السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عساكم بخير يا غاليات
بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
أما بعد:
سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل مثلكم يشجعني على ما أكتب
.
.
.
.
"كَهُدُوءِ الْبَحْرِ قَبْلَ الْعَاصِفَةِ... بَدَتِ الْأَيَّامُ عَادِيَّةً، لَكِنْ شَيْئًا مَا كَانَ يَتَشَكَّلُ فِي الْخَفَاءِ.."
.
.
.
.
أحيانًا يكفي لقاء أعين ليشعل الشرارة، وأحيانًا يصنع الله لك المواقف لتبصر الطريق. كل ذلك بتقديرٍ منه، ليقودك نحو النهاية التي كتبت لك، ولو كان السبيل إليها عبابا من الابتلاءات.
ودائما... قد تكون دعوة في جوف الليل، أو في أقسى اللحظات، هي التي تتحقق بعد حين، لتأتيك على هيئة رزق من الله لم يخطر لك ببال، ولم ترسمه أحلامك يومًا.
فالله يمهل ولا يهمل، ويجازيك بعملك وحسنك، ويرزقك في الوقت الذي يشاء، ولو بعد حين.
..
إنحنت تلتقط أنفاسها قبل أوراقها، ولم تلبث أن سمعت صوت ميس يتعالى بدهشة:
"أخي سيف! يا إلهي، انتبه أمامك!"
رفعت هالة رأسها متفاجئة، لتصطدم أنظارها مباشرة بملامحه الحادة ونظرته الثابتة:
"ليس ثانية"
همستها هالة بخفة مرتبكة،
لحظة صمت قصيرة مرت كدهر، قبل أن يتراجع خطوة إلى الخلف، يستغفر في سره، ويقول بنبرة هادئة:
"أعتذر منك يا آنسة... لم أكن منتبها"
ثم التفت إلى أخته ميس، وقد أشار إلى الملفات التي يحملها بيده:
"المعذرة يا ميس، شغلتني هذه الأوراق"
بينما كان يبرر، كانت هالة ما تزال متسمرة في مكانها، وقد أحرجها الموقف على غير عادتها.
تسارعت دقات قلبها بلا مبرر واضح، وكأنها تسمعها ترن في أذنيها. أسرعت تجمع أوراقها بتوتر، ثم تماسكت وأجبرت نفسها على الابتسام قائلة بصوت متقطع:
"سأسبقك إلى المكتبة يا ميس... في مكاننا المعتاد"
ومضت بخطوات أسرع مما ينبغي، متجنبة النظر خلفها، تاركة ميس وسيف يتبادلان نظرة قصيرة مشوبة بالاستغراب.
إلا أن ميس قطعت حبال تلك النظرات قائلة بنبرة مازحة:
"أي أوراق هذه التي تشغلك؟"
ابتسم سيف ابتسامة صغيرة، وأجاب بشيء من الدعابة:
"إنها أوراق المشاغبين الذين درستهم اليوم... كتبوا للتعريف بأنفسهم"
ضحكت ميس بخفّة وردّت:
"مشاغبون إذا... يبدو أنهم أنهكوك"
أطلق سيف تنهيدة قصيرة وقال:
"لا تذكريني... أسئلتهم وحدها تجعلك تفكرين في اعتزال التدريس نهائيًا... على كل حال، يجب أن أذهب الآن. انتبهي إلى نفسك، نلتقي مساء عند باب الجامعة"
ابتسمت ميس وهي تودّعه:
"حسنا... في أمان الله"
ثم افترقا، كل منهما شق طريقه غافلا عن العيون التي تترصدهما.
...كان الأستاذ روانس يراقب المشهد من بعيد، لم يرَ ملامح سيف جيدا، لكن قلبه اضطرب وهو يراها واقفة مع شاب ظنه غريبا عنها. ولم يكن يعلم أن ذلك الشاب هو نفسه صديقه المقرب،
شرارة لا يعلمها اشتعلت في صدره، لكنه أسرع يستغفر في نفسه قائلا:
"ما دخلي أنا الآن... رب أعني على قلبي"
ثم مضى في طريقه محاولا أن يطفئ ما ثار في داخله، وكأن صراعا خفيا بدأ يتشكل بين ما يشعر به وبين ما يريد أن يثبته من ثبات وصلاح.
..................
في بيت آل الرواني:
كان جالسا فوق سجادته بعد أن فرغ من صلاة القيام، يتلو بعض آيات القرآن بصوت خافت يلامس السكينة.
وما إن أنهى تلاوته حتى رفع كفيه إلى السماء، يتهامس بدعاء خرج من أعماق قلبه المرتبك:
"اللهم إنك تعلم خفايا نفسي وما يضطرب به قلبي.
ربي، إن مشاعري قد تشابكت علي، فلا أدري أهي صادقة أم وهم عابر.
اللهم إن كان في قلبي ميل حق، فثبته وأرشدني به إلى الخير.
وإن كان وهما أو فتنة، فاصرفه عني واصرفني عنه، واجعل قلبي عامرا بك لا بغيرك.
يا رب، لا تجعلني أسير حيرة ولا وهم، وبين لي ما فيه صلاح ديني ودنياي"
وحين أطبق يديه على وجهه، سالت دمعة وحيدة على خده، دمعة لم تكن للحزن ، بل لذلك المزيج المربك بين رجاء وخوف.
شعر لأول مرة أن قلبه لم يعد ملكا له، وكأن شيئا من خارج إرادته يحركه.
نهض ببطء، وألقى نظرة إلى السجادة التي طالما حملت أسراره مع ربه، وضع يده على جهة قلبه ثم همس:
"يا رب، بين لي الحق فيما أحمل هنا... فأنا لا أريد إلا رضاك."
(ماذا تظنون هل وقع يا ترى)
......
أما عند بطلتنا، تلك التي أثقلها التفكير وأرهقها الصراع الطويل مع نفسها...
كانت كلما خلت بنفسها شعرت بذلك الصوت الخفي يجرها نحو ما لا يرضي الله، فتضيق أنفاسها وتكره ضعفها.
ولم يزدها كلام الناس التي لم تأخذ من الإسلام إلا إسمه سوى وجعا، كلما سمعت همساتهم يقولون عنها "متشددة"،
كانت تشعر أن وحدتها تزداد ثقلا.
وفي تلك الليلة، لم تجد مفرا إلا أن تخر ساجدة، تبكي بدموع ساخنة لم تهدأ.
رفعت يديها المرتجفتين تناجي ربها، خرج صوتها منكسرا لكنه ممتلئ بالرجاء:
"يا رب، إنك تعلم ما في قلبي وتعلم أني أحبك.
تعلم أني أحاول، وأنني رغم ضعفي لا أريد غيرك.
يا رب، لقد تعبت من هذا الصراع، فاهدني وثبتني.
رباه، إن قلبي كل من التعب فأحيه بنورك
رباه، نفسي تغلبني، فخذ بيدي."
كانت دموعها تسيل كوديان على خديها المحمرين، وجسدها يرتجف، لكن في داخلها نبتت عزيمة جديدة. أقسمت وهي بين السجود والدموع أنها ستقاوم نفسها، لن تسمح لها أن تجرها للخطأ.
لكنها، في غمرة الألم، غابت عنها حقيقة بسيطة... أن المسلم خلق ليخطئ ويعود، وأن الله غفور رحيم.
نسيت أن الهمَّ بالذنب ليس كارتكابه،
وأن التوبة باب لا يغلق.
نسيت أن الله أقرب إليها من نبضها الذي أتعبها،
وأنه لا يخذل من عاد إليه.
ذلك الصراع الذي عاشته لم يكن حكايتها وحدها؛
بل هو مرآة لقلوب كثيرة تتأرجح بين ضعف ورجاء، تبحث عن الطمأنينة في السجود،
و تجدها حين ترفع أكفها للسماء.
...........
كانت تنزل صباح يوم الجمعة على الدرج مع أختها نور،
مرتدية عباءة سوداء وإسدالًا بنفس اللون. وما هي إلا لحظات حتى كانت تقف في الأسفل مع أسيد وسيف.
ابتسم سيف موجها حديثه إليها قائلا:
"كيف حالك مع الحفظ يا غاليتي؟"
ابتسمت بدورها مجيبة:
"لقد بقي لي حزبان، وأختم القرآن بإذن الله."
هتف أسيد وهو ينظر إلى سيف:
"شوف الشطورة تاعنا، قرّبت تختم كيفنا!"
(أنظر لمثابرتنا، لقد قاربت أن تختم مثلنا).
ضحك سيف بخفة وهو يرى سعادة أخته، فقد كان حقا يفتخر بها.
لكن بين هذا الابتهاج والهمسات، قطع صوتهن صوتُ من بدا أنهم لم يروها منذ البداية، إذ هتفت بشيء من العصبية والتذمّر:
"ألست مرئية هنا؟ أنا أيضًا أحفظ، على فكرة!"
ابتسم الإخوة بخفة، وما إن أرادوا الرد حتى سمعوا صوت والدهم محمد يهتف:
"اتركوا ابنتي، فهي أساسا أشطر منكم جميعا! أخبريني يا نور، أين وصلت؟"
وكأن نور كانت تنتظر من يسألها، فقفزت بسعادة، ممسكة بذراع والدها، وقالت بفرح:
"آخ أبي، أنت الوحيد الذي تحبني هنا! أوتعلم؟ لقد حفظت جزء عمَّ وأكملته، أنا جد سعيدة!"
ضحكت العائلة جميعا، ولم يقطعهم سوى صوت والدتهم تخبرهم بأن وقت صلاة الجمعة قد اقترب، ليتوجهوا بعدها نحو السيارات ذاهبين إلى المسجد.
........
بعد يومين، في صباح يوم الأحد تحديدا، كانت ليا تهبط الدرج بخطوات سريعة، حقيبتها تتأرجح على كتفها وقلبها يخفق من شدة القلق. لم تلحظ روانس وهو يخرج في تلك اللحظة، فاصطدمت به بخفة جعلتها تتوقف مرتبكة.
قالت على عجل وهي تلتقط أنفاسها:
"آسفة أخي... لم أنتبه."
ابتسم لها ابتسامة هادئة كعادته، فبادرت بسرعة قبل أن يسبقها الوقت:
"أخي... رجاء، هلا أوصلتني إلى الشركة التي سأتدرب فيها؟ أنا متأخرة."
رفع عينيه نحوها ثم نظر إلى ساعته، قبل أن يجيب بنبرة مطمئنة:
"حسنا، لا بأس... ما زال لدي بعض الوقت، سأوصلك في طريقي."
ارتسمت على وجهها ابتسامة امتنان، وتنفست الصعداء وهي تهمس:
"شكرا... لقد أنقذتني."
.........................
في الطابق العلوي من الشركة، جلس أسيد خلف مكتبه العريض، تتناثر أمامه بعض الملفات، غير أن عينيه كانتا معلقتين بالساعة المعلقة على الجدار. رفع رأسه نحو مساعده علي الذي كان يراجع بعض الأوراق بجانبه، ثم سأله بنبرة هادئة ولكنها تحمل شيئا من الصرامة:
"علي... هل وصلت المتدربة الجديدة بعد؟"
أجاب المعني وهو يقلب نظراته في دفتره:
"حتى الآن لا، سيدي. من المفترض أن تبدأ تدريبها هذا الصباح."
ارتفع حاجب أسيد قليلا، ثم أسند ظهره إلى الكرسي، قائلا:
"أتمنى ألا تكون من النوع الذي يبدأ بالتأخير منذ اليوم الأول... فهذا يترك انطباعا سيئا"
ابتسم علي بخفة :
"ربما تكون في الطريق... تعلم، ازدحام الصباح لا يرحم"
أطلق أسيد زفيرا قصيرا وأغلق الملف أمامه قائلا:
"سنرى... أعلمني فور حضورها"
بعد خروج علي بربع ساعة عاد قائلا:
"سيد أسيد، المتدربة قد وصلت"
رد بصوت هادئ:
"حسنا ادخلها و أبقى هنا"
انفتح الباب ببطء، ودخلت ليا بخطوات واثقة بعدها دخل علي يقف على الجانب .
بادرت ليا قائلة:
"السلام عليكم... أنا ليا الرواني ، المتدربة الجديدة."
رفع أسيد عينيه نحوها، وما إن وقعت نظراته عليها حتى لمعت في ذهنه ذكرى سريعة.
ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:
"وعليكم السلام ورحمة الله..." أسيد آل سراج"،
إذن أنت المتدربة؟ لم أتوقع أن نلتقي مجددا بعد تلك الحادثة الصغيرة."
همست ليا :
"نعم... صحيح. كنت شاردة وقتها."
أجابها أسيد :
"الشرود يحدث للجميع... المهم الآن أن تركزي هنا، و أتمنى ان لا تتأخري مجددا"
ثم أشار إلى الكرسي المقابل لمكتبه وهو يضيف:
"تفضلي بالجلوس يا آنسة ليا، لدينا ما نتحدث عنه بخصوص تدريبك"
جلست ليا على الكرسي المقابل، ضامة حقيبتها إلى حجرها، جالسة بإعتدال .
رفعت يدها تعدل حجابها بخفة تنظر للطاولة الصغيرة أمامها.
فتح أسيد أحد الملفات أمامه، وألقى نظرة سريعة نحوها ثم أعاد بصره إلى الأوراق، محافظا على وقاره، قبل أن يقول:
"حسنًا يا آنسة ليا... بما أنكِ التحقتِ كمتدربة عندنا، هناك بعض الأمور يجب أن تكون واضحة منذ البداية."
أومأت برأسها باهتمام:
"بالطبع، أنا مستعدة للاستماع."
تابع أسيد، وهو بين الحين والآخر يكتفي برفع عينيه للحظة قصيرة ثم يعاود النظر إلى الأوراق:
"أولًا، الالتزام بالمواعيد أمر أساسي. لا مجال للتأخير هنا. ثانيًا، التدريب ليس مجرد حضور، بل مشاركة فعلية، وستكلفين بمهام تدريجية حتى تكتسبي خبرة حقيقية. وثالثا، أريد أن أرى منكِ جدية وانضباطا... فهذان أهم ما نبحث عنه."
أومأت ليا برأسها بهدوء و أجابت بثقة لا تتغير :
"مفهوم، سأبذل جهدي لأكون عند حسن الظن"
رفع أسيد نظره نحوها للحظة، ثم سرعان ما صرفه قائلاً بنبرة هادئة:
"بإذن الله، هذا ما أود سماعه. التدريب فرصة، لكنه أيضا اختبار... لنفسك أولا، قبل أن يكون اختبارا لنا"
إبتسم علي الذي كان صامتا طوال الوقت، واردف:
"لا تقلقي آنسة ليا، ستجديننا متعاونين،
لكن صدقيني... العمل مع السيد أسيد يعلم الصبر والانضباط."
التفتت ليا إليه بابتسامة صغيرة، ثم عادت تنظر إلى أسيد، الذي أغلق الملف أمامه دون أن يطيل النظر، وقال باختصار:
"إذا، سنبدأ عمليا من الغد. علي سيتكفل بإرشادك لموظفة تعرفك على الأقسام وتوزيع مهامك الأولى."
أجابت بامتنان:
"شكرا جزيلا، أستأذن منك الآن."
أومأ برأسه بهدوء وهو يعيد نظره إلى أوراقه:
" إذنك معك، بالتوفيق."
......
كان سيف يسير بخطوات راسخة نحو ساحة الجامعة، يفتش عن ركن هادئ بعيد عن ضجيج الطلاب.
وما إن بلغ الباب الكبير حتى اخترق سمعه صوت مألوف يناديه:
"سيف... أهذا أنت يا صديقي؟"
التفت، فإذا بــ روانس يتقدم نحوه، وجهه الرزين تنفرج عنه ابتسامة نادرة. تقدم بخطوات واثقة، ثم عانقه عناقا أخويًا قصيرا.
قال روانس:
"لقد مضى وقت طويل... كيف حالك؟ وكيف حال الأهل؟"
ابتسم سيف وهو يجيبه:
"الحمد لله، بخير... وأسأل الله أن تكونوا كذلك"
أومأ روانس برضا، ثم أضاف:
"الحمد لله، سعيد بسماع ذلك"
ثم أضاف بخفة:
"والآن، ما الذي جاء بك إلى هنا؟"
أجابه سيف بهدوء:
"لقد عُينت لتدريس القانون في السنة الأخيرة"
ابتسم روانس بود وربت على كتفه:
"خطوة موفقة... بارك الله لك فيها."
إبتسم سيف مردفا:
"مع أنني لم أشأ ابعادي عن المحاماة هذه السنة، لكن إرادة الله"
ضحك روانس بخفة ثم نظر إلى ساعته، وأردف مستسمحا:
" علي الانصراف الآن، لدي محاضرة بانتظاري لإلقائها أيها المحامي."
مد سيف يده لمصافحته بإبتسامة جانبية قائلا:
"أعانك الله ياصديقي، أستودعك الله."
رد روانس بابتسامة هادئة وهو يبتعد:
"السلام عليكم"
ظل سيف واقفا للحظة يراقب صديقه يغيب وسط الزحام، قبل أن يتابع طريقه نحو الساحة، محملا بصفاء هذا اللقاء العابر.
.......
كانت ميس تخطو مسرعة نحو القاعة، وما إن فتحت الباب حتى وجدته واقفا يشرح. إلتفت عند الصوت، فالتقت نظراتهما في لحظة علّقت كل شيء.
ارتبكت حواسها كلها حين اجتاحها ذاك الشعور بأن العيون مسلطة عليها من بين الصفوف.
تلاحقت أنفاسها، وارتجف صدرها، حتى قطع صوته الحازم والهادئ شرودها:
"يا آنسة.. تفضلي، اجلسي في مقعدك."
تلعثمت للحظة، ثم همست بخفة متوترة:
"أنا آسفة على التأخير.."
أومأ برأسه إيماءة مقتضبة، مشيرا بيده نحو مقعدها.
بدا ثابتا لا يقرأ في ملامحه شيء،
لكن ارتباكها ازداد وكأن ما يخفيه وراء هدوئه أعمق مما يظهر.
سارت بخطوات مترددة حتى جلست في مقعدها المعتاد، وهناك فقط لاحظت غياب هالة.
انقضت المحاضرة سريعا وكأن عقلها لم يمنحها فرصة للتركيز،
وما إن خرجت من القاعة حتى سارعت تمسك هاتفها، تضغط الرقم وتنتظر.
وما إن ردت صديقتها حتى أسرعت ميس تقول بلهفة:
"السلام عليكم، هالة.. هل أنت بخير؟ لِمَ لم تحضري اليوم؟"
جاءها صوت هالة مبحوحا قليلا من الطرف الآخر:
"وعليكم السلام ورحمة الله.. لقد أصابني زكام، وأمي لم تسمح لي بالخروج."
انقبض قلب ميس، فردت بقلق واضح:
"هل أنت متأكدة أنك بخير؟"
ضحكة خافتة تسللت عبر السماعة، تليها كلمات تطمئنها:
"أجل لا تقلقي.. أنت تعرفين أمي، تهول الأمور دائما."
أطلقت ميس تنهيدة صغيرة وابتسمت رغمًا عنها:
"حسنا، طهور إن شاء الله.. سأمر عليك مساء."
أنهت المكالمة وأكملت سيرها تبحث عن أخيها، لتخبره برغبتها في أن يوصلها إلى صديقتها مساء.
........
في شركة آل سراج:
كانت تسير في الشركة متجهة إلى مكتبها، تحمل بين يديها بعض الأوراق التي طلب منها تدقيقها. خطواتها متزنة وهادئة، وما إن وضعت يدها على مقبض الباب حتى سمعت صوتا يناديها:
"آنسة ليا... هلا جئت معي؟ لدينا اجتماع، والسيد
أسيد يطلب حضورك."
التفتت بدهشة، فهي مجرد متدربة، ولم تتخيل أن لها دورا في اجتماع رسمي. لكنها أومأت برأسها مجيبة بهدوء:
"بالطبع، سيد علي، أضع هذه الأوراق في المكتب وألحق بك."
دخلت المكتب وضعت الأوراق على الطاولة، ثم خرجت بخطوات متزنة، تتبع علي حتى وصلا إلى قاعة الاجتماعات. طرق الباب، فأذن لهما أسيد بالدخول.
ما إن دخلت حتى وقعت أنظارها على أسيد وبعض الموظفين، وعلى الجهة المقابلة جلس رجلان بدا أنهما يمثلان الطرف الآخر في الإجتماع.
ترددت للحظة، ثم جلست على مقعد يبعد كرسيين عن أسيد، فيما اكتفى علي بالوقوف خلفه.
عينها وقعت على مستند موضوع على الطاولة، يتضمن تفاصيل عقد لصفقة تخص إدارة مشروع لإنتاج مجموعة من الألبسة الرجالية.
رفعت رأسها منصتة لأسيد الذي بادر قائلاً:
"سيد جابر، أرى أن المشروع غير مناسب. نوعية المستلزمات المذكورة هنا لا تبدو بالجودة المطلوبة، كما أن السعر المطروح أعلى من القيمة السوقية."
أجابه الرجل المقابل، جابر، وهو صاحب فكرة المشروع:
"بل على العكس يا سيدي، القماش الذي نستخدمه عالي الجودة، والسعر معقول مقارنة بما نقدمه."
لم تتمالك ليا نفسها، فتدخلت فجأة بعد أن راجعت التقرير الذي كان أمامها، الأمر الذي جعل الأنظار كلها تتجه إليها.
لكنها لم تتوتر، بل رسمت ابتسامة جانبية خفيفة سرعان ما تلاشت وهي تخفض بصرها إلى الطاولة قائلة:
"عذرا على التدخل،
لكن التقرير يفتقر لتوضيح أساسي.
لا يوجد أي ذكر لمصدر القماش أو طريقة تصنيعه، وهذه نقطة مهمة في أي عقد من هذا النوع.
أضف إلى ذلك أن السعر الوارد هنا أعلى بثلاثة أو أربعة أضعاف من السعر المعتاد لمثل هذا القماش في السوق."
انعقد حاجبا جابر بانزعاج، فردّ متحججا:
"ليس شرطا أن يُذكر المصدر أو طريقة التصنيع حتى يكون القماش جيدا"
رفعت ليا حاجبها بخفة، ثم عقبت بثقة:
"بل هو شرط أساسي.
أي شركة جادة تحتاج لضمان الشفافية في التوريد والتصنيع، وإلا فلن يكون هناك ثقة بالمنتج.
ثم إن تحقيق ربحك الشخصي على حساب الشركة المصنعة والمسوقة لا يجعل الصفقة عادلة أو طويلة الأمد."
همّ جابر بالاعتراض، لكن أسيد قاطعه بصرامة، وكان صوته حاسمًا:
"سيد جابر، أشكرك على وقتك، لكنني أرفض الصفقة. بإمكانك البحث عن شركة أخرى قد ترى أنها مناسبة لعرضك."
حاول جابر أن يعترض مجددا، إلا أن أسيد أنهى الموقف بابتسامة خفيفة ورفع حاجبه قائلًا:
"الاجتماع انتهى. رافقتك السلامة، السلام عليكم."
وقف جابر متجهما، تبادل نظرة قصيرة مع مساعده،
ثم غادرا القاعة بخطى سريعة، يحملان خيبة أمل واضحة.
بعد خروج جابر ومساعده، خيم صمت قصير على القاعة، تبادل خلاله الموظفون نظرات متسائلة، فوجود متدربة في اجتماع كهذا لم يكن مألوفًا لديهم.
أغلق أسيد الملف أمامه وقال بلهجة حازمة، وهو ما يزال يُبقي بصره على الأوراق:
"آنسة ليا... أنا من طلبت حضورك لهذا الاجتماع، لأرى كيف ستتصرفين أمام موقف عملي."
جلست ليا مستقيمة الظهر، ترد بثقة لا تخلو من الاحترام:
"وأرجو أن يكون حضوري قد أثبت أني أستطيع أن أكون جديرة بالمسؤولية حين يطلب مني ذلك."
أومأ أسيد ببطء،و قد ظهرت إبتسامة خفيفة على وجهه دون أن يدري،أجاب بهدوء:
"لقد كانت ملاحظتك دقيقة ومباشرة، وأصبت في النقاط الجوهرية... وهو ما لم ينتبه له غيرك."
ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، وقالت بثبات:
"هذا واجبي ما دمت جالسة على هذه الطاولة،
سواء كنت متدربة أو موظفة بخبرة."
ساد القاعة شعور بالدهشة من قوة حضورها، بينما رفع أسيد يده إشارة لإنهاء الاجتماع:
"يمكنكم الانصراف."
نهض الجميع متوجهين إلى الخارج، بينما خرجت ليا بخطوات ثابتة، تحمل هدوءا يعكس ثقتها. وما إن أغلق الباب خلفها حتى مال أسيد قليلا إلى الوراء، وأطرق للحظة محدّثا نفسه بإبتسامة جانبية:
"سبحان الله...قَاسْحَة يا جدك، هاه."
(قاسحة: شرسة)
ثم نهض ضاحكا بخفة وأخذ أوراقه، عائدا إلى مكتبه وتفكيره لا يزال منحصرا بثقتها وكلماتها
............
سارت ميس بخفة نحو جهة تدريس القانون حيث يعمل سيف،
حتى رأته واقفًا بجانب رجل يتحدث بابتسامة واسعة ويضحك بخفة.
ولم تلبث أن تقدمت أكثر حتى لمحَت وجهه،
ولم يكن إلا أستاذها في الفقه!
دهشت لرؤيته هنا، ومع أخيها تحديدًا.
كان سيف يتحدث مع روانس، وما إن لمح أخته حتى قال لصاحبه:
"عذرا روانس، أختي هنا، سأحادثها وأعود إليك"
أومأ روانس بخفة، وظل واقفا في مكانه يترقب من بعيد،
وحين وقعت عيناه عليها، سرعان ما غضَّ بصره نحو الأرض، مبتعدا بنظره.
اقترب سيف من أخته، فرفعت رأسها نحوه بابتسامة وقالت:
"السلام عليكم أخي... أعتذر على المقاطعة."
أجابها سيف بابتسامة هادئة وهو يعدل طرف حجابها برفق:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، لا بأس... ماذا هناك؟"
ترددت ميس قليلا ثم قالت بنبرة يكسوها بعض القلق وهي مطرقة رأسها:
"فقط أردت منك أن توصلني بعد انتهاء الدوام إلى منزل صديقتي هالة، فقد تغيبت بسبب إصابتها بالزكام اليوم... وأردت زيارتها"
كانت كلماتها بسيطة، لكنها خرجت بجدية ظاهرة،
ولم تنتبه إلى سيف الذي اضطرب قلبه عند سماعها،
ولا إلى الرجل البعيد الذي ظل صامتا، ناظرا إلى الأرض غاضا بصره عن حسنها.
حينها تمتم روانس في قلبه بابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه:
"ما أعجب تدابير الله... من كان يعتقد أنها ستكون أخت صديقي."
.
.
.
.
.
.
.
إنتهى الفصل الثالث بحول الله
أتمنى ان تضغطوا النجمة 👇
🫶🏻☺️
أتمنى أن ينال إعجابكم
. هل سوف يتقدم روانس بخطوة يا ترى
. وماذا سيحذث مع عزيزنا أسيد و ليا
. هالة و سيف كيف ستكون نهايتهم
كل هذا سنعرفه مع تقدم الفصول
أتمنى ان تسعدوني بتعليق جميل مثلكم
و أخيرا الأحداث بدأت تتصاعد جهزوا العتاد
ولا تنسوا أهلنا في غزة من دعواتكم
ولا تشغلنكن الرواية او غيرها عن عباداتكم
شكرا لكم على الدعم
....
"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
djeziri hadjira