بين الفقد والأمل

بين الفقد والأمل

14 0

السلام عليكم ورحمة الله

بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم

أما بعد:

سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب

.

.

.

ملاحظة:

علّقوا بين الفقرات رجاءً، واضغطوا على النجمة قبل قراءة الفصل، فلن تأخذ منكم هذه الضغطة أكثر من عشر ثوانٍ فقط.

الكاتب - مهما أنكر - يحتاج إلى دعمكم ليستمرّ، فنحن بشر في النهاية... أوليس كذلك؟

.

.

.

.

"يبدو أن كل شيء يتغير، دون أن يعرف أحد إلى أين ستأخذه الرياح"

.

.

.

.

الخوف من الفقد شعور يطرق أبواب القلب خفية، كريح باردة تهمس في زوايا الروح، فتجعل النفس ترتعش قبل أن تلمس اليد رحيل الحبيب أو ابتعاد الغالي.

هو ذلك الثقل الخفي على الصدر، الذي ينهش طمأنينة الإنسان ويزرع في أعماقه قلقا لا ينام، ويجعل العيون تترقب كل غروب وكأنها تخشى أن يأتي وداعها بلا رجعة.

في ديننا الحنيف، يعلمنا الله عز وجل أن الفقد قدر محتوم، وأن كل نفس ذائقة الموت، قال الله تعالى:

"كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ" [آل عمران:185]،

فكل وداعٍ مهما ألمك، هو رحلة قدرها الرحمن، وكل فراق مهما كان قاسيا، فيه حكمة لا يدركها إلا البصير.

إن المؤمن يعلم أن القلب الذي تعلق بالله لن يُفقد أبدا، وأن من فقد شخصا أحبائه أو شيئا من ممتلكاته، فإن الله سبحانه قادر على تعويضه بخير أعمق، وبسكينة أوسع من كل ألم عابر.

لكن هذا الخوف، أيها القلب، إن زاد عن حده، صار أسرا للنفس، وسجنا للعقل، يجعلك تعيش في دوامة القلق والرهبة، تلهث وراء من أحببت حتى دون قدرة على الاحتواء، وتخشى الليل والنهار على حد سواء.

وفي الإسلام، يُرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن التعلق بالدنيا بحب مفرط يورث الهم والغم، وأن الرضا بحكمة الله، والتوكل عليه، يخلق في الروح سكينة تذيب ثقل الخوف، وتجعل القلب يسبح في بحور الطمأنينة، رغم العواصف.

ولعل أعظم دواءٍ لهذا الخوف هو ذكر الآخرة، والتأمل في حقيقة الدنيا الزائلة، والتذكر أن كل فراق اختبار من الله، وأن الصبر عليه عبادة تكافئها الجنة، قال تعالى:

"وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ" [البقرة:155].

فحين يسلم القلب لله، ويستكين تحت جناحي حكمته، يصبح الفقد أقل ألما، ويزول القلق، وتشرق الروح بنور خفي، يذكرها بأن كل دعاء صادقٍ يحمي الأحبة من شرور الحياة، ويملأ النفس بحلاوة الاطمئنان.

الخوف من الفقد، إذا تأملنا فيه بنور الإيمان، يصبح معلما للحب الصحيح، يعلمنا كيف نقدر الأحبة قبل رحيلهم، وكيف نزرع الدعاء والصدقة والذكر كدرع روحي، يخفف وطأة القلق ويملأ القلب سكينة لا تنضب.

فالفقد، وإن كان موجعا، هو دعوة للتقوى، ونداء للصبر، وفرصة للنظر إلى الحياة بعين المؤمن الذي يعرف أن لكل غياب نهاية، وأن الله سبحانه أرحم الراحمين، وأن الرزق، والنجاة، والهداية، جميعها بيده وحده.

هكذا يصبح الخوف من الفقد شعورا نبيلا، يذوب في الإيمان، ويزهر في الصبر، ويغدو نافذة تطل على حكمة الله، تجعل الروح مطمئنة، والقلب راض، والنفس تسبح في محبة خالصة لا يغشاها خوف من رحيل أو فقد، لأن الاعتماد على الله هو الأمن الحقيقي، والسكينة الدائمة.

........

وفي تلك اللحظة، ظل الزقاق والبيت على حد سواء، يكتنفهما صمت ثقيل وصوت أنفاس أسيد المتألمة و صوت أقدام أحدهم يركض خارج المكان تحت أنظار ذلك المتألم.

كان سيف يختنق بالألم الذي يضرب خصره، يضغط على موضع الجرح بيد مرتجفة لعل الدماء تتوقف عن السيلان كالشلال، فتسيل الدماء من بين أصابعه كأنها تسابق الزمن للفرار من جسده.

امتد إلى هاتفه بصعوبة، واستحضر من ذاكرته اسما واحدا... اسما كان أثبت عند الشدائد من الجبال إسم أخيه.

اتصل بأسيد.

حين فتح الخط، انبعث صوته مبحوحا، منكسر، كأن صاحبه ينطق من قاع جُبٍّ مظلم:

"أسـ...يد... أدركني يا أخي..."

ثم انقطع كل شيء، لا مكان، لا وصف، لا صراخ... فقط أنين خافت، ثم صمت ثقيل.

كان أسيد حينها جالسا مع ليا في المطبخ، يحدثها حديثا معتادا بينهما، فلما اهتز هاتفه، ألقى عليه نظرة عابرة ثم عند رؤية اسم أخيه قام بالرد... لكن ما إن سمع الصوت الخارج منه، حتى تجمدت الملامح في وجهه.

لحظات ثم قال بحدة لم تعهدها ليا منه قط حدة قلق على جزء من روحه:

"سيف! ماذا أصابك؟ حدثني! أين أنت؟"

لكن الهاتف خذله بالصمت، وأصوات التنفس المتقطع التي سمعها خنقت قلبه وكأنه هو من يختنق الأن يختنق من خوفه ومن الصمت الذي لا يجيب.

نظرت إليه ليا وقد تلون وجهها بالقلق:

"نبضي... ما الأمر؟"

فأجاب بصوت متهدج، لكنه يحاول أن يمسك نفسه:

"ذلك صوت سيف... صوت رجل ينازع... والله إني لأخشى أن يكون قد أُصيب بمكروه.. أخي قد حصل له شيئ شعوري هذا لا يخطأ"

ثم نهض كأن الأرض قد قذفته من مكانه، تناول هاتفه ومفاتيحه، وهم بالخروج، فأمسكت ليا بذراعه:

"إلى أين؟"

قال، ونبرة الجدية تقطع الهواء:

"لا بد لي من إدراكه، لعل في لحاقي به حياة له لا طاقة لي بفقد أخي والله لا طاقة لي"

ثم أضاف، وعيناه تشي بقلب يصارع الخوف:

"ادعي له يا ليا إدعي له... لعلّ دعاءك يُغيثه"

تركها واقفة في دهشة ووجل، واندفع إلى سيارته، يشق الطريق كأن ما بينه وبين الكارثة شعرة، وهو يردد بصوت مضغوط بين أسنانه:

"يا رب... دلني عليه... لا تجعلني أخسر أخي"

فتح هاتفه يبحث عن إشارة الموقع، وكلما ظهر اسم جديد ازداد لهاثه وازداد وجيب قلبه، كأن قلبه يريد سبقه إلى هناك.

وما إن رأى الموقع يتحدد في ذلك الزقاق الميت حتى همس، يناجي خالقه:

"اللهم سلم... اللهم كن معه اللهم لا تختبرني به"

ثم قبض هاتفه بين أنامله المرتجفة يتصل بالإسعاف، يلفظ العنوان بلهجة يختلط فيها الحدة بالخوف، ثم شد على المقود كأنما يقبض على آخر خيط يربطه بالطمأنينة، وانطلق بسيارته اندفاع السهم إذا انفلت من قوس متوتر.

كانت عجلات السيارة تشق الطريق شقا، والهواء يضرب الزجاج كصفعات توقظه على هول ما ينتظره.

وما إن لاح له ذلك الزقاق البعيد حتى أحسّ بقلبه يرتطم بضلوعه، فزاد من سرعته كأن الدقائق التي تفصله عن أخيه نار تلتهم الوقت.

توقف أمام المنزل المتهالك الذي يصدر منه إشعار هاتف سيف، ترجل مسرعا، وأرجله تكاد تتعثر من فزع يطمره دفعة واحدة.

ركض... وكلما اقترب من الباب كان صدره يضيق كأن الهواء يغادر الأرض.

ولما بلغ العتبة، تجمد لحظة... لحظة قصيرة كصغر شرارة سرعان ما تنطفئ، لكنها كانت كافية ليهتز فيها قلبه.

كان المشهد أمامه يزلزل الروح.

سيف... أخوه، ظِلُّ روحه وقطعة من قلبه، ممدد على الأرض.

وجانبه ينزف نزفا لا يرحم، والدم يتسرب من بين أصابعه التي تراخت فوق الجرح، كأن الألم أثقلها حتى خارت.

انتفض أسيد، اندفع إليه ركضا، وجثا بجانبه وقد سلبت من قدميه القدرة على الوقوف.

مد يده إلى رقبة أخيه يتحسس نبضه، يبحث عنه بجنون الظامئ عن قطرة ماء.

وحين شعر بذلك النبض الضعيف، تنفس وكأنه استعاد روحه.

رفع رأس سيف بحنان مذعور، وأسنده إلى حجره، وصوته يتهدج:

"يا أخي... أرجوك، افتح عينيك... الإسعاف في الطريق... لا تتركني الآن"

لكن لا جواب... كأن روح سيف قد انسحبت إلى مكان بعيد لا يسمع فيه النداء.

خلع أسيد سترته بارتباك، ضمها بكفه ووضعها على خاصرته ليوقف النزف، ثم مسح على وجه أخيه بكف مرتجفة، وصوته يتشقق كزجاج انكسر:

"أخي... بالله عليك... قلبي يصطدم بجدران صدري رعبا... افتح عينيك، لا تُفجعني بك"

وهنا... كأن النداء شق الظلام، تحرك جفن سيف ببطء، وفتح عينيه بثقل يشبه الاحتضار، وحدق في وجه أخيه لحظة... ثم همس بصوت واهن متقطع:

"أسيد... هذا... أنت"

هز أسيد رأسه، وانفرطت دموعه بلا إرادة، دمعة بعد أخرى، تنحدر على وجنتيه ثم تسقط على وجه أخيه كقطرات اعتذار، كأنها تقول: ليتني كنت درعا لك قبل أن تصل إليك هذه الطعنة.

"من... من فعل هذا بك؟ من تجرّأ على طعن قلب العائلة؟ من أذن لنفسه أن يمسك بسوء؟"

وقبل أن يسمع جوابا، اخترق صوت سيارة الإسعاف سكون الزقاق، يقترب بصفيره الحاد كاستغاثة تنقذ آخر نبض.

وضع رأس سيف على الأرض برفق، ونهض يركض للخارج، وصوته يكاد يحترق:

"هنااا! تعالوا هنا! أخي ينزف... بالله عليكم أسرِعوا! سيموت إن تأخرتم! "

أسرع رجال الإسعاف، حملوه على النقالة بحذر، لكن قلب أسيد كان يصرخ رغم صمته.

تبعهم بخطوات مضطربة، وركض ليصعد سيارته ويتبع سيارة الإسعاف كأنما يسير خلف نصفه الآخر.

رفع هاتفه متصلا بليا وصوته لا يزال يرتجف:

"ليا... اذهبي إلى زوجة سيف... أحضريها فورًا إلى المستشفى المركزي... أرجوكِ، لا تتأخري... سأكون هناك"

وأغلق الخط دون أن ينتظر ردها، فالصوت بدا له ثقلا لا يحتمله.

اتصل بوالده، ودارت كلمات موجعة بينهما، وحين أنهى المكالمة، حاول الاتصال بروانس... لكن يده توقفت قبل أن تضغط الرقم.

شعر بثقل لا يطاق يهبط فوق صدره:

"يا إلهي... زوجته ستكون منهارة بعد إحظار ليا لها... وميساء ستفزع ولا أعلم كيف ستتقبل الوضع... كيف سأخبر روانس؟ كيف أُلقي هذه الصاعقة على قلبهم؟"

زفر زفرة طويلة، وغمض عينيه لحظة كمن يختار الألم الأقل وجعا، ثم ضغط على الرقم.

رنّ الهاتف مرتين... ثلاثا... ثم جاءه صوت روانس، منهكا كأن الخبر سبقه:

"أسيد... أعلم بما حدث... أمك انهارت... ووالدك ذهب معها للمشفى... نحن في الطريق.

أنا وميس... سنكون معكم في المستشفى بأسرع وقت"

ثم انقطع الخط... تاركا وراءه فراغا يئن فيه أسيد وحده، بين خوف لا ينطفئ، وقلوب تنتظر في الجهة الأخرى أن تفيق من الصدمة.

.........

وما إن توقفت سيارة الإسعاف أمام المدخل حتى انزلقت خلفها سيارة أسيد السوداء، كأنهما يتسابقان مع قدر لا يرحم. نزل مسرعا، وقلبه يضرب في صدره كطبل حرب، ليرى المسعفين ينتزعون جسد أخيه من الداخل ويحملونه بعجلة دون تضييع للوقت.

كان أسيد يسمع كلماتهم تتساقط عليه كسكين تمر فوق جلده على مهل فاخلف جروحها:

"ضغطه منخفض... تنفسه يكاد يخبو... جرح عميق في خاصرته، أشبه بطعنة خنجر طويل... وفقد دما كثيرا"

تفحصه الطبيب بسرعةٍ خاطفة، ثم صاح وهو يشير إليهم بيده:

"إلى غرفة العمليات فورا، افحصوا زمرة دمه، وابدؤوا بتجهيز وحدات الدم حالا"

اندفعوا به عبر الممر الطويل، بينما كان أسيد يركض خلفهم، تتسابق خطاه مع خوف يوشك أن يلتهم روحه.

ومع آخر كلمة للطبيب، انغلق باب غرفة العمليات بقسوة تشبه صفعة الواقع، فتوقف أسيد في مكانه، وقد تجمدت خطواته كأن الأرض قيدته.

اقترب من الباب بخطوات متكسرة، ثم أسند جبهته إلى الباب البارد، وكأنه يبحث عن آخر أثر لأخيه خلفه.

أغمض عينيه، وخرجت منه أنفاس مثقلة، ثم همس بصوت متصدع، يشبه دعاء رجل غارق في العجز:

"اللهم لا تمتحن قلبي بأخي... إني عبد ضعيف لا طاقة لي على فقده، ولا صبر لي على فراقه... أنت تعلم ما به، وتعلم ما بي، فارحم ضعفي، واربط على قلبي، واحفظه لي يا الله"

لم يكد أسيد يرفع رأسه عن باب غرفة العمليات حتى دوى في الممر صوت خطوات مسرعة، يتبعها لهاث مضطرب كأن الهواء نفسه يركض معهن.

التفت، فرأى هالة، ووراءها ليا، وكلتاهما تحملان في وجهيهما فزعا يوشك أن يطيح بتوازنهما الأولى خوفا على زوجها و الثانية حزنا على أخ زوجها وزوجها وحاللة صديقتيها وعائلتها الثانية.

كانت هالة أشبه بمن جردت من اللون، شاحبة حتى كأن الدم فر من وجنتيها إلى الأرض.

عباءتها السوداء ارتجفت مع خطواتها، وعيناها كانتا تتنقلان بين الوجوه تبحث عن أي سبيل للطمأنينة، لكنها لا تجد سوى جدران تبتلع صداها.

وما إن وقعت عينا هالة على أسيد حتى اندفعت نحوه بغير إستيعاب، تمضي بخطى متعثرة لا تفقه ما حولها، حتى توقفت على بعد خطوات غريزيا، تحدق في الباب خلفه بعيون مفزوعة، بينما هو أطرق رأسه أرضا كأن ثقل الدنيا جثم على كتفيه.

ولما مر صمت خفيف تكلم بصوت متهدج أشبه بالهمس:

"إنه في غرفة العمليات يا زوجة أخي... لا تُطفئي سراج يقينك بالله، سيخرج الله سالما معافى"

كأنما صدمت كلماته روحها، فشهقت هالة شهقة مخنوقة، وتراجعت أنفاسها كأن صدرها أضيق من أن يحتمل الهواء.

سارعت ليا إليها، تمسك ذراعها وتجلسها برفق على المقعد، ثم قالت بصوت حانٍ يحاول تهدئة العاصفة المضطربة في صدر صديقتها:

"ارفعي يديك إلى السماء... إن الدعاء باب لا يُردّ طارقه. سيكون بخير بإذن الله"

هزت هالة رأسها نافية، وبدت الكلمات تتقطع على شفتيها المرتجفتين:

"أنا خائفة يا ليا... خائفة أن يُنتزع مني كما انتزع أبي... لا طاقة لي بفقد آخر، أعلم أن الآجال بيد الله، ولكن قلبي والله لا يقوى على هذا البلاء"

ضمتها ليا لى صدرها ضمة جانبية، كمن يحاول أن يسند سقوط جبل، وربتت على رأسها فوق خمارها وهمست قرب أذنها:

"إنّ الله أرحم به منك... وسيعيده إليك كما خرج، معافى، فلا تتركي الخوف ينهشك"

ثم رفعت ليا رأسها نحو زوجها، فرأته مستندا إلى الجدار، وبدت على وجهه آثار ليل ثقيل من الخوف والدعاء.

تقدمت نحوه، ربّتت على كتفه برقة وقالت:

"تماسك يا نبضي... لأجل أختك ووالديك، ولأجل قلبك الذي يقف عند الباب يرتجف خوفا على أخيه.

انهر ما شئت، لكن لا تدفن رجاءك بالله"

رفع أسيد رأسه إليها، والدمع يتجمع في عينيه دون أن يجرؤ على الهطول، ثم قال بصوت مبحوح:

"أنا بخير يا ليا أو سأكون بخير على الأقل... ابقي مع زوجة أخي، لا تتركيها وحدها."

ولم تكد كلماته تنتهي حتى دوى في الممر صوت أقدام تركض، ثم ظهر والداه.

كانت أمه تندفع نحوهما وقد تخضبت عيناها بالبكاء، وخلفهما روانس يساند ميساء التي بدا وجهها شاحبا كشحوب القمر ليلة خسوف؛ لم تبكِ، لم تصرخ، لم تنطق حرفا... كأن الصدمة انتزعت صوتها ودمها معا.

اقترب والد سيف وهو يلهث من العجلة، وقال بصوت مرتجف:

"كيف حاله يا بني؟ هل من خبر؟"

هز أسيد رأسه نفيا، ولم يستطع اللسان أن ينطق بحرف، فشهقت والدته شهقة أفزعت القلوب، وانفجرت بالبكاء كمن انهار له جدار صبر قديم.

أسرع زوجها إليها، ضمها إلى صدره وهمس بمحاولة تثبيت:

"اهدئي يا أم سيف... سيحفظه الله، تماسكي من أجل ابنتك وكنّتك... هلمي، لا تدعي الجزع يغلبك"

ومع رجفة البكاء، أومأت الأم برأسها، وتقدمت نحو هالة، فجلست بجانبها واحتضنتها احتضان أمّ فقدت القدرة على الكلام، وبقيت ليا قرب زوجها تحرسه بنظرتها ودعائها.

على مقربة منهما، كان روانس يقف إلى جانب ميساء، يضع يده على كتفها ليمنعها من الانهيار.

كانت شاردة النظرات نحو باب غرفة العمليات، وكأن روحها معلقة وراء ذلك الباب، كيف لا ومن بالداخل أخوها..حاميها و جزء من روحها .

أما هو، فتسربت من صدره همسة واهنة، كأنها خرجت من جرح قديم:

"اللهم احفظه... لا قوة لي على فقد أخ آخر... يا رب لا تختبر صبرنا بما لا نطيق"

وهكذا اجتمعوا جميعا حول باب واحد... باب تتوقف خلفه نبضات قلوبهم، وتختبر فيه أعمارهم وصبرهم وإيمانهم.

دقيقة... دقيقتان... ثم ساعة كاملة تمضي كأنها دهر يساق على مهل فوق صدورهم، ترهق الأعصاب وتستنزف ما بقي من صبر.

هالة غارقة في دموع لا تنقطع، تهتز أنفاسها بين شهيق مكسور وزفير متعب، ووالدة زوجها تبكي معها كأن قلبين ذابا في وجع واحد.

أما الوالد فجلس عاجزا عن الوقوف، أثقلته السنين ووجع الأبوة، يشبك يديه المرتجفتين ويدعو بحرارة تُرفع للسماء أن يخرج ابنه من غرفة العمليات سالمًا، معافى، لا يُمسّ بسوء.

وليا إلى جانب أسيد، يجلسان على الأرض قرب الجدار، كأن الأرض وحدها قادرة على حمل هذا القدر من الخوف.

أسند رأسه إلى كتف زوجته، لا يملك من قوة العالم إلا دفء قربها، وقلبه يخفق خفقات موجعة، يضيق كلما تذكر أن أخاه هناك... خلف باب مغلق، على سرير بادر لا يعلم أحد إن كان سيغادره وأنفاسه موجودة او سيغادره بكفن أبيض يغلفه.

أما روانس، فضم إليه زوجته ميساء، يطوق رأسها بذراعه، لكن عينيه كانتا شاردتين في الباب، ذلك الباب الذي صار حدود عالمهم لهذه اللحظات.

وميس... لم تنطق بكلمة واحدة منذ بدء المحنة ولم تنزل دموعها.

ظلت ساكنة بجمود مخيف، كأن روحها علقت بين الوعي وو اللا وعي، تدور في متاهة قاتمة لا مخرج لها.

كانت تفكر في أخيها... حاميها، سندها، نصفها الآخر،ومربيها بعد والديها والأب الثاني الذي كسبته.

أخوها هناك الآن، بين الحياة والموت، والاحتمال المرعب أن لا يخرج أن لا تراه مرة ثانية.

كانت تشعر بخنقة تتصاعد في صدرها شيئا فشيئا، تضيق معها أضلاعها كأنها تطوى على نفسها.

مر الوقت عليها لا تدركه، حتى إذا انقضت ساعتان أو يزيد، خرج من داخلها صوت كأنه انشقاق زجاج مفاجئ، شهقة مكبوتة خرجت وأخيرا بعد ساعتين تقريبا من الكتم والصمت المطبق.

لم يسمعها أحد... سوى روانس بحكم أنه كان بجانبها، التفت إليها، ينسل من شروده كأن أحدا أيقظه من منام ثقيل.

نظر إليها ورآها ترفع يدها إلى نقابها بارتباك لا إرادي، تسحبه عن وجهها كمن يختنق،ولحسن ما كان أن مكانهم كان فارغا من أي شخص، ثم تتلاحق شهقاتها، قصيرة حادة، تتتابع كسقوط زجاج يتكسر، لا تعرف كيف توقفها، ولا كيف تسيطر على الخوف أو الرعب من الفقد الذي مزق صدرها.

وما إن تلاحقت شهقات ميساء حتى بدأ جسدها يرتج ارتجافها ظاهرا، كأن الأرض تميد تحت قدميها، أو كأن الهواء الذي اعتادت أن تلتقطه صار فجأة شحيحا لا كرم له، ضيقا يعتصر صدرها دونما رحمة، لا يسع صدرها القلق.

وضعت يدها على موضع قلبها، تضغط عليه بعشوائية مذعورة، كأنها تحاول أن ترجوه نبضة ثابتة تعيد إليها شيئا من الطمأنينة.

اتسعت عيناها، واتشح وجهها بظل خوف صريح حين شعرت بأن أنفاسها تتبعثر في صدرها كتقاطع الرياح مع الرمال لتبعثرها في كل صوب ودرب.

فتحت فمها وكأنها تغترف الهواء اغترافا، لكن الزفير عاد إليها منكسرا، ممزقا، يخرج على دفعات متسارعة تسمع كل من حولها رجفة لا تخطئها الأذن.

امتدت يدها الأخرى تتشبّث بذراع روانس بقوة المستغيث، وكأن يدها تبحث عن ثبات في عالم يتداعى حولها.

خرج صوتها متهدجا بعد ساعتين من الصمت المطبق، ضعيفا، غريبا عنها:

"أتنفس.... لا أستطيع التنفس.... لا أستطيع... أخي... أخي هناك..."

ثم انحنت، تستند إلى ركبتيها، كأن ثقل الدنيا أطبق على كتفيها دفعة واحدة.

شهقاتها تصاعدت، متلاحقة، كأنها أمواج تضرب شاطئ صدر لا بحر له...

كانت تلك نوبة هلع لا تخطئها العين... حادة، جارحة، لا رحمة فيها.

سارع روانس إليها بخوف و هلع لحالتها، يجثو قربها، يضم كتفيها بين كفيه بحنو يخالطه رعب.

قربها إليه كمن يخشى أن تنفلت روحه من بين يديه، وهتف بصوت خفيض حاول أن يشق طريقه عبر قلبها:

"ميساء... يا وتيني... انظري إلي، اسمعي أنفاسي، خذي الهواء كما آخذه... ببطء... بمهل... لا ترهقي صدرك أكثر فقط تنفسي كما أتنفس أنا.. سيف سيكون بخير هيا"

لكنّها لم تقدر على تثبيت بصرها عليه كأن عقلها غادرها، وعيناها تدوران في فراغ لا يسندها.

كانت تبحث عن أمان تعرفه... عن وجه واحد تستطيع أن تتشبث به وسط هذا العصف لكن مع أن من تعرفهم موجودين لم يكن قلبها بحاجة إلا لأخيها الذي كان خلف باب الغرفة راقدا تحت أيدي الأطباء.

لمح أسيد ما يجري مع أخته، فنهض متقدما نحوها بخطوات متثاقلة بالهم واليقظة، متسلحا بخبرة سنتين من المراقبة والصبر مع نوبات هلعها مثله مثل الموجود تحت جهاز التنفس في الداخل، التي عرف كيف يقرأها ويهدئها حين تشتد.

رغم أن هذا الموقف لم يكن يوما سببا في إثارة نوباتها مثل السبب الأصلي لذلك، لكن بدا لجسدها أنه قد استغل النوبة كذريعة صامتة لتفريغ رعب عميق يعتمل في صدرها، كأن قلبها يصرخ بصمت.

اقترب منها أسيد، وعيناه تتأملانها بخشية محبة رغم الدموع المتحرة فيهما و الثقل الجاثم على صدره، وهو يرى روانس يضمها إلى صدره من كتفيها، يمرر كفه على رأسها برفق، يحاول أن يسكن ارتجافها، لكنه كان يعلم أن غيابها عن الواقع أعظم من أي لمس، وأن روحها تجوب في متاهات خوفها بلا صديق.

قلبه تمزق بين شعور بالعجز ورغبة غامرة في حمايتها، فاقترب أكثر، كأن حضوره وحده قد يكون جسرا بين ضياعها وبين الأمان.

لاحظ أسيد ما يحدث مع أخته، ونهض متقدمًا نحوها بخطوات واثقة، مستندًا على خبرته مع سيف في التعامل مع نوبات هلعها خلال العامين الماضيين. رغم أن هذا الموقف لم يسبق أن أثار فيها الخوف، بدا لجسدها أنّه يستخدم النوبة كوسيلة صامتة للتنفيس عن رعبها الداخلي.

اقترب منها أسيد بهدوء، ووضع يده على كتفها برفق، وهمس:

"ميساء... أنا هنا معك... لا تخافي، الله معك ومعه... خذي نفسا عميقا همم، كل شيء سيكون بخير بإذن الله"

وقف روانس إلى جانبه، يضمها من كتفيها ويمسح على رأسها، ويقول بهدوء:

"تنفسي... أنا معك، لا تقلقي يا وتين القلب، توكلي على الله، ركزي على تنفسك... نحن هنا معك"

أسيد تابع بصوت منخفض وحنون:

"انظري إلي أنا هنا، ركزي معي، خذي شهيقا وزفيرا... مع كل نفس، استرخي، استغفري هيا... لا شيء سيؤذيك"

بدأت ميساء تدريجيا تشعر بوجودهما، وارتجاف جسدها يخف شيئا فشيئا، وعادت أنفاسها لتصبح أعمق وأبطأ.

مع كل لحظة، كان أسيد يربت على كتفها برفق، بينما روانس يهمس بكلمات التطمين والذكر بأن الله معنا... هو الحافظ، وصنعا لها شعورا بالأمان الذي يجعلها تنفصل عن دوامة الخوف.

وبعد دقائق من الصبر والتمهل، انفجرت كل المشاعر المكبوتة، صرخة قصيرة من الخوف و احتباس الهواء الذي خنقها، ثم تنهيدة طويلة تحولت إلى نحيب متواصل من البكاء الذي أتى بعد طول كبت، وغاصت ميساء في حضن روانس تنفجر عيونها بشلالات من الدموع، احتواها هو بحنان مذكرا إياها، كل شيء بيد الله... هو الذي يطمئن القلب، حتى هدأت رويدا رويدا بعد عاصفة نوبة الهلع.

وما إن هدأت حتى همس بما جعلها تهدأ بالكامل إلا من دموع تنزل قائلا:

"وما أول التمكين إلا ابتلاء… ولو عُرضت عليكِ أقداركِ لاخترتِ ما كتبه الله لك يا وتيني، فقولي الحمد لله… ارفعي يديك إليه… فهو الذي يسمع دبيب الخوف في صدرك قبل أن تنطقي، وهو أقرب إليكِ من حبل الوريد…"

نظرت إليه بعينيها المبلولتين كأن في كل دمعة منها شكرا خافتا يترفع عن اللفظ، ففهم هو من سكون نظرتها ما لا تُفهِمُه آلاف الكلمات؛ فهم حضوره في انهيارها، واستنادها إلى ثباته، وكأن روحها تلقي بثقلها بين يديه دون أن تنطق.

ومضت الدقائق وهي في رحم القلق دهور حتى بدا صرير باب غرفة العمليات، وتلاشى ضوء المصباح العلوي كما تنطفئ نجمة أرهقتها الحراسة الطويلة للقمر.

التفتت القلوب قبل الوجوه، واندفع الجميع بخطى متسارعة، يجرهم الرجاء.

أما هالة، فقد خذلتها ساقاها؛ سقطتا من تحتها كغصنين واهنين، فبقيت في مكانها، يعلو صدرها ويهبط باضطراب موج هائج.

اقتربت منها ليا، وضعت ذراعها حول كتفيها، كأنها تسند فيها ما تبقى من صبر، ووقفتا معا تنظران إلى الطبيب الخارج بملامح رجل أنهكته الساعات ولكن لم تنزع منه الرحمة.

اجتمعت العائلة حوله كما تتجمع الأيادي فوق آخر خيط للنجاة من السقوط.

كانت اللحظة أطول من الليل، وأشد من وقع السيوف، لحظة يتردد فيها المصير بين نار تذيب قلوبهم، أو ماء يحيي أملهم.

رفع الطبيب بصره إليهم، يقلب الوجوه وجها وجها، وكأنه يفتش عن أشجع قلب ليسلمه البشرى.

ثم تنفس، وتحركت شفتاه أخيرا، وارتسمت على ثغره ابتسامة هادئة، صغيرة، ولكنها كفيلة بأن تعيد زرع الحياة في صدورهم:

"لقد اكتملت العملية بفضل الله وإن كان جرحه عميقا قد استنزف من دمه الكثير، إلا أن سرعة تدخل الإسعاف و أخيه كانت الفاصل، فتمكنا من إيقاف النزيف، ونجحت العملية نجاحا حسنا... سيف تجاوز مرحلة الخطر، وسيُنقل إلى غرفةٍ عادية ليستريح ويستردّ أنفاسه ويجب عليه أن يأخذ راحة كفيلة برد صحته له وأن لا يتحامل على ذاته"

ما إن انتهت كلماته حتى بدا كأن العالم زفر مع العائلة زفرة واحدة؛ خفت الأرض تحت أقدامهم، وارتعشت أنفاسهم، وغرقت وجوههم بمزيج من بكاء الفرج وسكينة تسيل في العروق كالرواء بعد الظمأ الطويل.

أما هالة، فقد غطت وجهها بكفيها، وانحنى ظهرها كمن عاد إليه بعض روحه بعد أن كان على وشك الانطفاء

فهمست بصوت يخرج من أعماق روحٍ أنهكها الخوف ثم أحياها الفرج:

"يا رب... لقد رددت إليّ أنفاسي بعدما كدت أفقدها معه، فلك الحمد على ما عاد من الضوء إلى عيني"

وضعت ليا جبينها على كتفها، تطمئنها قائلة:

" عاد الضوء... وعاد معه الأمل"

........

لمّا استقرّ سيف على سريره في الغرفة المجهزة، هدأت الحجرة شيئا فشيئا، كأن صخب الخوف قد غادرها، وترك فيها سكينة خفيفة تشبه الندى على أوراق الصباح.

دخل أسيد للغرفة حيث هالة وميس ، يضع يده على كتف ميساء وقال بصوت منخفض لهالة ورأسه منخفض للأرض، لا يريد أن يوقظ الصمت الذي التف حولهم:

"زوجة أخي... سنعود في الصباح، أنت الآن بقربه، ولن يترك الله يدك فارغة"

لم تستطع الرد، اكتفت بإيماءة ثقيلة، تحمل شكرا لا يحتاج لقول.

التفت أسيد إلى ليا التي خارج الغرفة التي كانت متعبة من الوقوف والسهر، فأشار لها برأسه.

اقتربت الأخيرة من هالة، احتضنتها سريعا وهمست لها:

"إن احتجتِ شيئا... كلمة واحدة، وسنكون هنا"

ثم خرجا معا، أسيد يسندها من كتفها، يجران خلفهما تعب يوم كامل، يلتفتان بين حين وآخر نحو الباب كأن قلوبهما معلقة في الداخل تلاقت خطواتهما مع روانس فعانق أخته يودعها مومأ لأسيد ثم توجه للباب يطرقه.

بقيت ميس تحدّق بأخيها طويلا، تسيل دموعها على وجنتيها بلا انقطاع، وكأنها ما زالت تقاوم فكرة أنّها فقدته للحظة.

سمعت الطرق فتوجهت للباب لتجده روانس، وضع يده على كتفها برفق، وقال بصوت يطغى عليه الحنان:

"هيا يا ميس... لقد أنهكتِ نفسك.

سيف بخير الآن، وزوجته ستبقى معه"

نظرت إلى هالة، فابتسمت الأخيرة ابتسامة باهتة، كأنها وعد صامت بأنها لن تفارقه.

اقتربت ميس، قبّلت يد أخيها الموضوعة على الغطاء، ثم همست:

"أخي... سأراك صباحا إن شاء الله. لا تتأخر عن العودة إلينا"

ثم توجهت لهالة تعانقها هامسة:

"إعتني به وبنفسك يا صديقتي.. و إن إحتجت شيئا إتصلي بي حسنا"

بادلتها هالة العناق هامسة بصوت أنهكه التعب:

"سيكون بخير يا صديقتي لن تهون عليه أنفسنا إن شاء الله"

أومأت ميساء ثم توجهت مرة أخرى لروانس

سحبها روانس معه برفق، وخطا في الرواق بهدوء.

وبعد أن غادر الجميع، حل سكون غريب... سكون من النوع الذي يجعل دقات القلب مسموعة.

جلست هالة إلى جواره، أمسكت يده بين يديها، وكأنها تمسك ببقايا روحها، أرخت رأسها على حافة السرير، تتأمل وجهه الساكن، خطوطه الشاحبة، وجبينه الذي ما زال يشي بحرب لم تنتهِ بعد.

همست بضعف يشبه الدعاء:

"مُتكئي... أنا هنا، لن أتركك وحدك مهما طال نومك في هذا الليل"

وضعت بطانية خفيفة فوق سيف، ثم رأت ممرضة تدخل

تفحص المؤشرات، نظرت إلى هالة بعينين تفهمان سهر المحب، وقالت:

"إن احتجت شيئا، إضغطي على الزر فوق رأسه"

غادرت الممرضة، وبقيت هالة وحدها.

وحدها مع السكون.

وحدها مع خفق القلب الذي يخاف أن يغفو.

وحدها تحرسه.

مدت يدها المرتعشة، مسحت على شعره الأسود الملقى على الوسادة، ثم قربت كرسيها من السرير، وأسندت رأسها على ذراعه، وكأنها تبحث عن أمانها في ألمه.

خارج الغرفة... الليل يطول.

أما داخلها... فالحبّ يقظٌ لا ينام.

ولحظات غلبها النوم على حالها بعد تعب ساعات من الإنتظار و الخوف و القلق.

...............

في بيت روانس وميساء، خيّم السكون على الجدران كستارة ثقيلة تخفي خلفها بقايا الخوف الذي عاد معهم من المستشفى.

وقف روانس على سجادته، ظهره مستقيم بقلب يلوذ بربه، وميساء خلفه يتممان صلاة العشاء.

تأخرهما لم يمنعهما من الوقوف بين يدي الله، فهما يعرفان أن الصلاة وحدها قادرة على جمع شتات القلب حين يتبعتر و أن الله لم يفرضها عبثا على أمته.

وما إن سلم روانس يمينا وشمالا حتى التفت إليها، فإذا بها غارقة في شرودها لثالث مرة منذ عودتهم للبيت، تحدق في طرف السجادة كأنها تنظر إلى شيء لا يراه غيرها...

شيء من عمق الروح، من خوف قديم يتردد صداه في داخلها بجانب خوف فقدان أخيها اليوم فيشكلان غشاءً على عقلها.

رمش بعينيه بقلق رقيق، ثم تقدم منها بهدوء، وجلس قربها على السجادة نفسها، مد يده إلى يدها الباردة، رفعها إلى شفتيه وقبلها قبلة طويلة، كأنه يحاول أن يشدها من ذلك البعد الذي غرقت فيه.

انتفضت ميساء قليلا، رفّت أجفانها كأنها تستيقظ من حلمٍ ثقيل، ثم نظرت إليه بنظرة نصفها وعي ونصفها ضياع.

سألها بصوت خفيض، كأنه يخشى على قلبها من ارتفاع النبرة:

"وتيني... هل ما زلت خائفة من الفقد؟ أم أنك تظنين ما حدث الليلة مجرد كابوس يتعقبك كلما أغمضتِ عينيك؟"

لم يكن سؤاله مجرد كلام... كان يمد يده إلى جرح يعرفه جيدا، جرح عاش معها فأيقظ خوف اليرم خرف الأمس مع أنهما لا يشبهان بعضهما.

رفعت ميساء عينيها إليه، عينان تحملان رطوبة الخوف وبقايا الدموع التي لم تجد وقتها للخروج.

شفتاها ترتجفان، وكأن الصمت يحارب الكلام في داخلها، أخذت أنفاسا متقطّعة، ثم أمالت رأسها على كتفه، كطفلة تبحث عن حضن آمن من زلازل الذاكرة.

كان روانس يمسح على يدها بإبهامه ببطء، كمن يهدئ موجا هائجا، ويهمس في سره دعاء أن يطفئ الله ما اشتعل في داخلها.

الغرفة حولهما ساكنة... لا يسمع فيها إلا أنفاسهما،

لكن داخل ميساء... كان الليل ما يزال صاخبا.

وروانس، كما اعتاد دائما،كان يقف بجانبها ولكنه كان ينتظر كان ينتظر إجابتها ليصلح ما تدمر أو علىالأقل يبني عماده الأساسي.

و أخيرا رفعت رأسها تنظر لوجهه ثم أعادته لمركز السجادة أين توضع الناصية، تهمس بصوت يفيض بالارتباك والخوف:

"أحيانا يا روانس، أشعر أن قلبي لن يحتمل أكثر، أن كل ما يحدث معي، وكل ما حدث، وما عشته اليوم، كأنه موجة لا تنتهي، أخاف... أخاف أن أفقد نفسي بين غياهب الظلمة مرة أخرى"

اقترب منها أكثر، وضم كتفها إلى صدره برفق، كأنه يمنحها الدفء والأمان معا، وقال بهدوء يملؤه اليقين:

"ميساء... أعلم أن الخوف يلتصق بالروح مثل الظل في النهار، لكن تذكري دوما أن ما قضاه الله لك لا يخطئه زمان ولا مكان.

كل شيء كان مقدرا، وما حدث اليوم كان امتحانا، لا حكمًا بالهلاك وإعرفي أن الله ما ابتلانا إلا لأنه يحبنا و هناك مغزى من هذا الإبتلاء"

تنفست ميساء ببطء، تشعر أن كلماته ترسم على قلبها جسرا صغيرا بين الفزع والطمأنينة، ثم أغمضت عينيها لتجمع ما تبقى من قوتها، وعلقت رأسها على كتفه، تبحث عن السلام الذي طالما تخاف أن يفارقها.

أمسك روانس بيدها بين يديه برفق، وأدار نظره نحوها، قائلا بصوت خافت، يملؤه الحنان والحكمة:

"وتيني... أعلم أنّ قلبك مثقل بالخوف، وأن ما رأيته الليلة قد ترك فيك أثرا عميقا...

لكن تذكري شيئا مهما، كل ما أصابنا مكتوب عند الله، وهو أعلم بما يَصلُح لنا وما يضرنا"

نظرت إليه ميساء بعينين ممتلئتين بالارتباك، فأكمل روانس:

"الرضا بقضاء الله... هو أول باب لتجاوز أي ألم أو فقدان، حين يرضى الإنسان بما كتبه الله له، يصبح قلبه أهدأ، وروحه أقوى، ليس لأن الأحداث أصبحت أخف، بل لأننا نفهم أن وراء كل حادثة حكمة، وراء كل ألم درس، وراء كل خوف فرصة للتعلم والنمو، وبعد كل عسر يسراً"

همست ميساء بصوت مرتجف:

"لكن... أحيانا أشعر أن قلبي لن يحتمل، أن الخوف سيأكل كل ما تبقى من قوتي"

ابتسم روانس ابتسامة هادئة، وكأنه يملأ الجو بالطمأنينة، وقال:

"أعرف... وهذا طبيعي يا روحي، لكن تذكري أن ما كتبه الله لنا لا يخطئنا، وما قضاه لنا لا يُزال،

الألم يختبر صبرنا، والخوف يختبر ثقتنا، والرضا يحررنا من قيود الندم والقلق.

حين نرضى، نصبح قادرين على النظر إلى المستقبل بعين صافية، بلا ثقل الماضي ولا أسر الخوف"

رفعت ميساء رأسها قليلا، تتأمل وجهه المطمئن، فواصل روانس:

"حتى ذكريات الماضي المؤلمة... حين نطبق عليها الرضا، يتحول القلب من عبء إلى درس، ومن ألم إلى قوة، الرضا لا يعني السكون أو الاستسلام... بل يعني أن نثق بأن الله حكيم، وأن كل شيء يحدث بحكمة لا يدركها العقل، وهذه الثقة تمنحنا الطمأنينة، والطمأنينة تولد القوة، والقوة تمكننا من المضي قُدما"

تنفست ميساء ببطء، وكأن الكلمات تسري في روحها مثل نهر يروي أرضا متعبة، فسألته:

"إذن... كل ما حدث اليوم... وحتى ما حدث من قبل... يمكن أن أستوعبه إذا رضيّت بما كتب الله لي؟"

هز روانس رأسه بحزم وحنان معا، وقال:

"نعم يا ميساء... الرضا هو المفتاح، حين ترضين، لن يخيفك الماضي، ولن يثقل قلبك ما يحدث اليوم، ستصبحين أقوى، وأهدأ، وأقدر على مواجهة أي ما يأتي، كل شيء تحت حكم الله... وكل شيء بقدرته محاط بالخير، حتى لو لم نره الآن، تصوري قلبك كقارب في البحر... الرضا هو المرساة التي تمنعه من الانجراف"

ابتسمت ميساء أخيرا، واستندت على كتفه، وكأنها تجد في كلماته وطنا صغيرا يضم كل خوفها وقلقها متمتمة بكلمة واحدة خرجت من فاهها:

"شكرا..."

مرّت لحظات صمت بينهما، صمت ثقيل كأن الهواء تواطأ مع السكون ليمهلهما هدنة عابرة.

لم يقطعه سوى همستها الرقيقة وهي تقول بصوت يختلط بالحياء والقلق:

"في المستشفى… عندما وصلنا، وبين ارتباك اللحظة، سمعـتك تمتم بأنك لا تريد خسارة أخٍ آخر، ماذا كنت تقصد يا مستقري…؟"

كان سؤالها أشبه بيدٍ ناعمة تزيح غبار السنين عن ذاكرة حاول طويلا إخفاءها.

شعر بوخز في صدره، كوردة تنغرس شوكتها في قلب لم يندمل بعد.

اضطربت أنفاسه قليلا، ثم زفر أنفاسه المرتعشة كمن يتهيأ للاعتراف بما كان يحمله وحده طوال العمر.

قال بصوت متهدج، كأنه يسحب كل كلمة من عمق جرح قديم:

"منذ أن كنت صغيرا… في الخامسة من عمري، رزقني الله صديقا من روضة الأطفال اسمه يونس.

كان أقرب الناس إليّ… بل كان أخا لم تلده أمي، وما زال في قلبي أخا إلى اليوم.

وفي يوم ما… كنت في الثالثة عشرة، ذهبنا لنلعب مباراة ودية في أحد الملاعب.

كنا نحمل الدنيا بخفة فوق أكتافنا، لا ندرك هشاشتها،

وعندما انتهينا، خرجنا نعود إلى البيت.

كنت متعبا… متعبا حد الغفلة، سرت قبله بخطوات مشتتة، ولم أنتبه للطريق، فقطعته دون أدنى رؤية لما حولي.

فجأة… سمعت صراخ زمور سيارة، ثم اختفى كل شيء، لم أسمع بعدها إلا صوته… صوته وهو يصرخ باسمي، ثم شعرت بجسدي يقذف إلى الجانب الآخر"

هنا توقف قليلا، جف ريقه، وانحنت ذقنه كأن الذكرى تثقلها، قبل أن يتابع بصوت خافت:

"ظننت أنني نجوت… ولكن حين رفعت رأسي، لم أرى شيئا سوى يونس… أخي… غارقا بدمائه، ممددا على الأسفلت كزهرة دهستها عجلات السيارات.

تجمدت… لم أستطع الصراخ ولا الحركة، كأن الأرض قيدتني، أخذوه إلى المستشفى، لكن… لكنه كان قد نزف كثيرًا. كثيرًا حتى رحل، رحمه الله رحمة واسعة"

ارتجف صوت روانس، وارتجفت ميساء معه، فشبكت أصابعها بأصابعه تشد عليها بقوة وكأنها تعيد نبض الحياة ليده، بينما تكومت غصّة حارقة في حلقه.

وانحدرت دمعة مفردة على خده، تلمع كأنها آخر بقايا تلك الطفولة، قال بعد أن مسح دمعته:

"منذ ذلك اليوم… صارت الصداقة بابا لا أقربه كما أثقلني الذنب محملا نفسي الخطأ، صرت أخاف أن أفقد من أحب مرة أخرى.

جف قلبي وانغلق… حتى التقيت بسيف.

كان سيف هو النور الذي اخترق تلك العتمة.

قال لي يوما:

«ما كان سيصيبك لن يخطئك أبدا، فلا تغلق روحك خوفا مما مضى.»

هذه الجملة… أيقظتني من سباتٍ طويل، أعادتني إلى الحياة، ومنه تعرّفت على أسيد… فأصبحنا نحن الثلاثة إخوة… إخوة يجمعهم القدر قبل الدم، والحمد لله على نعمته"

ابتسم روانس ابتسامة حنين خفيفة، كأن ذكرياته صارت أقل وجعا الآن لأنها شاركته بها.

رفع عينيه نحو زوجته، ليجدها تناظره بعينين زجاجيتين دامعتين، تحملان حبا يخجل القمر من نقائه.

قالت بصوت يغمره الدفء:

"أنا أحمد الله لأنك صديق لأخوي… وأحمده أكثر لأنه جعلني زوجة لرجل مثلك يا مستقري… رجل يحمل قلبا وإن نهش بالألم، لا يزال يفيض رحمة"

لم يتمالك نفسه، فضم رأسها إلى صدره بحنان يخبئ العالم كله بين ذراعيه، وقال بصوت يقطر عشقا:

"وأنا كذلك… والله إنّي أحمده على وجودك، يا وتيني… يا من رد الله بك روحي إلى صدري"

ثم شدها إليه أكثر، كأن قلبه لا يريد أن ينسى مرة أخرى كيف يكون الطمأنينة.

..........

وها قد انقضى اليوم بعد صراع طويل مع رهبة الخوف، فغشى السكون بيت آل سراج، ونام فيه الأبوان، بينهما الفتاة الصغيرة نور التي لم تزل لا تدري من وقع اليوم سوى أن أخاها راقد في نوم عميق، متعبا مستريحا، وضمها والدها ووالدتها مطمئنين أنفسهم بطمأنتها.

ليا وأسيد قد استسلما للنوم بعد نهار مرهق طويل، وحل النعاس على روانس وميساء أيضا، بعد أن خفف حديثه الوديء عن قلبها.

وسيف نائم على سرير المشفى بعد الحرب التي خاضها، وهالة ملقاة على يده، يغمرها السكون والسكينة، كما لو أن الليل حمل الجميع على جناح صفائه، فتآلفت الأرواح في وئام هادئ، بعيدا عن لواعج الخوف التي كانتقبل ساعات.

.........

في فجر اليوم التالي، وفي صمت ثقيل يكتنف أروقة المستشفى، كانت هالة لا تزال نائمة على يد سيف، كما لو كانت روحه قد عادت لتستريح في حضنه بعد طول عناء.

الضوء الخافت من النوافذ يتسلل عبر الزجاج، يلامس وجوههما بلطف، وكأنه يوقظ الأمل بعد ليلة من القلق والانتظار.

لحظات قليلة... ارتجفت يداه، خفت من تحتها حرارة النوم، ثم حاول ببطء فتح عينيه المثقلتين، فتحتا شيئا فشيئا، ولكنه سرعان ما أغمضهما ثانية.

ومرت لحظات أخرى، ثم فتح عينيه بالكامل، يحاول استيعاب ما حدث، ينظر حوله بحذر، إلى السقف الأبيض، إلى الأجهزة الطبية، إلى المكان الذي لم يعتده، وكأنه يكتشفه لأول مرة.

كان عقله يركض بين الماضي القريب واليوم، يحاول ترتيب ما مر به.

شعر بثقل على يده، فحرك رأسه ببطء ليبحث عن مصدره، وتوقف نظره على وجهها، وجه هالة، الغارق في النوم بعد السهر الطويل.

لحظات مرت كما لو توقف الزمن، قبل أن يرتسم على شفتيه ابتسامة متعبة، رقيقة، تشبه شعاع شمس خافت بعد ليلة شتاء باردة.

حاول رفع يده الثانية بخفة، يريد أن يلمسها، أن يتحقق من أنها حقيقية، ولكن ما إن تحركت يده، حتى انطلق منه أنين شبه مرتفع، متألما، ووضع يده على خاصرته بشدة، كأنها محاولة لاحتواء موجة الألم التي لا تزال تجتاح جسده.

استفاقت هالة على صوت أنينه، ارتجفت قليلا، ورفعت رأسها ببطء، عيناها تحملان قلقا شديدا، وقلبها يرف كما لو كان يطير من الفزع، لكنها توقفت على الفور حين استوعبت أنه يفتح عينيه أخيرا.

ابتسم سيف لها ابتسامة ضعيفة، محاولا أن يبعث الطمأنينة في قلبها قبل أن تتفجر دموعها من شدة القلق. قال بصوت مبحوح:

"أنا... أنا بخير، لا تقلقي فقط، دعيني أستجمع قواي"

اقتربت منه هالة برأسها ببطء يحمل ثقل الخوف، وجلست بالقرب منه، ممسكة بيده الثانية التي بدأت تهتز قليلا.

همست بصوت منخفض، يختلط فيه الخوف والارتياح:

"سيف... كنت أخاف أن أفقدك..."

شعر سيف بحرارتها، ولمس وجهها بخفة، حاول أن يخفف من وطأة اللحظة الثقيلة:

"لم تفقديني، منيتي... أنا هنا، أمامك... هذا كل ما يهم"

ارتسمت الدموع على وجنتيها، لكنها لم تكن دموع خوف بعد الآن، بل دموع ارتياح ممزوجة بالطمأنينة.

جلست هالة بهدوء، مستندة على كتفه، وكأنها تعوض كل ساعات القلق والانتظار بصمت طويل، بينما بقي سيف ممسكا بيدها، يشعر بأن كل شيء حوله بدأ يستعيد طبيعته ببطء.

بعد ساعتين من السكون، ارتفع صوت خافت من الخارج خطوات متسارعة قليلا، ثم دخلت ميساء، تنظر إليهما بعينين زجاجيتين، لكنها تحمل شعورا بالراحة بعد رؤية سيف إستفاق.

قالت بصوت متحشرج:

"الحمد لله... أنت بخير..."

ابتعدت هالة عن السرير بعد ساعات من الكدر والقلق، تحمل على شفتيها ابتسامة رقيقة، كما لو أن قلبها بدأ يعود إلى نسق الحياة بعد عاصفة الخوف.

أما سيف، فابتسم لها ابتسامة ضعيفة، متعبة، وغاصت عيناه في غمضة قصيرة، محاولا استجماع ما تبقى من قوته المبعثرة بين الألم والخوف علىحالة أخته بعد ما حدث.

ثم رمش بعينيه مرة أخرى، يرسل لها بإيماءة صامتة دعوة للاقتراب.

ولحظات لم تتردد، اقتربت بخطوات خفيفة، مترددة بين الفرح والارتباك، ثم هبطت بجسدها برقة لتلتف حول جذعه العلوي، مستندة عليه كالعصفور الذي وجد مأواه بعد طول تعب. همست في أذنه بصوت حنون:

"لقد خفت عليك كثيرا يا أخي... لا تفعل ذلك ثانية،لا طاقة لي بفقدانك"

ابتسم سيف لها، رفع يده ببطء ليبعدها قليلا، ثم واجه وجهها ذي النقاب يرفعه لفوق فتوهجت عيناه بالحنان والطمأنينة، ومسح دموعها بيديه ، قائلا بصوت واهن:

"أنا بخير، صغيرتي... لم تفقديني بعد، فهيا توقفي عن البكاء، ودعينا نعيش هذه اللحظة بسلام"

أومأت ميساء برأسها، ومسحت دموعها بعناية، قبل أن تميل برقة وتقبل جبينه، كما لو أنها تطمئن قلبه بوجودها، ثم التفتت ببطء نحو الجهة المقابلة من السرير حيث كانت صديقتها واقفة، فبادلتها نظرة حانية قبل أن تقول بصوت خافت لكنه يحمل نفحة القلق والفرح معا:

"هالة، لنخرج قليلا... ليّا في الخارج، وأسيد وروانس أيضا يريدان رؤيته"

أومأت هالة، تلقي نظرة خاطفة على متكأها، ثم اتجهت هي وميس إلى الخارج بخطوات ثقيلة إمتلأت بالارتياح و اخيرا، تاركتين سيف يستجمع أنفاسه على سريره، بينما دخل أسيد بخطوات متسارعة بعدهما بلحظات، متوقفا على بعد خطوات، يمرر نظره في صمت على أخيه الذي بدا أمامه ضعيفا، ولكن ممتلئا بعزيمة لا يراها سوى من عرفه جيدا، وخلفه روانس، الذي أغلق الباب بهدوء، كأنه يحرص على حجب هذه اللحظة العميقة عن صخب العالم الخارجي.

نظر سيف إلى أخيه و بصوت واهن، ممزوج ببقايا التعب والألم، لكنه يحمل في طياته روح الدعابة والملاطفة قال:

"ألم تخف على أخيك يا أسيد؟"

رمش أسيد بعينيه، يلتقط وجه أخيه الذي يبتسم له، فارتجف قلبه بين مزيج من الخوف والارتياح، شعور لم يستطع وصفه بالكلمات، كأن كل ساعات القلق قد انصهرت في تلك اللحظة الضائعة بين حضور الأخوة وطمأنينة الوجود.

وقفا كلاهما صامتين للحظة، يتبادلان النظرات، وعيناهما تقولان ما لم يقال...

اقترب أسيد بخطوات سريعة، عينا قلبه تفيضان بالقلق والحرص، فتلقفته لحظة وهو يضم أخاه بحنان شديد، غير مدرك أن قوة العناق ستؤلمه قليلا.

أطلق سيف أنينا خافتا من بين شفتيه، فتراجع على الفور عن حضن أخيه:

"أسف... لم أقصد... لقد كنت قلقا جدا عليك.. لا تختبر قلقلي هكذا مرة أخرى"

ابتسم سيف بابتسامة هادئة، مومئا برأسه، وكأن قلبه يهمس، لا بأس، أنا هنا الآن، وهذا يكفي.

اقترب روانس بخطوات هادئة، وضع يده على كتف سيف في لمسة أخوية دافئة، وقال بصوت يمزج الفرح بالارتياح:

"الحمد لله على سلامتك... لقد أقلقتنا عليك، يا صاح"

ضحك أسيد وسيف بخفة، ملء وجوههما بسكينة عابرة، ثم حلّ صمت خفيف على الغرفة، كأن الساعات السابقة قد وضعت الجميع تحت وطأة التعب، إلى أن قطعه أسيد بجدية غير معتادة منه:

"سيف... أخبرني... ماذا كنت تفعل في ذلك البيت المهجور؟ وكيف حدث لك هذا؟"

زفر سيف نفسا عميقا، تتصاعد مع كل شهيق منه يشعر بشرارات الألم الخافتة رغم المسكن، ثم بدأ بالكلام بصوت ضعيف لكنه يفيض بالصدق و غضب طفيف من ما حصل:

"لقد كنت أبحث عن خيط لحل قضية موكلي، زوجته قد ماتت مقتولة... وكان آخر مكان زارته ذلك البيت المهجور، وما إن دخلت وتحركت قليلا، حتى فوجئت بشيء حاد يخترق خصري... ثم خطوات راكضة تغادر المكان بسرعة مخيفة"

صمت للحظة، عيناه تغوصان في الفراغ، وكأنهما يستعيدان كل لحظة من ما حدث، ثم تابع ببطء:

"الآن... أنا متأكد أن المجرم هو ذلك الجار الذي يسكن مقابل موكلي... رائحة سجائره التي شممتها عندما استجوبته لأول مرة ، ظهره العريض الذي لن أخلط بينه وبين أحد، كل شيء أكد لي أنه ذاته... لقد ظن أنني لن أراه، لكنه... كان مخطئا"

غاصت عينا روانس في الحائط، كمن يحاول استيعاب حجم الجريمة، بينما صمت أسيد لحظات قبل أن يسأل، صوته يرتجف قليلا بغضب مكبوت:

"ولماذا... لماذا طعنك؟"

ابتسم سيف ابتسامة جانبية، يحمل في ثناياها المرارة والوضوح، وقال بصوت يختلط فيه التعب:

"يبدو أنه علم بقدومي إلى ذلك البيت... خاف أن أكتشف ما يدينه، فسبقني هناك ليخفي الأدلة، وما أن وصلت إلى المكان، لم يجد شيئا يداري به نفسه ويخفيها سوى أن يرتكب جريمة أخرى، يغطي بها على الجريمة السابقة... ذلك الوغد"

زفر أسيد أنفاسه بغضب يكاد يحرق صدره، بينما خاطبه روانس بهدوء يحاول تهدئة أسيد و سيف:

"حسنا... بما أنك تعرفت عليه، فأبلغ الشرطة عند قدومهم لأخذ إفادتك بعد قليل ، ودع المحاكمة تؤجل حتى تشفى وتكون محاميا لموكلك... ولا تتحامل على نفسك، يا سيف، صحتك أولى، أساسا لم يكن يجب أن تذهب أنت ألا يوحد شرطة ومحققون ليذهب محامي إلى هناك"

أومأ سيف برأسه، غير راضٍ عن إيقاف الأمر عند هذا الحد، وكأن قلبه لا يريد أن يترك اللحظة تنزلق بلا مواجهة الحقيقة، ثم تحول الحوار تدريجيا إلى أحاديث عشوائية، ممتدة بضحكات أخوية، وملاحظات صغيرة عن حياتهم اليومية، لكنها جميعها كانت مشحونة بدفء الأخوة، وروح الصداقة التي جعلت من الألم أقل وطأة، ومن الفرح أكثر حيوية.

في تلك اللحظات، غدت الغرفة مسرحا لكل شيء، الألم، القلق، الحب، الفرح، والسكينة التي تتسلل إلى القلوب بعد عناء طويل، حتى بدا كل منهم وكأنما يعيد اكتشاف عمق روابطهم، روابط تشدهم معًا ضد كل عاصفة قد تعترض طريقهم.

.

.

.

.

.

.

إنتهي الفصل

قفلة هادئة هذه المرة

كيف همم كيف شعوركم بعد هذا الفصل

نوبة الهلع

خوف هالة

عودة سيف

خوف اسيد

دعم ليا

روانس

أيها أحكي و أيها اترك

درس روانس لزوجته هذه المرة

اي حب هذا الذي رأيناه هل أستطيع طلبه عن طريق الأنترنت يا ترى

المهم ارائكم حبيباتي

لا تنسو الضغط على النجمة في الأسفل دعما لي

والإن إلى اللقاء في فصل جديد رونسايون

لا تنسو الدعاء لأهلنا في غزة و السودان وفي الأمة الإسلامية أجمع

"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

قلوب في رحاب العلم

المؤلف djeziri hadjira
2025/09/05 مكتملة
قائمة الفصول (27)
الفصل 0: مقدمة.
2025/09/05
الفصل 1: عيون تلتقي
2025/09/07
الفصل 2: رعشة البداية
2025/09/10
الفصل 3: غيرة في النفس
2025/09/15
الفصل 4: قرار
2025/09/18
الفصل 5: غربة و قرب
2025/09/21
الفصل 6: نظرة الحلال
2025/09/27
الفصل 7: بوادر حب وخطوة مستقبل
2025/10/01
الفصل 8: عقد قران
2025/10/05
الفصل 9: من خجل الاعتراف إلى جرأة الوعد
2025/10/10
الفصل 10: وما الإخلاص إلا أن يراك الله
2025/10/15
الفصل 11: وعد العدل
2025/10/19
الفصل 12: لحظة تشبه الدعاء
2025/10/23
الفصل 13: صوتك كان ملاذي
2025/10/28
الفصل 14: وتمَّ بالعهد اللقاء
2025/11/02
الفصل 15: ما بين النية والقدر
2025/11/07
الفصل 16: حين يبتلي الله القلوب ليطهرها
2025/11/11
الفصل 17: أزِفَ الوِصال
2025/11/14
الفصل 18: أطياف الماضي
2025/11/21
الفصل 19: أصداء القلب
2025/11/26
الفصل 20: حين يجد القلب مُتكأه
2025/12/01
الفصل 21: على عتبات المجهول
2025/12/06
الفصل 22: بين الفقد والأمل
2025/12/13
الفصل 23: بين حدِّ السيف.. ونبضِ الميس
2025/12/18
الفصل 24: وكان الختام حياة
2025/12/26
الفصل 25: فضفضة
2025/12/26
الفصل 26: فصل خاص: همسات بين الجدران
2026/01/25

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة