السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
أما بعد:
سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب
.
.
.
ملاحظة:
علّقوا بين الفقرات رجاءً، واضغطوا على النجمة قبل قراءة الفصل، فلن تأخذ منكم هذه الضغطة أكثر من عشر ثوانٍ فقط.
الكاتب - مهما أنكر - يحتاج إلى دعمكم ليستمرّ، فنحن بشر في النهاية... أوليس كذلك؟
.
.
.
.
"في مساءٍ صامتٍ، كان كلّ شيءٍ يتهيّأ لحديثٍ لا يشبه سائر الأحاديث، حديثٍ يبدأ من العدل... وينتهي عند القلب."
.
.
.
"هالة... سيف يريد أن تكوني زوجته"
انفتح فم هالة بذهول لم تستطع إخفاءه، تجمدت ملامحها للحظة قبل أن تفلت منها شهقة خافتة كمن صدمه الخبر في الصميم.
التفتت ميس إلى ليا فور سماع شهقتها، لتجدها تحدق أمامها بعينين واسعتين يغمرهما الذهول، لم تكن دهشتها لزواج هالة ولا لخطبتها، بل لأن الصدفة اختارت أن تجمع الأصدقاء الثلاثة على أعتاب الزواج في الفترة نفسها.
مرت ثوان بطيئة، كأن الزمن توقف ليتأمل وجوههم المذهولة بين صدمة وابتسامة تحاول أن تولد.
لحظات فقط، وانتفضت ذات العينين العشبيتين وقد ارتسمت على فمها ابتسامة مرتجفة بين الذهول والفرح، تهمس بصوت متلعثم يكاد لا يسمع:
"هل أنت جادة يا ميساء؟... أنت لا تكذبين أو تمزحين، أليس كذلك؟"
ابتسمت ميساء ابتسامة دافئة، تزينها ملامح الطمأنينة وقالت:
"جادة يا هالة... سيف اختارك بقلبه قبل كلماته، ولم يرض إلا أن يتقدم لك"
غامت عينا هالة بدمعة خفيفة، رفعت يدها لتغطي فمها بين ضحكة مكتومة وارتباك جميل، ثم همست بصوت مرتجف يكاد لا يسمع:
"لم أتوقع ذلك أبدا... لم أظن أنه يبادلني المشاعر... يا إلهي، هذا صادم حقا"
ابتسمت ميساء بهدوءٍ وقالت بنبرة دافئة واثقة:
"سيف لم يكن يوما يجيد إخفاء ما في قلبه يا هالة، فقط أنت كنت تظنين حياءه صمتا لا حبّا.
ثم القلوب حين تختار لا تستأذننا "
(ميس المسكينة. ما بتعرف انو اخوها واقع من قبل ما تعرف هيا اساسا معلش نخليها في حالتها هي)
رفعت ليا حاجبيها بدهشة مرحة، وأسندت ذقنها على كفها قائلة بنبرة خفيفة تحمل شيئا من الدعابة:
"يبدو أن الأصدقاء الثلاثة قرروا افتتاح مشروع زواج جماعي... دفعة واحدة!"
ضحكت ميساء بخفة، بينما اتسعت ابتسامة هالة رغم احمرار وجنتيها، تهمس وهي تحاول إخفاء ارتباكها:
"صدقيني يا ليا... لم أكن أعرف أنني جزء من هذا المشروع حتى هذه اللحظة"
تبادل الثلاث نظرات ضاحكة، انسكب فيها الدفء على الدهشة، وكأن القدر قرر أن يخط بداية صداقتهن بقصة لا تنسى.
ثم ما لبثت ميساء أن قالت بنبرة يملؤها الحنان والجد في آن واحد:
"إذن أخبره بأنكِ موافقة يا صديقتي... لنتهيأ لخطبتك رسميا"
احمرّت وجنتا هالة خجلا، وارتسمت على شفتيها ابتسامة جانبية صغيرة حاولت عبثا إخفاءها.
أخفضت رأسها للحظة، ثم رفعت عينيها ببطء، تومئ بخجل قبل أن يخرج صوتها المتهدج من أثر الموقف، هامسا كاعتراف ناعم بين الدهشة والرضا:
"نعم... إن كان هناك نصيب، واذا وافقت امي"
وفي تلك اللحظة، بدا الهواء من حولهن ألين، كأن الكلمات نفسها حيت الحلم الذي بدأ يتشكل بين أنفاس المساء.
..................
في مساء هادئ من أمسيات بيت آل سراج، اجتمعت العائلة كعادتهم حول المائدة، يتناولون العشاء في جو عائلي دافئ تملؤه الأحاديث والضحكات، يتخلله بين الحين والآخر حديثٌ عن العمل أو مزاح خفيف.
كانت" نور "حبيبة الجميع ومدللة البيت الصغيرة تضفي على المكان حيوية
لا تهدأ، بمشاكساتها الطفولية وتعليقاتها البريئة.
تعالت الأحاديث، وتداخلت الكلمات، حتى قطعتها ميساء فجأة بنبرة جعلت الأنظار تتجه نحوها، وقالت موجهة حديثها نحو أخيها:
"سيف... لقد تحدثت مع هالة في الموضوع"
تجمد سيف لثوان، ثم تمتم من تحت لسانه بنبرةٍ متوترة:
"ويحك يا أختي... ليس هنا!"
هزت ميساء كتفيها بلا مبالاة، وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة مشاكسة وهي تقول:
"إذن، هل تريد أن تعرف النتيجة أم لا؟"
زفر سيف أنفاسه دفعة واحدة، محاولا إخفاء ارتباكه وهو يشيح بنظره عن العائلة التي راحت تراقبهما باستغراب، إلا أسيد، الذي اكتفى بابتسامة خفيفة يُعرف معناها جيدا.
وحين أدرك سيف أخيرا ما عنته أخته، خفق قلبه بشدة، وكأن دمه تسابق في عروقه، ثم قال بصوت مضطرب خافت:
"ماذا؟ أهي... رفضت؟"
عبست ميساء بشفتيها، متعمدة إطالته لحظات من القلق، ومنحته نظرة توحي بالرفض، قبل أن تقول ببطء وهي تحبس ضحكتها:
"في الحقيقة... لقد وافقت، للأسف"
تجمد لثوان، ثم أطلق زفرة طويلة كمن تحرّر من قيدٍ أثقل صدره، وضع يده على قلبه مبتسما ببلاهة وقال:
"ويحك يا أختي... تستمتعين بتعذيبي!ثم ماذا تعنين بللأسف"
انفجرت ميساء ضاحكة وهزت كتفيها بإستفزاز، تبعها أسيد قائلا بنبرة ساخرة دافئة:
"إذن، سيد وسيدة آل سراج... الأخ العزيز الذي كان عازفا عن الزواج قرر أخيرا بناء عشه، واختار كنتكما"
تعالت الضحكات حول المائدة، بينما وقفت الأم وعلى وجهها سعادة غامرة، تقدمت نحو ابنها تعانقه بحرارة وتقول بصوتٍ متهدج تغمره الفرحة:
"يا لسعادتي يا بني... خصوصا أنها وافقت، وخصوصا لأنها ابنتي هالة. يا لحسن اختيارك، سيفي"
وبعدها بلحظات، رفع سيف رأسه وقد عاد إليه بعض من هدوئه، ثم قال موجها حديثه إلى ميساء بابتسامة خفيفة تحمل قرارا حاسما:
"إذن... اتصلي بها، وأخبريها أننا آتون غدا مساء لخطبتها، حسنا؟"
ردت ميساء بسرعة، وقد بدت عليها الجدية:
"لا تتسرع، دعها تتصل بخالها أولا ليأتيهم من سوريا، فهو يسكن بعيدا، ولا ولي لها غيره... ثم نذهب لطلب يدها منه"
أومأ سيف بتفهم وهو يعتدل في جلسته قائلا:
"أحسنت التذكير، سننتظر إذا ... وليكن الأمر على ما يرضي الله"
ابتسمت ميساء بخفة وقالت مازحة:
"ها قد بدأت أراك عريسا مسؤولا بحق!"
ضحك الجميع و إمتلأت القاعة بسرور جميل بين قلب ينتظر إجابة و آخر أخذها و أخر يعيشها.
..........
في الجهة الأخرى، وتحديدا في بيت آزور، كانت تلك التي ارتسمت السعادة على وجهها قد عادت إلى المنزل منذ ساعة تقريبًا.
والآن، بعدما أنهت ما كانت تفعله، سارت بخطوات هادئة نحو غرفة والدتها، طرقت الباب بخفة، ثم فتحته وألقت نظرة إلى الداخل.
وجدت والدتها جالسة على سجادة الصلاة، تتلو آيات من القرآن بصوت هادئ يحمل طمأنينة المساء.
اقتربت وجلست خلفها على الأرض، تستمع بإنصات لتلاوتها، وقلبها يهدأ شيئا فشيئا.
بعد دقائق، توقفت والدتها وقالت بخشوع:
"سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك"
ثم وضعت المصحف على الطاولة الصغيرة بجانبها، واستدارت نحو ابنتها بابتسامة دافئة بادلتها هالة بنفسها.
قالت مروة وهي تتأمل وجه ابنتها:
"ما بالك اليوم يا هالة؟ السعادة تكاد تفيض من ملامحك"
ابتسمت الأخيرة بخجل وهي تجيب:
"سمعت شيئا أسعدني وفتح لي نفسي هذا اليوم"
رفعت مروة حاجبها باستغرابٍ وقالت:
"أفرحيني معك يا ابنتي"
احمرّت وجنتا هالة، وترددت قليلا قبل أن تتكلم.
أمسكت بيدي أمها، واعتدلت في جلستها، تخفض نظرها وتقول بصوت متردد:
"أما كنت تقولين لي يا أمي: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه؟ ودائما ترددين أن الدين والخلق هما الأهم؟"
نظرت إليها مروة باستغراب، لكنها أومأت برأسها موافقة، فتابعت هالة:
"في الحقيقة... وجدت من يتحلى بالدين والخلق، وقد جاءني خاطبا"
اتسعت ابتسامة مروة وهي تسمع كلمات ابنتها، وقالت بفرح:
"حقا؟ يا لسعادتي! ومن هذا الذي نال رضاك يا هالة؟"
أجابت بخجل، رافعة وجهها نحوها:
"إنه... سيف، أخ ميساء، وقد أرسل طلبه مع أخته"
ازدادت مروة سعادة وهي تقول بطمأنينة:
"يا لحسن الاختيار! أولاد عائلة آل سراج كلهم أصحاب خلق وأدب، اللهم بارك. رزقك الله بما يسعد قلبك يا ابنتي"
أومأت هالة قائلة:
"لكن يا أمي، يجب أن نتصل بخالي ليجد وقتا يأتي فيه، فهو وليي، ليكون حاضرا حين يأتون للخطبة"
ابتسمت مروة وقالت برقة:
"طبعا يا ابنتي، سأتصل به وأخبره بالأمر"
بعد أن أنهت مروة حديثها مع ابنتها، تناولت هاتفها لتتصل بخال هالة، إسحاق، المقيم في سوريا.
رن الهاتف مرات قليلة قبل أن يسمع صوته الدافئ يقول:
"السلام عليكم يا مروة، كيف حالك وحال إبنتي الصغيرة؟"
ابتسمت مروة وهي ترد:
"وعليكم السلام ورحمة الله، نحن بخير ولله الحمد، وكيف أنتم؟ كيف الأوضاع عندكم؟"
ضحك بخفة وقال:
"نحمد الله على كل حال، الأمور تسير رغم الصعوبات... اشتقنا لكم والله، متى أراكم؟"
قالت مروة بنبرة يغلبها الفرح:
"قريبا إن شاء الله، لكنني اتصلت اليوم لأمر سيسرك يا إسحاق"
أجاب باهتمام:
"خيرا إن شاء الله، ما الأمر؟"
أخذت مروة نفسا خفيفا وقالت:
"هالة يا إسحاق، جاءها خاطب، شاب محترم متدين ومن عائلة طيبة، وقد وافقنا مبدئيا، لكنك تعلم أنها دون ولي، فأردت أن أبلغك لتكون على علم بالأمر، ولعلك تستطيع المجيء لأيام قليلة"
ساد صمت قصير على الطرف الآخر، ثم سمع صوت إسحاق وقد غلب عليه التأثر:
"ما شاء الله، بارك الله فيها وفيمن اختارها.
هالة كبرت وصارت عروسا! كأنني أراها الآن طفلة أمامي..."
ابتسمت مروة وهي تقول وذموع قليلة متجمعة في عينيها:
"سبحان الله، الأيام تمضي بسرعة يا إسحاق"
فقال بحزم ممزوج بالحنان:
"لا تقلقي يا مروة، سأرتب أموري هنا خلال يومين على الأكثر، وأستقل الطائرة إلى السعودية بعد ذلك مباشرة. يعني بإذن الله، خلال ثلاثة أيام سأكون عندكم"
تهللت مروة فرحا وقالت بامتنان:
"جزاك الله خيرا يا إسحاق، وجودك معنا يسعدنا كثيرا، خصوصا لهالة"
ضحك بلطف وقال:
"بل أنا من يسعد بهذا الخبر، وبلقائكم جميعا. بلغوا هالة سلامي، وقولي لها إن خالها في طريقه إليها، ولن يتأخر عنها هذه المرة"
التفتت مروة إلى هالة التي كانت تتابع الحديث بترقب، وقالت وهي تبتسم:
"سمعت يا ابنتي؟ خالك سيأتي خلال ثلاثة أيام فقط"
تألقت عينا هالة بفرح خالص وهمست:
"الحمد لله... كم اشتقت إليه، وكم أنا سعيدة أنه سيكون هنا معي"
ثم أضافت:
"إن شاء الله يمر كل شيى بخير"
ابتسمت مروة وهي تنظر إلى ابنتها التي لم تستطع إخفاء سعادتها، ثم قالت برقة:
"أعلم يا هالة كم يعني لك وجود خالك، وهو فعلا لن يتأخر عنك.
إسحاق رجل لا يتردد حين يتعلق الأمر بالعائلة"
أومأت هالة وهي تعبث بأطراف ثوبها:
"نعم، كان دوما سندي بعد والدي... حضوره سيجعلني أكثر اطمئنانا يوم الخطبة"
اقتربت منها والدتها وربتت على كتفها بحنان:
"اطمئني يا ابنتي، كل شيء يسير بخير. وسيف شاب محترم، أظن أن والدك رحمه الله كان سيفتخر باختيارك"
اغرورقت عينا هالة بالدموع، لكنها ابتسمت بخفة وقالت:
"أتمنى ذلك يا أمي... أشعر وكأنه يبارك لي من بعيد رحمه الله"
ساد صمت قصير بينهما، قبل أن تقول مروة محاولة كسر الأجواء العاطفية:
"حسنا، كفانا حديثا يا ابنتي، لنقم الآن ونعد العشاء، فقد تأخر الوقت"
ضحكت هالة وهي تنهض:
"حسنا يا أمي، لكن بشرط... لا تدعيني أقطع البصل هذه المرة"
ابتسمت مروة وهي تسير نحو المطبخ قائلة:
"بل ستقطعينه، فالعروس يجب أن تتعلم كل شيء قبل أن تزف!"
ضحكت الاثنتان بخفة، واختفى صداهما الدافئ في أرجاء البيت، الذي بدأ يغمره جو من الفرح والطمأنينة.
.................
في ركن آخر، وتحديدا في منزل آل الرواني، كان يجلس ذلك الذي أضناه عناء يومه المديد.
على سريره، كان يقلب روانس في هاتفه بسكون، حتى اخترق الصمت طرقات خفيفة على الباب، تبعها صوت والده الدافئ:
"بني، هل تسمح لي بالدخول؟"
أشرقت ابتسامة على وجه روانس وهو يجيب بحب: "طبعا يا أبي، وهل يحتاج نور البيت لإذن ليدخل؟"
انفتح الباب، وأطل منه مصطفى، ألقى سلامه ومال ليجلس بجوار ولده، ثم همس بنبرة هادئة:
"يا بني، ما رأيك لو تتولى إدارة شركتنا للنشر والإنتاج؟ قد حان الوقت لأستريح"
عقد روانس حاجبيه، وأزاح وجهه قليلا عن أبيه، وأجاب بعتب رقيق:
"يا والدي، هذا حديثك في كل لقاء، لكنني أحب عملي الحالي شغفا. ثم إنك ما زلت بتمام عافيتك وقوتك، لم هذا الإلحاح على تسييرها الآن؟"
تنهد الأب بابتسامة رغم قناعته، وقال:
"يا ولدي، العمر يجري بي، وأردتك أن تمسك زمام الأمر ليطمئن قلبي"
استدار روانس بجذعه كاملا نحو والده، وقال بعينين متألقتين:
"أبي الغالي، إنك كالعمود الذي لا يميل! أنت لا تزال في عز عطائك، في الثالثة والخمسين من عمرك، لم تستعجل شعور الكبر؟"
أضاءت الابتسامة وجه مصطفى، وقال بحنان:
"حسنا يا ولدي، كما تريد، لن أُرهقك بطلبي بعد اليوم"
أومأ روانس بامتنان، وقبل يد أبيه بحب عميق، وفي اللحظة ذاتها، عاود الطرق الخفيف على الباب، لتظهر ليا من خلفه، هامسة بلهفة:
"هل قاطعتكما؟... عفوا، ولكني أريد أن أتحدث معكما في أمر هام"
ابتسم الأب، فاتحا ذراعيه لابنته بحنان، وقال بصوته المليء بالعطف:
"تعالي يا حبيبة أبيك... تعالي إلى هنا"
ارتسمت على وجه ليا ابتسامة واسعة تنير ملامحها، وما لبثت أن اندفعت لترتمي في أحضان والدها، تملأ الجو دفئا.
ومن حيث يجلس، صدح صوت روانس بنبرة مازحة يختبئ خلفها بعض الغيرة المحببة:
"لقد بدأت أغار يا سيد مصطفى... يا ترى هل تفضل فتاتك علي؟"
ضحك الأب بخفة، وضرب كتف ابنه بكفه في ود قائلا:
"طبعا لا يا بني، أنتما في القلب سواء، لا فرق بينكما"
ثم التفت نحو ليا بعطفٍ أبوي صادق، وقال بصوت هادئ يحمل اهتمامه المعهود:
"هيا أخبريني الآن يا صغيرتي، ما الذي أردت قوله؟"
ابتعدت ليا عن حضن أبيها بهدوء، وجلست على الكرسي المقابل، تضم يديها فوق حجرها. رفعت عينيها نحو أخيها وقالت بنبرة حازمة:
"أردت التحدث بشأن موضوع الخطبة الذي عرضته علي يا روانس"
أومأ الأخير بصمت، فيما قال مصطفى بنبرة مهتمة:
"إذن، ما هو قرارك يا ابنتي؟"
صمتت ليا للحظات قصيرة، ثم رفعت وجهها لتواجه نظرات أبيها وأخيها قائلة:
"في الحقيقة... أنا أقبل. وأريدك يا روانس أن تخبره ليحدد يوما يناسبه ليتقدم رسميا"
اتسعت ملامح مصطفى ابتهاجا، وانفرجت أساريره بفرح أبوي عميق.
بينما ظل روانس يحدق بها بنظرة حائرة، كأنه يحاول التمييز بين الجد والمزاح في كلامها.
رفعت ليا حاجبها باستغراب وقالت:
"ما بالك تنظر إلي هكذا؟ ألم تسعدك موافقتي؟"
ابتسم روانس بنصف ابتسامة ماكرة وقال:
"بل سعيد جدا... بالتخلص منك ومن نقك الدائم، وحشرك لأنفك في كل ما لا يعنيك"
ثم أضاف بخفة ساخرة:
"لكن غريب أمرك، ظننتك ستحتاجين شهرا من التفكير على الأقل، مع شخصيتك العنيدة تلك"
فتحت ليا فمها دهشة، بينما كان الأب يهز رأسه مبتسما على مشاكسة ولده التي لا تهدأ، في حين لم تكن ابنته أقل عنادا منه.
لم تمض ثوان حتى قالت وهي تلوح بيدها في تحد طريف:
"أيها المستفز... انتظر فقط! ثم ما المشكلة؟ أحببته فقبلته، ببساطة"
تجمدت ملامح روانس مصدوما، ولم يكن والدها بأقل اندهاشا منه، حتى قال وهو يحدق بها بذهول ممزوج بالدهشة:
"حقا؟! وتقولينها بهذا الهدوء يا خبيثة؟ ألا تخجلين منا؟"
ابتسمت ليا ابتسامة صغيرة، وأجابت بثقة وصدق طفولي:
"ولم أخجل؟ الحب ليس عيبا ولا حراما. أحببته حلالا، فكيف أخجل من الصدق؟"
هز مصطفى رأسه مبتسما بين الدهشة والإعجاب، بينما قال روانس وهو يزفر مبتسما بخفة:
"أنت حقا شيء عجيب يا ليا... على كل حال، أنا سعيد من أجلك. سأتحدث معه غدا"
.............................
صباح جديد... ويوم آخر يمضي، والأيام تركض كما لو كانت على عجل، لا تلتفت إلى أحد ولا تنتظر أحدا.
تمضي كالماء بين الأصابع، لا يمسكها زمن ولا يعيدها حنين.
تمر الدار بمن فيها، تتغير الوجوه وتبقى الذكريات وحدها شاهدة على ما كان.
كم من ضحكة خفتت، وكم من وعد ذاب في زحمة الأيام.
في كل صباح جديد، يظن المرء أن أمامه عمرا طويلا، ثم يكتشف أن الأيام لا تمنح وعودا، بل تأخذ بصمت.
فالدنيا ليست دار بقاء، بل طريق نمرّ به، نستظل فيه قليلا قبل أن نتابع الرحيل.
وكل يوم يمضي، يذكرنا بأن لا شيء دائم، وأن حتى أجمل اللحظات تولد لتغيب، كما تغيب الشمس خلف الأفق، تاركة خلفها ضوءا خافتا من الأمل، يكفينا لنكمل المسير.
في ذلك الصباح المشمس، وفي أروقة الجامعة تحديدا، كان القدر ينسج خيوطه بخفة لا ترى... هناك، التقت القلوب قبل أن تلتقي النظرات.
جلست ميساء بجانب هالة في قاعة المحاضرات، كعادتهما، تتشابك أحاديثهما حول كل شيء ولا شيء.
ضحكات خافتة، ودفء صداقة يملأ المكان، حتى قطعت ميساء الخيط قائلة بنبرة فضولية:
"هل تحدثت مع خالك؟"
أومأت هالة بخفة، وردت بصوت هادئ:
"نعم، تواصلت معه أمس... قال إنه سيكون هنا خلال ثلاثة أيام بإذن الله"
ابتسمت ميساء ابتسامة خفيفة، ثم قالت ببعض المكر وهي تميل برأسها نحوها:
"اليوم هناك محاضرة توعوية في القانون، وسيكون سيف هو المشرف عليها... ما رأيك أن نحضرها؟"
خفق قلب هالة لذكر اسمه، خفقة خفيفة كأنها نغمة سرية لا تريد لأحد أن يسمعها.
لم تفهم سبب تلك الرجفة التي عبرت بين أضلاعها، ولا تلك الحرارة التي صعدت إلى وجنتيها، لكنها تمالكت نفسها وأجابت بخجل لطيف:
"كما تشائين يا ميسو..."
ضحكت ميساء بخفة وهي تنهض قائلة:
"إذا هيا بنا، ما زال أمامنا نصف ساعة قبل أن تبدأ"
وبين خطواتهما المتعجلة نحو القاعة، كانت السماء الزرقاء تشهد عليهم وعلى اجتهادهم.
ما إن دخلت ميساء وهالة القاعة، حتى وقعت عيناها على روانس الجالس في الصف الأول، منكبّا على أوراقه بهدوء.
شعرت بشيء مألوف في قلبها، دفء خافت يهمس لها بأن بينهما رباطا لا يُرى، لكنه يسكن كل نبضة فيها.
أرادت أن تقترب، أن تجلس بجانبه، لكنها ترددت خشية أن تترك صديقتها وحدها.
غير أن هالة، بعين الصديقة التي تفهم قبل أن يقال، ابتسمت بخفة ودفعتها قليلا نحو الأمام وهي تهمس:
"هيا، اذهبي... سأجلس أنا في الصف الثالث"
ترددت ميساء، تهمس بخجل:
"لكن..."
قاطعتها هالة بنبرة حازمة:
"لا وجود للكن، هيا قبل أن يسبقك أحد"
استدارت ميساء، فالتقت نظراتها بعينيه نظرة قصيرة، لكنها كفيلة بإرباكها.
أشار لها بهدوء نحو المقعد الفارغ بجانبه، فابتسمت بخجل يكاد يرى على استحياء، وتقدمت بخطوات مترددة حتى جلست إلى جواره.
همست بصوت ناعم خفيض:
"السلام عليكم..."
رفع رأسه نحوها مبتسما، وفي عينيه ما يشبه الاطمئنان، ورد بلطف يعرف طريقه إلى قلبها:
"وعليكم السلام.... أهلا بوتيني"
احمرت وجنتاها، حاولت إخفاء ارتباكها بانشغالها بحقيبتها، بينما ابتسامته بقيت تراقبها بصمت دافئ، كأنها تحمد الله في قلبها على حلال جمعهما... وإن تأخر علنه قليلا.
شيئا فشيئا، بدأت القاعة تمتلئ بالطلبة وبعض الأساتذة، أغلبهم من تخصص القانون.
تداخلت الهمسات وصوت المقاعد المتحركة قبل أن يخفت كل شيء تدريجيا، كأن الصمت قرر أن يفرض حضوره بنفسه.
لحظات فقط، حتى انفتح الباب الأمامي بخفة، ودخل سيف بخطوات واثقة وملامح تفيض هدوءا وهيبة.
بدا حضوره كأنه يملك المكان دون أن يقول شيئا. اتجه نحو الواجهة، حيث المكتب الخشبي الأنيق، ووضع حقيبته عليه برفق، ثم اعتدل في وقفته، يمر بنظره على الوجوه المنتظرة.
وبنبرة تجمع بين الوقار والثقة قال:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...
معكم سيف آل سراج، المحامي وأستاذ القانون"
ساد القاعة صمت تام، كأن الجميع أُخذوا بطريقته الهادئة في تقديم نفسه.
في تلك اللحظة، لم يكن مجرد أستاذ يفتتح محاضرته، بل رجل يعرف كيف يفرض احترامه بمجرد حضوره... دون حاجة إلى كثير كلام.
نطق سيف بصوت جهوري واضح قائلا:
"لقد طلبت مني إدارة الجامعة تقديم هذه المحاضرة، لكن ولأكون صادقا معكم قبلت ذلك بشرط واحد"
توقف لحظة، لتسود القاعة سكينة خفيفة، ثم تابع بنبرة واثقة:
"أن تكون المحاضرة على طريقتي، لا أن يملى علي ما أقول"
مرر سيف أنظاره على الحضور، يتأمل وجوههم المتلهفة، ونظراتهم المشدودة إليه، حتى اصطدمت عيناه السوداوان بتلك العينين العشبيتين اللتين يعرفهما جيدا.
ارتجف قلبه لوهلة، كأن الصمت الذي ساد القاعة حمل خفقاته، لكنه سرعان ما استعاد توازنه، يخفي اضطرابه خلف ملامحه الجادة، وقال بصوت ثابت عميق:
"إذا... حديثنا اليوم عن العدالة في الإسلام"
وقف سيف بثبات خلف المنصة، عاقدا يديه أمامه، وقد غمر القاعة سكون مهيب ما إن صدح صوته الهادئ الجهوري يقول:
"أكرر حين طلبت مني إدارة الجامعة أن أقدم هذه المحاضرة، اشترطت أن تكون على طريقتي، أن أقول ما أؤمن به لا ما يملى علي.
واليوم اخترت أن نتحدث عن العدالة... لكن لا تلك التي تقاس بالقوانين، بل العدالة التي خطها الإسلام بطريق من نور"
ثم أضاف، ونبرته تجمع بين الهيبة والعذوبة:
"العدالة يا إخوتي ليست مصطلحا جامدا يتداول في المحاكم، بل هي قيمة من الله، تنبتها الفطرة السليمة في قلب الإنسان.
هي أول وصايا الله في كتابه حين قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾.
لاحظوا، لم يأمر بالعدل فقط، بل أتبعه بالإحسان، لأن العدالة التي لا يرافقها الرحمة تتحول إلى قسوة، والرحمة التي بلا عدل تصبح ضعفا.
فالتوازن بينهما هو سر التوازن في شريعة الإسلام"
ارتسمت على شفاه الحاضرين نظرات إعجاب صامتة.
كانت ميساء تحدق فيه بتركيز يفوق الوصف، تشعر أن كل كلمة تنطق بها شفتاه تلامس شيئا في قلبها لم تفهمه بعد دائما ما كان اخوها يلامس قلبها بكلماته،
فيما كانت هالة تسجل الملاحظات بجدية، تحاول ألا تفوت أي حرف لكن قلبها يرجتف كلما إرتفع صوته.
"في ديننا"
تابع سيف:
"لم يكن العدل شعارا يرفع، بل عبادة تؤدى.
العدل في الإسلام لا يقتصر على القاضي أو الحاكم، بل يشمل الأب الذي ينصف أبناءه، والتاجر الذي لا يغش زبونه، والزوج الذي لا يظلم زوجته، والمعلم الذي لا يميز بين طلابه.
العدل عبادة، كما الصلاة والصيام والصدقة، لأنه سلوك يقربنا من الله"
ثم قال وهو يرفع نظره نحو الأعلى وكأنه يستدعي ذكرى قديمة:
"الرسول صلى الله عليه وسلم كان أعظم من جسد العدل على وجه الأرض.
حين سرقت امرأة من بني مخزوم، وجاء من يشفع لها، غضب وقال:
«أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟! والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».
تخيلوا هذا الموقف... فاطمة، ابنته، قطعة من قلبه، ومع ذلك قالها دون تردد.
ذلك لأن العدالة في الإسلام لا تعرف نسبا ولا جاها، لا تعرف غنيا ولا فقيرا، بل تعرف الحق فقط"
صمت قليلا، ثم مضى بصوت أكثر دفئا:
"ولأن الإسلام دين رحمة، فقد جعل العدل مقرونا بالنية والضمير.
لم يقل الله فقط: احكموا بالعدل، بل قال: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.
أي حتى في الكلمة، حتى في الشهادة، حتى في نظرتك للناس.
العدالة في القول لا تقل شأنا عن العدالة في الحكم"
في تلك اللحظة، ساد القاعة صمت عميق.
كانت أنفاس الجميع تتناغم مع صوته كأنهم يعيشون مشهدا من التاريخ الإسلامي حيث النور والصدق والهيبة.
"تخيلوا معي،"
قال وهو يخطو خطوة إلى الأمام:
"قاضيا مسلما في عهد عمر بن الخطاب، يأتيه رجل قبطي من مصر، يشكو ظلم ابن عمرو بن العاص والي مصر، فيستدعي عمر الوالي وابنه ويقول للقبطي:
'اضرب ابن الأكرمين!'
ثم يلتفت لعمر بن العاص ويقول:
'متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟'
هكذا تبنى الأمم يا سادة، لا بالقوة، بل بالعدل"
هنا رفع نظره إلى الأعلى ثم قال بصوت خافت عميق:
"العدالة في الإسلام ليست فقط في الدنيا، بل تمتد إلى الآخرة.
في يوم تنصب فيه الموازين، ويقف كل إنسان بين يدي خالقه ليسأل: هل أنصفت؟ هل ظلمت؟
حتى الحيوانات، كما أخبر النبي عليه الصلاة و السلام، يقتص لبعضها من بعض ثم ترد ترابا. فكيف بالبشر؟"
بدت على وجوه الطلبة علامات الانبهار، وتبدت على ميساء ابتسامة خفيفة امتزجت فيها الدهشة بالفخر، بينما كان قلب الأخرى ينبض بقوة غريبة وهي تنظر إليه.
كأنها ترى عدالة الإسلام في هيئته.
"نحن اليوم نعيش زمنا اختلطت فيه المفاهيم، أصبح الناس يرون العدالة في المساواة العمياء، بينما العدالة في الإسلام ليست مساواة مطلقة، بل إنصاف متزن وما أكبر الفرق بينهما.
فالله خلق الناس مختلفين في القدرات والمواهب، لكنه جعل العدل أن يعطى كل ذي حق حقه.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾.
ولم يقل بين المسلمين فقط، بل بين الناس جميعا، مؤمنهم وكافرهم، قريبهم وغريبهم، أسودهم و أبيضهم
لا فرق بين مؤمن و آخر إلا بالتقوى
هذه هي عظمة ديننا"
تقدم خطوة أخرى، وقد خفت نبرته حتى صارت أقرب إلى الهمس:
"لو أردتم أن تعرفوا قيمة العدالة في الإسلام، انظروا كيف جعل الله العدل اسما من أسمائه الحسنى «العدل».
فكلما حكمتم أو شهدتم أو تكلمتم، تذكروا أن من خلقكم عادل فإعدلوا"
توقف، ثم رفع رأسه نحوهم وقال بابتسامة هادئة:
"لا تنتظروا أن يصلح العالم ما لم تصلحوا أنتم موازينكم الداخلية.
اعدلوا مع أنفسكم، لا تظلموها بالذنوب، ولا تظلموا الناس بالظنون.
فالله لا ينظر إلى مظاهرنا، بل إلى قلوب أقامت ميزانها قبل أن تقيم حدودها. "
بصوت مفعم بالسكينة قال :
"كونوا عادلين... فكل عدل في الأرض ظِلٌ من عدل الله في السماء"
ثم توقف سيف للحظة، رفع صوته بهدوء يتغير فيه وقع الكلمات، ووجه نظره نحو الحضور قائلا:
"وإذ نتحدث اليوم عن العدالة، لا يمكننا أن نغفل عن المظلومين في غزة.
فاليوم، هناك أرواح تنتظر العدالة، هناك أطفال وأبرياء يعرفون معنى الألم والظلم بغير ذنب اقترفوه، سوى أنهم من نصيب الأرض ومن رحم التاريخ.
إن العدالة التي نذكرها هنا ليست كلمات نلقيها على مسامعنا فقط، بل وعد إلهي للمظلوم أن يأخذ حقه، ولو بعد حين.
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ٰوَإِنْ تُخْفُوا شَهَادَةً أَوْ تُبْدُوهَا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
وإن لم يتحمل الظالم الدنيا، فغدا يحمل الحساب وزنا لا يخفى عن رب السماء، ولن يضيع الحق إن انتظرنا وقتا أو تأخر الزمان.
فكل مظلوم لا يجد من ينصره اليوم، وجد ربه في الآخرة،و من رحمة الله يوم ينادي فيه المنادي: ﴿هَلْ لِمَنْ يَنْصُرُ مَظْلُومًا؟﴾، فتعلو الأصوات وتسمع آهات المظلومين، وتسترد الحقوق.
فلن يقاس عدل الإسلام بعدد الحروف فقط، بل بعدد القلوب التي تؤويها رحمته، وعدد الأصوات التي تنادي بالحق.
وإن غزة اليوم تنادي، فليكن لنا نصيب في الاستجابة.
دعونا لا ننسى أن العدالة لا تمحوها المسافات، ولا تطفئها الأزمات، بل تنصب حتى في قلوب الذين ابتلوا وظلموا، لأنها وعد لا يحجب، ولا يحجب بصمت أو غياب.
فليكن عدلنا معهم، ولو بدعاء صغير، أو فعل بسيط، لأن الله يعلم ما في القلوب، ويعاقب الظالم يوم الحساب على كل كلمة ذهبت مظلمة، وكل نفس لم تنل حقها"
ثم خيم الصمت مجددا، صمت لم يكن فارغا بل ممتلئا بالرهبة واليقين.
كانت الوجوه مأخوذة، والأعين مشرقة ببريق جديد، أما ميساء فخفضت نظرها تخفي ابتسامة صغيرة لا يدركها أحد سواها، وكأن قلبها يهمس لها:
"هذا أخي... لا يشرح القانون فحسب، بل يشرح معنى الإيمان في أبسط صورة كم أنا فخورة به."
أما هالة في تلك اللحظة، لم تعد ترى أمامها سوى ملامحه، وقد أضاءها ضوء القاعة الهادئ.
قال "كونوا عدولا..." فابتسمت بضعف، وهمست في سرها:
"وكن أنت عدلي الذي وعدتني به، وعدلك الذي أرتكن إليه حين يخذلني العالم"
كانت نظرتها تحمل مزيجا من الهيبة والحب
هيبة لرجل يقف أمام الجميع شامخا بالحق،
وحب لرجل اختارها بين كل هذا العالم،
لكن القدر شاء أن تبقى المشاعر بينهما سرا تحت صك من الحلال، ينتظر اكتماله.
ثم أغمضت عينيها للحظة، تستنشق السكينة التي تركها صوته في القاعة، وتهمس في أعماقها:
"ما أجمل أن يكون الذي أحبه، هو نفسه الذي يعلمني كيف يكون العدل أمام الله..."
........
في الساعة الخامسة مساءا وبعد صلاة العصر تحديدا، جلست ميساء على مكتبها الصغير، تتصفح ملاحظاتها بعد أن فرغت من فريضتها.
كل شيء حولها بدا ساكنا... حتى أفكارها التي بدأت تهدأ بعد يوم طويل.
وفجأة، اخترق السكون صوت إشعار خافت من هاتفها الموضوع إلى جوارها.
مدت يدها نحوه بهدوء، وما إن فتحت الشاشة حتى قابلتها رسالة قصيرة من روانس:
"جهزي نفسك... وانزلي، سنخرج معا"
..
.
.
.
.
.
.
إنتهى الفصل.
كيف حالكم رونسايون.
أتمنى أن الفصل نال إعجابكم.
أرائكم كيف رأيتم الأحداث و الفصل.
بالنسبة لجملة:
"وكن أنت عدلي الذي وعدتني به، وعدلك الذي أرتكن إليه حين يخذلني العالم"
معناها
"كن أنت إنصافي وسندي، حين لا أجد في هذا العالم أحدا ينصفني أو يقف معي"
.
.
.
أستودعكم الله الذي لا تضل ودائعه
لا تنسوا اخواننا في غزة من دعواتكم
"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
djeziri hadjira