السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
أما بعد:
سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب.
.
.
.
ملاحظة:
علّقوا بين الفقرات رجاءً، واضغطوا على النجمة قبل قراءة الفصل، فلن تأخذ منكم هذه الضغطة أكثر من عشر ثوانٍ فقط.
الكاتب - مهما أنكر - يحتاج إلى دعمكم ليستمرّ، فنحن بشر في النهاية... أوليس كذلك؟
.
.
"ما بين دفاتر العلم وطرق القدر، تتكشف لنا دروسٌ لم نطلبها... لكنها كانت لنا وحدنا."
.
.
.
في الليالي الهادئة، حين يتراجع ضجيج العالم ويخفت كل صوت، يبقى القلب وحده في مواجهة صدقه.
هناك، بين سكون الليل وأنفاس السماء،
يتجرد الإنسان من كل حساباته، من خوفه وتردده،
ويعود إلى فطرته الأولى: عبد يسأل، ورب يعلم.
تلك اللحظة التي لا يطلب فيها شيء سوى الهداية،
هي لحظة يذوب فيها القلق،
ويولد منها اليقين... بأن ما كتب، هو الخير، وإن لم نفهمه بعد.
....................
في تلك الليلة، عم السكون أرجاء المنزل، ولم يبق سوى ضوء خافت يتسلل من مصباح غرفتها.
كانت ليا جالسة على سجادتها، وقد وضعت هاتفها بعيدا، وأغلقت الكتاب الذي لم تقرأ منه حرفا منذ الصباح.
أخذت نفسا عميقا، كأنها تهيئ قلبها للقاء خاص، ليس مع أحد من البشر، بل مع رب يعلم خفاياها.
لم تكن قلقة، ولم تتردد كما كانت تفعل سابقا.
كانت تعرف في أعماقها أن القلب حين يسلم لله لا يضيع.
أدت ركعتي الاستخارة بخشوع هادئ، ثم جلست على ركبتيها، ترفع يديها بطمأنينة من يعرف أن الله يسمع دون أن يرفع صوته.
"اللهم إن كنت تعلم أن زواجي من أسيد خير لي في ديني ودنياي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسره،
وإن كنت تعلم أنه شر لي فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان، ثم ارضني به"
أنهت دعاءها بصوت ثابت لا يرتجف، وابتسمت بخفة.
اليقين كان يسكن صدرها كنسيم بارد في ليلة هادئة.
وضعت يديها على صدرها، وأغمضت عينيها لحظة، ثم قالت في نفسها:
"ما دام الأمر بين يدي الله، فليس بعده قلق"
نهضت بهدوء، رتبت سجادتها بعناية، وأغلقت المصباح قبل أن تتوجه إلى سريرها.
وقبل أن تغمض عينيها، نظرت إلى السقف وابتسمت ابتسامة صغيرة:
"يا رب، اختر لي، فأنا راضية بما تختار"
نامت تلك الليلة بقلب مطمئن، لم يحمل سؤالا ولا خوفا،
فهي لم تستخر لتعرف، بل لتسلم.
لطالما كانت ليا شخصية راضية بقدر الله وتعرف كيف تتحكم بنفسها ولكن هل سيبقى الأمر دوما هكذا؟
................
صباح جديد، ودرس آخر في مدرسة الحياة،
لا ندري متى أو أين تولد تلك اللحظة التي تهدي إلينا معرفة ما كنا لنعلمها، أو تفتح لنا بابا من نور في عتمة الجهل.
هكذا هي الحياة «يوم لك ويوم عليك»
تداعبنا حينا وتربينا حينا آخر، تهدهدنا بلطفها ثم تقوينا بابتلائها.(طبعا الإبتلاء من الله وحده).
قد تبدو أيامنا روتينية في ظاهرها، تتكرر تفاصيلها كصفحات كتاب قديم،لكن هناك دائما متغيرات كثيرة.
لكن هذا الروتين ذاته هو أول ما يجب أن نحمد الله عليه،ففيه الأمان الذي نفتقده حين يختل النظام،
وفيه الطمأنينة التي تسكن القلوب وتنسيها اضطراب العالم من حولها.
وما أوجع أن نتأمل من تبدل روتينهم ففقدوا الأمان،
أن ننظر إلى أهلنا في غزة المناضلة،
حيث أصبح الصباح نداء صبر، والليل امتحان بقاء،
نسأل الله أن يكتب لهم فجرا قريبا يحمل نصرا،
ونورا يبدد هذا الليل الطويل،ويرحم من فقدنا منهم في سبيل الوطن.
...
كان صباح ميساء يشبه كل صباح مضى، روتينا مألوفا من استيقاظ وأفعال تحفظها الذاكرة دون تفكير.
لكنّ شيئا خفيّا تغير في هذه الأيام، ليس في ملامحها، بل في قلبها.
ذلك القلب الذي صار يخفق كلما مر الاسم أو لامسها طيف من صار جزءا من عالمها.
غدت ابتسامتها أصدق، ونور عينيها أبهى، كأن الحياة أهدتها لونا جديدا تراه وحدها.
وبينما كانت تمضي في يومها المعتاد، كانت خطواتها تعلن عن بداية أخرى،
وبدأ ماضيها يبتعد عنها، رويدًا رويدا،
كما تنسحب الظلال مع أول خيطٍ من ضوء الفجر.
لكن هل سيظل هذا الإبتعاد قائما يا ترى، ربما أو ربما لا هذا ما سنعرفه قريبا.
حملت ميساء حقيبة يدها، ونزلت كعادتها لتفطر مع عائلتها قبل أن تغادر إلى الجامعة برفقة أخيها بعد ساعةٍ تقريبا.
كان صباحا عاديّا، لا جديد فيه... حتى امتدت يد لتمسك بذراعها فجأة.
التفتت بدهشة، لتجد سيف يقف خلفها، ونبرته الجادة تخترق سكون البيت:
"ميساء... أريدك في أمر ما، دقائق فقط"
قبل أن تنبس بكلمة، كان قد جرها نحو الشرفة المقابلة لرواق الغرف، وأشار إلى الكرسي المقابل لتجلس.
جلس هو الآخر أمامها، والنظرة الجدية في عينيه جعلتها ترفع حاجبها مستغربة:
"ما بك؟ هل تخطّط لنهاية العالم أم ماذا؟"
لكن سيف لم يشاركها المزاح هذه المرة، بل قال ما في صدره دفعة واحدة:
"أنظري... من الآخر، لقد طفح كيلي من الانتظار. أريدك أن تتحدثي مع صديقتك تلك، أنت وأخوك سبقتماني بخطواتكما، وأنا لا أريد أن أتأخر أكثر.
كلميها، واعرفي رأيها، وإن وافقت... نتقدم لخطبتها من والدتها"
رمشت ميساء بخفة، فاغرة فمها في دهشة صامتة، قبل أن تقول:
"أكل هذا لأنني وأسيد، الأصغر منك، قررنا الزواج؟ حقا يا سيف؟ هل أصبحت غِرًّا صغيرا يا أخي؟"
تنهد بملامح منزعجة وقال بنبرة أقرب إلى العتاب:
"ألم تلتقطي من كلامي سوى هذا يا ميساء؟"
ابتسمت المعنية بخفة ماكرة، وأجابت بمكر ناعم:
"أوه، ميساء لا ميس... وللمرة الثانية، إذا كنت جادا يا عزيزي، فحدثني كما يليق برجل يفكر بالزواج، لا بطفل يغار من أخته"
انقبض فك سيف، ورد بنبرة امتزج فيها الضيق بشيءٍ من الحرج:
"اسخري، اسخري كما تشائين... لكن ما غير المفهوم هنا؟ أنت تعلمين أني أحبها، وأني أريدها زوجة لي، فما بالك تتلاعبين بالكلمات؟"
هزت ميساء رأسها بتفهم مشوب بخبث أخوي، وارتسمت على شفتيها بسمة جانبية ماكرة:
"بالطبع أعلم، يا أخي العزيز... أنت واقع من رأسك إلى أخمص قدميك، وسأخبرها إن شاء الله"
نظر إليها سيف نظرة نصف جادة، نصف ممتنة، وقال هامسا وهو يبتسم رغما عنه:
"يا لك من ماكرة"
ضحكت بخفة متظاهرة بالبراءة:
"أنا؟ ماكرة يا سيف؟ أنا أختك البريئة... متى صرت ماكرة؟"
نهض سيف مع نهوضها، وجذبها في عناق جانبي سريع، وهو يرد ساخرا بنبرة دافئة:
"نعم، صدقتك... وجهك يقطر براءة"
انفجرت ميساء ضاحكة، وصوتها يملأ الممر ببهجة خفيفة، ثم سارت إلى جانبه نحو الأسفل لتناول الفطور،
ومن هناك، إلى بداية يومٍ جامعي جديد... وربما بداية حكاية تربط قلبين.
وما إن نزلت ميساء مع سيف إلى الطابق السفلي، حتى وقعت عيناها على أسيد واقفا عند المدخل، يلاعب خصلات شعر نور الصغيرة بابتسامة هادئة.
رفعت حاجبها مازحة، وقالت بنغمةٍ تحمل مزيجا من الدهشة والمشاكسة:
"ها هو الخائن بعينه... الذي طلب يد أخت زوجي دون أن يكلف نفسه بإخباري!"
ضحك سيف على نبرتها، بينما عبس أسيد في تمثيل واضح للغضب، ومد يده ليشد خدها برفق ساخر.
في تلك اللحظة، أسرعت نور إلى أختها، تقفز لتحتضنها بحماس طفولي جميل، وهي تقول بصوت مفعم بالفخر:
"صباح الخير ميسو! أتدرين؟ أسيد هو من عقد شعري اليوم! قال إنني أحسنت عملا في درجاتي!"
ارتسمت الضحكات على الوجوه الثلاثة، بينما قال سيف مازحا وهو يرمق أسيد بخبث:
"أوه، أسيد نفسه الذي كان يفر من مشط الشعر؟ الآن يمشط شعر الفتيات؟ هذا إنجاز يسجل في التاريخ!"
تبادلت العائلة النظرات المليئة بالبهجة، وترددت الضحكات في أرجاء المنزل الصغير،
ثم تفرقوا بعد قليل، كل إلى وجهته، إلى العمل، والدراسة، وبداية يوم جديد...
يوم بسيط في ظاهره، لكنه يحمل في طياته خيوطا صغيرة من حكايات قادمة.
............
كان الهدوء يسود أروقة الشركة في ذلك الصباح، لا يسمع سوى صوت أوراق تقلب وهمسات متقطعة من المكاتب المجاورة.
رفعت ليا رأسها من بين الملفات عندما سمعت وقع خطوات تعرفها جيدا.
وقف أسيد عند باب مكتبها، يلقي عليها تحية رسمية مهذبة، ونظرة تحمل أكثر مما تقول الكلمات ثم نظر بعيدا يحك رقبته.
قال بنبرة هادئة مترددة قليلا:
"السلام عليكم... صباح الخير يا آنسة ليا."
أجابته وهي تغلق الملف أمامها برفق:
"وعليكم السلام ورحمة الله، صباح النور، تفضل سيد أسيد، هل من أمر؟"
تقدم خطوة إلى الأمام تاركا الباب مفتوحا ، ثم توقف عند مسافة تحفظ الاحترام بينهما، يضم كفيه خلف ظهره كعادته حين يحاول ضبط انفعاله.
قال بصوت منخفض لكنه واضح:
"في الحقيقة، أردت فقط أن أعرف إن كنت قد... فكرت في الموضوع الذي تحدثت فيه مع أخيك"
ساد صمت قصير، لم يسمع فيه سوى صوت عقارب الساعة.
رفعت ليا بصرها نحوه بهدوء متزن وعناد معروف رغم إرتباكها الداخلي ، وقالت بابتسامة خفيفة لا تخلو من الحزم:
"جوابك، أستاذ أسيد، ستسمعه من أخي... لا مني"
ظهر الارتباك للحظة على ملامحه، ثم استعاد هدوءه قائلا بنبرة خافتة تميل إلى الدعابة الخجولة:
"كما توقعت... ثابتة على مبدئك دائما"
أجابت بابتسامة صغيرة لم تلبث أن أخفتها سريعا:
"الأمور تُؤخذ من أبوابها، أليس كذلك؟"
أومأ موافقا، وكأن كلامها وضع النقطة الأخيرة في الحديث، ثم قال باحترام صادق:
"صدقت، وأسأل الله أن يقدر الخير حيث يكون"
اكتفت ليا بإيماءة خفيفة، فعاد إلى مكتبه بخطوات رزينة،
أما هي، فحاولت أن تستعيد تركيزها على الأوراق أمامها،
لكن شيئا في صوته ظل يرن في أذنيها، كما لو أن الحديث لم ينته بعد... بل بدأ للتو.
...........
في جامعة كبيرة يرتادها طلاب من شتى الأنواع والأجناس، كل منهم يسير في طريق تحقيق حلم ما.
هناك من يدرس تخصصا اختاره بقلبه، ووفقه الله فيه، وهناك من لم يختر تخصصه، لكن الله اختاره له فوفقه فيه أيضا.
وهناك من بقي يدور في مكانه بلا تصاعد، وكل ذلك حدث بتقدير. وحكمة من الله.
لا تحزن إن تأخر طريقك، فرب تأخير يحمل بين طياته تهيئة لقلبك، ورب حلم لم يتحقق اليوم لأن الله ادخر لك ما هو أجمل غدا.
ثق أن كل خطوة في رحلتك مكتوبة بعين الرحمة، لا بعين الغفلة.
في ذلك الرواق المؤدي إلى كلية الشريعة
على الساعة التاسعة صباحا، كان يسير الأستاذ الذي عرف بوقاره وحبّه لنشر العلم والتوعية.
غير أن هذه المرّة لم يكن متجها إلى الأقسام التي
يدرس فيها، بل إلى القاعة الكبرى في كلية الشريعة.
كان في كل عام دراسي يلقي درسا في الدين الإسلامي، وقد عرف بثقته في الإلقاء، وبالمعلومات التي تجعل السامع يتفقه أكثر في دينه.
كان يجتمع حوله أكثر من ألفَي طالب فقط ليستمعوا إليه وهو يتحدث عن أمور الدين بروح خاشعة وعقل نير.
تقدم بخطوات واثقة، يمرر يده بين خصلات شعره الأشقر، وعيناه العسليتان تبرقان ببريق الجدية.
أتى باكرا، قبل الموعد بما يقارب الساعة، ليجهز نفسه. وما إن فتح الباب حتى قابلته هي... الجالسة على المقعد الأول، تقلب وريقات مصحفها الصغير بهدوء وطمأنينة.
لمعت عيناه بحب ظاهر، وارتسمت ابتسامة دافئة على ثغره وهو يراها، محبوبة قلبه وزوجته.
اقترب منها بخطواتٍ رزينة، تخالطها لهفة خفيفة.
وما إن رفعت رأسها لتقابل عينيه، حتى منحته تلك الابتسامة الجميلة التي يحبها.
كان أول من تحدّث، قائلا بابتسامة لطيفة:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا وتيني... كيف حالك؟"
ابتسمت وهي ترد بخجل رقيق:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته... بخير، وأنت؟ كيف حالك؟"
أومأ وهو يجلس إلى جانبها قائلا:
"الحمد لله، بأفضل حال... ولكن، ما بالك هنا منذ الآن؟ لقد أبكرت"
أبعدت وجهها في خجل طفيف، وردت بنبرة شبه مسموعة:
"لقد أردت فقط أن آتي قبل أن يمتلئ المدرج، فلا أجد مكانا في الصف الأول"
ابتسم وهو يقول بجانبها:
"جيد إذا يا وتيني، لتسمعي الدرس جيدا"
ثم أضاف:
"هل حضرت من قبل؟"
هزت رأسها نفيا، وتابعت:
"لا، هذه أول مرة... لم أكن أعلم بوجود هذه الدروس إلا عندما أخبرتني أمس"
أومأ وهو ينهض من مكانه قائلا بلطف:
"سأتجهز الآن، وأنت أكملي ما كنت تفعلين"
ابتسمت قائلة:
"حسنا"
لحظات قليلة، ودخلت هالة تلقي السلام، ثم سارت لتجلس بجانب ميساء.
بعد بضع أحاديث قصيرة، قالت ميساء مبتسمة:
"هالة، بعد الدرس لنذهب إلى مكان هادئ لنتحدث قليلا"
استغربت الأخيرة الطلب، لكنها أومأت بالموافقة.
وما هي إلا ثوان حتى سمع الباب يفتح بقوة، لتندفع منه فتاة تجري نحو روانس وتعانقه وهي تهتف ضاحكة:
"أخي! السلام عليكم أيها الأستاذ الموقر!"
ابتسم المعني ورد بلطف خفيف الدعابة:
"بخير يا ليا... لكننا لسنا وحدنا يا أختي"
أدارت ليا وجهها لترى ميساء وهالة تنظران إليها بابتسامة، أو لنقل ضحكة لم تستطيعا إخفاءها.
لكن ليا التي لا تعرف للخجل طريقا اندفعت تجري نحو ميساء لتعانقها قائلة بحماس:
"زوجة أخي الجميلة! كيف حالك؟"
ردت ميساء بنفس النبرة المرحة:
"بخير، زوجة أخي، وأنت؟"
احمر وجه ليا هذه المرة وهي ترد بخجل واضح:
"بخير، بخير... ثم إنني لست زوجة أخيك بعد!"
أومأت ميساء باستهتار لطيف، بينما سلمت ليا على هالة بمحبة صادقة، ثم جلست إلى جانبهما إلى يمين ميساء وقد بدأ الطلاب يتوافدون واحدا تلو الآخر استعدادا لبداية الدرس.
بعد حوالي نصف الساعة
ساد الصمت في القاعة الكبيرة، إلا من صوت أنفاس الطلبة المتناغمة، وكأن الجميع ينتظر شيئا عظيما.
ألقى روانس نظرة شاملة على وجوه طلابه... وجوه يملؤها الشغف، والاحترام، والرغبة في التعلم.
ابتسم قليلا، تلك الابتسامة الهادئة التي اعتادها طلابه وكل شخص يعرفه، ثم بدأ بصوته العميق الواثق:
"الحمد لله الذي لا تحصى نعمه، ولا يعدم من ذكره خير، ولا يرجى إلا فضله،
والصلاة والسلام على سيدنا محمد، خير من أخلص لله قلبا وعملا...
أما بعد
موضوعنا اليوم... عن عبادة لا يراها الناس، لكنها ترى في السماء،
عن عبادة خفية عظيمة... تسمى الإخلاص"
رفع رأسه ينظر إلى الطلاب، ثم قال بنبرة مؤثرة:
"يا طلاب العلم، يا من أردتم أن تكونوا حملة الدين، إن أول ما تحتاجونه ليس الكتب ولا الشهادات، بل صدق النية.
فكم من عالم حرم بركة علمه، لأنه أراد أن يشار إليه بالبنان،
وكم من إنسان بسيط لا يملك إلا دمعة في جوف الليل... رفعه الله بها فوق العلماء والعباد"
ثم سار بضع خطوات على المنصة، يضع يده خلف ظهره، وصوته يزداد هدوءا وعمقا:
"الإخلاص هو أن تعمل العمل لا لشيء سوى أن يرضى الله عنك
أن تصلي لا لترى، بل لأنك تشتاق أن تقف بين يدي الله.
أن تساعد الناس لا لأنهم سيشكروك، بل لأنك تعلم أن الله يرى.
أن تذكره حين ينام الجميع،
أن تبكي في سجودك دون أن يسمعك أحد،
أن تبتسم وأنت تتألم، لأنك تقول في داخلك: يكفيني أن الله يعلم ما في قلبي"
أخذ نفسا عميقا، ثم أردف بصوت خافت يكاد يلامس القلوب:
"حين يراك الله وحدك، في ظلمة غرفتك، وأنت تفتح مصحفك...
حين يراك وأنت تجاهد نفسك لتترك ذنبا تحبه من أجله،
حين يراك تمسح دمعة يتيمة في الخفاء،
حين يراك تكتم غيظك لأنك تذكر أنه يراك...
حينها، يكتب اسمك عند الله في سجل لا يطاله نسيان"
أطرق رأسه قليلا وقال:
"قال بعض السلف:
«ما عالجت شيئًا أشدّ عليّ من نيّتي، إنها تتقلّب عليّ أكثر من تقلب الرياح»
فاحذروا يا طلابي أن تعملوا لله عملا فيدخله الرياء،
فإن الرياء سم بطيء،
يأكل الأجر كما تأكل النار الحطب"
رفع نظره نحو الصفوف الأولى، حيث كانت ميساء تجلس بتركيز شديد، وهالة بجانبها تتابع كل كلمة بعينين لامعتين، وليا تمسك دفترها، لكن يدها توقفت عن الكتابة منذ وقت طويل.
تابع بصوت أكثر دفئا:
"يا إخوتي في الله، الله لا ينظر إلى وجوهكم، ولا إلى كلماتكم، بل إلى ما في قلوبكم.
قد تصمت، لكنه يسمعك.
قد تخفي حزنك، لكنه يراك.
قد لا يقدرك الناس، لكنه يعلم أنك تصبر له
فاجعلوا قلوبكم نقية، لا تتعلق بغيره،
لأن الله إن أحب عبدا، جعله يحسن حتى في خفائه"
ثم رفع بصره للأعلى لحظة وقال:
"أتعلمون متى يكون الإنسان في أرقى مراتب الإيمان؟
عندما يدرك أن الله وحده كافيه.
عندما يسجل له عمل لا يعلمه أحد من الخلق،
فيقول الله للملائكة:
انظروا إلى عبدي هذا، ترك الذنب لأجلي، وبذل الخير سريا، فإني قد غفرت له"
ساد الصمت في القاعة، حتى الهواء خفت حركته، وكأن كل شيء يخشع.
في الصف الأول، كانت ميساء قد وضعت يدها على قلبها، تشعر بثقل جميل في صدرها، وكأن كلماته اخترقت شيئا دفينا بداخلها، دمعة ساخنة انسلت من عينها دون أن تنتبه.
أما هالة فكانت تحدق فيه بإعجاب صامت، لا لأنها تأثرت فقط، بل لأنها رأت فيه روحا نادرة... أستاذا لا يدرس بالكلمات بل بالمثال و في سرها حمدت الله انه صار زوجا لصديقتها وسندا .
بينما ليا كانت تبتسم إبتسامة فخر، عيناها تلمعان.
روانس بدوره كان يتحدث وقد رطبت دموع خفية أطراف عينيه، صوته بدأ يتهدج وهو يختم الدرس قائلا:
"أحبوا الله بصدق، ولا تنتظروا أن يحبكم الناس،
اعملوا بصمت، ولا تنتظروا تصفيقا.
لأن الله إذا قبلك... رفعك ولو كره الناس كلهم.
واذكروا دائما:
حين يراك الله وحدك، فذاك وحده يكفيك عن كل الدنيا"
ثم قال بهدوء:
"اللهم اجعلنا من عبادك المخلصين الذين لا يريدون إلا وجهك،
واغفر لنا ما خفي من ريائنا، وما علمناه وما لم نعلمه... آمين"
وختم كلماته و هو يرفع يداه للسماء قائلا:
"يا رب،هناك أرض تبكي ولا يسمعها سوى السماء،
هناك قلوبٌ تقاوم الألم بصبر يدهش الملائكة،
هناك أطفال ينامون على صوت القصف... ويستيقظون على اسمك.
اللهم احفظ غزة بعينك التي لا تنام،
وارفع عنها البلاء كما ترفع الغيم عن القمم،
كن لها حين يخذلها العالم،
وارسل على قلوب أهلها سكينة،
تطفئ الخوف، وتزرع اليقين.
اللهم اجعل في خطواتهم نورا، وفي صبرهم نصرا،
وفي دعائهم فتحا قريبا.
اللهم ارحم شهداءهم، واشف جرحاهم،
واربط على قلوب الأمهات الثكالى والآباء المنكسرين،
واجعل من بين الركام حياة، ومن بين الدمار فجرا جديدا.
اللهم إن غزة بين يديك،
فكن لها عونا ونورا وسترا وأمانا،
اللهم كن معها كما وعدت عبادك الصابرين...
أن مع العسر يسرا، ومع الدمعة فجرا، ومع الصبر نصرا
ثم إن سعادتهم من سعادتنا و يا لسعادتنا بوقف إطلاق النار عليهم"
القاعة صامتة...
ثم بدأت الأصوات تتردد: "آمين... آمين..."
لكنها لم تكن بصوت واحد، بل كانت همساتٍ مرتعشة من القلوب قبل الألسنة.
الهواء امتلأ بخشوع غريب، والعيون كانت تدمع بلا سبب ظاهر إلا أنها شعرت بالله قريبا أكثر من ما مضى.
ميساء أغلقت عينيها وابتسمت في هدوء،
هالة تمسح دموعها دون أن تخفيها،
وليا تدعو في سرها لأخيها أن يحفظه الله كما حفظ قلوبهم من بعد كلماته.
ثم وقف روانس، ونزل من على المنصة بخطوات بطيئة، هادئة، تشبه ختام صلاة خاشعة.
لم يكن يراهم فقط كطلابه، بل كنفوس ولدت من جديد،
وعندما مر بجانب الصف الأول، تبادل نظرات قصيرة مع ميساء...
نظرات لم تحتج إلى كلام، لأن الصدق وحده كان كافيا ليتحدث.
بدأ الطلاب يغادرون القاعة ببطء، في صمت مهيب يليق بما سمعوه.
لم يكن أحد يرغب في كسر تلك الهيبة التي خلفها صوت الأستاذ روانس وهو يحدثهم عن الإخلاص،
وكأن كلماته بقيت عالقة في جدران القاعة ترددها الأصداء بهدوء لا يسمع.
جلست ميساء في مكانها لحظة، تحدّق أمامها بشرود عميق.
لم تكن ترى المقاعد ولا الطلاب الخارجين، بل كانت تستعيد صوته وهو يقول:
"حين يراك الله وحدك، فذاك وحده يكفيك عن كل الدنيا"
شعرت بشيء يهتز في داخلها، ذلك النوع من الخشوع الذي يبقي القلب ساكنا، لكنه في الوقت ذاته ينبض بقوة غريبة.
قالت بصوت خافت وهي ترتب كتبها:
"كأن كلماته كانت مفتاحا لباب في قلبي لم يفتح منذ زمن..."
بجانبها، كانت هالة تمسح دموعها بيدها المرتجفة، تحاول أن تخفي تأثرها لكنها لم تستطع.
قالت بصوت متهدج :
"كل جملة نطق بها... شعرت أنها موجهة إلي... كأنه رأى ما في قلبي دون أن أتكلم"
نظرت إليها ميساء بلطف وقالت:
"ربما لأننا جميعا نحتاج أن نتذكر الله أحيانا، نحتاج من يوقظ فينا الإخلاص من جديد"
وفي تلك اللحظة، اقتربت ليا بخطوات خفيفة، حقيبتها تتدلى على كتفها، وعلى وجهها مزيج من والدهشة.
قالت بصوتٍ فيه دفء:
"أتعلمان... لم أر أخي هكذا من قبل،
كأن النور خرج من قلبه إلى لسانه، حتى صوته بدا مختلفا"
ابتسمت هالة بخفة وقالت ممازحة:
"ربما لأنك تنظرين إليه كأخ فقط، لا كأستاذ يلقي درسا يهز القلوب"
ضحكت ليا قليلا وردت:
"وربما لأنني رأيته هذه المرة بعين مختلفة،
عين سمعت ولم تتكلم، وامتلأت ولم تخف ما امتلأت به، فأنا عنديدة بطبعي"
بادلتها ميساء نظرة دافئة وقالت بهدوء عميق يشبه الدعاء:
"أسأل الله أن يبقي فينا أثر هذا الدرس...
وأن يجعلنا من الذين إذا خلوا، رأى الله فيهم خيرا"
سادت لحظة صمت قصيرة، ثم رفعت ليا رأسها نحو السقف المضاء بأشعة الشمس القوية فقد كان الوقت قريبا من الثانية عشر صباحا، وقالت بابتسامة صافية:
"اللهم اجعلنا ممن تراهم وحدك... وتحبهم لذلك وحده"
ثم تابعت بخفة معتادة:
"لكن رغم كل هذا الوقار، لن أسامح أخي لأنه لم يخبرني أن كلماته ستجعلني ابكي!"
انفجرت هالة ضاحكة وهي تضع يدها على فمها:
"أنت لا تصلحين للسكوت يا ليا حتى بعد درس كهذا!"
ردّت ليا بدلال مصطنع:
"أحاول أن أكون جادة... لكن يبدو أن الجدية تفر مني!"
ضحكت ميساء، ضحكة خفيفة هادئة:
خرجت الفتيات معا من القاعة.
توقفت ميساء لحظة، نظرت إلى السماء وقالت:
"أظن أن هذا الدرس لم يكن لنا فقط، بل لكل قلب نسي أن الله يراه"
أومأت هالة موافقة وعيناها تبرقان :
"نعم... لقد جعلنا نرى أنفسنا كما يرانا الله، لا كما يرانا الناس"
أما ليا فابتسمت وهي تقول بخفة رقيقة:
"كفى مواعظ الآن، لنذهب ونكمل الحديث في المقهى القريب، وإلا سأبكي من الجوع!ثم يجب أن أعود إلى الشركة"
ضحكتا الاثنتان، وسارت الثلاثة بخطى هادئة نحو الممر الطويل،كل منهن تفكر في شيء واحد، وإن اختلفت الكلمات في داخلها...أنّ الله يراها،
وأنّ ذلك وحده كاف.
...............
بعد خروجه من القاعة بدقائق، سمع صوتا من خلفه يقول:
"لقد كان درسا مؤثرا كعادتك... جزاك الله خيرا"
ثم تبعته نبرة أخرى مألوفة:
"نعم، جزاك الله كل خير"
التفت روانس بابتسامة، وردّ قائلا:
"سيف! أسيد! هذا أنتما... وجزاكما الله بالمثل، صديقي العزيزين"
ابتسم الاثنان واقتربا منه، يسيرون معا في طريق الخروج، والحديث بينهم يملؤه الود والمزاح الخفيف،
حتى قال سيف فجأة، بصوت هادئ يحمل نبرة غريبة:
"قررت الزواج"
توقفت الأقدام دفعة واحدة، واتسعت العيون بدهشة واضحة.
كان أول من تكلم أسيد، بصوت مرتفع متفاجئ:
"أنت؟! أنت سيف، أخي الذي قال مرارا أنه لن يتزوج حتى بعد إلحاح أمنا؟!
ستتزوج... وقررت أيضا؟! هذا يعني أن الفتاة قد اختيرت؟!ثم إنتظر هل أنا إخر من يعلم هنا هل تنتقم مني"
أومأ روانس مؤيدا بذهول مماثل وهو يقول:
"نعم، نعم... هل أنت جاد حقا؟"
ضحك سيف بخفة، واضعا يديه في جيبيه، وقال بنبرة واثقة مازحة:
"وماذا؟ أَلا أصلح أنا للزواج؟!
ثم نعم... سأتزوج، إن قبلت الفتاة طبعا، ثم نعم أخي. أنا أنتقم"
تبادل روانس وأسيد النظرات المذهولة، ثم لم يجدا ما يقولانه سوى كلمة واحدة خرجت منهما في وقت واحد:
"أوهــا... حقا؟!"
ضحك سيف ضحكة صافية على ردة فعلهما المندهشة، بينما تابع الثلاثة سيرهم وسط ممرات الكلية وقد خف جو الجدية الذي خلفه الدرس، لتحل مكانه روح الصدمة.
لكن قبل أن يتفرّقوا عند بوابة الكلية، قال روانس بنبرة فيها فضول لا يمكن كبحه:
"على الأقل قل لنا... من هي الفتاة التي استطاعت أن تغير رأيك في الزواج؟"
توقف سيف، التفت نحوهما بهدوء، وفي عينيه بريق لم يروه من قبل.
ابتسم وقال بصوت خافت كأنه يحدث نفسه أكثر مما يحدثهما:
"هي... مختلفة. هادئة حين يتكلم الجميع، وصادقة حين يختبئ الجميع وراء الكلمات.
فيها من السكينة ما يجعلني أراجع نفسي كلما رأيتها"
نظر إليه أسيد مدهوشا وقال مازحا:
"ومن تكون هذه الملهمة يا سيد حكيم؟!"
اكتفى سيف بابتسامة صغيرة، نظر عبر الساحة المزدحمة أمامهم، حيث كانت هالة تمشي برفقة ميس وليا، تتحدث بخجل وتخفض بصرها بين الحين والآخر.
عندها قال بهدوء يكاد يسمع همسا:
"ستعرفان قرييا..."
وانصرف بخطوات واثقة، تاركا وراءه نظرات صديقيه المتفاجئتين، وقلوبا ثلاثا تخفق بأسئلة لم تجد لها جوابا بعد، واحدة منها... كانت قلب هالة.
لكن و قبل أن يكمل أسيد طريقه ليعود للشركة قال:
"يبدو أننا جميعا قررنا الزواج... هذا يجب أن يكتب في التاريخ حقا"
ضحك روانس بينما غادر أسيد بإتجاه سيارته وعاد الأول للداخل.
..............
في الكافيتيريا، كانت الفتيات الثلاث يجلسن في ركن هادئ بعيد عن ضجيج الطلاب، وقد خيم على المكان دفء المساء وصوت فناجين القهوة المتناثرة.
أنهين وجبتهن على مهل، قبل أن تضع ميساء شوكتها جانبا وتنظر إلى هالة نظرة مختلفة عن المعتاد، مزيج من التردد والجد في آن واحد.
تبادلت هالة وليا نظرات متسائلة، لكن ميساء لم تطل الصمت.
رفعت رأسها، تنفست بعمق، ثم قالت بصوت ثابت حمل بين كلماته وقعا غير ملامح اللحظة بأكملها:
"هالة... سيف يريد أن تكوني زوجته"
.......................
...................
.............
..........
.......
....
...
..
.
ستوب ستوب ستوب
إنتهى الفصل.
أرائكم رونسايون
الفصل كان جدا متعب بالنسبة للفصول الأخرى لقد أحتجت الكثير من الوقت لأوصل مشاعر الفصل
أتمنى أرائكم و دعمكم للفصل تقديرا لتعبي
............

**اللهم تقبّل شهيدنا صالح الجعفراوي في الصالحين، وارفَع درجته في عليّين، واجعل دمه الطاهر نورًا يشهد له يوم القيامة.
اللهم اجعل قبره روضةً من رياض الجنة، ولا تجعل فيه وحشةً ولا ظلمة، وامنحه لذة النظر إلى وجهك الكريم.
اللهم اجزه عن أمّته ووطنه خير الجزاء، واكتب له أجر المجاهدين الصادقين، وأكرم نزله، ووسّع مدخله، واغسله من خطاياه بالماء والثلج والبرد.
اللهم اربط على قلوب أهله وأحبّته، وأنزل عليهم السكينة والرضا، وألهمهم الصبر الجميل، واجعل لقاءهم به في الجنة حيث لا فراق بعدها أبداً.
اللهم اجعل ما قدّمه من كلمةٍ وصورةٍ وشهادةٍ في ميزان حسناته، وارفع بها مقامه، واجعلها نورًا يسعى بين يديه يوم يلقاك.
اللهم تقبّله شهيدًا عندك، ولا تحرمه أجر الشهداء ولا تفتنّا بعده واغفر لنا وله. آمين يا رب العالمين.
لا تنسوا أهلنا في غزة من دعائكم
"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
djeziri hadjira