السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
أما بعد:
سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب
.
.
.
.
.
.
.
.
"
في صمت الصباح، وبين خفقات القلوب المترددة، تتسلل لحظات الانتظار كنسيم خفيف… تحمل معها همسات الرجاء، وابتسامات خجولة، وأسرار لم يجرؤ الفؤاد بعد على البوح بها."
.
.
كانت لحظات المساء هادئة، والنسيم العليل يراقص أوراق الأشجار بخفة، بينما كان الضحك العابر يلون الأجواء بدفء خاص.
في وسط تلك السكينة، بدأ حوار صغير يحمل بين كلماته مزيجا من المزاح والفرح،
لكنه خبأ في أعماقه مشاعر أعمق مما بدا على السطح...
كان جالسا في حديقة البيت يتأمل نجوم السماء الصافية، وعقله شارد بعيدا.
تذكر ما حدث قبل ساعة، فارتسمت على شفتيه ابتسامة حالمة وهو يستعيد كلمات صديقه.
قبل ساعة:
لقد بلغ به الصبر منتهاه، أسبوع كامل مضى وهو ينتظر رد سيف على قرارها، لكنها حتى الآن لم تجب. أيعقل أنها تستمتع بإطالته بهذا الشكل؟ أم أن في الأمر ما يجهله؟
راح يدور في الغرفة بخطوات متوترة، ثم توقف فجأة وقد عزم على الاتصال بسيف ليأخذ الجواب، فقد طفح الكيل.
ضغط على رقمه، ووضع الهاتف على أذنه. لم تمض سوى لحظات حتى سمع صوته يقول:
"وكأنك جئت في وقتك يا صديقي..."
ارتبك روانس، وداهمه شيء من القلق وهو يردد:
"أخبرني... هل قررت أخيرا؟"
جاءه صوت ضحكة خافتة من الطرف الآخر، ثم أردف سيف بلهجة متعمدة:
"نعم، لقد قررت... لكن..."
زفر روانس بضيق، مدركا أن صديقه يحاول استفزازه:
"بحقك يا سيف، كف عن مراوغتك وتكلم"
ارتفعت ضحكات سيف في سماعة الهاتف، قبل أن يقول بلهجة أكثر جدية:
"لا تتعجل... لقد وافقت.
لكنها اشترطت أن تأتي للرؤية الشرعية، وإن كان مقدرا فسيكون"
اتسعت ابتسامة روانس، وخفق قلبه خفقات متسارعة وهو يسمع تلك الكلمات التي أطفأت نار انتظاره:
"حسنا، غدا آتي لأطلبها منكم"
لكنه سمع صوته يعترض بهدوء:
"لا تتعجل... اجعل الأمر يوم الجمعة يا صديقي، فالتمهل خير"
أومأ روانس وكأن صديقه يراه، ثم أجابه برضا:
"كما تشاء... الجمعة إذن،أُعلم أهل الدار"
بعد حديث قصير أغلق الهاتف.
الآن:
لا تزال الابتسامة مرسومة على محياه، وعيناه شاخصتان إلى السماء، كأن نجومها تبارك فرحته.
همس بنبرة رخيمة:
"ماذا فَعَلتِ بي يا بَحريةَ العُيونِ أنتِ..."
وما هي إلا بضع ثوانٍ حتى سمع صوت أخته الساخر يقول:
"ما بالك؟ ابتسامتك وصلت إلى أذنيك!"
سكتت لحظة، ثم أضافت بلهجة مازحة:
"أم أنك تذكّرتَ حبيبة القلب، هممم؟"
استدار لها روانس رافعا حاجبا وقال بنبرة مازحة:
"يبدو أنك تستمتعين بإغاظتي أيتها الشريرة... ثم إني لن أرد عليك، فأنا سعيد الآن"
ابتسمت ليا ابتسامة جانبية وهي تسأله:
"إذا، ما الذي أسعدك هكذا، هاه؟"
أطرق روانس لحظة يراقب الأرض أمامه، ثم استدار واضعا ذراعه على كتفها، وجذبها إلى عناقه مرددا بفرحة:
"لقد وافقت يا ليا... وافقت على إقامة الرؤية الشرعية!"
قهقهت الأخيرة وهي تحدق في وجهه المشرق بالسعادة قائلة:
"مبارك! وأخيرا سأرتاح منك"
رفع روانس حاجبه مجددا وأجاب بنبرة حاسمة ومرحة:
"ارتاح؟! لا تحلمي، أنا لن أتركك وشأنك أبدا"
ترددت ضحكاتهما في الأرجاء، وما هي إلا لحظات حتى خبت أصواتهما، ليشردا في السماء.
الأول غارق في التفكير بمحبوبته...
والثانية منشغلة بمن جعل قلبها يرتبك لأول مرة عند حضوره.
......
كان الصباح مثقلا بالضغط في الشركة؛
أصوات الطابعات تتداخل مع خطوات الموظفين المسرعة، وهمسات متوترة تتعالى من المكاتب.
وفي الطابق العلوي، اجتمع الفريق داخل قاعة الاجتماعات الواسعة، حيث ارتصت الكراسي حول الطاولة البيضاوية، وعلى الجدار ساعة كبيرة لا تهدأ عقاربها.
جلس أسيد في رأس الطاولة على كرسي أسود، يفتح الملفات أمامه بنظرة صارمة، ثم قال وهو يقلب الصفحات:
"هناك خطأ واضح في التقرير الأخير… الأرقام لا تطابق بيانات النظام. من المسؤول عن هذا؟"
خيم الصمت على القاعة، حتى قطع أحد الموظفين الهدوء قائلا وهو ينظر ناحية ليا:
"أظن أن الآنسة ليا هي من جمعت الأرقام الأخيرة"
التفتت إليها العيون دفعة واحدة، لكن ليا لم ترتبك.
اعتدلت في جلستها وقالت بنبرة واثقة:
"مع كامل احترامي، عملي بين أيديكم، وقد راجعته أكثر من مرة.
الأرقام التي سلمتها صحيحة ومطابقة للنظام.
نحن محاسبون أمام الله أولا قبل الإدارة، ولن أقبل أن ينسب إلي ما لم أقم به"
ارتفعت همهمة خفيفة في القاعة، قبل أن يرفع أسيد ملفا آخر بين يديه ويقول:
"صحيح ما قالت. هذه النسخة التي وصلتنا منها بالأمس مطابقة للنظام بالحرف، الخطأ حصل لاحقا، وبالتالي فهي ليست المسؤولة"
ساد صمت قصير، ثم أضاف بصوت أهدأ وقد بدا في كلماته تقدير غير مباشر:
"العمل المتقن لا يخفى… لا تلقوا التهم جزافا"
تنفست ليا بارتياح، وحين مرت بجانبه مع الموظفين لتغادر همست بخجل غير معهود منها:
"جزاك الله خيرا"
أجاب بنبرة هادئة:
"وفقك الله"
خرجت من القاعة بخطوات ثابتة، غير أن فؤادها كان يتضارب بقوة كأنه يفضح ما في داخلها، سارت محاولة أن تخفي ارتباكها بابتسامة صغيرة وهي تتجه نحو مكتبها.
................
كانت ميساء تجلس برفقة هالة في الكافيتيريا الهادئة الخاصة بالجامعة،
حيث تختلط همسات الطلبة بأصوات فناجين القهوة المتناثرة على الطاولات، ورائحة المعجنات الساخنة تملأ المكان.
كانت الأحاديث بينهما تتنقل من موضوع إلى آخر بخفة، بينما في قلب ميساء تسبيحة امتنان لله أن روانس لم يأت للتدريس ذلك اليوم، فقد أبلغتهم إدارة الكلية بغيابه لأسباب شخصية.
بعد لحظات، استدارت ميساء نحو صديقتها وقالت بنبرة مترددة:
"هالة، هل يمكنك المجيء إلى منزلي غدا ؟"
انعقد حاجبا هالة في إستغراب ظاهر وهي تسألها:
"لماذا؟ هل هناك أمر ما؟"
ابتسمت ميساء ابتسامة خجولة، ثم ألقت بكلماتها التي جعلت عيني صديقتها تتسعان من الصدمة التي تلقتها توا:
"في الحقيقة... غدا سيأتي الأستاذ روانس لخطبتي، وأردت منك أن تساعديني"
رمشت الأخرى برموشها الطويلة.. و لم تمر ثوان حتى انتفضت هالة مندهشة، وارتفع صوتها وسط الكافيتيريا:
"ماذا؟ أعيدي ما قلت للتو؟ غدا ستخطبين؟ وأنت لم تخبريني إلا الآن؟
يا لك من مشعوذة ماكرة!"
ارتبكت ميساء تنفي بإشارات رأسها، وابتسامة مرتبكة ارتسمت على شفتيها وهي تمسك هالة تعيدها لمكانها ترى أغلب الأنظار موجهة لهما :
"بالطبع لا... كفي عن الصراخ..إنفضحنا يا غبية.
لقد أخبره أخي أمس فقط بموافقتي على أن يأتي للرؤية الشرعية.
وما من شيء مؤكد بعد، فما زلت لا أعلم إن كنت سأوافق أم لا"
رمقتها هالة بنظرة عميقة وحاجب مرفوع و كأنها تخبرها "حقا هل أنت جادة "،
ثم قالت بنبرة تمزج بين اللوم والجدية:
"أأنت جادة في كلماتك حتى؟ لو أنك لا تريدين هذا الزواج حقًا، لما قبلتِ من الأساس.
أتحسبينني ساذجة يا ميس؟"
اشتعلت وجنتا ميساء بحمرة طفيفة، وأطرقت رأسها هامسة:
"في الواقع أنا... أنا... أوف، كفاك هالة، صمتي قليلا!"
انفجرت ضحكات هالة وهي ترى وجه صديقتها يحمر كحبات الطماطم،
وكلما ازدادت ملامح ميساء انكماشا في خجل وغضب، ازدادت هي مرحا وضحكا، حقا أتظن أنها لم تنتبه.
كانت ضحكات هالة تتعالى، تكاد تجذب أنظار الجالسين في الكافيتيريا المزدحمة بأحاديث الطلبة ورنين فناجين القهوة، غير أن ضحكاتها خبت فجأة، كأنها اصطدمت بمشهد أربك كيانها.
عينانها العشبيتان تجمدتا على الباب، حيث دخل سيف بخطوات واثقة متجها نحو آلة إعداد القهوة،
والضوء المتسلل من النافذة انعكس على ملامحه للحظة، فأربك قلبها بنبضات متسارعة كطبول خفية.
التقطت ميساء شرود صديقتها، فاتبعت نظراتها، وما إن وقعت عيناها على أخيها حتى ارتسمت ابتسامة ماكرة على وجهها وها قد وجدت فرصة لإغاضة صديقتها العزيزة، وهمست بنبرة مشاكسة:
"أنظري من دخل الآن... ما إن وقع بصرك على أخي حتى تجمدت في مكانك! كدت تفغرين فمك ويكاد يسيل لعابك"
ارتجفت هالة وأحمر وجهها على الفور، كأن الدماء تسابقت لتحتل وجنتيها.
التفتت بعجلة، محاولة صرف نظرها بعيدا، لكن ميساء لم تفوّت الفرصة، فأضافت وهي تغمزها بخفة:
"غضي بصرك يا هالة... لا تدعيني أفضحك أكثر"
انعكس الارتباك في ملامح هالة، وتبدل الموقف رأسا على عقب؛ انقلب السحر على الساحر، فضحكت ميساء بخفة وهي تواصل ما تفعله لها وقد أعجبها أن وأخيرا قد وجدت ما ترد به عليها:
"أتظنين أني لم ألحظ تلك النظرات يا جميلة؟"
عندها أطلقت هالة زفرة صغيرة، وارتسم الامتعاض على ملامحها التي لا زالت محمرة من الخجل
وهي ترد بحدة خافتة:
"ما الذي تهذين به أنت؟! ثم أنا لا أعرفه أصلا"
أومأت ميساء برأسها، ناظرة إليها بنظرة ماكرة وهي تستهزأ بها :
"إيه إيه أمنتك يا واحد البلعاطة."
(نعم نعم.. صدقتك أيتها المراوغة"
نظرت لها هالة ببعض الحدة ثم أردفت:
"حقا أنت لا تحتملين... على كل هي لنذهب لدينا محاضرة"
ضحكت ميس بخفة ونهضت معها تغادران تحت أعين سيف الذي كان يتابعهما أو يتابعها بنظرة هائمة.
......................
الرؤية الشرعية لحظة تشبه طلوع الفجر،
هادئة، نقية، و ثابتة المعنى،
تحمل بين طياتها بشارة البدايات.
يجلس القلب مترقبا أن يرى في الآخر ملامح الطمأنينة التي تسبق المودة، وأن يلمح في العينين وعدا بالسكن تحت ظل الرحمة.
هي لقاء تكتبه السنّة وتباركه النوايا، لقاء تحت ما شرع الله بشرعه، و ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.
حيث لا يعلو صوت الهوى على نور الصدق، ولا يتقدم الجمال على صفاء الروح و الفؤاد، بل يكون النظر بداية دعاء: اللهم اجعلها خطوة إلى حياة يرضاها قلبك قبل قلوبنا.
ويكون القادم بداية مستقبل و سرج عائلة.
.
.
"إن خلت من رؤياك عيني ..
فما خلا القلب من رؤياكَ
عجبي أن لا أراك جهراً وإني ..
إذا أغمضت أعماني ضياكَ."
أحمد شوقي
.
.
...........
في ذلك المنزل الذي لطالما عرف بأصحابه ومقامهم العالي، وشهد مرارا على أخلاقهم وحسن معاملتهم،
حل الصباح حاملا رهبة البدايات ورجفة اللقاء.
في غرفة يغلب عليها اللون الأزرق الفاتح، كأن الداخل إليها يغمره سكون وراحة،
كانت ميساء ترتدي إسدالا يضاهي بياض بشرتها،
جالسة على سجادتها تقرأ بعض آيات القرآن بصوتها الجميل:
﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ ۚ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَن تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۚ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾.
وما هي إلا دقائق حتى جمعت سجادتها والمصحف وأعادتهما إلى مكانهما.
وما إن فرغت حتى سمعت طرقا على الباب يتبعه صوت والدها:
"بنيتي، هل يمكنني الدخول؟"
ابتسمت ميساء وهي تأذن له:
"طبعا يا أبا سيف، وهل تحتاج إذنا؟"
دخل والدها الغرفة بخطوات هادئة، وقد ازدانت ملامحه برؤية ابتسامتها الحنونة.
وما إن اقترب منها حتى أخذت كفه تقبلها قائلة بصوت حنون:
"صباح الخير أبتاه، كيف حالك؟"
ابتسم محمد مجيبا:
"بخير حال، والحمد لله"
ثم أردف:
"هلا جلست، أريد أن أحادثك"
أومأت ميساء برأسها بخفة وجلست على سريرها وبجانبها والدها الذي أمسك بكف يديها ينظر لها بحب أبوي صاف و هو يقول
"بنيتي... انظري، الزواج سنة الله في الأرض، وإحسان اختيار الزوج واجب لتعيشي معه في مودة ورحمة.
فليس كل زواج يبنى على الحب، بل الأصل أن يبدأ بالاحترام أولا.
وإني لا أجبرك على شيء، لكن روانس صديق أخيك، وأعرف أصله وأهله، وأشهد على خلقه وحسن معاملته.
ورغم أني لست راضيا بابتعادك عني، أوصيك يا حبيبتي أن تمنحيه فرصة، ولا تدعي الماضي يلقي بظلاله على قراراتك"
كانت ميساء تسمع كلماته بقلب مرتجف وما إن أكمل والدها حديثه حتى إقترب منه تضمه وهو لم يبخل عليها بحضنه يسمعها تقول:
"أعلم يا أبي أنك لا ترضى لي إلا الخير... سأحاول أن أتجاوز ما حدث بإذن الله. أما أمر الزواج، فسنتركه للقدر، فإن كان لنا فيه نصيب، فسيجمعنا الله به، يا أبتي"
إبتسم والدها وهو يقبل جبينها ثم أردف بشيء من المزاح:
"هيا انهضي، لننزل... والدتك منذ الصباح الباكر وهي تعد الضيافة وتُنظّف البيت، وتقول: يجب أن نُظهر تقاليدنا الجزائرية بأحسن صورة"
ضحكت ميساء وهي تنهض مع والدها تقول:
"طبعا، أمي لا تتغير... تعشق التفاصيل الجزائرية في كل مناسبة"
سارت معه وقد ملأ قلبها الصاخب بعض الطمأنينة بعد حديث والدها
.........
في بيت آزور:
كانت هالة تتجهّز للخروج من البيت متوجهة إلى منزل صديقتها كما اتفقتا بالأمس.
ارتدت عباءة خضراء مع خمار أسود وحذاء مماثل، وحملت حقيبتها السوداء التي تحتوي على بعض الأغراض لصديقتها، ثم همت بالخروج من الغرفة.
لمّا مرت بالصالون، رأت والدتها جالسة تشاهد التلفاز.
اقتربت منها وقبلت رأسها قائلة:
"أمي، أنا ذاهبة الآن... اعتني بنفسك ولا تنسي دواء الضغط"
ابتسمت لها مروة مجيبة:
"حسنا، لا تقلقي... أوصلي سلامي لوالدة ميس. رافقتك السلامة"
ودعتها هالة بابتسامة وخرجت، مغلقة الباب خلفها، متجهة نحو موقف الحافلات الذي لا يبعد سوى بضع خطوات عن البيت.
بعد عشرين دقيقة، وصلت أمام منزل صديقتها.
وما إن رفعت يدها لتطرق الباب، حتى فتح فجأة، ليخرج منه سيف مسرعا، فاصطدم بها دون أن ينتبه.
ارتد جسداهما قليلا إلى الوراء، وتأوها بخفة، ثم رفع عينيه سريعا وهو يعتذر:
"آسف، آسف... لم أنتبه، هل أنت بخير؟"
كانت هالة لا تزال تخفض رأسها، تمسك بأنفها وتفركه برفق.
وما إن سمعت صوته حتى تسارعت أنفاسها وتعالى خفقان قلبها، فتمتمت بصوت هامس:
"لا... لا، ليس مجددا..."
استغرب سيف وسألها:
"ماذا قلت؟ لم أسمعك... هل أنت بخير؟"
رفعت هالة وجهها المحمر، وما إن التقت عيناهما حتى اختلجت عينا سيف بمشاعر جياشة، بينما سمعها تقول مرتبكة:
"نعم، أنا بخير... آسفة"
أخفض بصره بخفة، وقال وهو يتجاوزها:
"لا بأس... يمكنك الدخول، ميساء في الداخل بانتظارك"
وكأن كلماته حررتها، فما إن أنهى جملته حتى أسرعت بالدخول، بأنفاس متلاحقة وقلب مضطرب.
بينما هو سار بقلب مرتجف إلى سيارته قاصدا المحل يشتري بعض الحاجيات لوالدته.
.......
في بيت آل الرواني:
كان يقف أمام مرآة الحمام يسرح شعره الطويل بعناية.
ارتدى قميصا أسود يصل إلى ما قبل كوعه بقليل، وعلى معصمه الأيسر ساعة بحزام جلدي بني.
خرج من الحمام واقترب من المرآة الكبيرة المسندة إلى الجدار يعدل ياقة قميصه.
ظل بضع لحظات يتأمل انعكاسه مبتسما بخفة،
لكن هدوءه لم يدم طويلا؛ إذ اندفعت شقيقته إلى الداخل وهي تهتف:
"أيها العريس الوسيم! جاهز للعرض الكبير؟"
التفت إليها ضاحكا:
"لم أصبح عريسا بعد يا مشاكسة... لا تكبري الأمور"
اقتربت منه بخطوات مسرحية وقالت:
"آه طبعا، لكن كل هذا التأنق... أهو من أجل الحلويات التي ستأخذها للخطبة؟"
كتم ضحكة وهو يعدل أكمامه:
"الحلويات للناس، أما أنا... فلا شأن لي بها"
حدّقت فيه بعينين تلمعان خبثًا:
"كاذب! أعرف أنك ستختلس قطعة قبل أن تصل.
ثم... هه، كيف ستبدو أمام العروس إذا عرفت أنك ضعيف أمام الحلوى؟"
تجمد للحظة، ارتبك وجهه وهو يتصنع الهدوء:
"العروس؟! لم تدخلينها في الأمر الآن؟"
ضحكت وهي تلوّح بيدها:
"لأنني أحب أن أرى وجهك يحمر كلما ذكرتها"
زفر بخفة محاولًا إخفاء ارتباكه، ثم أشار نحو الباب:
"اخرجي قبل أن أغير رأيي وأخذ حصتك من الحلويات"
ركضت خارجة وهي تضحك:
"جرب فقط... وسأخبرها أنك قضيت نصف ساعة أمام المرآة قبل أن تخرج"
ابتسم وهو يلمس ياقة قميصه مرة أخرى، والشرود يلون عينيه:
"مشاكسة شرسة... ومع ذلك، محقة دائما"
قام بحمل عطره يرش القليل ثم خرج من الغرفة يتجه للأسفل لكي يذهب هو و العائلة فقد حان الوقت
..........
كانت ميس تجلس أمام المرآة، تعدل ثنيات قفطانها
بعصبية، فيما كانت هالة ممددة على السرير تراقبها مبتسمة.
قالت هالة بنبرة مازحة:
"يا سلام… كل هذا القلق وكأن ملك البلاد هو القادم! اهدئي يا بنت، الأمر أبسط مما تتصورين"
رمقتها ميس بجدية وهمست:
"أشعر أنني سأتعثر بالكلام، أو ربما أصمت تماما، ثم سنرى كيف ستكونين في يومك أنت"
اقتربت هالة منها وربتت على كتفها وهي تحاول إخفاء إبتسامتها:
"اسمعي… لا تقلقي، ابتسمي فقط، وكوني طبيعية، ثم هو من ينتظر قبولك وليس العكس."
ضحكت ميس بخجل وقالت:
"أنت تجعلين الأمر يبدو سهلا… لكن قلبي يكاد يخرج من صدري"
هزت هالة رأسها متصنعة الجد، ثم أضافت بخفة:
"على فكرة… أنا سأذهب قبل أن يحضروا، لا يجوز أن أحضر الجلسة"
شهقت ميس:
"تتركينني الآن؟"
ابتسمت هالة وهي تلوّح بيدها:
"طبعا! هل تريدينهم أن يظنوا أنني الوصيفة الرسمية لك؟"
قهقهت ميس رغم توترها، ثم قالت وهي تحاول السيطرة على ابتسامتها:
"إذن ستتركينني وحدي في ساحة المعركة!"
ردت هالة بخبث لطيف:
"لا تقلقي… أنت فارسة القفطان الأبيض اليوم، ولن تنهزمي!"
عندها سمعتا صوت والدة ميس تنادي من غرفة الجلوس:
"ميس! تهيئي يا ابنتي، لقد إقترب وصولهم"
تنهّدت ميس بعمق، فأمسكت هالة بيدها وضغطت عليها بحنان:
"توكلي على الله… وأنا سأذهب الآن"
ابتسمت ميس ابتسامة مرتجفة وقالت:
"ادعي لي"
أومأت هالة وهي تعانقهما، ثم حملت حقيبتها مودعة لميس وغادرت إلى منزلها.
جلست ميس شاردة بأفكارها، وما هي إلا لحظات حتى مر أمام عينيها طيفه وهو يشرح الدروس، فابتسمت بخفة وهمست لنفسها:
"يا ترى… ما سبب خطبته لي بالذات؟"
تنهدت بخفة، ثم نهضت من مكانها واتجهت نحو الطابق السفلي.
وما إن وقفت عند باب الصالون حتى رأت أخويها مع نور يمازحونها، ووالدها جالسا في طرف الأريكة.
أما والدتها، فما زالت تركض بين المطبخ والصالون الخاص بالرجال لتجهز الضيافة.
تقدمت ميس بخفة وجلست بجانب أخيها أسيد، وما إن رآها حتى ضمها إلى حضنه وقبل رأسها قائلا:
"إن كنت قد أخبرتك شيئا قبل الذهاب للجامعة أول يوم فهو أن تبتعدي عن الرجال أوليس، فإذا بك تفاجئيننا بخاطب! ومن أيضا؟ لم تجدي غير صديقنا؟"
ضحكت ميس بخجل وقالت:
"لا دخل لي… أنا لم أفعل شيئا! ثم لماذا أنتم واثقون أنني سأقبل؟"
تدخل سيف وهو يستدير نحوهم قائلا:
"سنرى… سنرى يا مدللة"
وما إن أنهى كلماته حتى هتفت نور:
"ما الذي تقوله؟! أنا مدللة البيت هنا، ثم إن أختي لن تتزوج وتتركني!"
انفجر الجميع بالضحك عليها، فأردفت ميس وهي تربت على يدها:
"طبعا… أنت مدللتنا صغيرتي"
وما هي إلا دقائق حتى انتفضت ميس على صوت جرس الباب، لتتسارع دقات قلبها بلا هوادة.
نهضت والدتها لتفتح الباب تهتف بها:
"ميس إلى المطبخ هيا"
وما هي إلا دقائق وكانت العائليتن الرجال مع الرجال في غرفة والنساء مع النساء في غرفة
وبعد بضع أحاديث وقفت والدة سيف تقول:
"سأنادي ميساء وآتي"
أومأت كل من ليا ووالدتها برأسيهما
وما هي إلا دقائق حتى رأت ليا ميسء تتقدم بقفطانها الأبيض فنهضت من مجلسها تتقدم إليها وما هي إلا ثواني حتى وجدت ميس نفسها بين أحضانها تهتف بها:
"مرحبا يا عروس أنا ليا أخت روانس تشرغت بمعرفتك جدا جدا جدا"
إحمرت وجنتاها بخفة وهي تبادلها العناق حتى إبتعدت عنها تردف:
"وعليكم السلام... تشرفت بكي ليا أنا ميساء"
ضحكت ليا بخفة تجذبها بإبتجاه والدتها التي نهضت تعانقها بدورها تعرفها بنفسها ثم أجلستها بجانبها يتبادلن أطراف الحديث
أما في جهة الرجال، فكانوا يتجاذبون أطراف الحديث في جوّ يغلب عليه الوقار والهدوء.
وبعد لحظات من الصمت الذي خيم على المجلس، اعتدل السيد مصطفى في جلسته، ثم توجه بنبرة ودودة نحو محمد قائلا:
"إذا، وكما قال رسول الله ﷺ:
«تُنكَحُ المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفَر بذات الدين تَرِبَتْ يداك»
""وإن كان ولرأينا، فنسبها ومالها وجمالها بل ودينها موجود، ونحن ما جئنا إلا من أجل الدين أولا"
ثم سكت قليلا ينظر لولده الذي إبتسم بخفة متوترة
و أضاف وهو يعيد بصره على محمد:
"إذن، جئنا نطلب يد ابنتك الكريمة لابننا، على سنة الله ورسوله"
إبتسم محمد بخفة وهو ينظر لأولاده ثم قال:
"من جهتنا راضون إن شاء الله يا أخي ويبقى القرار قرار الفتاة ان قبلت"
إبتسم الجميع ثم اردف محمد مضيفا:
"أسيد بني إذهب و أعلم أختك للرؤية الشرعية"
أومأ أسيد قائما من مكانه متوجها نحوهم. طرق باب الصالون بخفة، وما هي إلا لحظات حتى أطلت والدته.
أخبرها أن تجهز ميس وتأخذها إلى الحديقة، وأنه سيحضر روانس إلى هناك. أومأت برأسها مبتسمة ودخلت لتبلغهن.
وما إن بلغ الخبر مسامع ميساء حتى انتفضت من مكانها، تفرك يديها بتوتر ظاهر، وقد غمرها شعور بالارتباك.
ارتدت حجابا أبيض ناصعًا فوق قفطانها الأنيق ذي الأكمام الطويلة، فزادها سترا ووقارا، وارتسم على ملامحها مزيج من الخجل والرهبة.
سارت بخطوات خفيفة مترددة نحو الحديقة، كأن الأرض تكاد تبتلع قدميها من شدة ارتباكها.
هناك، كان روانس يجلس على مقعد أمام طاولة خشبية صغيرة، بينما اختار أسيد أن يجلس في الجانب الآخر، بعيدًا قليلا، حتى لا يتركها وحدها معه، ليحفظ المجلس من أي خلوة.
وما هي إلا دقائق حتى لمحها روانس.
رأى خيالها يقترب ببطء، ورأسها منحنٍ نحو الأرض، تستحي أن ترفع بصرها.
اتسعت عيناه في لحظة، وسرعان ما تسارعت نبضاته، كأنها تتسابق مع أنفاسه التي أثقلها المشهد.
شعر وكأن عقله قد غاب أمام هيئتها المشرقة، ولم يبق منه سوى قلب يخفق بشدة.
وما إن وصلت وجلست على الكرسي المقابل، حتى جمعت شجاعتها ورددت بتحية الإسلام، بصوت خافت لكنه صاف:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"
كان رده عفويا، لكنه انطلق من أعماق قلبه حتى كاد يزلزلها، وهو يهمس بنبرة مبهورة:
"سبحان من سواك في أحسن صورة"
.
.
.
.
إنتهى الفصل
آرائكم
لن أطيل عليكم
لا تنسوا الدعاء لأخواننا في غزة
"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
djeziri hadjira