب منها بخطوات متزنة حتى وقف بمحاذاتها، ناظرا إليها بنظرة تجمع بين الدعابة والحنان.

رفع يده برفق، يزيح بعض الخصلات التي خرجت من حجابها يعيدها للداخل ،ثم انحنى بطبيعة وعفوية محبة، وطبع قبلة هادئة على جبينها فوق الحجاب، قبلة أخوية دافئة تنطق بالرحمة قبل الكلمة.

قال مبتسما بنبرة مازحة مفعمة بالعطف:

"ها قد قبلتك يا ميساء، راضية الآن؟ أم أنك تريدين بيانا رسميا لتطمئني أني لم أنس أختي؟"

ضحكت ميساء بخفةٍ وهي تنظر له.

بينما يقول مبتسما، وصوته يحمل صدقا يلامس القلب:

"الزواج لا يُنسي الأخت يا ميس، بل يجعل الأخ يعرف قيمتها أكثر... فالأخت وطنٌ قبل أن تكون قرابة."

ساد بينهم صمت جميل، تتخلله ابتسامات خجولة.

كانت هالة تراقبهما بعين يملؤها الامتنان، تشعر في تلك اللحظة بأن المودة التي تجمعهم ليست مجرد دم أو اسم، بل رحمة يسري دفؤها بينهم كما يسري النور في الفجر.

ثم جلس سيف على مقعد في صدر الطاولة، وقال وهو يفتح علبة الطعام:

"هيا، كفاكما مذاكرة بلا طاقة… لا أحد يراجع جيدا على معدة خاوية!"

ضحكت الفتاتان معا، وعاد صخب لطيف يملأ الركن الهادئ من المكتبة، فبدت اللحظة كاستراحة قصيرة من تعب الدنيا، تذكرهم أن العائلة  مهما تغير كل شيء  تبقى السند الأجمل في هذه الحياة.

.............

في مكان آخر غي الشركة الخاصة بآل سراج ، كان يجلس ذلك الذي بدت على ملامحه علامات الإرهاق، بسبب صداع في رأسه وتراكم الأعمال عليه.

كان يراجع بعض الأوراق ويوقعها بين الحين والآخر، حين طرق أحدهم الباب، تلاه وجه ليا المشرق بالبشاشة.

نظر إليها بابتسامة خافتة، بينما تقدمت نحوه تحمل ملفا بيدها، وقالت بنبرة جادة:

"يجب أن نناقش هذا الملف."

أومأ برأسه بخفة، فجلست مقابله، فتحت الملف على المكتب، وقربته منه بهدوء.

فتح أسيد الملف أمامه ببطء، محاولا التركيز رغم الصداع الذي يلازمه منذ الصباح.

جلست ليا مقابله، تراقبه بصمت ، ولاحظت بوضوح الإرهاق المرسوم على ملامحه.

قالت وهي تنظر له ببعض الرفق:

"هذا هو التقرير الخاص بخطة تطوير إدارة التسويق، أعددته بناء على التوجيهات الأخيرة منك"

رفع نظره إليها بابتسامة خفيفة، وقال ممازحا:

"من إعداد فتنتي العنيدة؟ أخشى أن ينتهي الأمر بأن تديري الشركة بدلا مني"

ابتسمت بخجلٍ لطيف:

"اطمئن، لقد وعدتك أنني سأتوقف عن العمل بعد التخرج، فلن أستطيع تهديد منصبك للأسف"

ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة ممزوجة بالحنان، وقال بصوت منخفض:

"ولم أضع ذلك الشرط إلا لأجل راحتك، لا لأجل تقييدك. كنت أعلم أن بيئة العمل مرهقة، وأردت أن أراك مطمئنة، لا غارقة في الضغوط مثلي"

نظرت إليه بعين فيها دفء وشيء من المشاكسة:

"لكن يبدو أنك تحتاج من يعتني براحتك أكثر مني.

هل راقبت نفسك في المرآة اليوم؟ ملامحك تصرخ تعبا يا سيد أسيد"

ضحك بخفة وهو يشير إلى رأسه:

"صداع بسيط… ضريبة الزواج من امرأة تجادلني في كل قرار إداري"

ضحكت وقالت بنبرةٍ مرحة:

"بل ضريبة الزواج من رئيس شركة لا يعرف معنى الراحة يا مغرور"

أشار إلى الملف وقال:

"دعينا من الجدال الآن، ما الجديد في الخطة؟"

انحنت قليلا نحو الأوراق وبدأت تشرح:

"الفكرة الأساسية هي تحويل حملاتنا التسويقية تدريجيا إلى النظام الرقمي بالكامل.

السوق تغير كثيرا يا أسيد، و85٪ من التفاعل الآن يتم عبر المنصات الإلكترونية.

نحتاج إلى قسم مختص بتحليل البيانات الرقمية، وإدارة الإعلانات الممولة بدقة.

أدرجت مقترحا لتدريب الفريق على أدوات مثل Google Analytics وMeta Ads Manager، مع مراقبة الأداء عبر لوحة تحكم رقمية"

أومأ برأسه بإعجاب واضح وقال:

"تحليل ممتاز يا ليا. لو لم تكوني متدربة، لرفعتك فورا لرئيسة القسم"

نظرت إليه مبتسمة، وقالت بخفة تحمل شيئا من العتب اللطيف:

"لكن رئيس القسم المستقبلي سيكون ربة منزل، أليس كذلك؟"

قال مبتسما وهو يغلق الملف:

"نعم… ولكنها ستكون أيضا شريكتي في القرار قبل أي أحد.

قد تغادرين المكتب، لكن مكانك في حياتي لا يستبدل"

خفضت نظرها بخجل ناعم وقالت بصوت خافت:

"يكفيني أن أسمع ذلك… أما عن التقرير، فسأرسله لك الليلة قبل أن تغادر الشركة، لتراجعه وأنت في البيت، لا هنا"

ضحك بخفة وقال وهو يميل نحوها قليلا:

"أمر من مديرة قلبي إذا؟"

ابتسمت وهي تجمع الأوراق قائلة بنغمة مرحة تخفي خلفها حنانا واضحا:

"بل من زوجتك المتدرّبة… إلى أن تتخرج رسميا من صبرها عليك.

والآن، انهض واذهب إلى المنزل لترتاح قبل أن أحرر لك إنذارا إداريا!"

ضحك بخفة، وأومأ برأسه قائلا:

"حسنا… لكن لا تتأخري كثيرا في العمل، يا فتنتي العنيدة و عودي للبيت"

.............

كانت الساعة قد بلغت الواحدة والنصف ظهرا حين جلست ميساء بجانب هالة في الصف الأول كعادتهما، ترتبان أدواتهما على الطاولة استعدادا لبدء المحاضرة، بالتزامن مع دخول أستاذ الفقه بطلته الآسرة التي تخطف الأنظار.

تقدم روانس بخطوات واثقة، مرتديا سروالا كلاسيكيا أسود، وقميصا أنيقا باللون الأخضر الداكن، يكمله حذاء جلدي أسود وساعة جلدية تزين معصمه، بينما كان شعره الأشقر مصففا بعناية إلى الخلف.

وضع حقيبته على الطاولة، ثم رفع رأسه نحو طلابه بابتسامة هادئة وقال:

"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته… عساكم بخير جميعا"

رد الجميع التحية بصوت واحد، يترقبون حديثه المعتاد الذي سرعان ما بدأ بعد أن مرر نظراته بين الصفوف، حتى توقفت عيناه على محبوبة قلبه التي كانت تراقبه بهدوء.

وما إن تلاقت نظراتهما، حتى احمر وجهها خجلا، فلاحظ هو ذلك في طريقة فركها ليديها واختلال نظرتها، فرفع يده إلى فمه يخفي ابتسامة تسللت رغما عنه، وهمس لنفسه بكلمات لا يسمعها سواه:

"حقا… خجلك هذا محبب إلي، يا وتيني"

ثم استقام في وقفته وقال بصوت رسمي أكثر وهو يوزع نظراته على القاعة:

"إذن… اليوم هو آخر درس لنا في هذا الفصل، بما أن الامتحانات ستبدأ بعد أقل من أسبوعين.

الأيام القادمة سنخصصها للمراجعة، إلى جانب مناقشة الأبحاث التي طلبتها منكم مسبقا"

ساد القاعة هدوء مهيب بعد كلماته، غير أن قلبا واحدا فقط لم يكن هادئا… قلب وتينه.

رفع روانس نظارته قليلا وهو يتأمل الوجوه، ثم قال بنبرة هادئة لكن ثابتة:

"حديثنا اليوم عن أمر بسيط في ظاهره، عظيم في أثره… شيء لا يرى، لكنه يرفع الأعمال إلى السماء أو يلقيها أرضا بلا وزن… إنه النية"

ساد القاعة صمت عميق، لا يسمع فيه إلا حفيف الأوراق وأنفاس الطلاب الذين شدهم صوته الرزين.

تابع قائلا:

"قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، وهو أول حديث في صحيح البخاري، وكأن الإمام البخاري رحمه الله أراد أن يذكرنا منذ البداية بأن النية هي أصل كل شيء.

فمن دونها، لا قيمة لعمل ولا لعبادة ولا حتى لكلمة طيبة"

رفع أحد الطلاب يده وقال:

"أستاذ، هل يعني هذا أن العمل إذا لم تذكر فيه النية بلفظ واضح لا يقبل؟"

ابتسم روانس بخفة، وأشار إليه أن يجلس قائلا:

"سؤال جميل، لكن النية ليست باللسان بل بالقلب.

ليس المقصود أن تقول: نويت أن أصلي أو أن أعمل كذا، بل أن يكون قلبك حاضرا، يدرك لمن تعمل.

فالنية حركة خفية في الداخل، يعرفها الله وحده.

قد تصمت، لكن نيتك تصرخ في السماء"

ترددت همهمة خفيفة بين الطلاب إعجابا بكلامه،

بينما كانت ميساء تنظر إليه بإعجاب خافتٍ،

غير قادرة على مقاومة وقع كلماته التي تشبه نسمات دافئة تتسلل إلى قلبها.

أعاد روانس نظره إلى القاعة وقال:

"في الفقه، النية شرط لصحة العبادات كلها.

لا صلاة بلا نية، ولا صوم بلا نية، ولا زكاة بلا نية.

ولكن في المعنى الأعم، النية روح الحياة.

حتى العمل الدنيوي يمكن أن يتحول لعبادة إن خلصت النية فيه لله"

رفع طالب آخر يده وقال:

"هل يمكن أن تكون النية سببا في تفاضل الناس؟

أعني، لو عمل شخصان العمل نفسه، هل يثابان بنفس الدرجة؟"

قال روانس وهو يضع يده على صدره:

"سؤال دقيق، والجواب: لا.

النية ترفع العمل أو تضعه.

رجلان يصليان في صف واحد، هذا يصلي لله، وذاك يصلي ليراه الناس.

الأول ترتفع صلاته، والثاني لا تبرح الأرض.

وهذا المعنى ورد في قول الله تعالى:

«مَن كان يريدُ حرثَ الآخرة نَزِدْ له في حرثِه، ومَن كان يريدُ حرثَ الدنيا نُؤتِه منها وما له في الآخرةِ من نصيب» [الشورى: 20].

النية تحدد المصير قبل أن يبدأ العمل"

سادت القاعة لحظة صمت، وكأن الآية أطفأت كل الأصوات. ثم قال بصوت أخف:

"لو تأملنا، لوجدنا أن النية هي الفارق بين عادة وعبادة. أن تأكل لتقوى على طاعة الله، فهي عبادة.

أن تنام لتستريح للقيام، فهي عبادة.

أن تدرس لتكون نافعا للمجتمع، فهي عبادة.

النية هي التي تحول تفاصيل الحياة إلى عبور نحو الله"

ارتفعت يد ميساء بخجل طفيف لم يلحظه إلا هو، فابتسم روانس وقال برقة لم يخفها أحد:

"تفضلي يا ميساء"

قالت و هي تزن صوتها:

"أستاذ… هل يمكن أن تتغير النية أثناء العمل؟

أعني، إن بدأت العمل لله ثم شعرت أني أبحث عن إعجاب الناس دون قصد، فهل يضيع الأجر؟"

أطرق روانس رأسه لحظة ثم رفعه، وفي عينيه بريق من تقدير وعمق:

"سؤال دقيق، وإجابته تظهر حسّا إيمانيا جميلا.

النية قد تتغير، لكن رحمة الله أوسع.

إن شعرت بتسرب الرياء، فاستعيذي بالله وجاهدي نفسك، ولا تتركي العمل.

الرياء لا يعالج بترك العمل، بل بتصحيحه.

وقد قال أحد السلف: «من ترك العمل خوف الرياء، فقد ترك الإخلاص من باب الرياء»"

هزت ميساء رأسها بإعجاب واضح، بينما تبسمت هالة بخفة هامسة لها:

"انظري إليكِ… زوجك كاد يحول سؤالك إلى درسٍ وحده"

فضحكت ميساء بخفوت، تحاول ألا يلاحظ روانس ذلك، لكنه لاحظ كعادته وارتسمت على شفتيه ابتسامة خافتة لم تدم طويلا، إذ سرعان ما استعاد وقاره وهيبته.

ثم تابع قائلا بنبرة أعمق:

"أحيانا يا طلابي، تكون النية أصدق من الكلام.

رجل يتصدق بدرهم واحد، لكنه يضع فيه قلبه، فيكون أعظم عند الله من ألف دينار أنفقها غيره رياء،

قال تعالى:

«لن تنالوا البرّ حتى تنفقوا مما تحبّون» [آل عمران: 92].

فالبرّ لا ينال بالكم، بل بالصدق فيما تهب"

رفع أحد الطلاب في الخلف صوته قائلا:

"أستاذ، كيف نخلص النية؟ أحيانا نحاول، لكن النفس تتسلل وتفسدها"

ابتسم روانس وقال:

"سؤال في غاية الصدق.

الإخلاص ليس سهلا، لأنه معركة بينك وبين نفسك، لا يراك فيها أحد إلا الله.

وجهاد النفس هذا أعظم من جهاد السيف، لأنك تحارب هوى خفيا في قلبك.

الإخلاص لا ينال بكثرة القراءة أو الحفظ، بل بكثرة النظر إلى السماء والاعتراف بالضعف أمام الله.

إذا عجزت، قل: اللهم اجعل عملي خالصا لوجهك الكريم، ولا تجعل لأحد فيه نصيبا.

كررها، وسترى أثرها بعد حين"

في تلك اللحظة، كانت ميساء تتابع كلامه بعينين لامعتين، تشعر أن كل حرف منه يسكن شيئا في قلبها كانت تجهله.

ولمّا التفتت نحوه، التقت عيناها بعينيه للحظة عابرة، فخفضت بصرها بسرعة خجلا، بينما كان هو يشيح بنظره عنها بهدوء، يبتسم بخفوت كمن يضبط قلبه قبل كلماته.

ثم أضاف بصوت مائل للخشوع:

"لو فقهتم سر النية، لما احتجتم إلى كثير من الكلام.

النية لا ترى، لكنها تترجم في السلوك.

الذي يعمل لله، تراه مطمئنّا، هادئا، لا ينتظر شكرا من أحد، لأن الله في قلبه كفاية.

أما من يعمل للدنيا، فمهما نال منها، يبقى ناقصا، قلقا، يطلب مزيدا"

ثم رفع كتابه بين يديه وقال:

"قال الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين:

«الإخلاص أن يكون حركتك وسكونك لله وحده، لا يشوبها نظر الخلق، ولا طلب دنيا».

فجددوا نياتكم دائما، حتى في طلب العلم.

من طلب العلم ليرتقي في الدنيا، نال ما أراد لكنه خسر الآخرة، ومن طلبه ليهدي نفسه والناس، رفعه الله في الدارين"

هنا رفع طالب آخر يده وقال:

"يعني أستاذ… حتى دراستنا هذه يمكن أن تكون عبادة؟"

قال روانس بابتسامةٍ رضية:

"بالتأكيد.خصوصا تخصصكم هذا.

لو نويت أن تتعلم لتفيد الناس، لتدفع الجهل، لتخدم الأمة… فإن جلوسك في هذا المقعد عبادة،ونومك قبل الامتحان عبادة، وتعبك في المذاكرة عبادة،

لأن الله لا ينظر إلى كم ما تفعل، بل إلى قلبك حين تفعله"

أحست ميساء بشيء يتحرك في داخلها، وكأنها تكتشف لأول مرة أن نواياها الصغيرة قد تكون في ميزان كبيرٍ عند الله.

كانت تكتب بعض الملاحظات بخطّ دقيق مرتب، بينما هو يتابع النظر إلى القاعة، بعينين مفعمتين بالسكينة.

ثم قال بنبرة خاشعة خافتة:

"كل واحد منكم، لو وقف الآن وسأل نفسه: لمن أعيش؟

سيكتشف أن الجواب يختصر دينه كله.

النية هي ميزان القلوب.

قال تعالى:

«قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين» [الأنعام: 162].

فمن جعل حياته لله، عاش مطمئنا وإن ضاقت به الأرض بما رحبت"

ثم ساد صمت طويل…

لا أحد تحرك، ولا أحد تجرأ على الكلام.

كان لصوته أثر كالماء البارد على قلوب عطشى.

أغلق روانس كتابه بهدوء، وقال أخيرا:

"لهذا، قبل أن تبدؤوا عباداتكم أو أعمالكم أو حتى نواياكم الصغيرة، اسألوا أنفسكم: هل أنا أريد وجه الله بهذا؟ فإن كانت الإجابة نعم، فامضوا مطمئنين… وإن ترددتم، فأعيدوا النظر في قلوبكم.

فالله لا ينظر إلى صوركم، ولكن إلى قلوبكم"

ثم ابتسم وهو يجمع أوراقه قائلا:

"هذا درس اليوم، وختام هذا الفصل.

أريد منكم أن تكتبوا بحثا قصيرا بعنوان «كيف تخلص النية في زمن مزدحم بالناس؟»،

وليكن بينكم وبين الله، لا بينكم وبين الدرجات"

وقف الطلاب واحدا تلو الآخر يودعونه بتحية الإسلام، بينما بقيت ميساء في مكانها تنظر إلى الطاولة أمامها بصمت متأمل

مرّ بجانبها بخطوات هادئة وهو يجمع أوراقه، ثم توقف لحظة وقال بصوت منخفض لا يسمعه سواها:

"جميل سؤالك اليوم يا ميساء… النية في العلم أثمن من العلم ذاته، أنا فخور بوتيني"

رفعت عينيها بخجلٍ، تبتسم دون أن تنبس بكلمة.

ثم غادر القاعة تاركا وراءه صدى كلماته يتردد في أعماقها متجها لدرسه التالي.

كأنما نثر في قلبها بذرة صغيرة…

بذرة اسمها الإخلاص.

..........

وقفت ميساء عند بوابة الجامعة تنتظر روانس وسيف، كما طلبا منها أن تفعل، على وعدٍ بأن يعودا بعد دقائق قليلة.

كانت السماء ملبدة بغيوم خفيفة، والنسيم البارد يعبث بطرف خمارها وهي تتابع بعينيها حركة الطلبة الداخلين والخارجين. لمحت من بعيد دكانا صغيرا مقابل البوابة، وقد جذبها منظر الحلويات التي تلوح خلف الزجاج، فابتسمت بخفة وقالت في نفسها:

"لن يتأخروا، سأشتري بعض الحلوى ريثما يأتون"

خطت خطوات هادئة نحو الطريق، وفي اللحظة التي همت فيها بالعبور، رن هاتفها.

نظرت إلى الشاشة فوجدت رقما مجهولا.

ترددت لثوان، ثم ضغطت على زر الإجابة، لتقول بصوت حذر:

"السلام عليكم… من المتصل؟"

مرت لحظتان من الصمت، ثقيلتان كأن الزمن تجمد فيهما، قبل أن يخرج من السماعة صوت مألوف…

صوت بعث في جسدها رعشة لم تعرفها منذ زمن بعيد:

"هل اشتقت إلي… ميسائي الصغيرة؟"

تجمدت في مكانها، اتسعت عيناها دهشة ورعبا، وكأن الهواء انقطع عنها فجأة. سقطت أنفاسها في صدرها، وارتجفت يدها التي تحمل الهاتف حتى كاد يسقط منها.

تلك الكلمات، وذلك الصوت الذي حسبت أنها دفنته مع ماضيها، عاد الآن ليهدم ما رممته بصبرها طوال السنوات الماضية.

كانت ذاهلة تماما، لا ترى شيئا أمامها سوى صدى صوته في رأسها، يدور كهمس سامّ يلتف حول عقلها وقلبها.

لم تنتبه لتلك السيارة المسرعة القادمة في الاتجاه المقابل، ولم تسمع سوى صوت واحد اخترق سكون اللحظة، صوت روانس يصرخ بكل ما فيه من خوف:

"ميــــساء... لااااا!"

ثم دوى صوت احتكاك العجلات بالأرض، صرخة معدنية مفاجئة مزقت الهدوء، وعم المكان صمت ثقيل…

كأن العالم نفسه توقف عن التنفس.

.

.

.

.

.

ستوب ستوب... لا عن جد ستوب

ههه

آسفة يا رونسايون

القفلة كانت صادمة أعلم لكن ماذا نفعل كاتبتكم بريئة لدرجة أنها وضعت قفلة جميلة.

أليس كذلك؟

إذا لنرجع للفصل

آراءكم

تخميناتكم

ماذا سيحدث يا ترى هممم؟

سنرى لنصبر للفصل القادم لا داعي للتسرع أوليس.؟

إذا نلتقي في الفصل القادم رونسايون.

"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب في رحاب العلم

المؤلف djeziri hadjira
2025/09/05 مكتملة
قائمة الفصول (27)
الفصل 0: مقدمة.
2025/09/05
الفصل 1: عيون تلتقي
2025/09/07
الفصل 2: رعشة البداية
2025/09/10
الفصل 3: غيرة في النفس
2025/09/15
الفصل 4: قرار
2025/09/18
الفصل 5: غربة و قرب
2025/09/21
الفصل 6: نظرة الحلال
2025/09/27
الفصل 7: بوادر حب وخطوة مستقبل
2025/10/01
الفصل 8: عقد قران
2025/10/05
الفصل 9: من خجل الاعتراف إلى جرأة الوعد
2025/10/10
الفصل 10: وما الإخلاص إلا أن يراك الله
2025/10/15
الفصل 11: وعد العدل
2025/10/19
الفصل 12: لحظة تشبه الدعاء
2025/10/23
الفصل 13: صوتك كان ملاذي
2025/10/28
الفصل 14: وتمَّ بالعهد اللقاء
2025/11/02
الفصل 15: ما بين النية والقدر
2025/11/07
الفصل 16: حين يبتلي الله القلوب ليطهرها
2025/11/11
الفصل 17: أزِفَ الوِصال
2025/11/14
الفصل 18: أطياف الماضي
2025/11/21
الفصل 19: أصداء القلب
2025/11/26
الفصل 20: حين يجد القلب مُتكأه
2025/12/01
الفصل 21: على عتبات المجهول
2025/12/06
الفصل 22: بين الفقد والأمل
2025/12/13
الفصل 23: بين حدِّ السيف.. ونبضِ الميس
2025/12/18
الفصل 24: وكان الختام حياة
2025/12/26
الفصل 25: فضفضة
2025/12/26
الفصل 26: فصل خاص: همسات بين الجدران
2026/01/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة