السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بسم الله والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم
أما بعد:
سأكون سعيدة لو أسعدتموني بنجمة وتعليق جميل يشجعني على ما أكتب
.
.
.
ملاحظة:
علّقوا بين الفقرات رجاءً، واضغطوا على النجمة قبل قراءة الفصل، فلن تأخذ منكم هذه الضغطة أكثر من عشر ثوانٍ فقط.
الكاتب - مهما أنكر - يحتاج إلى دعمكم ليستمرّ، فنحن بشر في النهاية... أوليس كذلك؟
قبل البدء في القراءة، أحضري كوب شاي أو قهوة، أو حتى عصيرك المفضل، مع بعض المقرمشات إن توفرت. وابتعدي قليلًا عن العائلة، لأن ما سيحدث لبطنك الصغير قد يجعلك تصرخين، تضحكين، أو حتى تخجلين في بعض مواقف الأبطال. وان كنت حساسة جدا ربما تبكين.
... 🫠
.
.
.
"حين يزف القلب للقلب وتلتقي الأنظار بابتسامة صافية، يولد يوم يُحفر في الذاكرة فرحا وسرورا"
.
.
.
.
عندما تنالها حلالا بعد صبر طويل، وتكلَّل رحلتك بالسكينة والرضا، ويعقد فؤادك بفؤادها على ميثاق غليظ شهدته السموات والأرض، فإنك لا تظفر بامرأة فحسب، بل تنال مسكنا لروحك المغتربة، وطمأنينة لذاتك الشاردة، ورفيقة تسير معك في دروب العمر كما يسير النسيم على وجه الفجر.
هنالك، يكتمل نصف الدين، ويعتدل ميزان القلب، بل قد يكتمل القلب كله بوجودها، إذ لا حياة للروح بلا أنس لها، ولا للأنس معنى إلا بمحبة حلال تظللها بركة الطاعة، وتحرسها خشية الله.
في زفاف يعلن أنكما لبعضكما أمام خلق الله جميعا، تزفان على وعد أن تعينا بعضكما على الطاعة و المودة، وأن تكونا سترا وسندا، وأن يجمعكما الله على الود في الدنيا، وعلى رضاه في الآخرة.
هناك، حيث تتعانق الدعوات بالدموع، وتتهامس القلوب بذكر الله، وتعلو التهليلات فرحا، يولد عهد جديد لا يكتب بالحبر، بل يخط في الأرواح نقشا لا يزول.
تلك اللحظة التي يضع فيها يدك في يدها، فتشعر أنك أمسكت بنصف نفسك الضائع، وبأن القدر قد رد إليك ما كنت تفتش عنه بين زوايا الأيام.
تنظر إليها بعين تمتلئ شكرا، وتدرك أنها رزق ساقه الله إليك، وأنك لم تنلها بجهدك وحدك، بل بفضل من الله ورحمة سبقتك.
فتقول في سرك: "الحمد لله الذي أبدلني بعد الوحدة أنسا، وبعد الخوف أمانا، وبعد التيه وجهة وغاية"
وحين تصبح حلالك، تصير الدنيا أوسع مما كانت، ويغدو للوقت معنى، وللبيت نبض، وللصباحات ضوء جديد.
تصبحين له دارا يسكنها بعد عناء، ومأمنا بعد اضطراب، فيراكي وطنا بعد غربة طويلة.
ويصير هو لك قِبلةَ الأمان، وملاذ القلب، وسند الأيام.
إنها لحظة لا تشبهها لحظة، حين يجمع الله بين اثنين على الحلال، لا بالهوى العابر، بل بالعهد الموثق، ولا بالشهوة العابرة، بل بالمودة والرحمة التي تأتي مع الأيام.
هي بداية حياة تتقاسم فيها الأرواح الأعباء قبل الأفراح، وتتواسى في الضراء قبل السراء.
فليست السعادة في الزينة ولا في الأعراس، بل في السكينة التي تلقى في القلب حين يذكر اسم الله، وفي الطمأنينة التي تتنزل على الزوجين حين يتعاهدان على الصدق والإخلاص.
فإذا أعلنت الكلمات، وتواثقت الأرواح، وأُبرم الميثاق، فاعلم أن الله قد جمع بينكما بقدر كتبه قبل أن تخلق الأرواح.
هي حلالك التي اختارها الله لك، وهي نصيبك من رحمته في الأرض، وهي بابك إلى الطاعة، ودربك إلى تمام الدين، وسكنك الذي قال فيه الله تعالى:
"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً" [الروم: 21].
فليكن زواجك ميثاقا في الأرض وعبادة في السماء، ولتكن هي منك بمنزلة القلب من الجسد، والروح من الجسد، والظل من النور، فما كان عقد النكاح إلا وعدا بأن تظلان على العهد، ما دام في القلب نبض، وفي العين بريق.
..................
بعد مرور شهر:
انصرمت الأيام وانقضت، ومضت امتحانات الفصل الأول في الجامعة، فإذا بشهر فبراير يطل ببرودته العذبة ونسماته الرقيقة، معلنا عن فصل جديد من الحكاية.
وها قد أتى اليوم الموعود، اليوم الذي تزف فيه عروسا إلى زوجها، لتنتقل إلى دارها الجديدة، تسكن معه في ظل المودة والسكينة، تحت سقف واحد يجمع بين قلبين كانا بالأمس حلما، فصار اليوم واقعا تزدان به الحياة.
جلست في مخدعها قبالة مرآتها، تتأمل انعكاس صورتها الذي ارتسم عليها كنسمة من حسن وحياء.
كانت ترتدي فستانا أبيض ناصع البياض، طويلا متدفقا بأناقة تامة، تزدان أطرافه بتطريز دقيق من الدانتيل ينساب برقة على الكتفين والصدر.
وعلى رأسها حجاب أبيض رقيق ينساب بانسجام مع طيات الفستان، كأن النور قد تلبس ثوبها بأناقة وبساطة ساحرة.
وخلفها، على سريرها المرتب بعناية، وضع البرنوس الجزائري باللون الأبيض و تطاريز ذهبية في نظام بهي، وإلى جواره شيء أضاء عينيها ببريق من السرور، كأنما أسر إليها بفرح قادم لا يشبه سواه.
كانت تحدق في انعكاس نفسها بإعجاب خافت، رغم ما ارتسم على محياها من توتر طفيف...
أمر مألوف لأي فتاة تتهيأ لتزف إلى زوجها.
همست بين ثنايا قلبها بدعاء جميل:
"اللهم حسن أخلاقي كما أحسنت خلقي"
لحظات مضت على هذه الحالة حتى سمع طرق خفيف على الباب، أعقبه دخول هالة بثوب سوريّ بهي، يعبر عنها وعن أصولها.
اقتربت من صديقتها، وقفت خلفها تطبع قبلة على رأسها قائلة:
"سبحان من صورك في أحسن صورة... تبدين في غاية الحسن والجمال يا ميسو، كأنك خارجـة من لوحة فنية أصيلة"
ابتسمت ميساء بخفة تميل برأسها للجانب، وردت عليها:
"شكرا لك يا هالتي... أنا مسرورة بوجودك هنا معي"
ابتسمت هالة وهي تتأمل الغرفة، حتى توقفت عينها عند البرنوس الموضوع على السرير، وقالت:
"أهذا هو البرنوس الذي تميز به الجزائريات؟"
اقتربت ميساء وأمسكت بالبرنوس بين يديها، وقالت:
"نعم... إنه طويل وبسيط، مصنوع بعناية، مطرّز بخيوط ذهبية قليلة تضفي عليه لمسة من الأناقة دون مبالغة. كل تفصيل فيه يعكس ذوقنا وهدوء أصالتنا"
أمالت هالة البرنوس لتتأمل التطريزات، وقالت بإعجاب:
"حقا... أناقة رصينة وبساطة ساحرة في آن واحد"
ميساء ابتسمت بخفة:
"هذا هو ما يجعل البرنوس جزءا من هويتنا، يحمل الأصالة ويظل بسيطا في كل زمان"
حل صمت جميل، ثم كسرته هالة حين لمحت شيئا موضوعا بعناية بجانب البرنوس، فشهقت وقالت:
"ميس... هل ما أراه صحيح؟ هل ستفعلينها أخيرا؟"
أومأت ميساء، وارتسمت على شفتيها ضحكة خافتة، وقالت:
"نعم... أخيرا"
عانقتها هالة برفق، وهمست بصدق:
"مبارك لك يا صديقة العمر... قلبي يفرح لك"
ثم أضافت هالة بابتسامة دافئة:
"سأنزل إلى الأسفل... أكملي تجهيزك، ولا تدعي التوتر يغلبك، فكل شيء سيكون بخير"
ابتسمت ميساء تومئ برأسها، بينما غادرت هالة الغرفة بخفة.
وما هي إلا لحظات حتى دخل والدها ووالدتها معا.
اقترب والدها منها بخطوات وئيدة، واضعا كفيه على كتفيها، وابتسامة رقيقة تلوح على وجهه الذي خطت فيه السنين تجاعيد الوقار.
كانت عيناه تبرقان بدموع حاول حبسها، قبل أن ينحني ويطبع قبلة على جبينها، يعقبها بعناق حان جمعه بها وبوالدتها التي بادرت هي الأخرى بعناق ابنتهما قائلة بصوت متهدج:
"تبدين فاتنة يا ابنتي... حفظكِ الله من كل عينٍ حاسدة"
ابتسمت ميساء والدموع تترقرق في عينيها، بينما قال والدها وهو يمسح دموعها بإبهامه:
"لا تنسي يا صغيرتي... بيت والدك سيبقى مفتوحا لك ما حييتِ.
والآن، امسحي دموعك، فنحن بانتظارك في الأسفل"
وقبل أن يستدير مغادرا، سألته ميساء بصوت واهن:
"أين نور يا أبي؟"
ابتسم برفق مجيبا:
"في الأسفل، تلعب مع بعض الأطفال"
أومأت برأسها وهي تبتسم بخفة، لتودعهما بنظرة دافئة قبل أن يغادرا الغرفة.
ما لبث أن خيم الصمت لحظة قصيرة، حتى فتح الباب من جديد، ودخل سيف وأُسيد بإطلالتهما الكلاسيكية السوداء التي أضفت عليهما مهابة، وحذائهما الأبيض يلمع تحت ضوء الغرفة.
ضحكت ميساء بخفة، وقالت مازحة:
"يبدو أنكم تتناوبون على زيارتي واحدا تلو الآخر!"
إبتسم أسيد يقول مازحا:
"ألم يعجبك الأمر صرت محور اليوم"
ابتسمت ميساء تضرب ذراع أسيد بخفة وهي تقول مداعبة:
"قليل من المشاعر يا أسيد... فقط القليل!"
ضحك الشابان معا، ثم اقترب سيف منها، ينظر إليها مليّا وكأنّه يحاول أن يحفظ ملامحها في ذاكرته قبل أن يطبع قبلة على جبينها قائلا بنبرة دافئة يملؤها الفخر:
"تبدين اليوم آية في الجمال... كأنّك خلقت لهذا اليوم، تخطفين الأنفاس يا أختي"
احمر وجهها خجلا، فتابع أسيد وهو يطبع قبلة مماثلة على جبينها قائلا بنبرة مرحة:
"كما تقول أمي دائما... حفظك الله من عيون الحساد يا حبة الطماطم!"
قهقهت ميساء بخفة، ثم جلست على حافة السرير، تبعد البرنوس الأبيض المطرّز بخيوط ذهبية رقيقة، تمرر أناملها على أطرافه كأنها تودع شيئا منها، ثم رفعت بصرها إليهما وقالت مبتسمة ابتسامة يختلط فيها الحنين بالمزاح:
"إذن سأترك لكما المنزل أخيرا... لا بد أنكما سعيدان بالتخلص مني، أليس كذلك؟"
ضحك أسيد ضحكة خفيفة، ثم جلس بجانبها وقال:
"طبعا، لا يوجد أسعد منا الآن! أخيرا سنتنفس قليلا من دون تذمراتك ونكدك!"
تنهد سيف متصنعا الضجر وربت على كتف أخيه قائلا:
"توقف يا أسيد، ليس هذا وقت المزاح"
ثم التفت نحو ميساء وقد لان صوته وامتلأ بالصدق:
"هذا بيتك يا ميساء، ومهما ابتعدت سيبقى بيتك كما كان دائما.
لا شيء سيتغير، نحن هنا متى احتجت إلينا"
سكنت لحظة تحدق فيهما بعينين تترقرق فيهما الدموع، بينما تكلم سيف بصوت أكثر رصانة:
"ميساء، الزواج ليس مجرد بداية جديدة فحسب، بل هو مسؤولية، ستكونين زوجة وشريكة حياة، فلا تنسي نفسك في خضم كل ذلك ،تذكري دائما من أنت، وكوني له سكنا كما تحبين أن يكون لكِ أمانا"
ثمّ أضاف وهو ينظر إلى يديها المرتجفتين بابتسامة حانية:
"وإذا ضاقت بك الحياة، فتذكري أن لك إخوة لا يهنأ لهم بال إن أصابك حزن أو هم."
أومأ أسيد مؤيدا كلامه، ثم وضع يده على كتفها وقال بصوت تغشاه العاطفة:
"الحياة بعد الزواج ليست كلها وردا، لكنك قوية يا ميساء، كنت دائما كذلك.
تعلمي أن تصبري وتغفري وتحبي بصدق، لكن لا تسمحي لأحد أن يقلل من شأنك أو يطفئ نورك.
فالحب ليس ضعفا، بل هو قوة إذا وضع في موضعه الصحيح"
انحدرت دموعها صامتة على وجنتيها، فابتسم سيف وربت على شعرها قائلا ممازحا:
"ها؟ لا تبكي وإلا أفسدت الزينة"
ضحك الجميع بخفة، ومسحت ميساء دموعها قائلة بصوت مبحوح:
"وجودكما في حياتي نعمة لا تقدر بثمن... لم أكن لأتمنى وداعا أجمل من هذا"
نهضا ببطء متوجهين نحو الباب، فقال أسيد وهو يغمز لها مبتسما:
"هيئي نفسك، أظن أن روانس سيصل بعد قليل"
فضحكت بخجل، بينما أضاف سيف وهو يغادر الغرفة:
"احفظي هذا اليوم يا ميساء... فهو بداية فصل جديد من عمرك"
وبقيت ميساء بعد خروجهما لحظة تنظر إلى الباب المغلق، تضع يدها على صدرها وتهمس بصوت خافت تغشاه الدموع:
"اللهم اجعل القادم أجمل مما مضى"
ثم نهضت تكمل تهيئتها ببطء وروية، تتحسس تفاصيلها الأخيرة كأنها تود أن يكون كل شيء على أكمل وجه.
مرت نحو نصف ساعة، حتى بدأ صوت أبواق السيارات يعلو في الخارج، يتبعه دوي البارود الذي دوى في السماء وأجفل قلبها.
أسرعت نحو النافذة، تزيح الستار برفق لتطل منها، فإذا بالمشهد يأخذ أنفاسها؛ رأت روانس يترجل من السيارة، بكامل أناقته وهيبته، مرتديا طقما كلاسيكيّا أسود أنيقا مع حذاء لامع من اللون ذاته.
كان شعره الأشقر مصففا بعناية، تتدلى منه بعض الخصلات على جبينه في انسيابية زادت ملامحه وسامةً ووقارا، فيد يده ساعة جلدية باللون البني و خاتم زواجه يزين يده.
في الخارج، كانت السيارات مصطفة إلى جوار بعضها، وصوت البارود يشق السماء، بينما الرجال يلوحون بالدفوف ويطرقون عليها في نغمة تعلوها الفرحة والتهليل.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة، تشي بسعادة صادقة غمرت قلبها وهي ترى تلك الأجواء التي كانت يوما تحلم بها.
وقفت للحظات تتابع المشهد بعينين لامعتين، إلى أن رأته يسير بخطى ثابتة نحو المنزل.
خفق قلبها بقوةٍ، فعلمت أنه قادم ليصعد إليها ويأخذها بيده إلى حياة جديدة.
ابتعدت عن النافذة بارتباك جميل، وسارت إلى منتصف الغرفة لتقف هناك، تدير له ظهرها، تحاول أن تخفي اضطراب أنفاسها وارتجافة يديها، كأنها تنتظر لحظة اللقاء الأولى بكل ما فيها من رهبة ودفء وحلم طال انتظاره.
وقفت ميساء في منتصف الغرفة، تعطي الباب ظهرها، تتنفس ببطء متقطع، كأن الهواء ثقيل من شدة الترقب.
كانت تعلم أنه قادم، وأن لحظة دخوله ستكون بداية لا تشبه ما قبلها.
انفتح الباب بخفة، وصوت المفصل الخافت كان كأنه نغمة تعلن بداية المشهد الذي طال انتظاره.
دخل روانس الغرفة بخطوات مترددة في البداية، ثم توقف عند العتبة، كأن قوة خفية أوقفت قدمه عن المضي قدما.
لم يكد ينطق بحرف حتى حبس صوته في حلقه، وقد علت دقات قلبه باضطراب لم يشعر به من قبل.
حين استدارت إليه ميساء، ارتجف قلبه بين ضلوعه بقوة كأنه يوشك أن يخرج من مكانه.
التقت عيناه بعينيها في حديث صامت اختلجت فيه المشاعر وتدفقت آلاف الحكايا غير المروية، ولكن ما أذهله أكثر من كل شيء كان النقاب الأبيض الذي تغطى به وجهها، مسترشدا بصفاء الحياء، يخفي ملامحها ويضيف على حضورها هالة من الغموض والسحر.
حين التقت عيناه بعينيها، توقف الزمن للحظة، وكأن العالم بأسره أصغى إلى هذا اللقاء الصامت.
كانت نظراتها تتحدث بلا كلمات، تحمل خجلا وحنينا، وشوقا مختبئا خلف صمت طويل.
أما نظرته فكانت مزيجا من الدهشة والانبهار، وفيها كل المشاعر التي لم يجرؤ على البوح بها من قبل، تنساب عبر بصره لتصل إلى قلبها قبل أن تصل الكلمات.
في تلك اللحظة، صار البصر لغة وحدها، يختصر حكايات طويلة وأسرارا لم تفصح بعد، كل خفقة من خفقاتهما تتبادل أصداءها في النظرة الواحدة، فتتحول الغرفة الصغيرة إلى عالم يكتفي فيه القلب بما تبوحه العيون.
وعندما خرج من وقع هذا اللقاء، تقدم نحوها ببطء، واحتواها بين ذراعيه... نعم، عانقها، فقد كان هذا ما استطاع فعله أمام هيجان المشاعر الذي اجتاح قلبه، ويقر بأنه لأول مرة يختبر هذه العاطفة الفائضة التي لم يعرفها من قبل.
قال بصوت يفيض بالإعجاب والحب:
"تبدين كملاك يا وتيني... لم أتوقع هذه المفاجأة الجميلة منك"
ابتسمت ميساء خجلا وقالت:
"سعيدة أنها أعجبتك"
ضحك بخفة وهو يبتعد مطبعا قبلة على جبينها:
"وكيف لا تعجبني... هذه أجمل مفاجأة.. كم تمنيت أن أراه على محياك"
ابتسمت وهي تقول:
"أردت أن أبدأ حياتي الزوجية بأمر كهذا يرضي الله"
ابتسم بدوره، ونظر إليها بعينين ملؤهما الحب، ثم قال:
"أتعلمين...؟"
نظرت إليه باستغراب، حتى اجتاحها شعور قوي جعل قلبها ينتفض، واحمرت وجنتاها أكثر مما كانت محمرة بعد ما نطق به.
"لطالما كنت معلّما بالعبر والدروس،
والآن أحتاج درسا في كبح فؤادي الذي اجتاحه حبك"
يبدو أنه لن يمهلها من فيض اعترافاته،
وفتاتنا الخجولة كعادتها ارتبكت واحمر وجهها،
وكان من الطبيعي أن يعجبه ذلك، فخرجت من فمه مقولته المحببة على الدوام:
"خجلك هذا حقّا محبب إلي"
ثم أضاف وهو يمسك بكف يدها المغطى بقفازات بيضاء:
"هيا لنذهب يا وتيني"
أومأت له برأسها، تحمل باقة صغيرة من زهر التوليب الأبيض كانت موضوعة فوق السرير، ثم سارا معًا نزولًا عبر الدرج نحو الأسفل، حيث كانت العائلة مجتمعة.
رمقتهم واحدا واحدا من تحت نقابها، والبرنوس يعلو رأسها ويتدلى مع فستانها للأسفل، ثم تابعت السير إلى الباب حيث كان والدها واقفا، يضع يده على عارضته، في انتظارها، وفق تقليد جزائري قديم يعرف بمرور العروس من تحت جناح أبيها لتسلم إلى زوجها.
وقف روانس في الجهة المقابلة يستقبلها، بينما خفضت رأسها تمرّ من تحت يد أبيها، ثم استدارت إليه تعانقه وتقبل وجنته ويده، وقد تلألأت عيناها ببريق الدموع.
وبصوت خافت اختلط بالدموع قالت:
"أبي... أوصني بدعائك، فبه أستفتح أيامي"
أجابها وهو يمسك بكتفيها برفق يملؤه الحنان:
"اذهبي يا ابنتي في رعاية الله، وابدئي حياتك على طاعته، فالسكن الحقيقي في الزواج ليس في البيوت، بل في القلوب التي عمرها الإيمان.
تذكّري أن الله جعل بين الزوجين مودة ورحمة، فكوني له رحمة قبل أن تكوني جمالا"
هزت رأسها تهمس:
"رضاك عني يا أبي... أغلى زاد أحمله معي"
رفع يده إلى السماء وقال من قلب يفيض يقينا:
"اللهم بارك لهما، واجمع بينهما على الخير، واصرف عنهما كيد الشيطان، واجعل بيتهما بيتًا تُتلى فيه آياتك ويُقام فيه ذكرك"
مد روانس يده إليها بخشوع كأنما يبايعها على السكينة قبل الحياة، فوضعت كفها في يده، والقفاز الأبيض بينهما رمز طهر ووعد صادق.
خرجت معه، وخلفها يتردد صوت والدها بالدعاء، كنسيم يرافقها في كل خطوة.
وعند العتبة، التفتت نحو بيتها الأخير نظرة طويلة، وفي عينيها امتزج الحنين بالرضا، وقالت في سرّها:
"اللهم كما أخرجتني من بيت أبي طاهرة، فأدخلني بيت زوجي مطيعة صالحة، وبارك لي في عمري الجديد"
ثم مضت بخطوات ثابتة، وزهر التوليب في يدها يهمس كأنما يسبح معها، مؤذنا ببداية حياة على سنة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
.................
كانت السيارات تمضي في رتابة نحو دار آل الرَّوَّاني، حيث يقام الزفاف ويعلن النكاح، تتعالى أبواقها بين الفينة والأخرى، وتتمازج أصواتها مع وقع الدفوف وزغاريد النسوة التي تملأ الفضاء طربا وسرورا.
جلست هالة إلى جوار سيف في السيارة، وهو يقود بهدوء واتزان، غير أن عينيه كانتا تحملان بريقا خافتا من الفخر بأخته، ممزوجا بشيءٍ من الشوق الذي سبق رحيلها.
رمقته هالة بطرف عينها، وقد لاحظت شروده، فقطعت سكونه قائلة بلطفٍ:
"يبدو أن زواج ميساء قد أثر فيك، أليس كذلك؟"
ألقى عليها نظرة عابرة وابتسم ابتسامة وادعة، ثم أعاد بصره إلى الطريق وقال بصوت تكسوه الذكرى:
"ميساء… كانت دائما مدللة البيت، فهي أول فتاة بعد شقيقين، وكان لحضورها نكهة لا تشبه أحدا، حتى بعد ولادة نور مكانتها لم ولن تتغير... "
سكت برهة، كأن ذاكرته تسترجع طفولتها وصوت ضحكتها، ثم أردف:
"كانت بئر أسراري، وفتاتي الصغيرة قد كبرت اليوم وتزوجت… لا أكتمك، لقد تعلقت بها كثيرا منذ ولادتها مثلي مثل أسيد ، وخصوصا بعد ما قاست من أوجاع قبل سنتين. صرت لا أهنأ بنوم حتى أطمئن عليها، لقد كانت نصف قلبي وستظل.. "
ابتسمت هالة برفق، وقد أشرق في عينيها بريق التعاطق، ثم قالت:
"ميساء محظوظة بكم… لقد وجدت فيكم السند والذراع الحانية"
نظر إليها سيف لحظة، وقد لمح في عينيها طرفا من الأسى، فقال بصوت تغشاه المودة:
"وأنا سأكون السند لك كما كنت لها،سأكون الأخ و الأب و الزوج و كل ما ينقص بإذن الله يا منيتي، وأبي لن يقصر كذلك، فقد أحب اختياري، ووعد أن يجعلك بمنزلة ميساء ولن يخلف عهده"
أومأت هالة برأسها وقد تهدج صوتها قليلا وهي تقول:
"أعلم ذلك… وأنا شاكرة لكم من أعماق القلب يا مُتكئي"
ابتسم وهو يسمع الكلمة التي نادته بها، فقد مر نحو شهر على عقد قرانهما، ومع ذلك لم تعتد بعد على الحديث معه سوى منذ أيام قليلة، وأول كلمة خرجت من فمها كانت تلك الكلمة التي جعلت قلبه يختلج بمشاعر غامرة.
قال لها مبتسمًا:
"أدعو الله أن أكون متكئك الدائم."
.............
ما إن وصلوا إلى المنزل، اتجه الرجال نحو الحديقة الخلفية، فيما دخلت النساء الصالون الفسيح في الداخل.
كانت ليا واقفة مع والدتها عند الباب، تنتظران العروس. بعد أن دخل جميع الرجال، ما عدا روانس، الذي انتظرها لتنزل، ثم أمسك بكفها يقودها إليهم.
ما إن توقفت عندهما، سلمت عليها ليا، التي كانت مرتدية ثوبا سعوديا تقليديا كالذي ترتديه والدتها، إلا أن ثوبها كان أخضر اللون، بينما كان ثوب والدتها باللون البنفسجي الداكن.
ثم بادرت والدة روانس بالتسليم عليها، وقالت:
"حللت أهلا وطئت سهلا يا ابنتي... جعل الله زفافكما مباركًا، ورزقكما الذرية الصالحة"
ابتسمت ميساء بخجل وردت هي وروانس معا:
"آمين... أماه"
ابتسمت الأم، ثم أمسكت بكفها وسارت بها نحو الداخل، بينما اتجه سيف نحو الرجال.
أما ليا، فبقيت مكانها لحظات، حتى طل من الجانب عليها أسيد بعد خلو المكان قائلا:
"فتنتي العنيدة، كيف حالك؟"
هزت رأسها بخيبة أمل، وأجابت:
"بخير يا أسيد، بخير حال، وأنت؟"
قال:
"طالما أنت بخير، فأنا بخير"
نظرت له لوهلة، ثم قالت:
"لست أدري، أرى في عينيك بريق حزن"
هز رأسه قائلا:
"إنه شعور الفراق، فقد طغى على فؤادي وداع ميس"
ابتسمت بخفّة، ثم قالت بمشاكسة:
"هذه هي الحياة…ثم حين أخذنا ميس، أخذتموني أنا بالمقابل"
نظر إليها لبرهة، ثم قال بلهجة نصف جادة:
"أخذتك… أنا من أخذتك"
ضحكت بخفة، ونقرت على جبهته بإصبعها، قائلة:
"أمر طبيعي يا مغرور… لكن هيا، اذهب إلى الرجال، وسأدخل أنا"
أومأ لها وهو يتحرك مبتسما، قائلا:
"حسنا… سأذهب لأزعج صهري قليلا"
...........
وقف الهدوء على عتبة الصالة كضيف مهيب يفرض حضوره دون إذن.
كانت الأنوار ناعمة، تختلط بها رائحة الورد والياسمين التي تملأ المكان، والنساء جالسات على الأفرشة يتسامرون الأحاديث العشوائية ، ينتظرن ما قيل إن العروس ستفعله بعد قليل.
خطت ميساء بخطوات ملأها الحياء، يتماوج ثوبها الأبيض كأنه صفحة نور، والبرنوس الخفيف ينسدل على كتفيها فيزيدها وقارا وهيبة.
لم يكن في عينيها تلك اللمعة العابثة التي تزين العرائس عادة، بل بريق آخر يشبه الطمأنينة المنسكبة من سكينة الإيمان مع لمعة خفيفة من المشاعر المختلطة لهكذا يوم.
وقفت أمام الضيوف، تأملت الوجوه من حولها أمها التي تبتسم لها بخفة تشجيعية، وهالة التي تجلس في الجانب القريب لها وابتسامتها لا تفارق شفتيها، وليا التي تكاد تصفق حماسا كلما نظرت إليها بعد ما عرفته، ووالدة روانس التي سعادتها تفوق كل شيئ بزواج إبنها مِن مَن يحب.
ابتسمت ميساء بخجلٍ جميل، ثم قالت بصوت واضح لكنه تغشاه الرقة:
"حين كنت صغيرة، كنت أحلم أن أختم كتاب الله يوما ما، واليوم في يوم زفافي هذا أردت أن تكون البداية من النور، من كلام الله، لا من زينة الدنيا.
أردت أن أقول لنفسي قبل أن أقول للعالم:
إن السعادة لا تطلب من البشر، بل من القرب من الله"
ساد صمت عميق، حتى الأطفال كفوا عن الهمس، كأن المكان كله أصغى.
جلست ميساء أمام معلمتها، المرأة التي رافقتها منذ سنوات في دروس الحفظ والمراجعة.
أمسكت ميساء مصحفها الصغير، الذي صارت صفحاته قديمة ، تشهد على أعوام من الصبر المتواصل والدموع الخفية، على ليال قضتها بين الدعاء والتحسر،
وبين الأمل والرجاء.
أخذت المصحف بين يديها برفق، كما لو كانت تمسك بكنز ثمين، ثم أطبقت عليه في أحضانها، وبدأت ترتل بصوت خاشع عذب، ينساب من قلبها قبل حنجرتها:
{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ}
اهتزت أنفاس الحاضرات كما لو أن الكلمات خرجت من قلب يتفجر نورا، وانحنت معلمتها برأسها، وقد غرقت عيناها في دمعة صامتة، همست بصوتها المرتجف من شدة التأثر:
"تابعي يا ميساء… لا تتوقفي"
سارت ميساء في تلاوتها، وكأنها تمشي على جسر من النور، تلامس كل كلمة برقة قلبها، حتى بلغت آخر آيات الحزب الذي ختمت به حفظها من سورة الزمر.
صوتها ارتجف بين العبرات، وأخذت الدموع تتساقط على خديها كما يسيل الندى على بتلات الزهر في الصباح الباكر:
{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ}.
وكأنها تختم عهدا مع روحها، ووضعت كفها على مصحفها برفق، كمن يودع صديقا عزيزا طالما كان له معينا وسندا في السراء والضراء.
ارتعشت يداها من شدة الانفعال، والدموع تترقرق في عينيها، ثم انحدرت على وجنتيها كسيل جار من شلال صاف، لتغسل قلبها من كل هم، ولتترك في صدرها نورا يدفئ روحها.
وبقيت هنيهة صامتة، تتنفس ببطء، تسمع خفقان قلبها يجيب على كلمات الآيات، وكأنها في عالم آخر، عالم لا يعرف الحزن، عالم تتفتح فيه أبواب النعيم لكل من صبر وآمن. كانت كل خفقة قلبها، وكل دمعة تسيل، شاهدة على عهد جديد بين الروح والخالق، عهد يفيض برحمة وسكينة لا يحصى قدرها.
رفعت أنظارها للحضور ثم قالت:
"اليوم، وأنا أختم حفظ كتاب الله، في يوم زفافي، أضع عهدا بين قلبي وربي أن أظل دائما على طريق الإيمان، أن أعيش حياتي بالخير، وأن أزرع نور القرآن في كل خطوة أخطوها.
أشكر الله الذي وفقني، وأشكر كل من كان معي في رحلتي هذه، وأسأله أن يجعل هذا الختم لمحفوظي لكلام الله خير معين لي في حياتي الزوجية، وأن يبارك خطواتي ويملأ قلبي و قلوبكم سكينة وفرحا، كما يملأ هذا اليوم بالحب والبركة"
عم القاعة صدى التكبير، وارتفعت أصوات النسوة بالدعاء، وسمع صوت معلمتها يقول والعبرة تخنقها:
"هنيئا لك يا ميساء، ختمت كلام الله في يوم تفتح فيه صفحة جديدة من حياتك... فهنيئا لزوج بدايته معك"
تقدمت أمها أولا، ضمتها إلى صدرها باكية تقول:
"رفعت رأسي يا ابنتي، ما أكرمك عند الله بهذا الختم"
ثم اقتربت والدة روانس، وعيناها تبرقان بفخر خالص، وقالت وهي تمسك بيديها:
"والله لقد زدت بيتنا عزا بهذا الموقف، ونسأل الله أن يجعل بيتك عامرا بالقرآن كما امتلأ به قلبك"
أما هالة، فاقتربت تبتسم والدموع على وجنتيها:
"كنت أعلم أنك ستفعلينها يا رفيقة العمر.."
إبتسمت المعنية تردف:
"العقبى لك يا رفيقة العمر"
وليا لم تتمالك نفسها، هرعت تعانقها قائلة بين نشيجها وضحكتها:
"لم أكن أظن أني سأبكي في زفافك، لكنك فعلتها يا زوجة أخي.. لقد جعلتنا نبكي فرحا بك"
ضحكت ميساء بخجل والدموع ما زالت تلمع في مقلتيها، ثم رفعت بصرها نحو الأعلى وهمست كأنها تكلم ربها:
"اللهم اجعل هذا الختم بركة في عمري، ونورا في دربي، وطمأنينة في بيتي..."
وبينما علت الدعوات والتكبيرات، انحنت معلمتها تضع المصحف بين يديها قائلة:
"اجعليه زادك يا بنيتي، فهو أعظم مهر تزفّ به عروس إلى زوجها"
في تلك اللحظة، شعرت ميساء أن الدنيا كلها قد سكنت، وأنها لم تعد تسمع سوى صدى تلك الآيات الأخيرة يطوف في قلبها كأنها وعد بالسكينة.
................
في الحديقة الخلفية، جلس الحضور حول طاولات العشاء الخالية، حيث لم توضع الموائد بعد، مستمتعين بأحاديثهم المتفرقة وهم يتسامرون ويتبادلون الضحكات.
حتى قطع هذا السمر صوت روانس، الذي كان جالسا في صدر الحديقة على طاولة مواجهة لهم، يرافقه أخواه أسيد وسيف، إلى جانب السيد محمد ومصطفى، فخيم الصمت احترامًا لكلماته القادمة.
"أولًا، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم،
أما بعد:
فقد رأيت أن أفتتح حياتي الزوجية هذه بالرضا التام لله عز وجل، قبل كل شيء، وأن أبدأها بخير وعبرة، وأختمها بدرس نافع في ديننا الحنيف"
مرر أنظاره عليهم جميعا ثم تابع:
"يا إخوتي، هذه الليلة ليست مجرد مناسبة للاحتفال، بل هي لحظة للتأمل، لحظة لتثبيت القلوب على طريق الحق، وللتذكير بأن الحمد طريق حياة، وأن من سلكه لم يزل في نعمة لا تزول"
ومع كل كلمة نطق بها، بدأ الحضور يشعرون بثقل المعاني في قلوبهم، وبأن كل حرف من كلامه لا يمر مرور الكرام، بل يغرس بذرة تأمل في أعماق النفس.
تابع روانس، وعيناه تتلألأان بضوء داخلي:
"لقد تعلمت في حياتي، أن الحمد ليس مجرد لفظ على الشفاه، بل هو نبض القلب، وسلوك الإنسان في الأرض. فمن عرف الحمد في قلبه، لم يفتن بالمال، ولم تغره المظاهر، ولم يضل عن طريقه خوف أو حرمان"
توقف للحظة، وأومأ برأسه نحو السماء، وكأن كل كلمة يهمس بها لله أولا قبل أن يسمعها البشر.
ثم أدار نظره بين الرجال الحاضرين، منبهرا بوقارهم واهتمامهم بالدرس وعدم تذمرهم، وتابع:
"كم من مرة شعرت بأن الحياة ضاقت بي، وأن الأقدار خذلتني، ثم تذكرت أن كل شيء بقدر الله، وكل محنة تحمل في طياتها رحمة، وكل تأخير فيه حكمة لا يراها إلا من صبر وثق بالله.
الحمد يعلمنا أن ننظر إلى كل شيء بعين الرضا، فلا تضيق صدورنا ولا تتلبد القلوب بالهموم، فالقلب الذي يحمد ربه يجد السكينة حيث يظن الناس أنها مستحيلة"
جلس بعض الحاضرين مستمعين بانتباه، وآخرون أمالوا رؤوسهم قليلا نحو الأرض، متأملين معاني كلامه.
وكأن كل حرف يخرجه يلمسهم مباشرة:
"السعادة، أيها الإخوة، ليست في المال، ولا في الجاه، ولا في كثرة المقتنيات.
السعادة تكمن في قلب يرضى بما أعطاه الله، وفي نفس شاكرة لكل نعمة، صغيرة كانت أو كبيرة، وفي روح تعرف أن كل تأخر أو منع فيه خير لا نراه إلا بعين اليقين"
ارتفعت يداه قليلا، وأشار نحو السماء وكأن المكان كله أصبح مسرحا لكلامه، والنسيم البارد يهمس بين الأشجار وكأنه يوافقه على كل كلمة:
"الحمد يعلمنا الصبر على الابتلاء، والسكينة عند المحن، والفرح في كل لحظة.
فكم من محنة خفية تحوي خلفها فرجا عظيما، وكم من عسر لم نره إلا بعد أن أزهرت فيه بركة لا توازيها بركة أخرى.
فليكن الحمد طريقنا في السراء والضراء، وفي الصحة والمرض، في الغنى والفقر، في كل أمر نسير فيه"
كان أسيد يبتسم في صمت، فيما حرك سيف رأسه تقديرا لكلمات خليله، بينما تتأمل وجوه الرجال حضور الدرس، بعضهم يتذكر صغره، وبعضهم يستحضر الأيام الصعبة التي مر بها، ويشعر كيف أن هذه الكلمات تضيء طريقه الآن.
أومأ روانس برأسه قليلا، ونظر إلى كل واحد منهم كأنه يهمس لكل قلب على حدة:
"يا إخوتي، اجعلوا قلوبكم صافية، واحذروا البغضاء والضغائن، فالقلب المملوء بالخير والصفح عن الناس يرقى، ويقرب صاحبه من الله.
ومن جبر قلب عبدٍ، جبر الله قلبه، ومن أحسن إلى الناس، أحسن الله إليه.
فلا تغفلوا عن الرحمة في القلوب، ولا عن اللطف في القول والعمل، فإن ذلك طريق لا يضل من سلكه"
استراح لحظة، ثم أكمل بصوت أكثر دفئا:
"تذكروا، يا إخوتي، أن الحمد ليس مجرد قول، بل هو رؤية وعمل، هو نور يملأ القلب ويهدي الفكر ويشرح الصدر.
كل نعمة تلمسونها، كل ابتسامة تزرعونها، كل دقيقة تعيشونها، يمكن أن تكون سببا في قربكم من الله، إذا ربطتموها بالشكر الحقيقي"
ابتسم للحضور، ونظر إلى صديقيه، ثم أعاد البصر نحو الحاضرين، وكأن كل كلمة يخرجها تسجل في أعماقهم:
"الحياة قصيرة، والعمر ظل زائل، فلا تثقلوا القلوب بالضغائن ولا تكدروها بالبغضاء.
ليكن بينكم العفو الذي يطهر القلوب، والحب الذي يعلي المقام عند الله.
من جبر قلب عبد جبر الله قلبه، ومن أحسن إلى الناس كان الله به أرحم و إليه أقرب"
رفع صوته قليلا في خاتمة كلامه، وكأن الحديقة كلها توقفت لتستمع:
"وفي هذا اليوم المبارك، أذكر نفسي وإياكم بأن أعظم ما يمكن أن نحمله في حياتنا، هو الحمد لله، في كل حال، وفي كل أمر، وفي كل وقت.
فالحمد في الرضا والابتلاء، في الغنى والفقر، في الصحة والمرض، في كل نعمة وهبنا الله إياها.
كما قال الله تعالى:
{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} [الزمر: 74]"
صمت المكان للحظة طويلة، ثم بدأ الحضور يصفقون ببطء، ليس فرحا عاديا، بل تقديرا لما سمعوه، واعترافا بأن الدرس قد لمس القلوب قبل الآذان، وأن كلمات روانس أصبحت جزءا من لحظة ستظل عالقة في الذاكرة.
ارتجف الهواء حول الأشجار كما لو أنه يستحضر صدى الكلام، وابتسم روانس لعائلته، وللرجال حوله، وهم يرفعون أكفهم دعاء صامتا، وقد أدرك أن كلماته قد وصل صداها إلى القلوب، وأن الحمد أصبح طريقا لهم جميعا، طريقا يشع في الظلام، ويضيء حياة كل من سار على ضوئه.
رفع بصره إلى الحضور جميعا، وقد ارتسم على وجهه ابتسامة دافئة:
"وأخيرا، أيها الإخوة الأحبة، أود أن أعبر لكم عن امتناني العميق لمجيئكم اليوم ومشاركتكم لنا فرحة هذا اليوم المبارك، يوم زفافي.
حضوركم هنا ليس مجرد تكريم لنا، بل هو دعامة لنا، وسند يربط قلوبنا بالمودة والمحبة، ويجعل هذه اللحظة خالدة في ذاكرتي وقلبي.
فلكم مني جزيل الشكر، وبارك الله فيكم، وجعل حضوركم هذه الليلة سببا لزيادة البركة والسكينة في حياتنا"
ابتسم الجميع، وصفقوا ببطء، ليس فقط احتراما لكلماته، بل اعترافا بصدق شعوره ووفائه، وكأن الزفاف أصبح لحظة تلاحم، اجتماع قلوب على الحب والفرح، وحمد الله على نعمه التي جمعتهم في هذا المساء المضيء.
روانس قد غمره شعور بالطمأنينة والفرح، وهو يرى كيف أن كلماته حولت الحديقة الخلفية لمنصة روحانية، ممزوجة بالفرح والسكينة، شاكرا الله على نعمه التي لا تعد ولا
................
انتهى الزفاف، وها هي ميساء تنزل معه من السيارة التي توقفت أمام منزل من طابق واحد، صمم بأسلوب عصري أنيق، تزينه نوافذ واسعة تسمح لضوء النهار بالدخول بسخاء، وجدران بواجهات بسيطة ناعمة اللون، تضفي إحساسا بالراحة والسكينة.
اقترب روانس منها برفق، يمسك يدها بحنان، فيما تنظر ميساء حولها، مبهورة بما جمع بين الحداثة والصفاء في تصميم المنزل.
كانت حديقة صغيرة أمام المدخل مزروعة بأزهار تتناغم ألوانها مع الطلاء الخارجي، وأخذ نسيم المساء يلطف الجو، يحمل معه رائحة الورود والهواء النقي.
تقدما معا بخطوات هادئة نحو الباب الرئيسي، دخلت ميساء المنزل، تلتفت لتتأمل الديكور الداخلي؛ الألوان الدافئة، والإضاءة الناعمة، والأثاث البسيط والأنيق، كل ذلك يعكس ذوقا رصينا، ويبعث شعورا بالاستقرار والسكينة.
اقترب روانس منها بعد دخول المنزل، وهو يحمل بين يديه علبة صغيرة أنيقة. فتحها ببطء أمامها ليكشف عن مصحف كريم وسجادة صلاة باللون الأزرق، مطبوع عليه للمصحف كلمة الله، تعبيرا عن تقديره لجهودها في ختم القرآن الكريم بمناسبة زفافها.
ابتسم لها بنظرة دافئة يقبل جبينها، وقال بصوت مليء بالحب والحنان:
"هذه هدية بسيطة، يا نور قلبي، لتذكرك دائما بأن طريقك إلى الله هو سر سعادتي، وأن كل لحظة تقضينها في ذكره تزيد قلبي حبا وإعجابا بك"
أمسكت ميساء الهدية، وأحست بدفء الكلمات يتغلغل في قلبها، وارتسمت على وجهها ابتسامة خجولة، وهي تشعر بمزيج من السعادة والفرح والامتنان، فيما نظر روانس حول المنزل العصري الذي دخلته لتوه، وأكدت له عيناها أن كل شيء هنا سيكون بداية رحلة مشتركة مليئة بالحب، الطمأنينة، والإيمان، وهما وحدهما يخطوان أولى خطوات حياتهما الجديدة.
بعد عدة لحظات من الصمت توجه بها إلى الغرفة التي لم تقل جمالا عن المنزل.
كانت بتصميم جميل.. بلون جدار فاتح يتناغم مع لون الأفرشة مع طاولتين جانبيتيتن عليهما فازاتنان من الفخار باللون الأبيض المخطط بالذهبي.
تقدمت ببطأ تنزع البرنوس الذي كان على رأسها ثم جلست على طرف السرير تنظر له ببعض التوتر
تشير له بالجلوس.
تقدم يجلس بجانبها يأخذ يدها بين كفه تلبية لطلبها.
ظلت تتردد نظراتها بينه وبين الأرض.
لم تلبث أن خفضت رأسها إلى الأرض، وصوتها يرتجف بخفة وهي تقول:
"روانس، أريد أن أبدأ حياتي بداية جديدة، وهذه البداية لن تكتمل إلا عندما أبوح لك بما عشته قبل سنتين"
.
.
.
.
.
.
.
.
ستوب ستوب ستوب........
كيف الفصل مليئ بالمشاعر أليس كذلك 🙂🙂
إنه الزفاف يا سادة أسمعوني زغاريد العرس 😂
شكلي تحمست.
يلا معلش... خبروني شو رأيكم فالفصل.
الأحداث
أترككم مع الصور.....
لا تنسوا الدعاء لأهلنا في غزة و
"أروي الرواية لأوقظ فيك اليقين"
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
djeziri hadjira