السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
أما بعد:
سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب
.
.
.
ملاحظة:
علّقوا بين الفقرات رجاءً، واضغطوا على النجمة قبل قراءة الفصل، فلن تأخذ منكم هذه الضغطة أكثر من عشر ثوانٍ فقط.
الكاتب - مهما أنكر - يحتاج إلى دعمكم ليستمرّ، فنحن بشر في النهاية... أوليس كذلك؟
قبل البدء في القراءة، أحضري كوب شاي أو قهوة، أو حتى عصيرك المفضل، مع بعض المقرمشات إن توفرت. وابتعدي قليلًا عن العائلة، لأن ما سيحدث لبطنك الصغير قد يجعلك تصرخين، تضحكين، أو حتى تخجلين في بعض مواقف الأبطال. وان كنت حساسة جدا ربما تبكين.
والآن لأترككم مع الفصل.
.
.
.
.
.
"لم تكن الحوادث المؤلمة دائمًا نهاية الطريق، بل كثيرًا ما كانت بداية حكاية جديدة يكتبها القدر على مهل."
.
.
.
قد نظنّ أحيانا أنّ الحياة تمضي بنا عبثا، وأن ما نفقده يُسلب منا دون معنى، غير أننا حين نلتفت بعد حين، ندرك أن كل ما حدث كان يعدنا لما هو آت.
فليس في طريقنا صدفة، ولا في وجعنا عبث.
نحن نختبر بالغياب كما نختبر بالحضور، وبالدموع كما نختبر بالابتسامة، وكلما حسبنا أن النهاية قد كتبت، فوجئنا بفصل جديد لم نتوقعه قط.
........
"ميــــساء... لااااا!"
ثم دوى صوت احتكاك العجلات بالأرض، صرخة معدنية مفاجئة مزقت الهدوء، وعم المكان صمت ثقيل…
كأن العالم نفسه توقف عن التنفس.
تجمدت أنفاسُ روانس، وتيبّست قدماه في مكانه، كأن الزمن قد توقف عند تلك اللحظة العصيبة.
نظر أمامه مذهولا، لا يرى سوى ميس جاثية على الأرض، تمسك بكاحلها بيد مرتعشة، ووجهها شاحب كأن الحياة انسحبت منه فجأة.
كانت تكتم أنينها بين شفتيها المطبقتين، لكن الألم كان واضحا في كل تفاصيلها؛ في ارتجاف أنفاسها، وفي الدموع التي تتشبث بجفنيها قبل أن تسقط.
إلى جانب سيف، كانت هالة ترتجف من شدة الخوف، يداها ترتعشان وعيناها دامعتان.
وما إن أدركت ما حدث حتى اندفعت نحو ميس مسرعة، تركض بلا وعي، تنادي باسمها بصوت يقطع القلوب:
"ميس! ميس، أجيبيني أرجوكِ هل أنت بخير"
جثت قربها على الأرض، تتحسس وجهها وتتمتم بكلمات مضطربة لا تكاد تُفهم، بينما كانت ميس تحاول الابتسام لها في ضعف، وكأنها تطمئنها رغم الألم الذي يعصف بها.
السيارة التي اصطدمتها لم تتضرر أبدا، لكنّ النفوس التي شهدت الحادث لم تبق كما كانت.
السائق وقف في مكانه، شاحب الوجه، يكرر بارتباك لا طائل منه:
"لقد ضغطت على المكابح فور رؤيتها… أقسم أني لم أستطع التوقف في الوقت المناسب!"
اقترب سيف سريعا يجثو جانبها يتفقد كاحلها المزرق إثر الإلتواء، صوته حاد ومضطرب، وهو يحاول السيطرة على الموقف:
"يجب أن نأخذها إلى المستشفى فورا!"
لكن روانس لم ينتظر لحظة واحدة أسرع لها مهرولا. انحنى نحوها بسرعة وذعر كأن قلبه أُشعل نارا، حملها بذراعيه برفق وحزم، فالتصقت بكتفه وهي تحاول كتمان ألمها بشجاعة متعبة.
عضت على شفتيها كي لا تصرخ، بينما الدموع كانت تترقرق في عينيها، وصوت أنفاسها يرتجف مع كل حركة.
ركض روانس نحو السيارة بخطواتٍ سريعة، وسيف يفتح الباب الخلفي على عجل، بينما هالة تتبعهما وهي تمسح دموعها بكفها المرتجف.
جلس إلى جوارها في المقعد الخلفي، يضم يدها بين يديه كأنها طوق النجاة، بينما انطلقت السيارة بسرعة نحو المستشفى، وصوت سيف المرتجف لا يتوقف عن ترديد الأدعية، وهالة خلفهم تهمس باكية:
"اللهم خيرا، يا رب… اللهم اشفها"
وفي المقعد الخلفي، كانت ميس تحاول كتمان ألمها قدر استطاعتها، تخفي وجع كاحلها خلف صبر صامت، لكن كل نفس كانت تخرج منها كانت تطعن قلب روانس أكثر مما يفعل الألم بجسدها.
كانت تلك اللحظة مزيجا من الخوف والحب والرجاء… لحظة أدرك فيها الجميع أن ضربة صغيرة من القدر قادرة على أن تهز أعماقهم كلها.
لكن ذلك لم يكن السبب الأول، بل الحديث الذي تردد في الهاتف هو ما شغل تفكيرها، وهي تردد في عقلها كلمة واحدة: "لقد عاد..."
لاحظ روانس شرودها، ورأى كيف اشتدت يدها على يده، فمد يده يمسح على رأسها من فوق الحجاب، وهو يتلو بعض الآيات القرآنية بصوت خافت يملؤه الطمأنينة.
«اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ»
[البقرة: 255]
ثم تابع بصوت أهدأ، يملؤه الرجاء:
«وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ • الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ • أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ»
[البقرة: 155-157]
كانت كلماته تتسلل إلى أعماقها كدفء بعد برد طويل، تذيب خوفها وتغسل قلبها بسكينة لا توصف.
توقفت السيارة أخيرًا أمام المشفى، فترجل سيف على عجل وفتح الباب بسرعة، وتبعه روانس حامِلًا إيّاها بين ذراعيه.
كانت قد هدأت قليلا، ولم يبق ما يشي بألمها سوى نبض في كاحلها يذكرها بما حدث.
سارا معا نحو مدخل المشفى، تتقدمهما ملامح القلق، وصوت خطواتهما يختلط بصدى الممرات البيضاء.
استقبلتهما إحدى الممرضات مسرعة ، فمد روانس ذراعيه برفق ليضعها علىأحد الأسرة هناك. ثم إبتعد قليلا يقف بجانب سيف.
وقف سيف بجانبه، يلهث من شدة التوتر، وقال بصوت مبحوح:
ـ "هل تظنّ أن الأمر خطير؟"
أجابه روانس وهو يمرر يده على وجهه محاولا استعادة أنفاسه:
ـ "لا أعلم... لكن كاحلها متورم، ربما التواء فقط."
بينما كانا يتحدثان، خرج الطبيب المناوب بسرعة بعد أن علم بوصول الحالة، فاقتربت منه الممرضة تشرح ما حدث.
هالة كانت دموعها تهطل دون هوادة فإقترب سيف منعا يضمها إليه بخفة ناطقا:
"لا تقلقي يا منيتي ستكون بخير"
أومأت له بصمت ودموعها لم تتوقف فرفع كفه يمسحها عن وجنتها المحمرة برفق.
كانت ميساء مستلقية على السرير، ملامحها شاحبة لكنها من الألم هادئة، نظراتها تبحث بين الوجوه عن الطمأنينة.
اقترب منها روانس، جلس إلى جوارها، ثم قال بصوت منخفض وحنون:
"نحن هنا... لا تقلقي، كل شيء سيكون بخير بإذن الله"
كان يعلم أن الحادث لم يكن إلا بسبب أمر ما حدث معها لكنه لم يرد أن يضغط عليها.
ابتسمت بخفوت، وهمست بصوت ينم عن ألم قدمها:
"أعلم... فقط لم أتوقع أن يحدث هذا.. لكن قدر الله ما شاء فعل"
ابتسم روانس ابتسامة واهنة، ثم قال وهو يمسك يدها برفق يخاطب قلبها:
"الأقدار لا تنتظر موعدا يا وتيني، لكنها دائما تحمل في طيّاتها لطف الله، حتى وإن بدت مؤلمة"
خفضت نظراتها إلى يدها بين يديه، وصمتت قليلا، كأنها تستمع لصوت داخلي لا يسمعه سواها.
دخل الطبيب بعد لحظات، يتفحص الأشعة التي أُخذت حديثا، ثم قال بنبرة مطمئنة:
"الحمد لله، لا كسر فيها، مجرد التواء بسيط في الكاحل. تحتاج للراحة والكمادات، وستتعافى خلال أيام... سأعطيها مسكنا الآن"
تنفس الجميع الصعداء، وساد الصمت للحظة قصيرة، قبل أن يهمس سيف وهو يمرر يده على وجنتها بخفةو قلق:
"أخفتِنا يا صغيرتي... ظننت الأمر أسوأ من ذلك... الحمد لله أن الأمر مر على خير "
أضافت هالة تقف بجانبه المقابل لروانس:
"ستكونين بخير... أخفتني عليك جدا"
ضحكت بخفوت رغم الألم وقالت:
"لم أقصد، يبدو أنني أجيد إثارة القلق أكثر مما ظننت... أليس كذلك"
ابتسم الطبيب، وأوصى الممرضة بتضميد قدمها جيدا، ثم خرج تاركا خلفه هدوءا يشبه السكينة بعد العاصفة.
نظر روانس إلى وجهها الذي استعاد بعض لونه، وهمس لنفسه بحمد خافت يقبل جبينها:
"الحمد لله الذي أنجاني بنجاتها"
ضُمِّدت قدمها وأُعطيت ما يُسكِّن ألمها، ثم كان لزامًا أن يغادروا المشفى.
التفت روانس إلى سيف قائلا:
"أحتاج أن توصلني إلى الجامعة، فهي في طريقك، لأستقلَّ سيارتي من هناك"
أومأ سيف موافقا، ثم تقدم ليحمل أخته، غير أنّ روانس أشار إليه بأنه سيتكفل بذلك بنفسه.
وعلى الرغم من الغيرة التي اعترت سيف، إلا أنه آثر الصمت، ثم التقط يد هالة برفق وسار نحو الخارج، مارا بالطبيب الذي ناوله وصفة الدواء.
اقترب روانس من ميساء، ومسح على وجنتها برفق قائلًا:
"هل أنت بخير وتيني؟"
أومأت بخفوت مجيبة:
"نعم، لا تقلق يا روانس"
ابتسم واقترب منها أكثر، ثم حملها بين ذراعيه. إلا أنها جفلت من ذلك وقالت بتوتر واضح:
"روانس، أرجوك أنزلني، أنا بخير، أستطيع المشي"
ابتسم بخبثٍ لطيف وأجابها بصوت خافت:
"كلا، لست بخير، ثم إنّ الطبيب أوصاكِ بألّا تطئي عليها ثلاثة أيام على الأقل"
انعقد حاجباها خجلا، وبقي الارتباك باد على ملامحها، فيما كان هو يسير بها نحو الخارج بخطوات هادئة.
ركب الجميع السيارة، فانطلقوا إلى الجامعة، ثم إلى منزل هالة لإيصالها، وأخيرا إلى البيت، حيث خيم عليهم صمت مفعم بالتعب والسكينة.
توقفت أخيرا سيارة سيفٍ عند باب المنزل، فالتفت إلى ميساء التي كانت غارقة في شرود عميق حتى لم تنتبه لوصولهما.
قطع شرودها صوته الهادئ قائلا:
"ألن تخبريني عمّا حدث يا ميس؟"
نقلت أنظارها إليه، وقد غشتها طبقة زجاجية من الدموع، وقالت بصوت واهن:
"سأخبرك... لكن ليس الآن، مساءً يا أخي"
نظر إليها سيف بشيءٍ من العبوس، ثم أومأ صامتا، وخرج من السيارة.
أما هي، فما إن فتحت الباب محاولة النزول، حتى وجدت نفسها مرفوعة بين ذراعيه، فقال محذرا بنبرة آمرة:
"إياكِ أن تطئي الأرض بقدميك يا ميس... أحذرك"
تذمرت بطفولية خافتة وهي تعبس قائلة بين أسنانها:
"وكأنّي عاجزة... يا أيها المحامي الموقر "
ابتسم بخفة غير آبه بتذمرها، وسار بها نحو الباب، وما إن طرقه وفتح، حتى شهقت والدتهما، واضعة كفيها على فمها، وأسرعت نحو ابنتها التي بادرتها بابتسامة مطمئنة قائلة على عجل:
"مجردُ التواء في الكاحل يا أمّاه، لا تقلقي"
لكنّ الأم لم تطمئن، إذ لفت رأسها تحدق في الضماد الملتف حول قدمها، ثم رفعت بصرها إليها تسألها بصوت مرتجف تغالبه الغصة بسبب خوفها على فلذة كبدها :
"ما الذي جرى لكِ؟ أخبراني... كيف حدث ذلك؟"
تقدم سيف إلى الداخل قائلا بنبرة تمزج الجد بالدعابة:
"سأشرح لكِ في الداخل يا أمي، لكن دعيني أولا أضع هذه الثقيلة... فقد انكسر ظهري من حملها"
احمرّ وجه ميساء غيظًا، وصاحت به:
"ماذا تقصد بالثقيلة يا عمود الإنارة؟! ثم إنك أنت من أصر على حملي، لم أرفع عليك سلاحا مهددة إياك بذلك"
وما إن دخلا إلى الصالة، حتى شهق الأب يتبعه أسيد ونور الصغيرة التي، ما إن أبصرت الضماد الملفوف على قدم أختها، حتى هرعت نحوها باكية، تناديها بصوت متقطع:
"ميساااء! هل يؤلمك كثيرا؟!"
فمدت ميساء يدها تمسح على شعر الصغيرة بحنوّ وهي تبتسم قائلة برقة:
"لا تبكي يا نور، أنا بخير... صدقيني، بخير"
اقترب سيف بخطًى ثابتة، ووضع ميساء برفق على الأريكة، ثم رفع قدمها المصابة قليلا ليمنحها راحة أكبر.
اقترب أسيد بدوره، فوضع وسادة تحت قدمها بعنايةٍ، ثم انحنى يقبل جبينها بحنو صادق، وألقى نظرة فاحصة يتأكد بها من سلامتها، وقد ارتسم الارتياح على ملامحه حين وجدها بخير عدا بعض الخدوش على يديها.
قطع لحظة الصمت صوت محمد، الذي اقترب من ابنته وجلس إلى جانبها، يحرر رأسها من حجابها بلطف، ثم قال بنبرة يغلبها القلق الأبويّ:
"كيف حدث هذا يا سيف؟"
تنفس سيف بعمق، وجلس على الأريكة المقابلة، يحاول انتقاء كلماته، ثم قال بعد لحظة من التريث:
"حسنا... ما حدث أنها..... "
أكمل يروي تفاصيل الموضوع وما إن إنتهى حتى باغته أسيد بإمتعاض:
"أيعقل يا سيف أن أختنا تصاب، وتعود محمولة، وأنت لا تكلف نفسك عناء الأتصال و إخباري"
زفر سيف أنفاسه قبل أن يجيب بهدوء متعب:
"لم يكن الوقت مناسبا يا أسيد، ولم تكن الحادثة خطيرة لتثير كل هذا القلق... مجرد التواء بسيط لا أكثر"
هز أسيد رأسه ساخرا وهو يعقد ذراعيه أمام صدره:
"بسيط تقول؟! وهل الالتواء يجعلها تحمل على الأذرع؟"
(المسكين لو عرف أنو روانس حملها رح يطقلو عرق من الغيرة🙂.. ما علينا نكمل🫠🫠)
ارتسم الإنزعاج على ملامح سيف، لكنه كتم غيظه وأجاب بنبرة حازمة:
"كنتَ ستفعل المثل لو كنت مكاني، فلا تُزايد على الأمر يا أسيد"
تدخلت الأم سريعًا بنبرة تنزف حنانا:
"كفى، كلاكما... الحمد لله أنها بخير، لا تجعلوا من الأمر خصومة بينكم"
خفض أسيد بصره قليلا، ثم اقترب من ميساء قائلا بلطف بعد أن رق صوته:
"المهم الآن أن ترتاحي يا ميس، ولا تتحركي كثيرا. أتعلمين كم أقلقتنا"
ابتسمت له ورفعت يدها تلامس كفه الموضوعة عل يدها قائلة:
"لم أشأ أن أسبب قلقا لأحد، صدقني... لم يكن الأمر يستحق كل هذ"
تنحنح محمد أخيرا، بصوته الموقر الهادئ الذي أعاد للجميع سكونهم:
"كفى أحاديث، المهم الآن أن تشفى قدمها سريعا، ثم هيا إلى العشاء لتتناولي أدويتك وترتاحي"
أومأ سيف و أسيد موافقة على حديثه ، بينما اكتفت ميساء بابتسامة وديعة تخفي خلفها شعورا بالامتنان، وقد عادت أجواء البيت إلى دفئها المعتاد بعد لحظة من الفوضى.
..............
دائمًا ما تكون الصلاة مهربا من ضجيج الدنيا وثقلها، ملادذا تغتسل فيه الروح من شوائب الهم، وفسحة يجد فيها القلب سكينته بعد اضطراب.
.
.
على سجادة الصلاة، يؤدي صلاة العشاء بخشوع يفيض سكينة وطمأنينة، فما إن فرغ من التشهد وأتبعه بالتسليم، حتى أطلق لسانه بالأذكار يرددها بخشوع متهدج، ويسبح بأنامله عدا وتسبيحا.
ثم قبض بيده على مصحفه الأسود الموشّى بخطوطٍ ذهبية، ففتحه على ورده الذي تأخر عنه على غير عادته، وراح يتلو بصوت خاشع رق له القلب وسكنت له الجوارح:
"اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ..."
(البقرة: 255)
ثم تابع بصوتٍ خافتٍ تغشاه المهابة والسكينة يختم اليوم:
"آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ..."
(البقرة: 285-286)
أغلق مصحفه بعد أن أتم ورده، وعيناه تلمعان بندى الخشوع، كأنما طهرت روحه بنور تلك الآيات.
لكن ذلك الخشوع ما إن انقضى حتى أعقبه شرود عميق، شرود جعله يثبت بصره في السجادة التي يجلس عليها، غارقا في دوامة من الفكر لا تنتهي.
أخذ يفكر... ويفكر... ويعيد التفكير فيما جرى مع وتينه.
يتذكر ذلك الاتصال الذي جمد ملامحها في منتصف الطريق، وجعلها كمن فقد الإحساس بالعالم من حولها.
لم يكن غبيا ولا أعمى؛ لقد رآها وهي ترفع الهاتف إلى أذنها، ثم رأى انطفاء وجهها فجأة، وسقوط الهاتف من يدها... فالحادث الذي تلا ذلك لم يزل مرتسما أمام عينيه، مشهدا عالقا لا يغادر ذاكرته.
وما هي إلا لحظات، حتى طرق سمعه صوت خافت على باب غرفته، تبعه دخول ليا بملامح يعلوها القلق.
أبصرته جالسا على السجادة، يحدق فيها كأنها تحوي سرا غامضا.
اقتربت منه بخطى مترددة، وجلست إلى جانبه على الأرض قائلة بصوت حان:
"لقد تكلمت مع هالة، وأخبرتني أن ميساء تعرضت لحادث... وكنت هناك، أهي بخير؟"
ابتسم بخفة، ثم أجابها بهدوء:
"نعم، هي بخير، مجرد التواء كاحل وبعض الخدوش التي ستبرأ بالراحة والأدوية، فلا تقلقي"
أومأت برأسها، وقد ارتسمت على ملامحها علامات استغراب خفيفة، ثم قالت:
"ولِمَ لم تخبرنا حين عدت؟"
هزّ رأسه نافيا، وقال:
"لم أقصد... غير أن شرودي غلبني، فغفلت عن إخباركم"
تأمّلته لوهلة، تراقب كيف عادت عيناه لتغوصا في السجادة كأنما يبحث فيها عن معنى خفي، ثم سألت بصوت لطيف:
"أأنت بخير يا أخي؟"
رفع بصره إليها، وقد بدا الإعياء على ملامحه، وابتسم ابتسامة واهنة فيها بعض المشاكسة:
"بخير أيتها الشرسة... ليس إلا إرهاق يوم طويل"
أومأت، ثم نهضت قائلة بنبرة رقيقة:
"إذن، انهض إلى فراشك واسترح... تصبح على خير"
ولما همت بالخروج، ترددت من ورائها كلماته الهادئة:
"تصبحين على خير... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"
...............
بالانتقال إلى منزل آل سراج، كانت تلك المصابة جالسة على سريرها بعد يوم أنهكها جسدا وروحا، شاردة في نقطة بعيدة، يستحضرها صوت من ماضيها المؤلم لا يزال يوجعها كلما مر في ذاكرتها.
اغرورقت عيناها بدموع أثقلت أجفانها حتى غدت كطبقة زجاجية تغشي البصر، تزامنا مع دخول سيف يحمل كأسا من الحليب ودواءها الذي ترك في السيارة.
وضع الكأس على الطاولة الصغيرة بجانبها، ثم جلس على حافة الفراش، يفتح علبة الدواء ويضع الحبة في يدها برفق حان، كمن يخشى أن يزيد ألمها بحركة أو لفظ.
وما إن رفع الكأس ليقدمه لها، حتى توقفت يده عند رؤيته دموعها المعلقة في عينيها كقطرات تتهيأ للانهمار.
تنهد بعمق، يناولها الحليب لتشربه، ثم أخذ الكأس ووضعه إلى جانبها.
أمسك بيديها الاثنتين بين يديه، وصوته يفيض رقة واهتماما:
"هيا... تعلمين أنني سأسمعك"
وقبل أن تهم بالحديث، جاء صوت آخر من خلف الباب، هادئ لكنه مفعم بالقلق:
"وأنا أيضا"
كان أسيد، وقد دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه، وجلس في طرف السرير من جهتها الأخرى.
تبادلت الأبصار النظرات، ثم تنفست ميساء بعمق، تتكلم بصوت خافت متكسر:
"عندما أخبرتني أن أنتظر، رأيت دكانًا للحلويات... فاشتهيتها، وقررت أن أشتري بعضًا منها وأعود. لكن ما إن قطعت نصف الطريق، حتى رنّ هاتفي... رقمٌ مجهول، ومع ذلك أجبت... ولكن..."
انحبست أنفاسها لحظة، ثم انهمرت دموعها على خديها، فلانت ملامح الأخوين وقد خالطها وجع وضيق.
أكملت بصوت مبحوح يتهدج بين الحروف:
"لقد... لقد كان هو... اتّصل بي، وقال لي... هل..."
توقفت، وغصة تخنقها، ثم خرجت كلماتها كأنها نزيف:
"قال لي: هل اشتقت إلي… ميسائي الصغيرة؟"
وما إن نطقت بها حتى انفجرت باكية، شهقاتها تهز كتفيها، فيما علت الدهشة وجوه الأخوين، فتبادلا النظرات المذعورة، ثم أسرع سيف يضمها إلى صدره، وأسيد يمسح على رأسها وظهرها بحنوّ عميق.
قال سيف بصوت مطمئن رغم انفعاله:
"اهدئي... اهدئي يا صغيرتي، لن يمسّك سوء، أعدكِ، فقط اطمئني"
ثم أردف أسيد كلامه بنبرة ثابتة حانية:
"لا تخافي يا حبيبتي... إنه في السجن الآن، وربما اتصل فقط ليخيفك، لن يخرج قبل مرور شهرين فحكمه لم ينتهي بعد ، ولن يستطيع أن يؤذيك حتى و إن خرج... لا تقلقي بعد اليوم"
لكنّ كلمات أسيد لم تكن كفيلة بإخماد ارتجافها، إذ ظلت أنفاسها متقطعة، كأنها تصارع ذكرى تحاول أن تخنقها.
كان البكاء يهرب منها رغم محاولتها الصمت، وصدرها يعلو ويهبط بتسارع مؤلم يوجع من يراها.
شد سيف على يديها أكثر، يمرر أنامله فوق أصابعها المرتجفة قائلا بصوت خفيض أقرب إلى الهمس:
"هو مجرد ظل من الماضي يا ميساء، لا تدعيه يعود ليكسرك من جديد... لقد انتهى، وولّى، ولن يعود"
نظرت إليه بعينين محمرتين، تائهتين بين الألم والارتياح، ثم حركت رأسها ببطء كأنها تقنع نفسها بما سمعت.
تدخل أسيد وقد نهض من مكانه، اقترب منها، يمسح الدموع عن وجنتيها بإبهامه قائلا برفق شديد:
"ما دام نحن هنا، لن يمسك شيء، أفهمت؟ نحن معك، وكل ما مضى لن يتجرأ على العودة ما دمنا إلى جانبك"
عندها أطلقت تنهيدة طويلة كأنها أفرغت ما في صدرها، وأسندت رأسها على كتف سيف، تهمس بصوت مبحوح:
"تعبت... حقا تعبت من الخوف"
ربت أسيد على شعرها برفق وهو يقول:
"نامي الآن، واتركي الغد لله. فالخوف يا ميساء، لا يُدفع إلا بالإيمان والسكينة"
أومأت في صمت، بينما أغلق سيف المصباح الجانبي، وترك الضوء الخافت يغمر الغرفة بنعومة تشبهها.
وقبل أن يخرجا، نظرا إليها وهي تغمض عينيها ببطء، والدعاء يتردد على شفتيها الخافتتين:
"اللهم اجعل في قلبي نورا، وبدل خوفي أمنا..."
ابتسم الأخوان في سكون مفعم بالشفقة والود، ثم غادرا الغرفة على مهل، وأغلق أسيد الباب خلفه هامسا:
"ليحفظها الله من كل وجع مضى..."
............
كان يسير في الممر متجها إلى قاعته، ووجهه شارد في هاتفه يتأمل رقمها، مترددا في الاتصال بها للاطمئنان عليها.
وما إن بلغ باب القاعة حتى ضغط زر الاتصال تزامنا مع فتحه الباب، فإذا برنين هاتفها ينبعث من الداخل.
رفع رأسه بدهشة، ليراها جالسة في موضعها المعتاد، أمامها دفتر مفتوح، والهاتف في يدها، تحدق فيه بعينين يعلوهما الإرهاق.
ابتسمت له، مائلة برأسها في رقة، ثم قالت بصوت خافت:
"أما آن لك أن تلقي السلام؟"
استفاق من شروده على نبرتها، واقترب منها قائلا:
"السلام عليكم… ولكن يا وتيني، لم أنت هنا؟ كان عليكِ أن تأخذي قسطا من الراحة"
انفلتت منها ضحكة خفيفة، ثم قالت:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته… لقد نشب بيني وبين العائلة جدال على هذا، فاضطر السيد سيف إلى إحضاري إلى هنا لكي لا أغضب.. تعلم كم أنا بريئة"
هز رأسه متعجبا، ثم انحنى فقبل رأسها فوق حجابها الأسود. كانت ترتدي لباسا أسود، لا يشذّ عنه إلا حقيبتها وصندلها الأبيضين اللذين انتعلتهما اتقاء لألم قدمها من الحذاء المغلق.
ولمشيئة الله، كانا يرتديان اللونين نفسيهما.
قطع روانس سكون اللحظة قائلا بنبرة عتاب لطيفة:
"لا تجهدي نفسكِ، فلجسدك عليك حق"
أومأت مبتسمة، في اللحظة التي بدأ فيها الطلبة بالدخول إلى القاعة، ومعهم هالة التي ما إن أبصرتها حتى أسرعت إلى جوارها قائلة:
"رأيت سيف، وأخبرني أنك هنا. لِمَ لا تصغين للنصح وتستريحين قليلا؟"
ابتسمت ميس قائلة:
"أنا بخير يا هالة"
زفرت هالة مستسلمة، ثم حولت نظرها نحو السبورة، بينما كان روانس قد صعد إلى المنصة، يضع أوراقه وأدواته على الطاولة، مستعدا لبدء الدرس.
مضى بعض الوقت وهو يراجع لهم دروس الفقه التي سبق أن تناولوها خلال هذا الفصل، ثم ختم حديثه قائلا:
"قد انتهينا لليوم، وسنكمل في المرة القادمة إن شاء الله يا طلاب"
غير أن أحدهم قاطعه قائلا برجاء:
"أستاذ، هلا تكرمت علينا بأحد دروسك كالمعتاد؟ فما زال في الحصة متسع، نحو نصف ساعة"
ابتسم روانس، وجال ببصره في الوجوه التي أشرقت فرحا بطلب زميلهم، ثم أومأ برأسه قائلا بلطف:
"حسنا، لا بأس بذلك يا إخوتي"
جلس روانس على طرف الطاولة، مسندا مرفقه إليها، وقد ارتسمت على محياه ابتسامة هادئة تنم عن سكينة داخلية يعرفها كل من لامس الإيمان قلبه.
نظر إلى طلابه واحدا واحدا، ثم قال بصوت خفيضٍ فيه وقار العالم ودفء الأخ:
"حسنا... سأحدثكم اليوم عن أمر لا يحتاج إلى كتب ولا إلى أقلام، بل يحتاج إلى قلب حي.
عن معنى بسيط في اللفظ، عظيم في الأثر، هو الرضا"
ساد القاعة سكون عميق، حتى أن أنفاس الطلاب بدت متزنة بإيقاع صوته فتابع قائلا:
"الرضا... هو أن تسكن نفسك بين يدي الله، لا تجادله في قضائه، ولا تحاسبه على اختياره لما يحث معك أو لك، بل تقول من أعماقك: اللهم لك الحمد على كل حال.
إنه تلك اللحظة التي ترى فيها الألم وتبتسم لأنك تعلم أن وراءه حكمة و أنا الله يبتلي من أحب، تلك اللحظة التي تبكي فيها من الشدة، لكنك لا تفقد يقينك بأن الله أرحم بك من نفسك"
أطرق قليلا، كأنما يغوص في ذاكرة بعيدة، ثم رفع بصره وقال:
"أتدرون يا إخوتي، كم من إنسان يعيش التعاسة لا لشيء، إلا لأنه لم يتعلم الرضا؟
كم من قلب ضاق بما قسم الله له، فظل يركض خلف السراب، ناسيا أن السعادة ليست في الكثرة، بل في القناعة؟
ارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس"
هز بعض الطلبة رؤوسهم إعجابا، بينما سكنت ميس مكانها تنصت بانتباه يعلوه أثر التأمل، وقد نسيت التعب الذي كان يخيم على ملامحها منذ الصباح، بنفس إطمئنان هالة التي إمتلأت عينها بطبقة زجاجية.
تابع روانس حديثه بنبرة أكثر دفئا يخاطب قلوب طلابه كعادته:
"كنت دائما في الجملة الأخيرة، كيف يكون الرضا أغنى من المال، والجاه، والعافية؟
لأن الرضا يهب القلب طمأنينة لا يشتريها الذهب، ويملأ النفس يقينا يجعلها ترى النعمة في كل تفصيل صغير يحدث معه أو حتى لمن حوله.
حتى حين تُؤخذ منك الأشياء، يظل قلبك مطمئنا أن الله ما منعك إلا ليعطيك ما هو خيرا مما كان عندك"
توقف لحظة، ثم أضاف بصوت خاشع:
"أتعلمون ما قاله ابن القيم رحمه الله؟ قال: من رضي فله الرضا، ومن سخط فعليه السخط.
فالرضا مقام رفيع لا يناله إلا من زكى نفسه وصبرها على البلاء، وعلم أن ما كتبه الله له لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه"
أخذ نفسا عميقا ثم قال:
"حينما نبتلى، يتجلى الإيمان الحق الذي يكون فينا.
ليس الإيمان أن نحمد الله حين تسير الأمور كما نشتهي، بل الإيمان أن نحمده حتى حين تنكسر قلوبنا و تفسد مخططاتنا و يصيبنا المرض.
أن نقول: يا رب، لا أفهم الآن، لكني واثق أنك لا تدبر إلا خيرا.
هذا هو الرضا"
ساد القاعة صمت مهيب، وكأن كلماته لامست أرواحا عطشى، تبحث عن هذا السكون في خضم ما يزعجها من صراعات الحياة.
رفع روانس نظره إلى الطلاب، ثم أردف:
"سأقص عليكم قصة متداولة لأكون صريحا لا أعلم صحتها لكنها عبرة فقط.
كان هناك رجل فقد بصره، فكان كلما سأله الناس:
كيف حالك؟ قال: حالي خير من حال كثير من الناس.
فقالوا له: وكيف ذاك وأنت لا ترى؟ فقال:
ذهب بصري وبقي قلبي، ذهب نور عيني وبقي نور يقيني، أفأجحد فضل ربي؟
فكان من أطيب الناس نفسا، لا يسمع منه أحد شكوى، وكان كل من يلقاه يخرج مطمئن القلب"
ابتسم روانس بخفة وهو يقول:
"ذلك هو الرضا، أن تنظر إلى ما أبقاه الله لا إلى ما أخذه منك.
أن ترى نعمته في كل شيء من حولك.
تستيقظ صباحا فتقول: الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور.
تتناول طعامك فتقول: الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا.
تمشي على قدميك فتقول: الحمد لله الذي عافاني في جسدي.
إنها كلمات يسيرة، لكنها تبني في القلب جنة لا تزول"
تأمل قليلا في وجوه الحاضرين، ثم أضاف بنبرة فيها عبرة:
"غير أن الرضا لا يعني الخمول، ولا أن نقبل الظلم أو القهر، إنما هو أن تعمل وتجتهد، فإن لم تدرك مرادك، رضيت بحكمة ربك.
أن تسعى بكل طاقتك، ثم تسلم النتائج لله.
فالرضا لا ينافي الطموح، بل يهذبه.
يجعلك تزرع بالأمل، وتحصد باليقين"
أطرق الجميع رؤوسهم، وكأنهم يتفكرون في أعماق أنفسهم.
بعضهم كان يبتسم، وبعضهم يرمق الأرض بصمت طويل.
واصل روانس قائلا:
"يظن البعض أن الرضا يُؤخذ دفعة واحدة، لكنه في الحقيقة يكتسب بالتدريب.
ابدأ بالصغائر: إن تأخر عنك أمر رغبت فيه، قل في نفسك: لعل الخير في التأخير.
إن أُغلق في وجهك باب، قل: لعل الله يفتح لي بابا خيرا منه.
تكرار هذه المعاني يربي القلب على الثقة بالله، حتى إذا جاء البلاء العظيم، وجد القلب قد تمرن على الرضا، فلا يجزع ولا ينهار"
نظر إلى ميس لحظة، فابتسمت ابتسامة هادئة، وبدت عيناها تلمعان بدمعة لم تولد بعد، كأن الكلمات لامست جرحا في داخلها.
شعر هو بذلك لكنه لم يعلق، بل تابع بنبرة أكثر رقة:
"يا إخوتي، من أجمل ما قيل في الرضا ما قاله الشافعي رحمه الله:
دع الأيام تفعل ما تشاءُ، وطب نفسًا إذا حكم القضاءُ،
ولا تجزع لحادثة الليالي، فما لحوادث الدنيا بقاء.
تأملوا قوله "وَطب نفسًا إذا حكم القضاءُ"، أي كن طيب النفس مطمئنًا، لأن الذي قدر هو الله، لا يظلم ولا يخطئ ولا يغفل.
فهل بعد علمنا بصفاته يحقّ لنا أن نسخط على تدبيره؟"
ثم نظر إلى السبورة بخفة، كأنه يستجمع فكرة جديدة وقال:
"كثيرا ما نسأل الله: يا رب، أعطني كذا، ونجتهد بالدعاء، فإذا لم يتحقق مرادنا، ظننا أنه لم يستجب لنا، وهذا خطأ عظيم.
فالله يستجيب دائما، لكن الاستجابة تأتي على ثلاثة أوجه: إما أن يعطيك ما طلبت، أو يصرف عنك شرّا أعظم، أو يدخر لك الأجر ليوم تكون فيه أحوج إليه.
وفي كل حال، هو سبحانه قد أحسن إليك"
أخذ نفسا عميقا، وقال بصوت أكثر تأثيرا:
"لو علم العبد كيف يدبر الله له أمره لبكى من شدة لطفه.
قد يبعد عنك إنسانا لأن وجوده سيؤذيك أكثر من غيابه، وقد يمنعك وظيفة لأن فيها فتنة قد تهلكك، وقد يؤخر رزقك ليطهر قلبك من التعلق بالدنيا و شهواتها.
فإذا فهمت هذا، علمت أن كل تأخير رحمة، وكل منع عطاء، وكل وجع تطهير من الله سبحانه"
بدأت ميساء تمسح على عينيها بخفة، بينما كانت هالة تنظر للأرض بقلب خاشع مع الكلمات، أما بقية الطلاب فقد ظلوا واجمين، بين من يفكر في بلاء يعيشه، ومن يستعيد ذكرى فقد قديم.
أردف روانس بصوت مفعم بالإيمان:
"الرضا باب الله الأعظم، من دخله استراح قلبه.
وهو جنة الدنيا قبل جنة الآخرة.
قال أحد السلف: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهي جنة الرضا .
فما أهنأ من رضي بربه ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا و رسولا"
ثم قال بعد لحظة صمت:
"وليعلم كل واحد منكم أن الرضا لا يعني أن لا نحزن أو لا نتألم، بل يعني أن نحزن ولكن دون اعتراض، أن نتألم ولكن دون يأس، أن نقول: يا رب، وجعي بين يديك، فاصنع بي ما تشاء، فإني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك"
سكنت القاعة حتى خيل إلى السامعين أن الزمن توقف، لا صوت سوى أنفاس هادئة وقلوب تهمس بالدعاء.
خفض روانس صوته، وقال:
"إنها الحياة يا إخوتي، لا تسير على وتيرة واحدة، فيها ما يفرح وما يحزن ما يؤلم و ما يسعد، وما علينا إلا أن نؤمن أن الخير كامن في كل ما يقدره الله.
فكم من مصيبة أيقظت قلبا غافلا، وكم من دمعة كانت سببا في توبة نصوح، وكم من حرمان فتح لنا باب القرب منه سبحانه"
رفع يده كمن يختم حديثه، وقال بهدوء مؤثر:
"اللهم ارزقنا الرضا بعد القضاء، وبرد العيش بعد الموت، ولذة النظر إلى وجهك الكريم.
اللهم لا تجعل في قلوبنا اعتراضا على حكمك، ولا سخطا على قضائك، وعلمنا كيف نرضى بك عن كل ما سواك"
ثم أطرق برهة قصيرة، وابتسم قائلا:
"ذلكم هو درس اليوم، فليكن في قلوبكم لا في دفاتركم و إفهموه بعقولكم "
انتهت كلماته، لكن أثرها لم ينته.
بقيت الصالة غارقة في سكون مهيب، كأن الأرواح تتذوق طعم الطمأنينة لأول مرة منذ زمن.
رفعت ميس بصرها إليه، وعلى وجهها ابتسامة خفيفة كأنها تقول في سرها:
الحمد لله، على كل ما كان وما يكون.
..................
.
.
.
.
.
.
.
إنتهى الفصل أحبائي
آرائكم
للصراحة لا أجد حديثا بعد حديثي في الفصل
قفلة هادة أليس كذلك
لا تنسو التفاعل.
أحبكم رونسايون
"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
djeziri hadjira